*من اتفاق الإطار إلى اختبار الميدان*
في نيسان 2026، دخل لبنان وإسرائيل مسار مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، انتهى بتوقيع ما سُمّي بـ«اتفاق الإطار» في 26 حزيران، واضعاً عناوين أساسية تتصل بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الجنوب، ونزع سلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها قوات الاحتلال.
لكنّ الاتفاق لم يحسم التفاصيل التنفيذية، بل تركها رهناً بالمفاوضات اللاحقة، في ظل تباين واضح حول الأولويات الأمنية وشروط الانسحاب وآليات التحقق من تنفيذ التفاهمات.
*المناطق التجريبية.. زوطر الغربية في واجهة المشهد*
بدلاً من الانسحاب الشامل، طُرح اعتماد مناطق تجريبية لاختبار آليات التنفيذ قبل الانتقال إلى مناطق أخرى. ووفق المعطيات الواردة في هذا السياق، شملت التجربة زوطر الغربية، إلى جانب فرون والغندورية وصريفا.
ومع انتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربية عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من أطرافها، تحوّلت البلدة إلى نموذج يُستند إليه في تقييم مسار التفاوض، وسط تساؤلات حول مدى انعكاس الخطوات الميدانية على واقع الأهالي، وإمكانية استكمال الانسحاب من بقية المناطق.
فالمعيار الأساسي لنجاح أي تجربة لا يقتصر على انتشار الجيش أو رفع العلم اللبناني، بل يرتبط بإنهاء الاحتلال، وضمان عودة الأهالي، ووقف الاعتداءات، ومنع تكريس وقائع عسكرية جديدة على الأرض.
*تامبا.. انتقال المفاوضات إلى التفاصيل الأمنية*
في 20 تشرين الأول، استؤنفت المفاوضات في تامبا بولاية فلوريدا، بمشاركة وفود عسكرية وبرعاية أميركية، في خطوة تعكس انتقال البحث نحو آليات التطبيق الميداني والتفاهمات الأمنية.
وتتجاوز أهمية هذه الجولة مكان انعقادها، لتصل إلى طبيعة الملفات المطروحة، ولا سيما العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، والجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ الترتيبات المتفق عليها.
*عقدة التحقق.. خلاف يتجاوز التفاصيل التقنية*
يتمحور أحد أبرز أوجه الخلاف حول آلية مراقبة التنفيذ والجهة المخوّلة التحقق من الالتزامات الميدانية. وفي هذا السياق، يبرز التباين بين الطرح الإسرائيلي الداعي إلى ترتيبات أمنية مباشرة، والموقف اللبناني الذي يشدد على وقف الاعتداءات والانسحاب، مع رفض تحويل الترتيبات إلى مسار يتجاوز الأطر التي يقبل بها لبنان.
كما يبقى ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله نقطة خلاف أساسية، في مقابل المطالبة اللبنانية بوقف التصعيد وعمليات جرف المنازل، وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.
وبذلك، لا يدور التفاوض حول آليات الانتشار وحدها، بل حول طبيعة المعادلة الأمنية التي ستُطبّق في الجنوب، وحدود الالتزامات المطلوبة من كل طرف، والضمانات التي تحول دون استمرار الاعتداءات بعد أي تفاهم.
*اليونيفيل.. أسئلة ما بعد نهاية المهمة*
يتزامن هذا المسار مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، التي أُنشئت عام 1978. وكان مجلس الأمن قد قرر، بموجب القرار 2790 الصادر في آب 2025، تمديد ولايتها للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ خفض قوامها وانسحابها بصورة منظمة وآمنة اعتباراً من ذلك التاريخ، وخلال عام واحد.
ويعيد هذا التطور طرح مسألة الرقابة الدولية على الوضع الميداني في الجنوب، والجهة التي ستتولى الأدوار المرتبطة بالمراقبة والتنسيق بعد انتهاء المهمة.
وفي ظل استمرار الخلافات الأمنية والميدانية، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية، إذ يرتبط مستقبل الحضور الدولي بقدرة الأطراف المعنية على ضمان تنفيذ الالتزامات، والحد من التصعيد، ومنع اتساع فجوة انعدام الثقة.
*التوقيت السياسي.. هل تفتح المفاوضات باب التسوية؟*
تأتي جولة تامبا في مرحلة حساسة، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع التطورات العسكرية والضغوط الدولية. وفي ظل استمرار التباعد حول الانسحاب وسلاح حزب الله وآليات التحقق، تبقى نتائج المفاوضات مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تفاهمات قابلة للتطبيق على الأرض.
وقد تفضي الجولة إلى خطوات تقنية إضافية تُبقي مسار التفاوض مفتوحاً، من دون أن تعني بالضرورة التوصل إلى تسوية شاملة، ما لم تُحسم القضايا الأساسية المرتبطة بالانسحاب ووقف الاعتداءات والضمانات الأمنية.
*الاختبار الحقيقي في النتائج الميدانية*
من زوطر الغربية إلى طاولة تامبا، يتقدم المشهد الجنوبي على وقع مفاوضات تحاول معالجة ملفات شديدة التعقيد، فيما يبقى الفارق قائماً بين التفاهمات السياسية وما يتحقق فعلياً على الأرض.
فالنتيجة لا تُقاس بالاجتماعات أو التصريحات وحدها، بل بمدى ترجمتها إلى انسحاب إسرائيلي فعلي، ووقف الاعتداءات، وعودة الأهالي إلى قراهم، وضمانات واضحة تمنع استمرار التصعيد.
وفي انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، يبقى جنوب لبنان أمام اختبار مفتوح: هل تتحول الترتيبات المطروحة إلى خطوات عملية تنهي الاحتلال وتكرّس الاستقرار، أم يستمر التفاوض ضمن معادلة أمنية تبقي أبرز الملفات عالقة؟
*الواقع برس | رصد ومتابعة وتحليل*

الواقع برس اخبار محلية وعالمية
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.