أخبار عاجلة

من تداعيات أحداث 7 أكتوبر: انهيار مفهوم أن “اليمين قويّ في الأمن” وأن “الاستعداء والتحريض لا يمسّان بالأمن”!

سليم سلامة

 في هذه المقالة (الخامسة في هذه السلسلة) نواصل عرض المفاهيم المركزية الأبرز التي شكلت قاعدة الرؤية الأمنية ـ السياسية الإسرائيلية التي تُجمع قطاعات واسعة جداً في المجتمع الإسرائيلي على حقيقة أنها مُنيت بالفشل الذريع، بل بالانهيار التام، ويوماً بعد يوم تتسع وتتعالى دائرة الأصوات الداعية إلى إعادة النظر فيها، بعد الاجتهاد بداية في تحديدها بصورة عينية ودقيقة، انطلاقاً من القناعة بأن تحديد تلك المفاهيم هو الخطوة الأولى التي لا مناص منها في مسيرة إعادة ترميم ما ينبغي ترميمه في العقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية، ثم في إعادة هيكلة الأجهزة، المنظومات والأذرع المكلفة بتطبيق هذه العقيدة في المستقبل.

هذا العرض، الذي توقف في الحلقة الأخيرة (3 كانون الأول الجاري) عند مفهوم “الجيش كافٍ لكلّ المهمّات”!، مبنيٌّ على الرصد والتوثيق اللذين يقدمهما مشروع مشترك أطلقته مؤخراً “مؤسسة بيرل كتسنلسون”، التي يقول شعارها المركزي: “نبني أسساً طويلة الأمد لمعسكر المساواة في إسرائيل”، و”مركز مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل”، تحت عنوان “انهيار المفاهيم ـ الطريق إلى إخفاق 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023”. وقد رسم هذا المشروع خارطة تفصيلية بالمفاهيم التي انهارت، فقادت بنفسها وبانهيارها إلى الإخفاق، وحدّد ضمنها 11 مفهوماً مركزياً. وكنا قد عرضنا في الحلقات السابقة لخمسة من هذه المفاهيم المركزية ونعرض، في هذه الحلقة، لمفهومين مركزيين إضافيين هما السادس والسابع في “وثيقة المفاهيم” هذه، تحت العنوانين التاليين: المفهوم السادس ـ اليمين قويّ في الأمن؛ المفهوم السابع ـ الاستعداء والتحريض لا يمسّان الأمن.

“حضيض أمنيّ غير مسبوق”

منذ سنوات عديدة، نسبياً، تتردد في إسرائيل مقولة أن اليمين، بأحزابه وحكوماته وقادته، هو في القضايا الأمنية أقوى، أكثر صلابةً وتشدداً وحزماً من “اليسار” و”الوسط” بأحزابهما وحكوماتهما وقادتهما. وقد أضيفت إلى هذه المقولة لاحقاً مقولة أخرى مكملة لها هي “نتنياهو سيد الأمن”. لكنّ “حكومات اليمين، في الواقع”، كما يجزم معدّو “وثيقة المفاهيم” التي نستعرضها، قد “قادت إسرائيل إلى حضيض أمني غير مسبوق” وأن هذه النتيجة التي آل إليها الوضع الأمني “لم تكن عفوية ولا محض صدفة”، مثلما أن “الفجوة بين التصريحات الطنّانة التي يطلقها قادة اليمين وبين انجازاتهم على أرض الواقع ليست وليدة الصدفة”، بل إن كلتيهما “من بين النتائج الحتمية لأداء اليمين وقياداته والممتد منذ سنوات عديدة ويعتمد، أساساً، على الخطابة “الصارمة” كوسيلة للتغطية على سياسات ضعيفة وخطيرة”.

ويحدد “معدّو الوثيقة” بداية هذا الأداء، الذي يختارون توصيفه بعبارة “بالكلام، اليمين كان قوياً دائماً”، في الانتخابات الإسرائيلية العامة التي جرت في العام 1999، حين اختار حزب الليكود، وبنيامين نتنياهو شخصياً، شعاراً مركزياً لتسويق نفسه بوصفه “قائداً قوياً لشعب قوي”، ثم استُبدل هذا الشعار في انتخابات العام 2006 بشعار آخر يقول إن “نتنياهو قوي في مقابل حماس”، ثم استبدله في انتخابات العام 2009 بشعار آخر تعهد فيه بـ “القضاء على سلطة حماس”. ولم يقتصر الأمر على حزب الليكود، أكبر أحزاب اليمين، وزعيمه نتنياهو، بل ميّز أيضاً جميع الأحزاب اليمينية الأخرى وقادتها: أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” ادعى بأنه “وحده يفهم العربية”، بينما تعهد زعيم حزب “البيت اليهودي” ورئيس الحكومة السابق، نفتالي بينت، بـ “الانتصار على حماس”، ثم جاء رئيس حزب “عوتسما يهوديت”، إيتمار بن غفير، ليعلن أنه هو الذي سيُثبت للجميع “من هو صاحب البيت هنا” وأنه “مقابل كل صاروخ من عندهم، سيتلقى الفلسطينيون 50 صاروخاً من عندنا”.

وعشية الانتخابات الإسرائيلية العامة التي جرت في العام 2015، نشر حزب الليكود في إطار حملته الانتخابية شريطاً يظهر فيه مقاتلون من تنظيم “داعش” يستقلون سيارة “تندر” بيضاء اللون ويلوّحون بأعلام هذا التنظيم، ثم يتوقفون بجانب سائق إسرائيلي ويسألونه، بلكنة عربية: “كيف نصل إلى القدس، يا أخ؟” ويردّ السائق: “اتجهوا يساراً”. ثم يُختتم الشريط بشعار: “اليسار سوف يخنع أمام الإرهاب”، على خلفية سوداء وأصوات قرع طبول الحرب، تليها العبارة التالية: “إمّا نحن وإمّا هُم. فقط الليكود برئاسة نتنياهو”.

بعد ذلك بسبع سنوات، يكتب معدّو الوثيقة، “في عهد الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، وخلال أقل من سنة على تشكيلها، تتحول حملة الليكود الكابوسية إلى واقع، هو الكابوس بعينه”، حين “اقتحمت سيارات التندر البيضاء اللون الأراضي الإسرائيلية يوم 7 تشرين الأول وخلقت الأزمة الأمنية الأكبر والأخطر في تاريخ دولة إسرائيل”.

لكن، في امتحان النتيجة وحصاد 14 سنة متتالية من السيطرة على مقاليد الحكم وما تخللها من تهديدات وتصريحات حربجية نارية، لم يطرح اليمين أي بديل لأي مخرج من حالة الصراع التي تمسك بخناق إسرائيل وتقودها من سيء إلى أسوأ. وفي غياب مثل هذه البدائل المبنية على رؤية سياسية وأمنية متماسكة قادرة على مواجهة الواقع المعقد ومعالجته، فقد “أدمن اليمين”، كما تقول الوثيقة، “المقترحات السخيفة والرمزية التي لا علاقة، البتة، بينها وبين حماية الأمن”.

أما “العقيدة الأمنية” الوحيدة والمثابرة التي عرضها اليمين على مدار سنوات حكمه فهي: توسيع الاستيطان والمستوطنات، بزعم أن “بناء البيوت ورياض الأطفال في قلب مجتمع سكاني معادٍ هو الضمانة الأكيدة لأمن إسرائيل”. وتورد “وثيقة المفاهيم” نماذج كثيرة جداً للتدليل على هذه “العقيدة”، ثم تقول: “لكن، مع مرور السنوات اتضح بشكل جلي أن المستوطنات في المناطق ليست ذخراً أمنياً وإنما هي عبء”، بل إن “الحقيقة هي أن إيديولوجية اليمين الاستيطاني تقوم على التضحية بأمن إسرائيل، لا حمايته، وتعتبر موت أعداد كبيرة من الإسرائيليين ثمناً معقولاً في الطريق نحو تخليص أرض إسرائيل”.

وتخلص الوثيقة إلى أن تصريحات اليمين وقياداته الرّنانة حول الأمن لم تأت إلا بنتائج عكسية. أما وقد تحطم وهم “نتنياهو سيد الأمن” و”اليمين قوي في الأمن”، فقد حان الوقت للحسم: هل تطمح دولة إسرائيل لتبني سياسات أمنية جدية ومهنية أم ستواصل الاكتفاء بزعران تتلخص سياساتهم الأمنية بشعارات من قبيل “إلقاء قنبلة نووية على غزة”؟

“التحريض ضد نصف الشعب يُقوّض جيش الشعب”!

يحاول معدّو “وثيقة المفاهيم” هذه، في الحديث عن مفهوم “التحريض والاستعداء لا يمسّان بالأمن”، إبراز مدى الضرر الذي ألحقه اليمين وتحريضه ضد “اليسار” و”الوسط” بالنسيج الاجتماعي في المجتمع الإسرائيلي ـ اليهودي، ثم انعكاس ذلك على الجيش الإسرائيلي ومدى الضرر الذي يلحق به من جراء ذلك بما يشكل مساً كبيراً به من حيث كونه “جيش الشعب” كله! ويؤكدون، في هذا السياق، أنه “ليس بإمكان الدولة التي يشكل جيش الشعب ضمانة بقائها ووجودها أن تسمح لنفسها بأن تكون قيادتها مصدراً وبوقاً للتحريض ضد نصف الشعب”.

وتستعرض الوثيقة سلسلة طويلة، تمتد على سنوات عديدة، من التصريحات والممارسات التحريضية التي صدرت وبدرت عن اليمين الإسرائيلي وقياداته المختلفة، وكان بنيامين نتنياهو بشكل خاص في مقدمتها وعلى نحو أبرز، ضد “اليسار” و”الوسط” وقياداتهما، متوقفة بصورة خاصة عند حملة التحريض التي أدت إلى اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إسحق رابين، في تشرين الثاني 1995، مروراً بالعديد العديد من المحطات التحريضية والاستعدائية هذه، حتى مؤخراً فقط حين اتهم نتنياهو المنظمات التي تولت تنظيم وتنسيق الحملات الاحتجاجية ضد برنامج “الإصلاح القضائي” الذي طرحته حكومته وائتلافها ـ بينما أسماه معارضوه “خطة الانقلاب القضائي” أو “خطة الانقلاب على الحكم” ـ بأنها “قد التقت وتحالفت مع م. ت. ف. ومع إيران”، ثم انتهاءً بما تلا هجوم حركة حماس المباغت على بلدات ومعسكرات الجيش في منطقة “غلاف غزة” حين خرج نتنياهو ليتهم، بصورة صريحة وعلنية، أجهزة الأمن الإسرائيلية بالمسؤولية عن هذا الإخفاق التاريخي، إضافة إلى ما سبق ذلك وما تبعه من اتهام عناصر مختلفة بـ”الخيانة من الداخل”.

وتقول الوثيقة إن دراسات عديدة أجريت في العالم قد أثبتت، على نحو مستمر ومتتابع، أن الحكومات الشعبوية هي أقل أهلية وكفاءة في إدارة الأزمات الوطنية وأن المجتمعات التي تتميز بالتقطب الحاد هي أكثر عرضة للتأثر بالحروب النفسية وبالإعلام المغالِط والمضلِّل. وهي تعتبر في هذا السياق أن المجتمع الإسرائيلي أصبح اليوم أكثر تقاطباً بكثير، بعد سنوات عديدة من حكم اليمين ونتنياهو منذ العام 2009 تحديداً أقام خلالها “جهازاً دعائياً خاصاً ومتطوراً أنيطت به مهمة بث وترسيخ رسائل مشبعة بالكراهية تجاه كل في بيت في إسرائيل”.

