مرحلة إعادة تشكيل المشهد الإسرائيلي
لا يمكن قراءة التطورات الإسرائيلية المتسارعة بمعزل عن تداخل ثلاثة مسارات رئيسية: أزمة تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، وتراجع هامش المناورة السياسية أمام بنيامين نتنياهو، وتصاعد الضغوط الإقليمية المرتبطة بالمواجهة مع إيران، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
المشهد الحالي لا يعكس مجرد تنافس بين أحزاب على السلطة، بل يكشف عن أزمة أعمق في بنية القرار الإسرائيلي، وعن صعوبة إنتاج قيادة سياسية تحظى بتوافق داخلي وتملك في الوقت نفسه حرية الحركة العسكرية والاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مراقبة العلاقة بين الحسابات السياسية الداخلية والقرارات الميدانية، ولا سيما أن أي تبدل في ميزان القوى داخل الكيان قد ينعكس على طبيعة التعاطي مع الجبهتين اللبنانية والإيرانية.
—
أولاً: المشهد السياسي الإسرائيلي – نتنياهو أمام اختبار الخروج من السلطة
1. آيزنكوت يتقدم في التوصيات… لكن الطريق إلى الحكومة لا يزال معقداً
شكّلت نتائج مشاورات رئيس الكيان إسحاق هرتسوغ مع الكتل البرلمانية ضربة سياسية جديدة لبنيامين نتنياهو، بعدما حصل غادي آيزنكوت على توصيات 67 نائباً مقابل 46 لنتنياهو، فيما امتنع سبعة نواب عن التوصية بأي مرشح.
هذا التقدم يمنح آيزنكوت أفضلية سياسية واضحة، لكنه لا يعني امتلاكه أغلبية حكومية جاهزة، إذ إن جزءاً من هذه التوصيات جاء من القوائم العربية التي لا يُتوقع أن تدخل رسمياً في ائتلافه.
وتكمن العقدة الأساسية في أن معسكر آيزنكوت، المؤلف من أحزاب صهيونية تضم 48 مقعداً، يحتاج إلى استقطاب قوى إضافية للوصول إلى عتبة الـ61 نائباً اللازمة لتشكيل الحكومة.
وبذلك، فإن المعركة لم تعد محصورة في إسقاط نتنياهو سياسياً، بل انتقلت إلى اختبار قدرة خصومه على إنتاج ائتلاف متماسك، وهو اختبار قد يكون أكثر صعوبة من حصد التوصيات.
2. حكومة الطوارئ: محاولة لتجاوز الانقسام الداخلي
يطرح آيزنكوت صيغة حكومة طوارئ وطنية تستند إلى أربعة مبادئ أساسية:
– تثبيت تعريف إسرائيل باعتبارها دولة يهودية وديمقراطية.
– الالتزام بوثيقة الاستقلال.
– فرض الخدمة العسكرية أو المدنية الإلزامية على نطاق شامل.
– اعتبار حماس منظمة إرهابية والعمل على تفكيك قدراتها العسكرية والحكومية.
هذه المبادئ ليست مجرد عناوين سياسية، بل تمثل محاولة لرسم حدود واضحة لأي شراكة حكومية مقبلة.
غير أن المشكلة تكمن في التناقض بين هذه الشروط ومتطلبات تشكيل الائتلاف، ولا سيما في ملف تجنيد الحريديم، الذي يشكل إحدى أكثر القضايا تفجيراً داخل المجتمع الإسرائيلي.
3. ليبرمان والحريديم: مناورة لتفكيك معسكر نتنياهو
يمثل التحول في موقف أفيغدور ليبرمان تجاه الأحزاب الحريدية تطوراً مهماً في حسابات تشكيل الحكومة.
فاستعداده لبحث تسويات في ملف التجنيد، والتراجع عن بعض شروط تقاسم المناصب، يفتح الباب أمام إعادة ترتيب التحالفات السياسية، ويضع الأحزاب الدينية أمام فرصة للخروج من ارتباطها التقليدي بنتنياهو.
وتحمل هذه الخطوة احتمالين:
الأول، استخدام الحريديم لتأمين أغلبية بديلة وإقصاء نتنياهو عن رئاسة الحكومة.
والثاني، أن يكون ليبرمان بصدد تثبيت نفسه لاعباً مركزياً في أي تسوية سياسية مقبلة، بحيث لا يقتصر دوره على دعم آيزنكوت، بل يمتد إلى التأثير في شكل الحكومة ورئاستها.
