أخبار عاجلة

*ميس الجبل ، حين تمشي الذاكرة على حدود الوطن

📄 *أيام بلون الورد ..*

 

*ميس الجبل ، حين تمشي الذاكرة على حدود الوطن*

 

✒️📷 *جواد | الواقع برس*

 

كان صباح السادس والعشرين من كانون الثاني ٢٠٢٥ مختلفًا ، خرجنا من النبطية ونحن نحمل قرارًا أثقل من الطريق : أن نذهب ، مهما كانت النتيجة ، سبق ذلك اتفاقي قبل ليلة مع أحد أبناء ميس الجبل ، قالها ببساطة تشبه أهل الأرض : بكرا طالعين ، لاقينا الصبح حد القهوة لناخدك .

 

شقّت السيارة الطرقات حتى جسر قاقعية الجسر ، كانت السيارات تنتظر بعضها ، وبعضها تمر مسرعة ، كأنها تتنفس معًا قبل الدخول إلى وادي الحجير ، الوادي الذي ما زالت القرى في آخره تحت بندقية الإحتلال ، وعبرناه للمرة الأولى بعد انقطاع طويل ، كنا قبل ذلك قد عبرناه مرتين فقط أيام الإسناد ، أما اليوم فكان مختلفًا ، كان العبور جميلًا على غير العادة ، لا أنكر عدم وجود رهبة ، لكنها لم تكن كافية لتوقفنا ، مضينا مع الطيور ، مع الأشجار التي تعرفنا ، حتى وصلت السيارة إلى بلدة شقراء ، ركنّاها جانبًا ونزلنا حيث يتجمع الأهالي ، وجوههم مشدودة نحو بلدتهم ، وقلوبهم سبقتهم إلى ميس الجبل .

 

الطريق كان مقطوعًا بالأسلاك الشائكة ، الجيش اللبناني يمنع العبور ، صراخ ، نقاشات حادة ، لحظات من التوتر ، ثم اتخذ الأهالي قرارهم : سنكمل سيرًا على الأقدام .

 

نزلنا من شقراء نحو وادي السلوقي ، منحدر حاد يفرض عليك أن تُبطئ ، لكن الحماسة كانت تدفعنا للإسراع ، خطر في بالي سؤال شاهدته طفلًا على شاشة التلفاز : هل سأعيش شيئًا يشبه عام 2000 ؟؟؟

 

عبرنا ساتر قلعة دوبيه ، حيث كان العدو متواجدًا حتى فجر ذلك اليوم ، لاحقًا فقط انتبهت إلى أننا لم نفكر بالألغام ، بما قد يكون كامنًا في التراب ، حسنا لا مشكلة ، لقد عبرنا بسلام ، ثم بدأت مشقة الصعود ، الأهالي توزعوا بين سابق ولاحق ، على طول الطريق المؤدية إلى أول حي المفيلحة ، عند مسجد الإمام الهادي (ع) .

 

هناك توقّف كل شيء ، لم يعد ممكنًا التقدم ، أُبلغنا بوجود دبابة ميركافا في آخر الحي ، وتسعة جرحى سقطوا ممن تقدمونا بأمتار ، وأُشير إلينا بمكان تمركز قناصي العدو على سطح منزل يسيطر بالرؤية والنار على طريق المفيلحة ، ويمنع الوصول إلى بركة البلدة .

 

تجمع الأهالي صفًا واحدًا ، مطلبهم بسيط ، موجع ، وواضح : نريد الدخول إلى بيوتنا . لم يعد الجيش قادرًا على منعهم ، فتقدم المسيرة ضابط وعدة عناصر ، وصلنا إلى منتصف الحي وانهمر الرصاص ، رصاص ترهيب ، ثم رصاص قتل ، تفرّق الحشد ، أُطلقت النار مباشرة على النقيب ، نجا بعناية الله بعدما اخترقت الرصاصة بنطاله وأحرقت ساقه حرقًا بسيطً ، فعدنا أدراجنا ، وتيقنّا أن العدو كان مصممًا بالنار على منع أي دخول .

 

تفرقنا مجموعات ، قرب المسجد ، أمام مقر اليونيفيل ، وعلى مقربة مستورة من تمركز العدو ، وحانت الصلاة ، صليت هناك للمرة الأولى في عراء ميس الجبل ، ولا أستطيع ، مهما حاولت أن أشرح شعور تلك الصلاة .

 

بعدها بدأت المحاولات الفردية للتقدم نحو البلدة ، وكان الثمن فادحًا ، ثلاثة شهداء ، شابان من خارج البلدة ، ونور فرج أمامنا بأمتار ، أيقونة ميس الجبل ، والقائدة في كشافة الإمام المهدي (عج) ، الإصابات كانت مباشرة بقصد القتل لا الترهيب ، سقطت نور أرضًا ، سحبها الشبان وأوضعوها على دراجة نارية نحو الإسعاف قرب المسجد ، لكنها لم تمكث طويلًا ، رحلت ، رافضة العودة إلى الضاحية وبلدتها أسيرة ، اختارت أن تبقى في ميس الجبل روحًا حرّة ، تهيم بين أحيائها ، تبحث عن الفتيان الذين حملوا البنادق ، ورقدوا تحت الأنقاض بانتظار من ينتشلهم .

 

ساد صمت ثقيل ، نسوة يبكين قرب المسجد ، وأنا مع شابين توجهنا بحذر نحو مكان الاستشهاد ، أُطلق الرصاص فورًا ، احتمينا بسيارة متوقفة ، رهبةوتحدي ، لكن العقل قال كلمته : التراجع بهدوء ، أنقذنا الله من موت كان على بعد رصاصة واحدة .

 

عدنا إلى المسجد ، جلسنا هناك ، الشمس بدأت تودعنا ، تلقي بظلالها الأخيرة على المكان ، وانسحبنا عائدين ، في قلوبنا نقمة وغضب وحزن ثقيل ، ونحن عائدون علمنا أن ما جرى في ميس الجبل جرى أيضًا في مركبا والعديسة ومارون الراس وكفركلا ، شهداء وجرحى وأسرى وناجون ، يومٌ كُتب بأسمائهم ، بحروف من نور ودم ونار .

 

وفي الذاكرة ، تقدمت دبابة ميركافا نحو الحي ، صعدت على سيارة أحد المواطنين وسوّتها أرضًا ، تقدمت جرافة وأقامت ساترًا جديدًا قرب مركز اليونيفيل ، وبدأت عمليات هدم وتفجير انتقامية ، وحوصِر أحد رجال الدين في منزله ، دخله في اللحظة ذاتها التي دخلت فيها الدبابة ، وسلّمه الله من الأسر بمعجزة .

 

تلك كانت قصتي ، روايتي لليوم الأول من محاولات التحرير الشعبية لبلدة ميس الجبل ، بعد القصة صورة عامة لمكان الحصار مع صور عامة ، ومقاطع فيديو تروي لكم بالصوت والصورة ما قرأتوه بأعينكم .

شاهد أيضاً

من وادي الحجير ، مرورًا بتجمع بلدة بشقراء موقع الواقع برس ا

*موقع الواقع برس الإعلامي*   من وادي الحجير ، مرورًا بتجمع بلدة بشقراء ، نزولًا …