درس 7 أكتوبر الأهـم: الـعـودة إلى “حـروب الخَيار”

اللواء احتياط يعقوب عميدرور

«معاريف»

السؤال الذي يطرح في أحاديث كثيرة هو الأهم: لماذا لم تعمل إسرائيل قبل الهجوم البربري لـ»حماس» رغم أن الاستعدادات كانت واضحة ومعروفة، حتى لو لم يكن موعد الهجوم معروفا؟ الجواب هو انه في العالم الغربي الذي إسرائيل هي جزء منه، يوجد موقف سلبي جدا من الحروب المبادر إليها. في عشرات السنين الأخيرة، أصبحت غير شرعية وغير أخلاقية. الفكر الذي ادعى بأنه «لا توجد حروب جيدة» نزعت عن الديمقراطيات القدرة على الانطلاق إلى «حروب الخيار».

في إسرائيل أيضا، تعزز هذا الفهم. والتعبير عنه كان في القول الذي ساد في الجمهور وفي الإعلام بأن إسرائيل لا تخرج إلا إلى «حروب اللاخيار». حروب لا تعتبر كهذه نالت مواقف جماهيرية قاسية للغاية مثل حرب لبنان الثانية، التي تعزز بها هذا النهج بقوة اكبر. فضلا عن ذلك، في أوساط زعماء في إسرائيل ساد الفهم في أن الدور الأساس في الحكومة في مجال الأمن القومي هو كسب الوقت بين الحروب، أي الهدوء المتواصل هو حيوي للاقتصاد الإسرائيلي ولبناء المجتمع ولهذا فيجب الامتناع عن الحروب. في أعقاب هذا اصبح «الاحتواء» جزءاً من مفهوم الأمن. «قدسية الحياة» واعتبار الجنود كـ»أبنائنا» لدرجة التعاطي مع الجنود القتلى مثل المدنيين القتلى صعّب هو أيضا تبرير حروب الخيار.

لأجل تجسيد هذا سيحاول القارئ التفكير بما كان يمكن له أن يرد لو كانت إسرائيل فتحت حربا ضد «حماس» قبل نصف سنة. بعد دقائق من نشوب الحرب، كان رئيس الوزراء سيخرج بإعلان أن تقويم الوضع والتهديد الحماسي المتزايد أديا بإسرائيل أن تقتنع بأن من واجبها أن تمنع إمكانية المفاجأة في المستقبل التي في أعقابها يصاب جنود ومدنيون كثيرون في غلاف غزة. وعليه فقد قررت إسرائيل على حد قول رئيس الوزراء أن تخرج إلى «حرب وقائية» غايتها إزالة تهديد «حماس» وفقا لتوصية كل محافل الأمن. كانت الحرب ستبدو إلى هذا الحد أو ذاك كالحرب الحالية، لكن على ما يبدو بدون دعم أميركا بل وحتى بمعارضتها. فليفكر كل واحد كيف كانت ستكون العناوين الرئيسة في وسائل الإعلام في البلاد وفي العالم. فهل كانت حكومة إسرائيل تنجو من مثل هذا الحدث؟ أو حتى قبل أن تنتهي الحرب كانت ستصعد صرخة بأن ليس للحكومة شرعية وان «رئيس الوزراء الذي يعرض حياة الجنود للخطر لأغراضه السياسية يجب أن يطير على الفور».

هذا ليس سيناريو متطرفا على الإطلاق. فبعض من ردود الفعل يمكن أن نسمعها، اليوم، أيضا رغم أننا نوجد في حرب دفاعية صرفة جاءت بعد قتل فظائعي لنحو ألف مواطنة ومواطن واختطاف 240 رجلا، وامرأة وطفلا ومسنا.

عمليا، إسرائيل عشية 7 أكتوبر 2023 ما كان يمكنها أن تخرج إلى «حرب وقائية». كنتيجة لذلك، إسرائيل، كدولة صغيرة حولها أعداء يهتمون بكثافة ببناء قوتهم كي يمسوا بها توجد في مثابة «عجز استراتيجي».

وعليه فإن الاستنتاج الأهم للأمن القومي الإسرائيلي من أحداث 7 أكتوبر هو الحاجة إلى أن تعاد إلى صندوق الأدوات القدرة على قتال «حروب الخيار»، أي إبادة التهديد وهو في مهده أو عشية تفعيل العدو له، دون انتظار تجسده. «الحرب الوقائية» و»الحرب المسبقة» هما اضطرار استراتيجي في وضع إسرائيل وينبغي التفكير باستخدامهما فور انتهاء الحرب في غزة في سياق «حزب الله». هذا مثابة توسيع لـ»عقيدة بيغن» إلى عالم سلاح الحروب التقليدية – وعلى خلفية 7 أكتوبر فإن هذا هو توسيع ضروري.

 تقرير جديد لـ«معهد أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي: التهديد الجوي المستجد يُلزِم تعاملاً جادّاً!

 

عبد القادر بدوي

◼️ مع بداية هجوم “طوفان الأقصى” صبيحة 7 تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، وجدت إسرائيل نفسها أمام تهديدات عديدة، كان من أبرزها تهديد الأسلحة الصاروخية والطائرات بدون طيار التي تم استخدامها في الهجوم، وكذلك خلال عمليات “المناورة البرية” في قطاع غزة، ناهيك عن التهديدات الناشئة عن الهجمات التي نفذها “حزب الله” على الجبهة الشمالية والحوثيون من اليمن. هذا الأمر يُنظر إليه في إسرائيل كخطر حقيقي حتى وإن لم تتعرّض إسرائيل لغاية اللحظة لهجمات صاروخية (بما في ذلك الطائرات بدون طيار) واسعة تفوق قدرات دفاعاتها الجوية على التصدّي. وفي هذا السياق، أصدر “معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي” التابع لجامعة تل أبيب دراسة بعنوان “التهديد الجوي الذي ترعاه إيران ليس مشكلة إسرائيلية فقط” من إعداد متان ينكو أبيكسيس وليران عنتابي، يُسلّط الضوء على هذا التهديد وأبرز ما يُمكن فعله إسرائيلياً. في هذه المساهمة، نستعرض أبرز ما ورد في هذا التقرير، مع أهمية الإشارة إلى أن المصطلحات والأفكار الواردة أدناه مصدرها التقرير ولا تُعبّر عن كاتب المساهمة أو مركز “مدار”.
يُشير التقرير في البداية إلى أن هجوم صبيحة السابع من أكتوبر الماضي والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة – “حرب السيوف الحديدية” – وضعا إسرائيل أمام أسئلة عديدة حول طبيعة التهديدات المستجدّة نتيجة استخدام أسلحة جديدة ضد إسرائيل بما فيها تلك المستخدمة جوياً؛ الصواريخ الباليستية؛ صواريخ كروز؛ الصواريخ؛ قذائف الهاون؛ الصواريخ المضادّة للدبابات؛ الطائرات بدون طيار الهجومية أو التي تستخدم لجمع المعلومات الاستخبارية، و”المسيرات” التي تستخدم لأغراض الاستخبارات وإلقاء الأسلحة وكذلك النوع الهجومي منها. هذه الأسلحة هي إيرانية الصنع، أو أنها تعتمد على تكنولوجيا إيرانية، أو تم تجميعها وتركيبها بفضل “التدريب الإيراني”، وهو ما يُنذر – بحسب التقرير – بضرورة أن تتعامل إسرائيل بجدّية مُطلقة مع هذه التهديدات، كون أن هذا التهديد ظهر بالفعل خلال الحرب الدائرة حالياً في القطاع، والتي قد تكون مفتوحة على انضمام جبهات جديدة للقتال كالجبهة الشمالية مع “حزب الله”، الذي استخدم بالفعل هذه الأسلحة في المواجهة على الحدود (طائرات بدون طيار، ومسيّرات ومضادات للدبابات) بالإضافة إلى سورية التي أُطلقت من أراضيها “مسيرة انتحارية” وصلت إلى إيلات، ناهيك عن توجيه الحوثيين صواريخهم باتجاه إسرائيل وكلّ هؤلاء بالفعل هم حلفاء إيران في المنطقة.
إن الهجمات المذكورة التي يتصدّى إليها الجيش بـ”نجاح كبير” بحسب التقرير أشارت من ناحية أخرى إلى عدم جهوزية الجيش للتعامل مع التهديدات الجوية قصيرة المدى بسبب طبيعة الطبقات الدفاعية المخصصة للدفاع ضد التهديدات بعيدة المدى والتي تتصدّى بنجاح للتهديدات، وقد كان أبرزها مضادات الدبابات التي تم إطلاقها من قطاع غزة وجنوب لبنان باتجاه الآليات والدبابات الإسرائيلية التي تم تحصينها بمنظومة “معطف الريح” الدفاعية. إن هذه الحرب هي المواجهة الأولى التي تعمل فيها أنظمة الدفاع الجوي المختلفة “القبة الحديدية”؛ “مقلاع داود”؛ “يهلوم”؛ بالإضافة إلى منظومتي “السهم 2″ و”السهم 3” التي نجحت بشكلٍ كبير في “إحباط” التهديدات الجوية لأول مرة في اختبار عملياتي فعلي، لكن على الرغم هذا “النجاح”؛ فإن إطلاق صاروخ باليستي باتجاه إسرائيل من قِبَل الحوثيين يجب أن يُثير بالفعل قلق إسرائيل وكذلك دول أخرى في الإقليم، وقد تصدّت الإمارات في السابق لمثل هذه الصواريخ، كما لوحظ تعاون – يؤكّد التقرير على ضرورة تعزيزه – بين إسرائيل وبعض الدول في التصدّي لمثل هذه التهديدات (المدمرة الأميركية USS كارني التي كانت متمركزة في البحر الأحمر واعترضت جزءاً كبيراً من التهديدات)، بالإضافة إلى السفن الحربية الإسرائيلية المزودة بمنظومة “باراك” للدفاعات الجوية، وأخيراً الاعتراض الذي نفذته السعودية التي تشترك في الرادار مع إسرائيل من خلال الولايات المتحدة، وهو ما أبرز فعالية “تحالف الدفاع الجوي” (MEAD) الذي انضمت إليه إسرائيل في حزيران الماضي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن إطلاق الصواريخ الباليستية من قِبَل منظمات (أقل من دول) يُشير – بحسب التقرير – إلى تغيير في توزيع التقنيات المتقدمة والأسلحة الفتّاكة وبعيدة المدى التي لم تعد بذلك حِكراً على الدول فقط. إن المسؤولية المباشرة لهذه الإشكالية تقع على عاتق إيران التي عملت على مدار السنوات الماضية على تزويد “حزب الله” (على وجه التحديد) والمليشيات الشيعية في العراق وسورية و”حماس” بطائرات بدون طيار والصواريخ والقذائف، إلى جانب نقل المعرفة والخبرات بكيفية تصنيعها وتطويرها إلى هذه المنظمات بحسب التقرير.

