في السياسة قد تختلف الآراء، وقد تتباين المواقف والقراءات، لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى الوقائع قبل إطلاق الأحكام. وعند الحديث عن العلاقة بين إيران ولبنان، وعن الدور الذي لعبته الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية، نجد أنفسنا أمام سلسلة طويلة من المحطات التي دفعت شريحة واسعة من اللبنانيين إلى التعبير عن الامتنان والشكر لإيران، انطلاقاً من قناعة بأن هذا الدعم لم يكن عابراً أو ظرفياً، بل كان جزءاً من مسار سياسي واستراتيجي امتد لعقود.
*دعم المقاومة وصناعة معادلة الردع*
منذ الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للبنان، برزت الحاجة إلى قوة قادرة على مواجهة الاحتلال ومنع تمدده داخل الأراضي اللبنانية. وفي هذا السياق، يعتبر مؤيدو إيران أن الجمهورية الإسلامية لعبت دوراً أساسياً في دعم المقاومة عبر التدريب والتسليح والإسناد اللوجستي والسياسي.
ويرى هؤلاء أن الإنجاز التاريخي المتمثل بتحرير معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000 لم يكن ليتحقق بالسهولة نفسها لولا هذا الدعم المستمر، الذي ساهم في تحويل المقاومة من مجموعات محدودة الإمكانات إلى قوة قادرة على فرض معادلات جديدة في المنطقة.
كما يعتبرون أن حرب تموز 2006 شكلت محطة مفصلية أثبتت فيها المقاومة قدرتها على الصمود في مواجهة آلة عسكرية ضخمة، وأن الدعم الإيراني كان أحد العوامل الرئيسية التي ساعدت على تثبيت هذه المعادلة.
*مواجهة الإرهاب والتطرف*
لم يقتصر الدور الإيراني على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، بل امتد إلى مواجهة التنظيمات المتشددة التي اجتاحت أجزاء واسعة من العراق وسوريا، وهددت لبنان بشكل مباشر.
فمع صعود تنظيم داعش والتنظيمات التكفيرية، شهدت المنطقة مرحلة خطيرة كان من الممكن أن تؤدي إلى انهيارات أمنية واسعة وتغييرات جذرية في هوية المنطقة السياسية والاجتماعية.
ومن وجهة نظر مؤيدي إيران، فإن الدعم الذي قدمته طهران للقوى التي قاتلت هذه التنظيمات ساهم في الحد من انتشارها ومنع وصولها إلى مناطق أوسع، ما انعكس بشكل مباشر على أمن لبنان واستقراره.
*فلسطين كقضية مركزية*
في الوقت الذي شهدت فيه القضية الفلسطينية تراجعاً في أولويات العديد من الأنظمة العربية، حافظت إيران على خطاب سياسي يضع فلسطين في صدارة الاهتمام.
وبالنسبة لكثيرين، فإن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في التصريحات السياسية، بل في الاستمرار بالدعم رغم الضغوط والعقوبات والتحديات الدولية.
ويرى هؤلاء أن إيران كانت من الدول القليلة التي أبقت القضية الفلسطينية حاضرة في المحافل الدولية والإقليمية، ورفضت التعامل معها كملف ثانوي أو ورقة تفاوضية قابلة للمساومة.
*الدعم الإنساني وإعادة الإعمار*
لم تقتصر العلاقة بين إيران ولبنان على الجانب العسكري والسياسي فقط، بل شملت أيضاً جوانب إنسانية واقتصادية متعددة.
فبعد حرب تموز 2006، ساهمت إيران في عمليات إعادة الإعمار في العديد من المناطق المتضررة، وقدمت مساعدات مالية وإنسانية ساعدت آلاف العائلات على تجاوز آثار الحرب.
كما طرحت طهران على مدى سنوات مشاريع متعددة في مجالات الطاقة والكهرباء والصحة والبنى التحتية، معتبرة أن التعاون الاقتصادي يشكل جزءاً أساسياً من دعم لبنان وتعزيز صموده.
وخلال الأزمات الاقتصادية والحروب والنزوح الداخلي، حضرت المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية لتشكل عاملاً مساعداً في تخفيف الأعباء عن شرائح واسعة من المواطنين.
*البعد التاريخي للعلاقة مع لبنان*
عند الحديث عن العلاقة بين إيران ولبنان، لا يمكن تجاهل البعد التاريخي والثقافي الذي يسبق العديد من الأحداث السياسية المعاصرة.
فالكثيرون يربطون بين هذه العلاقة وبين الدور الذي لعبه الإمام السيد موسى الصدر في لبنان منذ ستينيات القرن الماضي، وما تركه من أثر على المستوى الوطني والاجتماعي والفكري.
كما يشير مؤيدو إيران إلى أن الدعم الذي قدمته للبنان لم يكن مرتبطاً بمرحلة زمنية محددة، بل استمر عبر عقود طويلة شملت مراحل الحرب والسلم والإعمار والأزمات الاقتصادية.
*لبنان على طاولة المفاوضات*
من النقاط التي يعتبرها مؤيدو إيران ذات أهمية خاصة، أن طهران لم تتعامل مع لبنان كملف هامشي في حساباتها الإقليمية، بل سعت ــ بحسب رؤيتهم ــ إلى إبقاء القضايا اللبنانية حاضرة في مختلف المحطات السياسية والتفاوضية.
ويعتبر هؤلاء أن مجرد حضور لبنان في النقاشات الإقليمية الكبرى يعكس أهمية الموقع الذي يحتله في حسابات الحلفاء، ويمنحه وزناً سياسياً يتجاوز حجمه الجغرافي والديموغرافي.
قد يختلف اللبنانيون والعرب حول تقييم الدور الإيراني في المنطقة، وقد تتباين القراءات السياسية تبعاً للانتماءات والمواقف، لكن بالنسبة لشريحة واسعة من الناس، فإن الشكر لإيران لا ينبع من شعارات أو عواطف عابرة، بل من قراءة لمسار طويل من الدعم والمساندة في محطات يعتبرونها مصيرية في تاريخ لبنان وفلسطين والمنطقة.
ومن هنا، يقول هؤلاء بكل وضوح: شكراً إيران… لأن الوفاء يقتضي الاعتراف بمن وقف إلى جانبنا في زمن الشدائد، ولأن التاريخ لا يكتبه من راقب الأحداث من بعيد، بل يكتبه من كان حاضراً في الميدان عندما كانت الأوطان تحتاج إلى الأصدقاء.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية