📄 برك المياه في قرى جنوب لبنان ، حكاية أرض وذاكرة
✒️ جواد | موقع الواقع برس الإعلامي
الصورة :بركة ميس الجبل عقب عدوان ال ٦٦ يوم .
شكّلت البرك المائية في قرى جنوب لبنان أو جبل عامل كما أحب أن أناديه بتسميته التاريخية الممتدة من زمان أبي ذر الغفاري ، جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للعامليين ، وارتبط وجودها بطبيعة الأرض وحاجات الناس ومواسم الزراعة ، فمنها ما أُنشئ لتجميع مياه الأمطار والإستفادة منها في ريّ الأراضي ، ومنها ما تشكّل في المنخفضات الصخرية الطبيعية ، لتصبح مع مرور الوقت معالم مألوفة في محيط القرى وحقولها وبساتينها .
يومها ، كانت الحياة تبدأ باكرًا مع ضوء النهار ، يتوجّه الفلاحون إلى أراضيهم ، يتفقّدون أشجار الزيتون والتين والعنب وشتول التبغ المرة والعصية والتي أخذت منها المقاو.. ومة بأسها ، ويتابعون أعمالهم الزراعية بحسب الموسم ، وكانت البرك جزءًا من هذا المشهد اليومي ، تمرّ بمحاذاتها طرقات ترابية يسلكها الأهالي ، وتحيط بها أحيانًا أشجار وأعشاب برية ، فتندمج مع تفاصيل الريف العاملي وطبيعته .
ومع اشتداد حرارة الصيف ، كانت بعض هذه البرك تتحوّل إلى مقصد للأولاد والشبان ، يحملون ثيابهم ومناشفهم ، ويتوجهون إليها سيرا على الأقدام أو على ظهور الدواب برفقة أصدقائهم ، لقضاء ساعات من السباحة واللعب ، حيث تسمع أصوات الضحكات والتحديات ، ويتنافس الأولاد في القفز إلى المياه عن طريق الشَّك ، فيما يجلس آخرون على الصخور أو تحت ظلال الأشجار ، يتبادلون الأحاديث والحكايات ، وفي زاوية أخرى يجلس شاب مع حبيبته ، يتشاركون حلم المستقبل .
لم تكن هذه الأمور تحتاج إلى ترتيبات كبيرة ، تكفي قطعة خبز وزيتون ، أو بعض الزعتر والطماطم ، لتتحوّل إلى جلسة قروية بسيطة ، وكان بعض الأولاد يعودون إلى بيوتهم مع إقتراب المساء خوفًا من الضباع أو من روايات أم رعيدة التي كانت الأمهات تقصها على الأولاد لتجبرهم عدم البقاء خارج المنزل ليلا ، وقد غطّى الغبار أقدامهم ، وابتلت ثيابهم ، حاملين معهم قصصًا جديدة يروونها لأهلهم .
هكذا كانت البركة مساحةً للقاء ، وموعدًا يتجدّد مع أيام الصيف ، وذكرى مشتركة بين أبناء الحيّ الواحد والقرى المجاورة .
ومع تعاقب السنوات ، أصبحت هذه الأماكن أكثر من مجرّد تجمّعات للمياه ، فقد ارتبطت بطفولة أجيال كاملة ، وبمشاهد الريف العاملي لذي جمع بين الأرض والزراعة والعلاقات الإجتماعية البسيطة ، وكانت قيمتها تتجاوز وظيفتها العملية ، لتصبح جزءًا من هوية المكان وذاكرته الشعبية .
حتى أتى الغول الإسرائيلي من أصقاع كل الأرض بإتفاق أممي طاغوتي عمدته بلفور المقبور ، وترك آثارًا قاسية على الأرض ومعالمها ، فقد تعرّضت مناطق وموارد طبيعية وممتلكات للتدمير والأضرار ، وتبدّلت معالم بعض المواقع التي عرفها الأهالي لعقود ، ومع استمرار العدوان وآثاره ، باتت حماية هذه المعالم وتوثيق ما أصابها ضرورةً لحفظ الذاكرة المحلية ، لا سيّما حين تكون تفاصيل الضرر بحاجة إلى تسجيل ميداني دقيق .
إنّ طمس معالم الجنوب ، سواء بفعل التدمير المباشر أو تغيّر البيئة المحيطة بها ، لا يعني خسارة موقع طبيعي فحسب ، بل يعني أيضًا تهديد جزء من ذاكرة الناس وعلاقتهم بأرضهم ، فالبركة التي شهدت ضحكات الأطفال ، ولقاءات الأصدقاء والأحباء ، وتفاصيل أيام الصيف ، تختزن حكايات لا تظهر في الخرائط ولا تُقاس بحجم المياه التي كانت تجمعها .
إنّ هذا النص التوثيقي أعتبره لوجه من وجوه الحياة الريفية العاملية ، ولذاكرةٍ صنعتها الأرض وأهلها عبر الأجيال ، ومهما خلّفت الحروب من خراب ، تبقى حكايات هذه الأماكن جزءًا من تاريخ القرى ، وشهادةً على حياةٍ بسيطة تستحق أن تُروى ، ومعالم تستحق أن تُحفظ من النسيان .
الواقع برس اخبار محلية وعالمية