إيران كدولة مصدّرة للتقنيات المتقدّمة
يُشير التقرير إلى أن صناعة المسيرات والطائرات بدون طيار شهدت ازدهاراً كبيراً في السنوات الأخيرة في إيران التي تفاخرت بقدراتها على إنتاج هذا السلاح الذي بدأت في تصنيعه منتصف ثمانينيات القرن الماضي إبان الحرب الإيرانية العراقية، حيث تم إنتاج “أبابيل 1″ و”مهاجر 1” كأسلحة للمراقبة والاستطلاع، وتطورت هذه الصناعة وتقدمت باستمرار، إلى أن توسّعت في إنتاجها بشكلٍ كبير منذ العام 2014، عندما بدأ الإنتاج التسلسلي لنموذج “شاهد 129” وهي الطائرة بدون طيار الأكثر شيوعاً في البحرية الإيرانية. يؤكّد التقرير أن تنوع الطائرات بدون طيار الإيرانية يعتمد بشكلٍ أساس على قدرات “الهندسة العكسية” للطائرات بدون طيار الإسرائيلية والأميركية؛ فمثلاً طراز “شاهد 129″ هو بمثابة نسخة لـ”هيرمس 450” التابعة لشركة “إلبيت” الإسرائيلية؛ طراز “شاهد 171” بمثابة نسخة عن “RQ-170” الأميركية التي سقطت في الأراضي الإيرانية في العام 2011. إن هذا الأمر يُدلل على نجاح إيران في توسيع هذا الإنتاج من حيث الحجم والإمكانيات، حيث استطاعت التغلّب على العقوبات المفروضة عليها بالتحايل عليها، كما أن توفر “التقنيات الجاهزة” في عالم المحتويات التجارية والمدنية بما في ذلك أجهزة الملاحة ووسائل التشفير والمحركات وغيرها، إلى جانب الاستثمار المحلي الضخم في المجال الهندسي، سمح لها بتقليص الفجوات التكنولوجية، وإنتاج وتصدير كميات كبيرة من الطائرات بدون طيار وبأسعار مغرية جداً لمجموعة من الدول واللاعبين الذين يعملون ضد إسرائيل، وكذلك ضد القوات الأميركية في الشرق الأوسط.
يُشير التقرير إلى أن عملية توزيع الأسلحة الإيرانية شهدت تحولاً كبيراً في أعقاب الحرب في أوكرانيا، حيث تحولت إيران إلى مصدر عالمي مهيمن في مجال تصدير الطائرات بدون طيار وأكبر مورّد للجيش الروسي في هذا المجال، فقد زودت الجيش الروسي بثلاثة نماذج من هذه الطائرات: “شاهد 131″، “شاهد 136″، والطائرة بدون طيار الهجومية “مهاجر 6” التي يتم استخدامها لجمع المعلومات الاستخبارية وحمل الذخائر، وتمتاز هذه النماذج بسعرها الرخيص مقارنة بنظيراتها حول العالم، وقد استطاعت بالفعل أن تساعد روسيا على سد الثغرات العملياتية لصالحها خلال الحرب، ونتيجة للخبرة التي اكتسبتها الطائرات الإيرانية في الحرب في أوكرانيا أبدت دول عدّة اهتماماً بشرائها، وقد نقلت تقارير عدّة أن إيران تواجه صعوبة في تلبية الطلب المتزايد على شرائها خلال العام المنصرم، ناهيك عن بعض التقارير التي تشير إلى مساعدة روسيا لإيران في إقامة مصانع خاصة في روسيا نفسها من أجل إنتاج 6000 أداة من هذا السلاح، يُضاف إلى ذلك أنه في شهر تشرين الأول المنصرم انتهت القيود التي فرضها مجلس الأمن على قدرة إيران على التجارة بالصواريخ المتقدمة، بما في ذلك الطائرات بدون طيار، ما سيسهّل على إيران تصدير هذا السلاح ليس فقط لروسيا، وإنما أيضاً لدول أخرى ربما كانت تخشى حتى الآن من التورط في التعامل مع إيران في هذا المجال بسبب القيود الدولية ومنها فنزويلا والسودان وأثيوبيا التي قامت بالشراء من إيران بالفعل وتحديداً نموذج “أبابيل”.
إن هذا التطور بحسب التقرير يُشكّل تحدياً بالنسبة لإسرائيل التي تعمل على منع انتشار الأسلحة الإيرانية والحد من وصولها إلى الجهات والمنظمات الفاعلة على حدودها في السنوات الأخيرة، إذ عملت إسرائيل من خلال الغارات الجوية، أو ما يُعرف بـ”الحملة بين الحرب”، على الحيلولة دون ذلك. لكن الطائرات والأسلحة الإيرانية التي سيتم تصنيعها في روسيا ستتطلب إعداداً مختلفاً وإجراءات جديدة بالنسبة للنظام الأمني في إسرائيل بما في ذلك تغيير المفاهيم والرؤى الإسرائيلية. وهذا الأمر ربّما لن يكون كافياً، فحتى لو تمكّنت إسرائيل من منع وصول وسائل قتالية معينة إلى أيدي “أعداء إسرائيل” فذلك لا يُعدّ استجابة مرضية نظرا لتنوع الوسائل والعوامل التي تواجهها إسرائيل بالفعل، خاصة فيما يتعلّق بتهديد الجبهة الشمالية (“حزب الله” على وجه الخصوص). فلغاية الآن، لم تتعرّض إسرائيل لهجوم صاروخي واسع من الجبهات المختلفة يفوق قدراتها الدفاعية، لكن لا يُمكن ضمان بقاء الوضع على ما هو عليه في حالة اتساع المواجهة لتشمل الجبهة الشمالية لإسرائيل ودخول “حزب الله” بشكلٍ كامل. لذلك، يؤكّد التقرير أن إسرائيل مُلزمة بالتعامل بجدية مع هذه التهديدات الأمنية المستجدّة التي ستضاف إليها قدرات جديدة وعلى نطاق متعدد الجوانب في المستقبل، بما في ذلك ضرورة إحداث تغيير في الرؤى والتصورات حول التهديدات الجوية، والتعاون مع الدول الأخرى التي تشارك إسرائيل التهديدات نفسها في الإقليم كالسعودية (التي تعرّضت لهجمات مشابهة ضربت “أرامكو” في السنوات الماضية)، ودول خارج الإقليم كالولايات المتحدة التي حشدت قوتها العسكرية لمساعدة إسرائيل في الحرب الحالية على القطاع، والتي تعاني أيضاً من هجمات تشنّها المنظمات التابعة لإيران في العراق وسورية خلال السنوات الماضية وتصاعدت خلال الحرب الحالية.
ختاماً، يؤكد التقرير على أن أكثر من 9500 صاروخ أُطلق باتجاه إسرائيل من قطاع غزة منذ بداية هجوم السابع من أكتوبر، بالإضافة إلى عشرات الطائرات المسيرة والطائرات بدون طيار، منها 3000 صاروخ في الساعات الأولى للهجوم، اعترضت الدفاعات الجوية الإسرائيلية حوالى 2000 منها (فشلت بعض عمليات الإطلاق أو كانت موجهة نحو ما تحدده أنظمة الدفاع على أنها مناطق مفتوحة). وهذا النجاح النسبي في التصدّي، يُقابله فشل في اكتشاف التهديد كما حدث في حالة الطائرة بدون طيار التي وصلت إلى إيلات من سورية وتسبّبت بأضرار في المباني المدنية. لذلك، سيكون من الضروري التركيز على هذه التهديدات (وتحديداً قصيرة المدى والطائرات بدون طيار بمختلف أنواعها)؛ إذ إن الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار من قطاع غزة ولبنان، والهجمات من اليمن وسورية والعراق تشير إلى أن إيران تذهب باتجاه تقليل “خطر الصراع المباشر” مع إسرائيل من خلال الانخراط في “صراع لا مركزي” من خلال فواعل غير دولانية (منظمات أقل من دول)، وهذا الأمر يفرض على إسرائيل – وفق التقرير – أن توسّع من دائرة التعاون الإقليمي والدولي وكذلك التحالفات لمواجهة هذه التحديات وفي مقدمتها التعاون مع الولايات المتحدة التي تزود إسرائيل بالأسلحة الاعتراضية ومن ضمنها صواريخ “القبة الحديدية”، وكذلك كل من السعودية والإمارات خاصة في مجالات الاستخبارات وتكنولوجيا الاعتراض، وهي دول تتقاسم جزءاً من المصالح القليلة مع إسرائيل على الأقل فيما يتعلّق بالتهديد الإيراني.

ماذا ستفعل إسرائيل إذا فشلت «معركة الجنوب»؟

عبد المجيد سويلم

 أصبح هذا السؤال هو سؤال المجتمع الإسرائيلي كلّه، وسؤال القيادة السياسية والأمنية في إسرائيل، وهو قبل ذلك كلّه سؤال الإدارة الأميركية، وحلفائها «الغربيين» دون استثناء.

السؤال بالفعل مُحيِّر حتى بالنسبة لفصائل المقاومة، ومُحيِّر، أيضاً، لبلدان الإقليم، ويكاد كلّ هؤلاء يعجزون عن إجابات تحمل في طيّاتها الحدّ الأدنى من المنطق المتماسك، ومن أرجحية التفكير العلمي الفعّال والمتوازن.

هل ستعود القوات الإسرائيلية الغازية مثلاً للتوغّل في منطقة الشمال والوسط بعد أن غادرتها، ولم تُبقِ إلّا على أقلّ من 30% من القوات التي كانت قد دخلتها ـــ كما تقول بعض المصادر ـــ أو بعد أن «أكملت» إسرائيل مهمّتها في هذه المناطق حسب تصريحات رسمية إسرائيلية؟

وماذا ستفعل بالعودة إلى هذه المناطق بعد أن دمّرت كلّ شيء، وبعد أن هجّرت مئات آلاف الفلسطينيين منها؟ وبعد أن قتلت منهم الآلاف المؤلّفة، وأبادت ومسحت المساكن والبيوت وكلّ البُنى التحتية، وأخرجت كل المرافق الصحية فيها عن الخدمة؟

وهل تخطّط إسرائيل مثلاً من خلال الاستمرار في الحرب حتى بعد «الفشل» في معركة خان يونس ورفح إلى فرض «التهجير» إلى مصر لأسباب ودوافع «إنسانية»، بحيث لن تتمكّن مصر من «التهرُّب» منها أو تجنُّبها لكي «تدّعي» إسرائيل أنّها «فرضت» شروطها، وأنّها حقّقت انتصارات كبيرة في ضوئها؟

أم تراهن يا ترى أنّ تفاقم الوضع الصحي لعشرات، وربّما لمئات آلاف الفلسطينيين، وانتشار الأوبئة والأمراض في عموم القطاع سيؤدّي إلى وضعٍ دولي وإقليمي «ضاغط» على إسرائيل لوقف الحرب لدواعٍ «إنسانية» خطيرة على كلّ الإقليم، ما يُحتّم «التدخُّل» العاجل، و»التوسُّل» لدى إسرائيل لوقف الحرب، وبذلك ستبدو إسرائيل وكأنّها المنتصرة، وربّما التي «تستجيب» لهذه الدواعي «الإنسانية» بما يخفّف من صورتها التي لحق بها العار من كلّ جانب، وتلطّخت أياديها بدماء عشرات آلاف من الرضّع والأطفال والنساء في قطاع غزة؟

أقصد، وأجتهد هنا، أنّ فشل إسرائيل العسكري حتى الآن، وفشلها فيما تبقّى من الوقت المُعطَى لها من الإدارة الأميركية، وفشلها فيما تبقّى لها من وقتٍ مُعطى من المؤسسة العسكرية حسب آخر إعلانٍ رسمي إسرائيلي (من شهرين إلى ثلاثة أشهر).. إن فشل إسرائيل على هذا الصعيد سيحوّل اتجاه الحرب من وجهة إلى وجهة جديدة، ومن المجال العسكري إلى المجال الإنساني الذي «ضمِنت» إسرائيل لنفسها حتى الآن من خلال «الاحتياط الاستراتيجي» للتعويض عن فشلها العسكري، وحيث تستطيع استخدام العامل الإنساني ـــ وهو العامل الوحيد الذي بقي لديها ـــ بهدف إعادة طرح، وإعادة فرض شروطها وأهدافها التي فشلت في تحقيقها من خلال أعمالها العسكرية.