أما موقف حزب يهدوت هتوراة ومصادر من شاس، فيكشف عن وجود قابلية لمناقشة خيارات جديدة، لكن ذلك لا يعني أن انتقالهما إلى معسكر آيزنكوت أصبح أمراً محسوماً.
4. القوائم العربية: أصوات لإسقاط نتنياهو لا شراكة حكومية
يشكل موقف القوائم العربية عنصراً أساسياً في معادلة التوصيات.
فدعم آيزنكوت لا يعني بالضرورة المشاركة في حكومته، بل يندرج في إطار منع عودة نتنياهو إلى السلطة، ومحاولة انتزاع مكاسب سياسية وتشريعية تتصل بميزانيات البلدات العربية، ومواجهة الجريمة وهدم المنازل، وتحسين أوضاع فلسطينيي الداخل.
وهنا تظهر مفارقة سياسية واضحة: آيزنكوت يستفيد من الأصوات العربية لتوسيع الفارق في التوصيات، لكنه يواجه في الوقت نفسه صعوبة في تحويل هذا الدعم إلى شراكة حكومية بسبب شروطه ومواقف حلفائه.
5. أزمة الثقة والمؤسسات: الانتخابات تفتح جبهة داخلية جديدة
لا تتوقف الأزمة عند حدود التنافس الحزبي، بل تمتد إلى المؤسسات الأمنية والقضائية، وسط اتهامات متبادلة بشأن التدخل الخارجي والتأثير في الانتخابات.
وتكشف الخلافات بين الشرطة والشاباك، إلى جانب الجدل حول الحسابات المزيفة وشبهات التأثير الإلكتروني، عن اتساع حالة انعدام الثقة داخل المنظومة الإسرائيلية.
كما أن رفض المستشارة القضائية فتح تحقيق في شبهات التدخل الأجنبي بحق الأحزاب العربية لغياب الأدلة الكافية، يسلط الضوء على حساسية استخدام الأجهزة الأمنية في الصراع السياسي.
القراءة: لم يعد نتنياهو يواجه منافسة انتخابية تقليدية، بل يواجه محاولة لإعادة تشكيل موازين السلطة والمؤسسات، فيما لا يزال خصومه عاجزين عن إثبات قدرتهم على تجاوز خلافاتهم وتقديم بديل حكومي مستقر.
—
ثانياً: الجبهة اللبنانية – سياسة فرض الوقائع تحت سقف التهديد المفتوح
1. تصعيد ميداني متواصل ومحاولات تثبيت معادلة السيطرة
تظل الجبهة اللبنانية إحدى أبرز ساحات اختبار السياسة الأمنية الإسرائيلية، في ظل استمرار القصف المدفعي والغارات والتفجيرات وعمليات التوغل المحدودة في عدد من المناطق الجنوبية.
وشهد يوم الجمعة 6 تشرين الثاني سلسلة اعتداءات طالت مناطق في الجنوب، من بينها المنصوري ووادي زبقين وحداثا وميفدون وكفرتبنيت، بالتزامن مع إطلاق النار والأعمال التفجيرية والتحركات العسكرية في محيط عدد من البلدات.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الاحتلال لا يتعامل مع التهدئة باعتبارها نهاية للمواجهة، بل كمساحة لمواصلة الضغط الميداني، واستنزاف البيئة الحدودية، وفرض وقائع أمنية وجغرافية جديدة.
وتتجاوز دلالة هذه الاعتداءات حجم الأضرار المباشرة، إذ ترتبط بمحاولة إبقاء المناطق الجنوبية تحت ضغط دائم، وإعاقة عودة الحياة الطبيعية وإعادة الإعمار والاستقرار.
2. الاستعداد لاحتمال تجدد الحرب: لبنان في حسابات المواجهة مع إيران
من أبرز التطورات التي تستحق المتابعة ما أوردته تقارير إعلامية في 6 و7 تشرين الثاني عن استعدادات إسرائيلية لاحتمال استئناف العمليات العسكرية في لبنان إذا تجددت المواجهة مع إيران.
وفي حال تأكدت هذه التقديرات، فإنها تكشف عن ارتباط متزايد بين الجبهة اللبنانية والحسابات الإقليمية الإسرائيلية.
فإسرائيل لا تنظر إلى لبنان باعتباره ساحة منفصلة تماماً عن المواجهة مع طهران، بل كجزء من شبكة الردع والتوازنات الإقليمية.
