📄 الأحد في قرى الجنوب ، حكاية أيام ننتظر عودتها
✒️ جواد | موقع الواقع برس الإعلامي
الصورة المرفقة : لمَّة العائلات في وادي الحجير والسلوقي كما كانت يوم الأحد
قبل العدوان والإحتلال ، كان صباح الأحد في قرى الجنوب يختصر معنى الحياة بكل دفئها وبساطتها ، اليوم آخذكم بالذاكرة إلى أيامٍ خلَت منذ عام ٢٠٢٣ ، وننتظر عودتها .
منذ ساعات الصباح الأولى ، كان هناك من يسبق الجميع إلى اللحّام ليحصل على حصته من السودة الطازجة ، الملحمة في الصباح كانت مركزية تلاقي ، وعلى المقلب الآخر كان الفوّال يستعد ليوم مختلف ، فيزيد كمية الفول والحمّص ، لأن ترويقة الأحد لها زبائنها وطقوسها الخاصة جدا ، وأنّ الموائد في هذا اليوم تجمع الأهل والأصدقاء والبيارتة (أهالي القرية من سكان بيروت بلغة القرية) ، وتمنح الصباح نكهة لا تشبه سائر الأيام .
مع تقدّم النهار ، كانت البيوت تقوم على حركة العائلات ، وتفوح منها روائح الطعام المحضّر من النساء بمحبة ومن أشهرها التبولة والكبة النية والمقالي والفتوش وأنواع المتبلات والمشاوي ، فيما يتولى الرجال الزيارات بين الأقارب والجيران ، لم تكن الزيارة تحتاج إلى موعد ، ولم تكن الأبواب مغلقة ، وفنجان القهوة عنوانا دائمت وثابتًا للترحيب والكرم .
عند الظهيرة ، تلتقي العائلة حول مائدة الغداء ، بعضهم من فضّل البقاء في البيوت وداراتها الواسعة ، وبعضهم من فضّل النزول إلى وادي الحجير أو السلوقي وضفاف أنهار الليطاني ، ويتبادل الجميع الأحاديث والأخبار والأرغيلة ورائحتها الأنيس الجميل ..
فترة العصر ، يملأ الأطفال الساحات والأزقة بضحكاتهم وألعابهم ، وكان للشباب عالمهم أيضًا ، مباريات كرة القدم في ملاعب القرية أو لعبة كرة الطائرة وبعضهم التنس والباسكت ، وكانت لقاءات أمام الدكاكين وفي المقاهي البسيطة والصغيرة الغير متكلفة ، وأحاديث لا تنتهي عن الحياة وأحلام المستقبل .
أما كبار السن ، فكانت لهم حكاياتهم التي لا يملّ منها أحد ، عن مواسم التبغ والزيتون وعن الأرض التي ورثوها عن الآباء والأجداد ، وعن أيام الحصاد وتعب الفلاحين في غابر الأيام، وعن المغتربين الذين ينتظرون العودة إلى بيوتهم ، وكانت الحاكورة وبساتين الزيتون والكروم جزءًا من يومهم ، وشاهدًا على ارتباط الجنوبي بأرضه ، مهما اشتدّ تعبه ، وكانت جلسات القهوة النسائية التي تجمع الجيران وتمتدّ الأحاديث من شؤون القرية إلى ذكريات الماضي وأخبار الأحبة ، قبل ثلاث سنوات لم تكن السعادة تحتاج إلى كثير من المال ، بل إلى بيت عامر ، ووجوه محبّبة ، ووقت يتّسع للجميع .
وحين يبدأ المساء بالهبوط على قرى جبل عامل ، كانت العائلات تعود إلى منازلها والبيارتة إلى أماكن الإنتشار في بيروت والضاحية ، حاملين معهم تفاصيل يوم عادي في ظاهره ، لكنه كان غنيًا بما يصنعه من ألفة وطمأنينة وإنتماء ، كان الأحد موعدًا للراحة ، وللّمة العيلة كما يقال بالجنوبي ، وللحياة التي تسير بإيقاعها الطبيعي بين البيوت والحقول والساحات .
ثم جاءت أيام العدوان والإحتلال ، فتغيّرت ملامح الأمكنة ، وغابت وجوه عن موائدها ، وأُغلقت أبواب كانت مفتوحة دائمًا ، واشتاق الناس إلى تفاصيل ظنّوا يومًا أنّها ستبقى من المسلّمات ، صار الحنين إلى ترويقة الفول والحمّص ، وإلى رائحة السودة الطازجة ، وإلى فنجان القهوة في بيت الجار أكبر من مجرّد إستعادة ذكرى ، صار حنينًا إلى الأمان ، وإلى حقّ الإنسان في أن يعيش في قريته حياة طبيعية وكريمة .
الجنوب ، الذي حمل ذاكرة أجيال تشبّثت بأرضها وبيوتها ، ما زال يحمل الأمل في عودة تلك الأيام ، أملٌ بأن تُفتح الأبواب من جديد ، وأن تعود الأسواق إلى حركتها ، وأن يستعيد الفوّال زبائنه ، وأن يقف الناس صباح الأحد أمام اللحّام ، وأن تمتلئ الساحات بالأطفال ، وتعود الموائد عامرة بأهلها وأحبّتها ، نحن لا نشتاق إلى الماضي لأنّه مضى فحسب ، بل لأنّ فيه حياة نريدها أن تعود ، نريد جنوبًا آمنًا بأهله ، عامرًا بقراه ، تعود فيه ضحكات الأطفال أعلى من أصوات الخوف ، وتعود فيه أيام الأحد موعدًا للّقاء والفرح، لا للإنتظار والقلق ، سيبقى الجنوب حكاية أرض وأهل وذاكرة ، وسيبقى الأمل أن يأتي يومُ أحد جديد ، نعيش فيه كما كنّا نحبّ أن نعيش ، بسلام وكرامة وطمأنينة .
الواقع برس اخبار محلية وعالمية