وأقصد من خلال اجتهادي هنا، أيضاً، أن تكون الفترة المتبقّية لها، سواءً المهلة الأميركية «الغربية»، أو المهلة المحدّدة من قبل القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية نفسها كافية لإحداث هذا التغيير في وجهة الحرب ومجالها.

وإذا أمعنّا النظر في هكذا توجّه فسنجد أنّه يستجيب لعدّة اعتبارات إسرائيلية ربّما تكون «مواتية».

ليس هناك على الإطلاق أيّ خلافات أو حتى تعارضات حول الذهاب في هذا المجال، وهذه الوجهة إلى أبعد الحدود الممكنة، لا داخل الحكومة، ولا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، ولا بين كلّ هؤلاء وأحزاب «المعارضة».

كما لا يوجد حتى الآن ما يوحي بأنّ هناك خلافات أو تعارضات بين كلّ هؤلاء، من جهة، وبين الغالبية الساحقة من المجتمع اليهودي في إسرائيل من جهة أخرى.

على العكس من ذلك كلّه، فإنّ هذا المجتمع الذي يجهل أو يتجاهل كلّ ما قامت به إسرائيل في القطاع، وتستمر بالقيام به بأشكال أخرى في الضفة الغربية، وحتى في «الداخل» الفلسطيني ليس له من همّ سوى همّ استعادة الأسرى، بل الحرب كلّها بالنسبة لهذا المجتمع هي الحرب من أجل استعادتهم، إما بإبادة الفلسطينيين، أو بالتوقُّف قليلاً في هذه الحرب لاستعادتهم، ولتذهب إسرائيل في حربها بعد ذلك إلى أيّ خيار حتى لو تمّ قتل كلّ فلسطيني على وجه الأرض.

وباستثناء بعض الفئات في إطار هذا المجتمع، وبعض الشخصيات الشجاعة، والتي تمتلك قدراً عالياً من الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية [لأنّ من الشجاعة حقّاً، ومن الإنسانية والأخلاقية العالية أن توجد مثل هذه الفئات، وهذه الشخصيات وسط هذه الحالة الطاغية من العنصرية المتجذّرة بأبشع صورها].. باستثناء هؤلاء فإنّ الظروف مواتية تماماً للذهاب إلى تلك الوجهة.

كما لا يوجد أيّ مانع حقيقي لدى «الغرب»، ولدى الولايات المتحدة الذهاب إلى ذلك الخيار، خصوصاً وأنّ الحلول العسكرية تكون قد فشلت، واستنفدت، وبذلك فإنّ وقف الحرب تحت هذه الحجّة والذريعة ربّما يشكّل المَخرَج الذي تبحث عنه الولايات المتحدة و»الغرب» لظهور أنّ دعمهم لدولة الاحتلال «أدّى» إلى هذه النتيجة، والتي أصبحت الآن حسب المصطلحات الأميركية، عدم تمكين «حماس» من الانتصار، وليس انتصار إسرائيل كما كان عليه الأمر في الأيّام، والأسابيع الأولى للحرب. وهو تحوّل يُذكّرنا ويُذكّر الجميع، وخصوصاً من أصحاب الذاكرة المثقوبة بالتحوُّل في شعارات الولايات المتحدة و»الغرب» كلّه إزاء الحرب «الأطلسية» على روسيا، حيث كان الهدف هو الانتصار الكامل على روسيا، ثمّ أصبح عدم تمكين روسيا من الانتصار الحاسم في أوكرانيا.

وقد يكون هذا المَخرَج هو فرصة النظام العربي للظهور بمظهر من استجاب «أخيراً»، ولبّى نداء «الواجب»، ورمى بكلّ «ثقله» لوقف الحرب، و»الضغط» على إسرائيل لإنهاء المأساة الإنسانية التي يكون قد تعرّض لها القطاع، وفرضت نفسها على الواقع العسكري فيه.

أمّا إسرائيل فستكون في وضعٍ يُخرج قادتها السياسيين، وكذلك العسكريين من الأزمة الخانقة التي باتوا يتمرّغُون في وحلها، وبحيث يخرجون بأقلّ الخسائر الممكنة، قبل أن تبدأ مرحلة الحساب والعقاب، وقبل أن تدبّ الأزمات الجديدة في صفوف الأحزاب والجيش والمجتمع، وقبل مرحلة الخراب الأكبر، ومرحلة التطاحن القادمة.

هذا كلّه مرهون بالنتائج التي ستترتّب على «معركة الجنوب»، والتي إن نجح الإسرائيليون في اختطاف صورة هنا، وصورة هناك منها فإنّها ستحسّن قليلاً من صورتهم التي تحطّمت، وإلّا فإنّ خيارهم الوحيد هو تحويل القطاع من منطقة منكوبة وكارثية، إلى مأساة لم يشهد لها التاريخ الحديث والمُعاصر مثيلاً لها، ما سيجعل الاستمرار بالحرب عليه أمراً مستحيلاً بسبب هول هذه المأساة، وبسبب الأخطار التي لن تظلّ في حدود القطاع نفسه، وستهدّد من زاويةٍ الأوبئة والأمراض، ومن زاوية اخرى التشريد وانعدام فرص حياة وبقاء الإقليم كلّه بما في ذلك إسرائيل نفسها.

استشهاد الفلسطينية المُسنة هادية نصار صاحبة مقولة “أنا أقدم من إسرائيل”

أعلن المصور والناشط الفلسطيني صالح الجعفراوي، يوم الخميس، استشهاد الفلسطينية المُسنة هادية نصار التي عُرفت خلال الحرب على غزة بمقولة، “أنا أقدم من إسرائيل”.

وقال الجعفراوي عبر حسابه على منصة “إكس”: “استشهدت يا حبيبتي يا حجتي الله يرحمك ويجعل مثواك الجنة أنت حكيتيلي اسمك صالح وأنت صالح”.

وكانت السيدة المسنة قد أصيبت في قصف إسرائيلي على منزلها ودخلت المستشفى للعلاج من كسور في يديها وإصابة في وجهها.

