📄 إنه الجنوب ، المكان الذي تركنا فيه شيئا من أرواحنا .
✒️ جواد | موقع الواقع برس الإعلامي
📷 الصورة في بلدة كفركلا
أختار اليوم مقالتي بشيء من الحنين ، وأسمح لنفسي بأن أكون صوت النازحين قسرًا من جبل عامل ، أتكلم عنهم وبلسان حالهم .
لسان حال الجنوبيين يقول أن هناك أشياء لن تعوّضها المدن التي استضافتنا ، مهما إتسعت الشوارع التي لجأنا إليها ، ومهما كانت البيوت التي استضافتنا آمنة ، ومهما حاولنا التأقلم مع تفاصيل الحياة بعيدا عن قرانا ، يبقى في القلب مكان لا تستطيع أي مدينة أن تملأه ، ولا يستطيع أي بيت أن يشبهه .
هناك شيء في الجنوب أو جبل عامل لا يشبه شيئاً آخر ، هناك صباحات القرية حين تفتح النافذة فتدخل رائحة التراب والهواء القادم عبر الحجير والسلوقي أو من ناحية سهول فلسطين وقرانا السبع المنسية ، وهناك صوت الديك وهدير جرّار زراعي يشق طريقه بين الأحياء الضيقة نحو الحقول ، وصوت جار ينادي جاره كأن المسافة بين البيوت لا تتجاوز عتبة الباب .
هناك قهوة الصباح أمام عتبات المنزل وفي الدار والشرفات ، وفي المقاهي الصغيرة والبسيطة والغير متكلفة بالحداثة والتصنع الإنكليزي اللغوي المنتشرة على مسارب القرى وساحاتها وملتقى متفرعاتها ، المزينة غالبا بصور القادة السياسيين والجهاديين والشهداء ، وهناك أحاديث الجيران التي لا تحتاج إلى مناسبة ، وأطفال الحي الذين يكبرون أمام أعيننا ، والصبايا الخجولات والمرتبات اللواتي بتن على أبواب الزواج ، وأبواب البيوت التي تبقى مفتوحة لأن الجميع يعرف الجميع .
نشتاق إلى دكانة الحي ، إلى فرن الضيعة ورائحة الزعتر والمشاطيح ، إلى شجرة الزيتون وشتلات التبغ التي اعتدنا المرور بجانبها ، إلى التينة التي كنا نقطف منها بالسرقة أحيانا والمَونة حينًا آخر ، إلى رائحة الحطب في ليالي الشتاء ، وإلى صوت المطر المتناغم مع زيز الليل وعواء الثعالب والضباع ناحية الوادي ونطاق الأطراف .
نشتاق إلى أشياء ربما لم نكن نلتفت إليها أصلا لأننا فيها ، إلى مشوار قصير نحو النهر في الوادي ، إلى سهرة عفوية تركب بلا مواعيد وخطة ، إلى وجوه نلتقيها كل يوم فنلقي عليه السلام من دون أن نعرف أن يوما سيأتي ونشتاق حتى إلى سماع صوتهم ، نشتاق إلى الشهداء الذين كانوا بيننا .
نشتاق إلى كبار السن وقعداتهم قرب المسجد ، كانت وجوههم جزء من تاريخ هذا الجبل الأشَّم ، وإلى الأحبة الذين لم تعد تجمعنا بهم تلك الطرقات ، فقد جرفها العدو بعدوانه اللامتناسب مع طبيعة المواجهة .
في المدن التي استضافتنا وجدنا سقوفًا تحمينا ، وشوارع نمشي فيها ، وأماكن نقضي فيها أيامنا ، لكننا لم نجد تلك الألفة التي تصنعها عشرات السنين ، ولا تلك الطمأنينة التي يمنحها المكان حين تكون كل زاوية فيه شاهدة على حكاية من حكاياتنا ، نحن لا نقلّل من كرم المدن وأهلها ، ولا ننسى من فتح لنا بيته وقلبه ، لكن للإنسان جذور لا تنتقل مع حقائبه ، وذاكرة لا تغادر المكان الذي كبرت فيه .
نحن العامليون نشتاق إلى الجنوب بكل ما فيه ، حتى إلى التفاصيل التي كنا نتذمّر منها ، وإلى الأيام العادية التي لم نكن نعرف أنها ستصبح يوما أغلى أمنياتنا ، فليس أصعب من أن تعيش في مكان آمن نسبيا ، بينما قلبك ما زال يجلس على أطراف القرى ، ينتظر عودتك ، إنه الجنوب ، المكان الذي تركنا فيه شيئا من أرواحنا .
الواقع برس اخبار محلية وعالمية