ملاحظات على هامش الحرب على غزة

سنية الحسيني

ظهرت خلافات واضحة بين أقطاب في مؤسسة الحكم في دولة الاحتلال، خلال فترة العدوان على غزة، كما ثار غضب شعبي على حكومة الحرب التي تشكلت في أعقاب ذلك الهجوم، رغم حظر التظاهرات والاحتجاجات خلال هذه الفترة. ويبدو التناقض جلياً بين مواقف الحكومتين الأميركية والإسرائيلية تجاه حيثيات العدوان الحالي على غزة وتفاصيله والرؤى تجاه اليوم التالي على انتهائه، رغم عدم اختلافهما حول الهدف. فإلى أي مدى ستؤثر تلك الخلافات، بين أقطاب صنع القرار في حكومة الاحتلال والتناقضات بينها وبين الإدارة الأميركية، على توجهات انتهاء الحرب على غزة، في ظل وصول أعداد الضحايا من الأبرياء الفلسطينيين وحالة الدمار للقطاع ومرافقه مستوى غير مشهود، وعلى مستقبل عملية السلام مع الفلسطينيين بشكل عام؟
تظهر الخلافات جليه بين أقطاب حكومة الطوارئ، التي تشكلت من قبل الأنداد، في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر. فلم تختف تماماً الأزمة بين نتنياهو ويوآف غالانت وزير الحرب، التي نشبت بينهما قبل أشهر، على خلفية الاحتجاجات على التعديلات القضائية، والتراجع عن قرار الإقالة بعد ذلك. كما تبقى خلافات نتنياهو وغانتس غير خفية، فبرزت قبيل اقرار موازنة الحكومة، وفي هجوم غانتس على نتنياهو عندما حمل رئيس أركان الجيش ورئيس المخابرات العسكرية ورئيس الشاباك مسؤولية الفشل في صد هجوم حركة حماس في السابع من اكتوبر. وغضب هيرتسي هاليفي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يوم الإثنين الماضي بعد تعرضه للتفتيش من قبل حراس من مكتب نتنياهو قبيل اجتماع مجلس الوزراء الحربي. واستقال رئيس شعبة ترخيص الاسلحة النارية، على خلفية أوامر بن غفير بتوزيع السلاح، معتبراً أنها توزع دون معايير. واتهم يائير لابيد زعيم المعارضة الإسرائيلية نتنياهو، بالمسؤولية عما حصل في غلاف غزة، ويطالبه بالتنحي.
كما استمرت التوترات في الشارع الإسرائيلي، خلال الشهرين الماضيين، والتي قادها أهالي المحتجزين الإسرائيليين لدى حركة حماس للمطالبة باستعادة أبنائهم، وباستقالة نتنياهو. كما يوجه المستوطنون في غلاف غزة والشمال، بعد نقلهم من المستوطنات، اللوم لحكومة نتنياهو ويتهمونها بالتقصير في حمايتهم، وعدم توفير الأمان لهم. ورغم ذلك، يتحد الأنداد في هذا الهجوم، رغم الخلافات، كما لم يتراجع الدعم الشعبي للهجوم على غزة الذي يطالب بالقضاء على حركة حماس، على الرغم من ضغطه لإطلاق سراح المحتجزين.
ويميل المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، خصوصاً فيما يتعلق بالحل السلمي مع الفلسطينيين. في العام ١٩٨١ دعم ٣٦% من الإسرائيليين أحزاباً يمينية، وبعد عشر سنوات صنف نصف اليهود في إسرائيل انفسهم كيمينيين، ولم تتبدل هذه النسبة بعد توقيع الحكومة الاسرائيلية بقيادة اسحاق رابين اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير. وجاء المجتمع الإسرائيلي بـنتنياهو رئيساً للوزراء، بعد اغتيال رابين. ورغم وصول ايهود باراك الذي يوصف كيساري في نهاية التسعينيات من القرن الماضي إلى سدة الحكم، حيث ارتفعت شعبية اليسار قليلا في ذلك الوقت، في ظل بقاء ميل المجتمع الإسرائيلي عموماً نحو اليمين. ورفض باراك الانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق أوسلو، للتفاوض حول قضايا الحل النهائي مع الفلسطينيين، واضعاً بذلك ارهاصات لانفجار الانتفاضة الثانية. ومنذ تلك الانتفاضة وينجرف المجتمع الإسرائيلي انزلاقاً بشدة نحو اليمين، فيعرف ثلثا الاسرائيليين أنفسهم اليوم كيمينيين، وأخرج المجتمع الانتخابي الإسرائيلي العام الماضي الحكومة الأشد يمينية وتطرفاً في تاريخه.
ورغم تراجع شعبية الائتلاف اليميني الحاكم بقيادة نتنياهو بشكل متدرج، بدأ مع صعوده للحكم أواخر العام الماضي، بعد إعلانه مباشرة عن الإصلاحات القضائية التي أججت الاحتجاجات الشعبية على مدار ٤٠ أسبوعاً متتالياً اعتُبرت الأطول في تاريخ إسرائيل، وانتهاءً بالهجوم على غزة، حيث توجه لحكومة نتنياهو أصابع الاتهام بالتقصير الأمني والعسكري، وباستثارة غضب الفلسطينيين، نتيجة لسياساتها المتطرفة تجاههم في الضفة الغربية. وتشير استطلاعات الرأي إلى خسارة نتنياهو لشعبيته كرئيس للوزراء، ويعتقد ثلاثة أرباع الإسرائيليين أن على نتنياهو الاستقالة، كما تراجعت مكانة الكتلة الحاكمة وسُجل تراجعٌ في تأييد الليكود، والأحزاب اليمينية المتطرفة. وتعطي الأغلبية اليوم ثقتها لـغانتس، الذي يحصد حزبُه الذي ينتمي ليمين الوسط، ويضم العديد من أعضاء حزب الليكود السابقين، حسب استطلاعات الرأي، أكثر من ضِعف مقاعد الكنيست التي يحصدها الليكود. الا أن غانتس لا يدعم حل الدولتين، ويرفض صراحة فكرة دولتين لشعبين. ويصر نتنياهو على استكمال هجومه على غزة، في ظل تراجع مكانته وحزبه وتحالفه شعبياً، الأمر الذي يجعل مستقبله الانتخابي على المحك، خصوصا وأن العدوان لم يحقق أهدافه، وقد يكلفه التراجع خسارة حلفائه في الحكومة أيضاً.
ورغم التصريحات الأميركية الإسرائيلية المتناقضة حول الهجوم الإسرائيلي على غزة، إلا أن ذلك لا ينفي الشراكة بين البلدين في هذا العدوان. منذ بداية الحرب تبنت الإدارة الأميركية دعوات حكومة الاحتلال بخروج الفلسطينيين إلى سيناء، قبل أن تتراجع عن تصريحاتها المعلنة تحت وطأة الرفض العربي. الا أن هناك مشروعًا متداولًا في الكونغرس الأميركي يبحث عملية التهجير تلك. ولم تلتزم حكومة الاحتلال بنصيحة الولايات المتحدة بتجنب استهداف المدنيين، وبعد انتهاء الهدنة، وبدء الهجوم تجاه خان يونس، باتت الولايات المتحدة تعتبر انه لا يوجد شواهد على تعمد إسرائيل استهداف المدنيين. كما وضعت الولايات المتحدة مطلع الشهر القادم موعداً لنهاية الهجوم، الا أن غالانت يؤكد استمراره لأشهر. ورغم اعتبار  أنتوني بلينكن وزير الخارجية أن السلطة الفلسطينية يجب أن تدير القطاع بعد انتهاء الهجوم على غزة، يرفض نتنياهو ذلك تجنباً لإنشاء دولة فلسطينية. فمن ستسود رؤيته في النهاية؟
ولم تغير الولايات المتحدة من شراكتها ودعمها اللامحدود لإسرائيل في الحروب التي خاضتها، بعد أن انتقلت عملية احتضانها من بريطانيا اليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وساندت الولايات المتحدة إسرائيل في حرب عام ١٩٦٧ و١٩٧٣ و١٩٨٢. كما ساهمت بتقليص خيارات منظمة التحرير وفصائلها، وتوجيهها نحو الخيار السلمي، الذي ترجم من خلال مؤتمر مدريد، ثم اتفاق أوسلو. واصلت الولايات المتحدة في خطاب أجوف التأكيد على ضرورة حل الدولتين، وانتقدت سياسة الاستيطان، في تناقض مع سياسة فعلية دعمت ممارسات الاحتلال في الأراضي المحتلة في المحافل الدولية، ووقفت ضد صدور أي قرار لإدانتها في مجلس الأمن، ولم تحرك ساكناً أمام سياسات اسرائيل الاستيطانية الزاحفة لتغيير بنية الأراضي الفلسطينية المحتلة جغرافيا وديموغرافيا، وواصلت سياسة تقديم المساعدات الاقتصادية للفلسطينيين من ناحية،  واستخدامها في المساومة لتقويض أي انجاز سياسي من ناحية أخرى.
تتعامل الحكومات الإسرائيلية مع الفلسطينيين منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية عام ١٩٦٧ من منظور أمني لا سياسي، وحتى اتفاق أوسلو جاء في مضمونه لاعتبارات أمنية، فهمش الجانب السياسي منه منذ البداية، وتم المحافظة على مكنونه الأمني. وكشفت الأيام أن المضمون السياسي الذي ينشد حل الدولتين لأي اتفاق مع الفلسطيني غير موجود. وتواصل قوات الاحتلال في هجومها على غزة ارتكاب أكبر عدد ممكن من المجازر، وتدمير ضخم للبيوت والمدارس والجامعات والأسواق والبنية التحتية، بدعوى تدمير حركة حماس، في منطقة جغرافية محدودة، ومكتظة جداً بالسكان المدنيين، ودون توفير مناطق آمنة، أو السماح بإدخال المواد الطبية والغذائية الكافية للمدنيين، أو حتى السماح بتدخل منظمات دولية إنسانية لإغاثتهم، الأمر الذي يعكس حقيقة هذه العملية، التي تسعى لقتل أي مظهر للحياة في غزة لمنع عودة المدنيين، الذين ترهبهم بالمجازر المتتالية دون توقف، الأمر الذي يدعم بوضوح مخطط التهجير القسري. وتتناقض تصريحات بايدن بالقضاء على حركة حماس تماماً مع دعواته لحماية المدنيين، في ظل واقع على الأرض يعكس عكس ذلك.
في الختام يبدو جلياً أن الفلسطينيين أمام مجتمع إسرائيلي يميني في توجهاته لا ينشد حلاً سلمياً مع الفلسطينيين ولا يفرز إلا حكومات تتنافس على حرمان الفلسطينيين من حقوقهم التاريخية والقانونية والإنسانية، وأمام نظام أميركي يتبنى مصلحة إسرائيل، بغض النظر عن أية تصريحات سياسية جوفاء فارغة تفيد بغير ذلك. وأثبت هجوم حركة حماس على غلاف غزة أن القوة الوحيدة التي تمتلكها إسرائيل وتسمح لها بالبقاء هي الدعم الاميركي الغربي لها، والذي يعمل منذ عقود على فرضها في المنطقة كقوة سياسية واقتصادية، واقناع الدول ومساومة الحكومات لتحقيق ذاك الهدف. إن ذلك يوجب على الفلسطينيين اليوم التوحد والوقوف صفاً واحداً، بعيدا عن الانتقادات والجدال العقيم، في هذه اللحظات العصيبة، للتصدي لهذا الهجوم غير المسبوق على غزة، لأن خروج غزة من المعادلة السياسية الفلسطينية سيفقدها التوازن. إن سياسة الولايات المتحدة تجاه دول المنطقة تثبت أنها طالما تخلت عن حلفائها دولاً وأنظمة في سبيل مصالحها، ومصالح حليفتها، التي تعد مصدر اضطراب وعدم استقرار في المنطقة. كما أن نوايا ومشاعر إسرائيل تجاه الفلسطينيين، والتي يراها العالم على شاشات التلفزة في غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية، تعكس ذات المشاعر تجاه باقي العرب والمسلمين.

بُعد آخر لحرب الإبادة الجماعية

 

طلال عوكل

◼️ حين تتّخذ الحرب أهدافاً، ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، المدفوعة بكراهية الآخر، وبروح الانتقام، تختفي الكثير من المشاهد، لتترك المجال للمشهد العام الذي يتّصل بتقييم لمجريات الحرب ومآلاتها العامّة من وجهة نظر الأطراف التي تخوضها.
تختفي الأهداف الكبرى خلف ادّعاءات كاذبة، حتى أصبح من يطلقون هذه الادّعاءات لا يصدّقونها، بعد أن انفضحت أمام الرأي العام العالمي بأبشع الصور، ووفق أبسط المعايير.
كانت الحرب في أوكرانيا مثالاً فجّاً على سقوط منظومة القيم الكاذبة والفاسدة، التي اختفت وراءها حملات الغزو الاستعمارية، واتّضح أنّ مدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية، لم يعودوا يهتمُّون لانكسار ميزان العدل لصالح سياسات تقوم على ازدواجية المعايير.
يتكرّر الدرس على صورة أشدّ وضوحاً، وأوسع انتشاراً وتأثيراً، خلال الحرب على الشعب الفلسطيني في نسختها الراهنة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل المنصرم.
منذ اللحظة الأولى للحرب، أطلقت الولايات المتحدة، وحلفاؤها «الغربيون»، الذين احتشدوا خلف الحرب في أوكرانيا لتركيع روسيا، شعار حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
في كلّ العدوانات السابقة على قطاع غزة، وعلى القدس والضفة الغربية، كان هذا الشعار يتصدّر الموقف الأميركي و»الغربي»، ولم يذكر هؤلاء ولا مرّة واحدة، شيئاً عن حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه وحقوقه، التي يعترف هؤلاء بها.
يسقط هذا الشعار مرّات ومرّات، ولكن يظلّ الذريعة لإخفاء الأهداف الاستعمارية الحقيقية التي تقف خلف هذه الشراكة بين الاستعمار وأدواته.
يسقط هذا الشعار المضلّل حين يتحوّل مبدأ الدفاع عن النفس إلى حرب إبادة بشعة، مدفوعة بالانتقام، وكراهية الآخر، وقتل كلّ مظاهر وعوامل الحياة البشرية. للحرب الاستعمارية أهدافها التي روّج لها هؤلاء، وفي أصل الأهداف الإجهاز على القضية الفلسطينية وتهجير وتشتيت الشعب الفلسطيني.
ما يتطابق مع الأهداف التي وقفت خلف تأسيس المشروع الصهيوني الأوّل، وصولاً إلى إعادة هيكلة الشرق الأوسط بما ينسجم وضرورة تكريس الانقسامات، وزرع الفتن، من أجل الهيمنة على مقدّرات هذه المنطقة.
مجريات الحرب، بكلّ قسوتها، وبشاعتها وبكل القوة والقوى التي انخرطت فيها إلى جانب دولة الاحتلال، قالت بالفم الملآن، إن هؤلاء فشلوا حتى الآن والأرجح أنّهم سيفشلون في تحقيق هذه الأهداف.
ثمة من يعتقد أنّ الحرب مستمرّة، وأنّ إسرائيل تواصل ما دأبت عليه من أجل تحقيق هدف تهجير سكّان قطاع غزة قسرياً إلى سيناء المصرية، ثمّ «تواضع» هؤلاء، فأصبح الهدف «تهجيراً جزئياً، و»تقليل عدد سكّان القطاع، وتقليل مساحته الجغرافية».
الوقائع على الأرض تقول غير ذلك، فمصر لا تزال عند موقفها من التهجير، والفلسطينيون يتمسّكون بالبقاء في بيوتهم، أو ما تبقّى منها، ومتمسّكون في البقاء في الخِيَم التي أقاموها على عجَل في أماكن يعتقدون أنّها أكثر أمناً بالمعنى النسبي، وسط جحيم لا يترك مساحة صغيرة آمنة.
السلوك الميداني لجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال مجريات الحرب، أثبت أنّ من يديرون الحرب من جو بايدن إلى بنيامين نتنياهو، يتمتعون بغباء شديد، حتى إزاء كيفية التعامل مع الأهداف التي أرادوا تحقيقها.
بعد جولاتٍ طويلة ومتكرّرة من المواقف والقرارات المتبدّلة، والتي تعكس الفشل الذريع، والغباء المطلق، يصبح الهدف الرئيسي مكشوفاً، بالرغم من عمليات التضليل المكثّفة، التي تديرها، أجهزة الحرب.
القضاء على «حماس» يتحوّل إلى تفكيك بنيتها، وتحقيق الأمن لمستوطني «غلاف غزّة»، يتحوّل إلى مجرّد «شريط أمني» على طول الحدود الشرقية والشمالية للقطاع.
تحرير الأسرى الإسرائيليين من الجنود بالقوّة، يتحوّل إلى هدف رئيسي، لا يمكن تحقيقه إلّا عَبر التفاوض بعد الفشل في سحق «حماس» والمقاومة، تفكّر إسرائيل في ضخّ مياه البحر في الأنفاق، كمحاولة أخيرة لتحقيق الهدف، بغضّ النظر عن نتائج وتأثيرات ذلك على الخزّان المائي، بما يلحق الضرر، أيضاً، بإسرائيل.
شخصياً أعتقد أنّ الخطّة الإسرائيلية الأساسية، كانت تقوم على تهجير كلّ سكان مدينة غزّة وشمالها نحو الجنوب، بهدف استخدام أسلحة مُحرّمة دولياً للقضاء على المقاومة في أنفاقها.
فشلت خطّة التهجير والاستفراد بالمقاومة، وفشلت الوسائل، واستبدلت باستخدام قذائف مدمّرة للأنفاق، وحين فشلت في ذلك تحوّلت للتفكير باستخدام مياه البحر، ولكن هذه الوسيلة، أيضاً، غير مضمونة التحقُّق.
يتبقّى لإسرائيل وحلفائها، الذين تجنّدوا، وجنّدوا وسائلهم الاستخبارية، وآخرهم بريطانيا، للكشف عن مكان وجود الأسرى من جيش الاحتلال، وكشف ماهية وخرائط الأنفاق، يتبقّى لهؤلاء مواصلة الحرب على الحياة البشرية.
لا نتحدّث عن المجازر التي يتجاوز عددها الألف وخمسمائة مجزرة، واستهدفت المدارس، والمستشفيات، والأبراج السكنية، والمساجد، وأماكن الإيواء وإنّما نتحدّث عن أبعاد ذلك وتفاصيله.
تعمل القوات الغازية على إعدام كلّ وسائل الحياة حين تتوقّف الحرب، لا بيوت، أو حتى خيام، ولا الحدّ الأدنى من إمكانيات الطبابة، ولا مدارس أو رياض أطفال، ولا زراعة، أو صناعة، ولا الحدّ الأدنى من الغذاء والدواء، ولا كهرباء، أو وسائل التواصل. فقط ما يتبقّى من البشر، بعد إبادة عشرات الآلاف منهم، وبالتالي تعريض حياة أكثر من مليوني إنسان للإبادة عَبر إبادة وسائل الحياة بأبسط متطلّباتها.
ستقف الحرب، بينما البُنية التحتية مدمّرة، والشوارع، وتدمير وسائل إدارة شؤون الناس، بما في ذلك المياه الصالحة للشرب، أو حتى الاستحمام.
إسرائيل تستخدم أسلحة محرّمة دولياً، لتسميم هواء غزة، وأرضها، ما فوقها وما تحتها.. حتى الأسماك، لم تعد متوفّرة، فلقد دمّرت إسرائيل ميناء الصيّادين ومراكبهم وشِباكهم، بعد أن استهدفتهم بالمجازر التي أدّت إلى استشهاد الآلاف منهم.
في التفاصيل، أيضاً، عشرات آلاف القصص الإنسانية المؤلمة، من تشتُّت العائلات، وانقسامها، واستشهاد أفراد منها، وتهديد حياة المتبقّين وأغلبهم من الأطفال، بالضياع والتشتّت.. وفق كلّ ذلك، ما ينجم عن تعفّن آلاف الجثث تحت الركام، دون توفّر الحدّ الأدنى من الآليات والطواقم القادرة على سحبها ودفنها.
تعتقد العصابة المجرمة، التي تدير الحرب، أنّها بذلك، ستضمن الأمن والاستقرار لمستوطنيها في «الغلاف»، وستضمن الأمن لإسرائيل لفترة أطول. لكن هؤلاء يعجزون عن قراءة الإنسان الفلسطيني.
حرب الإبادة التي تشنُّها إسرائيل ومن معها، لا يُدركون أنّ آثارها من شأنها أن تخلق جيلاً فلسطينياً، هو الأشدّ تطرُّفاً في عدائه للاستعمار «الغربي»، وأداته العنصرية الفاشية.
مرّة أخرى يطيح الشعب الفلسطيني بمقولة بن غوريون الذي قال يوماً «إنّ الكبار يموتون والصغار ينسون».. ويفشل هؤلاء في قراءة مميّزات الفلسطيني، المصمّم على البقاء، واسترداد حقوقه، فلقد علّمته تجربة الحرب الجارية كيف يتغلّب على صعوبات الحياة تحت القصف والتدمير، وانعدام وسائل الحياة، في غزة، تغلّب الناس على ندرة كلّ وسائل الحياة من الكهرباء والغاز، والطعام والدواء، والبيت، والماء، حتى أصبحت لديهم مناعة كافية للبقاء ومعاودة بناء الحياة.
لن تنجو إسرائيل بنفسها ولن ينجو داعموها أجانب كانوا أم عرباً، ومسلمين، من غضب الشعب الفلسطيني، فهو قد أثبت مئات المرّات أنّه شعب استثنائي.

نتنياهو على المشرحة: أسوأ رئيس حكومة في إسرائيل!

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي جاءت في أعقاب هجوم حماس على جنوب إسرائيل يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تمّ وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على المشرحة. هذا الأمر آخذ بالتصاعد في الأيام الأخيرة.

من أبرز من تصدّى لذلك، في الأيام القليلة الفائتة، مالك صحيفة “هآرتس“، عاموس شوكن، الذي نشر قبل عدة أيام مقالاً أكّد في مستهله أنه سوف يجري تذكّر بنيامين نتنياهو على أنه أسوأ رئيس حكومة؛ فقد فشل في منع التسلح النووي الإيراني وتصرف بغطرسة ضد الرئيس الأميركي باراك أوباما، بدلاً من مساعدته، وربما التوصل معه إلى اتفاق أفضل. ولقد أقنع دونالد ترامب بإلغاء الاتفاق من دون توفير بديل، وتسبب في تقليص المسافة الفارقة بين إيران والسلاح النووي مما عزّز مكانتها الدولية. بالنسبة لمواطني إسرائيل، فإنه زعيم يدبّ الخلاف والانقسام وليس زعيماً يوحّد المجتمع. وإن “قانون القومية” الفاشي الذي دفع لإقراره العام 2018، يشكل إضراراً خطيراً بخُمس المواطنين. وفي الآونة الأخيرة، اعتمدت إسرائيل على الجنود المقاتلين الدروز والبدو والعرب في مهن المجال الطبي في المستشفيات. لكن لم يخجل نتنياهو من معاملتهم كمواطنين بمستوى متدنٍّ.

وأضاف شوكن أن نتنياهو فشل في سياسته تجاه الفلسطينيين، فدعمه لحركة حماس فقط لتفادي إجراء مفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس حول إقامة دولة فلسطينية، قد أدى إلى كارثة السابع من أكتوبر. ولا يمكنه تحرير نفسه من هذا الفشل. ونتنياهو يعتبر نفسه أيضاً زعيماً للشعب اليهودي، لكنه تسبّب بأضرار لم يسبق أن تسبب بها أحد. ويمكن لكل شاب في العالم أن يشاهد في التيك توك كيف تسوّي إسرائيل غزة بالأرض وتقتل بقصفها الآلاف، بمن في ذلك النساء والأطفال والمسنون. يمكن رؤية النتائج في حرم الجامعات. ولقد أدت سياسة إسرائيل تحت زعامة نتنياهو إلى تقوية اللاسامية في العالم، لكن هذا لا يهمه على ما يبدو.

وأشار شوكن إلى أن نتنياهو قاد هذه السنة انقلاباً هدفه تدمير استقلالية جهاز القضاء الإسرائيلي وقدرته على حماية الجمهور ونقد الحكومة. لقد تعرضت المحكمة العليا للهجوم لأن وجودها ألزم الحكومات بالتصرف بشكل معقول وتقديم الخدمات ليس لنفسها بل للجمهور. ربما لم يعد هذا مقبولاً على نتنياهو. فهو لم يهتم بأن الملايين تظاهروا ضده على امتداد تسعة أشهر، وبأن وزير العدل ياريف ليفين قد أوضح أن خطة الإصلاح ستعود بعد الحرب.

ورأى مالك “هآرتس” أن الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي عارض الانقلاب القضائي، تجنّد بعد 7 أكتوبر بقوة لصالح إسرائيل، وعرّض بذلك قدرته على إعادة انتخابه للخطر وقد يدفع ثمناً انتخابياً بسبب دعمه لإسرائيل، التي بات ينظر إليها ناخبون ديمقراطيون محتملون كدولة يُحظر دعمها بسبب نظام الأبارتهايد والقوة الذي تمارسه ضد الفلسطينيين، ومن المهم بالنسبة لإسرائيل والعالم أن يُعاد انتخاب بايدن.  لذا يوجد تحرّك واحد يجدر بنتنياهو أن يأخذه في الاعتبار، بحسب ما يؤكد شوكن، وهو الإعلان عن قبوله لموقف بايدن وموافقته على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، واتخاذ إجراءات عملية نشطة لتحقيق ذلك مع السلطة الفلسطينية. وبرأيه إذا ما حدث ذلك، ستتحسن صورة إسرائيل على نحو ملحوظ.

بطبيعة الحال سيستمر هذا التوجّه حيال نتنياهو في الفترة المقبلة، وستكون هناك فرص أخرى لتسليط الضوء على هذا الموضوع، خصوصاً أن تناوله غير مقتصر على التحليلات الصحافيّة السريعة بل بدأ يتعدّى ذلك إلى الدرس والتدقيق، مثلما تمثّل على ذلك مقالة نشرها الباحث أفيتار أورن في موقع “تيلم”، الذي يعرّف نفسه بأنه منصة للحوار السياسي، ووصف فيه نتنياهو بأنه “المفكّك الأكبر”،؛ الشخص الذي تشبه شهوته للسلطة “ثقباً أسود ابتلع كل شيء من حوله، حتى كاد أن يبتلع دولة بأكملها”!

وبرأي هذا الباحث، إذا كانت الحرب الحالية في قطاع غزة هي الفصل الأخير في مسيرة نتنياهو السياسية، فإن العديد من الإسرائيلين يشعرون هذه الأيام بالتزام أخلاقي لضمان أن تكون فعلاً كذلك، وسيكون من الممكن كتابة سيرة هذه التجربة حول مبدأ التفكيك المذكور أكثر من أي شيء غيره. وهو يشير إلى أن احتفاظ نتنياهو بالسلطة أعواماً طويلة ـ على الرغم من كثرة الإخفاقات والفضائح وقلة الإنجازات المهمة على مر الأعوام، باستثناء قدرته المدهشة على إعادة انتخابه ـ نجح بواسطة آلية واحدة وبسيطة للغاية، هي آلية نفسيّة، تقوم على زرع الخوف وفي الوقت نفسه بناء صورته كشخصية أب قوية موثوقة، وقادرة بقواها الشخصية الخارقة على حماية الدولة من التهديدات الماثلة أمامها ومن أعدائها.

ويكتب أورن: إن الرسالة التي ظل نتنياهو ينقلها وحدها بمنهجية إلى أنصاره لسنوات هي بإيجاز: أنتم معي في أمان، وبدوني إلى ضياع. إن شعب إسرائيل على بعد خطوة واحدة من هولوكوست ثان، الأخطار الوجودية محدقة به دائما، ووحده نتنياهو الذي يقف سداً في وجه السيل. لهذا الغرض، أبقى على مر الأعوام على أعداء يبثون الرعب في أوساط الجمهور الإسرائيلي العريض، مثل إيران وحماس.

ويعرب أورن عن اعتقاده بأن تحوّل نتنياهو إلى زعيم خطر ومنحلّ كان تدريجياً وليس خاطفاً. كما أن رسائله السياسية – الثيولوجية تعززت بقوة على مر السنوات بفضل سيطرته التي لم يكن مثيل لها على وسائل الإعلام الجماهيرية، ومن خلال القضاء المنهجي على أي شخص وأي شيء قد يهدّد صورته الأبوية المهابة أو يجعلها فائضة عن الحاجة. ولقد قيل وكُتب الكثير عن المنهجية التي قضى بواسطتها نتنياهو سياسياً على خصومه في الداخل والخارج، فقد جزّ رؤوس المعارضين المحتملين في حزب الليكود ودفع إلى عزلهم أو نفيهم من الحزب (ومنهم أفيغدور ليبرمان، وجدعون ساعر، وموشيه كحلون)، وحرص على إحاطة نفسه وملأ قيادة حزبه بشخصيات وضيعة صاغرة ومتملقة لا تهدّد تفوقه الحصري. وبالمثل، قام نتنياهو بالقضاء المنهجي على خصومه السياسيين في الوسط واليسار الصهيوني، بواسطة اغتيال شخصياتهم وعرضهم كجبناء وضعفاء ومهزوزين.

لكن نتنياهو لم يكتف بتصفية المعارضين فقط، كما يكتب أورن، بل قام بتصفية مؤسسات وبنى تحتية وأنظمة وآليات، وأدى إلى تآكل عميق في ثقة الجمهور بكل هذه الأجهزة: جهاز الأمن، وجهاز القضاء، ووسائل الإعلام المستقلة، والمجتمع المدني، وجهاز الرفاه والخدمات الاجتماعية، وقطاع الخدمات العامة، والشرطة، ورقابة الدولة، وجهاز الصحة، وكذلك الكنيست كمؤسسة مستقلة. ويصعب على المرء التفكير في مؤسسة عامة واحدة لم يقم نتنياهو بإضعافها بشكل منهجي في العقود الثلاثة الماضية.

وفي ما يخص المجال الأمني، يكتب أورن أنه كان متعارفاً عليه القول في غالبية السنوات إن نتنياهو محافظ للغاية – يتجنب المغامرات التي من شأنها أن تكلف الجمهور الإسرائيلي ثمناً باهظاً (والأخطر من ذلك، ثمناً سياسياً باهظاً للغاية بالنسبة له)، وأنه يعمل بطريقة محسوبة للحفاظ على الوضع القائم قدر الإمكان – حتى على حساب إيجاد حل أساسي، سياسي أو عسكري للمشاكل الجوهرية، “أما الآن فقد سقط علينا الإدراك بأن أسلوب التعامل الإسرائيلي مع حماس كان على الدوام لعباً بالنار”.

وبموجب ما يشير الباحث، فإن السياسة التي انتهجها نتنياهو في الساحتين الفلسطينية والإيرانية طوال فترة ولايته تندرج تماماً في هذا القالب المطروح. فلقد حاول نتنياهو طوال حياته منع التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، لأنه في غياب صراع أو تهديد أمني دائم، ستقلّ الحاجة إليه كزعيم قوي. وإن التوجه المتمثل في تعزيز حماس وإضعاف السلطة الفلسطينية، الذي روّج له نتنياهو بمنهجية على امتداد العقد الماضي، هو التعبير الواضح عن ذلك. كذلك فإن معارضة نتنياهو للاتفاق النووي مع إيران تهدف إلى الإبقاء على المواجهة معها، هذا على النقيض من موقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي اعتقدت أن الاتفاق سيبعد التهديد الإيراني سنواتٍ طويلة وسيحرر موارد لصالح التعاطي مع مشاكل أخرى.

وختم أورن قائلاً إنه في أحداث “غلاف غزة” يوم 7 أكتوبر وصلت نزعة إضعاف الأجهزة والمؤسسات إلى مستويات مروعة، لدرجة أنه لم يستطع حتى أشد منتقدي نتنياهو تخيّلها، فالقيادة قادت إسرائيل بعيون مفتوحة إلى هذه “الكارثة”، والجيش الإسرائيلي خيّب الظن والأمل – سواء من ناحية استخباراتية (توقع هجوم حماس المفاجئ ومدى قوته) ومن ناحية عملياتية (في الاستعداد والوصول سريعاً إلى حلبات الأحداث). كما أن المنظومات العامة، التي من المفترض أن تعمل في أوقات الطوارئ، فشلت فشلاً ذريعاً في الأيام الأولى على الأقل، إذ فشلت في تلبية احتياجات الناجين، والتواصل مع أهالي المفقودين والمختطفين والقتلى، وتقديم تعويضات سريعة لمن يحتاجون إليها. كما أن الوزارات الحكومية تفشل في عملها. وهذه الفوضى، من أولها إلى آخرها، هي صنيعة يدي نتنياهو، الذي كان دائماً يبني على أن يكون الوضع مخيفاً بدرجة كافية لجعل الجمهور في حاجة إليه، لكن ليس سيئاً لدرجة أن يضطر إلى إثبات قواه الخارقة وأن يُنظر إليه كمسؤول عن الكارثة. والآن فات الأوان بالفعل.

ويخلص الباحث إلى الاستنتاج الآتي: “إن الكارثة الحالية هي أولاً وقبل كل شيء أمنية، لكن انعدام أداء كافة الأجهزة في إدارة الدولة في أزمة تصرخ إلى السماء، يزيد من الضائقة والعجز. هذا التفكك ليس نتاجاً ثانوياً مرافقاً غير مرغوب فيه أو ضرراً جانبياً لعمل نتنياهو، بل هو العمل نفسه. ومن الصعب أن نفكر في الأجهزة التي تمت رعايتها في عهده، فيما عدا اليمين المتطرف في إسرائيل وحماس. هذا هو إرثه، وهكذا تمكن من أن يُنتخب عدداً من المرات أكثر من أي رئيس حكومة آخر وأن يحكم فترةً أطول من أي رئيس حكومة آخر. أن يُنتخب لكي يُنتخب، وأن يحكم لكي يحكم”.

حادثة مقتل محام إسرائيلي برصاص جندي احتياط تعيد النقاش حول “سياسات إطلاق النار”

 وليد حباس

يوفال كاستلمان، محام إسرائيلي خدم سابقا في شرطة حرس الحدود. مع بداية الحرب على قطاع غزة انضم إلى قوات الاحتياط الإسرائيلي للمشاركة في الحرب، وبعد فترة قصيرة تم تسريحه ليعود ويزاول مهنته. في تاريخ 30 تشرين الثاني 2023، وقعت عملية إطلاق نار نفذها شابان من قرية صور باهر في القدس. كان كاستلمان متواجدا في موقع العملية واقترب من سيارة المنفذين، وأطلق النار على الشابين مما أدى إلى استشهادهما. في اللحظة نفسها، وصل أفيعاد فريجا، وهو مستوطن وجندي احتياط مسلح، وظنّ بأن كاستلمان (الذي قتل المنفذين الفلسطينيين) هو واحد من منفذي العملية. رفع فريجا السلاح في اتجاه كاستلمان وأطلق عليه رصاصة ما أدى إلى سقوطه على ركبتيه. وألقى كاستلمان سلاحه، ورفع يديه أمام الجندي فريجا، وخلع سترته ليظهر أنه غير مسلح، وألقى محفظته على الأرض حتى يتمكن فريجا من رؤية بطاقة هويته الإسرائيلية. لكن فريجا اقترب منه، وأطلق عليه عدة رصاصات إضافية أسفرت عن مقتله.

في إسرائيل كان هناك عدد من الحالات التي قتل فيها إسرائيلي إسرائيلياً آخر عن طريق الخطأ بعدما ظن أنه “مقاوم فلسطيني”… فمثلاً في العام 2015، بعد هجوم فلسطيني على محطة الحافلات المركزية فيبئر السبع، تم إطلاق النار على حبتوم زرهوم، وهو عامل أجنبي، وجرى إعدامه بدون تفكير أو تفحص. وفي العام 2022، قتل إسرائيلي بالرصاص عند مفترق رعنانا (وسط إسرائيل) على يدي جندي اشتبه بهبأنه فلسطيني. لكن في هذه المرة، تأتي قضية فريجا في سياق مختلف كليا. فقبل أقل من عام واحد، دخل إيتمار بن غفير، رئيس حزب “عوتسما يهوديت” (“قوة يهودية”) الفاشي، إلى الحكومة الإسرائيلية التي يترأسها بنيامين نتنياهو، وفي جعبته أجندة متطرفة في كل ما يخص محاربة الفلسطينيين. من جهة، دعا بن غفير إلى تسليح العدد الأكبر من الإسرائيليين، كما دعا إلى تشكيل ميليشيات مدنية تحت اسم “الحرس القومي”. والفكرة من وراء هذه المجموعات تكمن في خلق واقع جديد من خلاله يتحول كل إسرائيلي إلى “مسلح متجول” ويكون قادراً على التعامل مع أي عملية فلسطينية قبل وصول الشرطة.

وقد رفد بن غفير هذه الفكرة بجملة من التسهيلات، انطلاقا من موقعه كوزير للأمن القومي ومسؤول عن الشرطة وحرس الحدود. أحد أهم هذه التسهيلات سعيه لتقديم تشريعات من شأنها أن تسهل قواعد إطلاق النار. وهذه القواعد تحدّد متى يُسمح لحاملي الأسلحة النارية، وخاصة الجنود، بإطلاق النار من أسلحتهم،من دون تلقي أمر مباشر بإطلاق النار في الوقت الحقيقي، وتحدّد الخطوات التي يجب اتخاذها قبل إطلاقالنار. واعتبر المعارضون الإسرائيليون لهذه التشريعات اليمينية المتطرفة بأنها قد تشكل تهديداَ لدور جهاز القضاء الإسرائيلي، حيث أن الحرس القومي قادر على توقيف هدف يعتبره خطراً والحكم عليه بالإعدام من دون الحاجة إلى وضعه أمام سياق قضائي قانوني.

التسهيل الثاني الذي دفع بن غفير إلى إدخاله يتعلق بتسهيل تراخيص حمل السلاح. وقبل أسبوع قدم يسرائيل أفيسار استقالته من منصبه كمسؤول عن قسم توزيع الأسلحة النارية في وزارة الأمن القومي مدعيا بأن الوزير، أي بن غفير، يتجاوز الإجراءات المهنية المعمول بها في منح أسلحة نارية ويقوم بتقديم أجندته الرامية إلى زيادة عدد القطع النارية في أيدي المتطرفين والمستوطنين خاصة.

هذا النقاش كان في خلفية الحادثة التي قام بها فريجا بإطلاق النار على “شخص” (قبل أن يعرف أنه إسرائيلي)، حتى بعد أن استسلم ورمى سلاحه على الأرض. وفريجا هو مستوطن كان سابقاً عضواً في جماعة “شبيبة التلال”، ويحمل رؤية توراتية متطرفة. بعد الحادث، تم نشر مقاطع فيديو يظهر فيهاكاستلمان يتوسل من أجل حياته ويبين بشكل واضح أنه لم يكن فلسطينياً.  وعلى الرغم من كل هذا، استمرالجندي فريجا في إطلاق النار عليه حتى أصيب بجروح قاتلة توفي متأثراً بها. ومن المتوقع أن يستمر النقاش في هذا الموضوع وقد يستلزم أن نعود إليه على نحو أوسع.

الاقتصاد الإسرائيلي يغوص في ركود يزحف نحو انكماش، والبنوك تستعد لموجة من حالات الإفلاس

 برهوم جرايسي

تشير كل التقديرات بشأن الاقتصاد الإسرائيلي – سواء أكانت صادرة عن مؤسسات رسمية أم عالمية- إلى أن الاقتصاد بات يغوص في حالة ركود، في العامين الجاري والمقبل 2024، إلا أن تقارير عالمية تؤكد أن هذا الاقتصاد يزحف نحو حالة انكماش محدود، ومستوى المعيشة في حالة تردٍ، في حين أن البنوك التجارية الإسرائيلية باتت تستعد لموجة حالات إفلاس، بسبب اتساع ظاهرة عدم القدرة على تسديد الديون والاعتمادات المالية. كل هذا هو بمثابة انعكاس مباشر للحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وانعكست في شل قطاعات اقتصادية حيوية، وضربت الاستهلاك الفردي والعام في السوق الإسرائيلية.

ففي التقرير الدوري، الصادر في الأسبوع الماضي، خفّض بنك إسرائيل المركزي تقديراته للنمو الاقتصادي، لتصبح بنسبة 2% في كل واحد من العامين الجاري والمقبل 2024، وهذه تعد نسبة ركود، نظرا لتساويها مع نسبة التكاثر السكاني، لكن في قراءة أخرى يظهر أن الربع الأخير الحالي من العام الجاري 2023، سيغرق الاقتصاد في حالة انكماش واضح، يختزل نسب النمو الاقتصادي التي تحققت في الأرباع الثلاثة الأولى من هذا العام. غير أن تقديرات بنك إسرائيل المركزي ترتكز على فرضية أن الحرب ستنتهي في الربع الأول من العام المقبل، وفي هذه الحالة، فإن النمو سيرتفع في الربع الأول من العام المقبل بنسبة 1.6%، وهذا أيضا يعد انكماشا فعليا، لكن إذا ما امتدت الحرب إلى نهاية العام، فإن النمو سيكون في محيط صفر بالمئة، ولأكثر دقة 0.2% مع نهاية العام المقبل.

وهذه التقديرات الرسمية، القابلة للتعديل في كلا الاتجاهين، تزامنت مع صدور تقديرات عن منظمة التعاون والتنمية للدول المتطورة OECD، رأتها الصحافة الإسرائيلية سيئة للغاية، إذ بحسبها فإن النمو الاقتصادي سيرتفع في العام الجاري بنسبة 2.3%، وفي العام المقبل 1.5%، في حين أن تقديرات OECD للاقتصاد الإسرائيلي قبل الحرب، كانت نموا اقتصاديا بنسبة 2.9% في العام الجاري، و3.3% في العام المقبل 2024.

وتقول OECD إن أساس الضرر الاقتصادي سيتركز في الربع الأخير من العام الجاري، وأن الاقتصاد الإسرائيلي سيشهد نمواً متسارعاً بنسبة 4.5% في العام 2025، ويبدو أن المنظمة الدولية ترتكز على تجارب سابقة للاقتصاد الإسرائيلي، في جانب أنه بعد انتهاء حالة التوتر، فإن الجمهور سيُقبل على صرف زائد، تعويضا عما سبق، بعد أن حرص على عدم الصرف الزائد في حالة عدم الاستقرار.

وبحسب تقرير OECD نفسه، فإن إجمالي الدين الإسرائيلي العام سيقفز من حجم 60% من إجمالي الناتج العام حاليا، إلى 65% مع نهاية العام 2024، وهذا يتلاءم مع تقديرات بنك إسرائيل المركزي، ووزارة المالية الإسرائيلية. و5% زيادة تعادل 100 مليار شيكل (ما يقارب 27 مليار دولار)، هي الزيادة المتوقعة في الصرف الرسمي، بسبب العدوان على قطاع غزة، موزعة على العامين الجاري والمقبل، إذ إن الكنيست كان قد أقر بأصوات الائتلاف زيادة 30 مليار شيكل على ميزانية العام الجاري، من خلال زيادة نسبة العجز في الموازنة العامة.

وكانت شركة التقييم والتقديرات الاقتصادية العالمية، “موديس”، قد توقعت انهيار معدل الفرد من الناتج الإسرائيلي، من 54.3 ألف دولار في العام 2022، إلى 46 ألف دولار مع نهاية العام المقبل 2024، وهذا تراجع بنسبة 15%.

وترى الشركة نفسها أن التراجع الاقتصادي سيطاول الكثير من المؤشرات الاقتصادية، لكنها زادت وقالت إن قيمة الشيكل أمام الدولار ستتدهور إلى مستوى 4.3 شيكل للدولار، رغم أن تدهور قيمة الشيكل كانت فقط في الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب، ثم تحسنت بنسبة عالية، وعادت إلى المستوى الذي كانت عليه في منتصف شهر آب الماضي، وساهم في هذا أن بنك إسرائيل باع قبل 3 أسابيع 8.2 مليار دولار، وهذا 25% فقط مما أعلن سابقا عن بيعه كي يحافظ على قيمة الشيكل، كما تداخلت عوامل عالمية ومحلية أخرى رفعت من قيمة الشيكل حتى الآن.

ما سيقلق الاقتصاد الإسرائيلي هو أنه في تقديرات “موديس” أن الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الإسرائيلي ستنهار بنسبة 75% في العام المقبل، من حوالى 12 مليار دولار في بحر العام الجاري، إلى أقل من 3 مليارات دولار بالمعدل، في العام المقبل 2024.

ويقول المحلل الاقتصادي إيتان أفريئيل، في مقال له في صحيفة “ذي ماركر” التابعة لصحيفة “هآرتس“، إنه في الأسبوعين الأخيرين، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب، “تلقينا التقديرات الأولى للوضع الاقتصادي لإسرائيل في العام المقبل 2024، وبحسب كل التوقعات، ستكون هذه سنة قاتمة ومعظمنا كذلك. سيكون الناس أكثر فقرا (أو أقل ثراء، كل حسب حالته)، ليستهلكوا أقل، وسيمارسون نشاطا تجاريا بدرجة أقل. وهذا ليس توقعا مفاجئا، لأننا في حالة حرب، لكن السؤال هو: إلى أي مدى؟”.

وأضاف: “أولئك الذين لديهم وظيفة ومنزل، سوف يستهلكون أقل في العام المقبل، وسيوفرون أيضا أقل… وفقا لوكالة موديس، ستنخفض المدخرات الخاصة في إسرائيل في العام 2024 بأكثر من 5%. وإذا لم تنته الحرب بسرعة بانتصار إسرائيلي لا لبس فيه، فستكون هذه سنة اقتصادية صعبة. وحتى الواردات، وهي غالبية السلع الاستهلاكية، والتي انخفضت بالفعل بالقيمة الدولارية بنحو 15% في العام 2023، من المتوقع أن تنخفض في العام 2024 بنحو 14% أكثر. وهذا هو أوضح مثال على الضرر الذي لحق بالاستهلاك الشخصي ومستويات المعيشة”.

ويتابع: “لقد كانت التكنولوجيا الفائقة (الهايتك) هي المحرك للاقتصاد الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، خاصة خلال سنوات الكورونا، بل إنها كانت تسير في اتجاه الانتعاش في الخارج بفضل المكاسب التي حققتها سوق الأسهم الأميركية، لكن الأجواء في الصناعة صعبة”.

ويشير أفريئيل أيضاً إلى أن قطاع السياحة الوافدة كذلك، وهو قطاع تصديري يدر الدولارات “أصبح مشلولا تماماً، وكذلك السياحة الخارجية، في ظل غياب الحالة المزاجية. وشركات الطيران الأجنبية التي تسافر إلى إسرائيل تعاني من ركود حاد. ولقد انخفض نشاط قطاعات الترفيه بنسبة عشرات بالمئة، وأفاد اتحاد سائقي سيارات الأجرة عن انخفاض دخلهم بنسبة 50% أو أكثر”.

قطاع البناء على حافة انهيار

تؤكد كافة التقارير الإسرائيلية على أن قطاع البناء، الذي يشكل قطاعا أساسيا في حسابات النمو الاقتصادي، يشهد حالة انهيار، ويدور الحديث حول انخفاض بنسبة 70% من الإقبال على شراء البيوت، وهذا الانخفاض بدأ قبل الحرب، بفعل الأوضاع الاقتصادية التي بدأت تتردى في إسرائيل، لكن الحرب أدت إلى استفحال التراجع وبات في وضع انهيار.

وعوامل الانهيار تبدأ في انقطاع 85% من العاملين عن العمل، إذ إن 60% من العاملين كانوا فلسطينيين من الضفة الغربية أساساً، من بينهم نسبة قليلة من قطاع غزة، وحوالى 25% عمال أجانب، ففي حين تم سحب تصاريح العمال الفلسطينيين، فإن الغالبية العظمى جداً من العمال الأجانب غادرت البلاد. وتريد إسرائيل استقدام عشرات آلاف العمال الأجانب، إلا أن هؤلاء ليسوا متشجعين للوصول، في حين أن دولاً حظرت على مواطنيها السفر إلى إسرائيل.

وعلى الرغم من الدعوات الدائمة للاستغناء عن العمال الفلسطينيين، فإنه وفق تقارير حالات سابقة فإن العامل الفلسطيني مفضل أكثر على المقاولين، وأيضا على الاقتصاد، فمن ناحية هو أكثر مهنية وإنتاجية، ومن ناحية أخرى فإن المردود المالي الذي يتقاضاه سيتم صرفه في البلاد، حتى لو أن الصرف في الضفة أو في قطاع غزة، ففي هذا أيضاً استفادة للاقتصاد الإسرائيلي، بينما العامل الأجنبي يحوّل الغالبية العظمى من راتبه إلى وطنه الأصليّ. والتخوف الأكبر من قطاع البناء هو بسبب حجم الاعتمادات البنكية فيه، الذي يصل إلى مستوى 500 مليار شيكل (134 مليار دولار)، وإن أي خلل في القدرة على التسديد سيضرب أجهزة ومؤسسات مالية عديدة.

كما يُثقل على قطاع البناء الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام لعدة أسباب، منها ارتفاعها في الأسواق العالمية، وأيضا التراجع في حركة نقلها إلى إسرائيل.

البنوك تستعد لموجة حالات إفلاس ضخمة

أمام الأوضاع الاقتصادية التي تزداد سوءاً، فقد أعلنت البنوك الإسرائيلية الخمسة الأكبر، في الأسبوع الماضي، عن مضاعفة احتياطي الخسائر الافتراضية، من جراء احتمالات حالات الإفلاس، بسبع مرات، وذلك من حوالى 488 مليون شيكل، كاحتياطي عادي قبل الحرب، إلى 3.1 مليار شيكل حالياً، إذ إن التخوف الأكبر لدى البنوك هو من تزايد حالات إفلاس المصالح الاقتصادية الصغيرة، بصفتها المتضرر الأسرع من الأوضاع الاقتصادية القائمة.

وبحسب التقديرات، فإن حالة العجز عن تسديد الالتزامات ستتضاعف لدى المصالح الصغيرة أكثر من غيرها، لكن هذا لا يعني أن ظاهرة الإفلاس لن تطاول مصالح اقتصادية وسطى من حيث حجمها.

وطالبت البنوك الحكومة الإسرائيلية بوضع برنامج دعم حقيقي وملموس يحمي هذه المصالح الصغيرة، ويعوّضها عن خسائرها، ما يجعلها قادرة على تسديد التزاماتها، نحو البنوك والمؤسسات المالية الرسمية.

وبالرغم من هذا، فإن الخسائر مهما استفحلت فإنها لن تصل إلى البنوك نفسها، فإن أقصى ما سيكون لدى البنوك هو تراجع حجم أرباحها، التي سجلت في العامين الأخيرين ذروة غير مسبوقة، وفي الأشهر التسعة الأولى سجلت البنوك الخمسة الأكبر أرباحاً صافية بقيمة إجمالية بلغت 19.6 مليار شيكل، ما يعني أن البنوك كانت مرشحة لتسجيل ذروة جديدة هذا العام، مقارنة مع حجم أرباحها في العامين 2021، حينما بلغت 18.3 مليار شيكل، وفي العام الماضي 2022 حينما قاربت 24 مليار شيكل.