وهذا يطرح احتمال أن تحاول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية استثمار أي تصعيد مع إيران لتوسيع الضغط على لبنان، أو استخدام التهديد بفتح الجبهة اللبنانية ضمن أدوات الضغط السياسي والعسكري.
لكن لا بد من التمييز بين الاستعدادات والسيناريوهات العسكرية وبين اتخاذ قرار فعلي بشن حرب واسعة، إذ لا توجد دلالة كافية على أن قراراً نهائياً بهذا الاتجاه قد اتُّخذ.
3. الاحتلال والتفجيرات والتضييق على السكان
تتخذ الاعتداءات الإسرائيلية أبعاداً تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، من خلال استمرار تدمير المنشآت والمنازل، والتضييق على حركة الأهالي والمزارعين، وتنفيذ عمليات تفجير وتجريف في مناطق جنوبية.
كما أن الاعتداءات التي طالت العاملين والمزارعين، والتحركات العسكرية قرب عدد من البلدات، تعكس استمرار سياسة إبقاء السكان في حالة عدم استقرار أمني ومعيشي.
ويبرز هنا البعد المتعلق بمحاولة فرض واقع ميداني طويل الأمد، تكون فيه عودة السكان وإعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية مشروطة بوقائع أمنية يفرضها الاحتلال.
4. معضلة المنطقة الحدودية ومستقبل الدور الدولي
يتزامن التصعيد مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل في 31 كانون الأول 2026، وما يرافق ذلك من نقاشات حول مستقبل الوجود الدولي وآليات مراقبة الحدود.
وتحمل هذه المسألة أهمية خاصة للبنان، لأن أي فراغ في آليات المراقبة الدولية قد يضعف القدرة على توثيق الانتهاكات ومتابعتها، ويزيد من تعقيد الوضع الميداني في المناطق الحدودية.
ومن هنا، فإن متابعة مستقبل اليونيفيل ليست مسألة إدارية أو أممية فحسب، بل ترتبط مباشرة بمعادلة الأمن والسيادة والقدرة على منع فرض وقائع جديدة بالقوة.
القراءة: الجبهة اللبنانية لا تشهد مجرد خروقات متفرقة، بل نمطاً متواصلاً من الضغط العسكري والأمني، يترافق مع استعدادات إسرائيلية لاحتمالات التصعيد الإقليمي. والسؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه السياسة ستبقى ضمن إطار الاستنزاف والضغط، أم ستتحول إلى مرحلة عمليات أوسع إذا تغيرت حسابات المواجهة مع إيران.
—
ثالثاً: المواجهة الأميركية – الإيرانية: صراع الإرادات ومخاطر اتساع الحرب
1. نتائج الانتخابات الأميركية وتبدل الحسابات الإسرائيلية
تفرض نتائج الانتخابات النصفية الأميركية واقعاً سياسياً جديداً على إدارة دونالد ترامب، بعد المكاسب التي حققها الديمقراطيون، وما رافقها من تصاعد الانتقادات للدعم العسكري الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ضوء إعلان ترامب التوجه إلى إنهاء المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، مع الإبقاء على التعاون في مجال بيع الأسلحة.
وفي هذا السياق، يحاول نتنياهو التعامل مع التحولات الأميركية عبر طرح الانتقال من نموذج الاعتماد على المساعدات إلى نموذج الشراكة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.
لكن هذا التحول لا يخلو من مخاطر، إذ إن تقليص المساعدات الأميركية يفرض أعباء مالية وصناعية إضافية على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في ظل تعدد الجبهات وارتفاع كلفة العمليات العسكرية.
كما أن تراجع الإجماع الأميركي حول إسرائيل، حتى داخل البيئة السياسية التقليدية الداعمة لها، قد يقيّد قدرة تل أبيب على الحصول على غطاء سياسي مفتوح في أي مواجهة إقليمية واسعة.
2. إيران ومضيق هرمز: اختبار الردع والسيطرة الاستراتيجية
على المستوى الميداني، تتصاعد أهمية مضيق هرمز بوصفه نقطة ضغط استراتيجية في المواجهة بين واشنطن وطهران.
وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني إسقاط طائرة مسيّرة أميركية فوق جزيرة قشم، بالتزامن مع تقارير عن حوادث استهداف ناقلات نفط ووقوع انفجارات في مياه الخليج.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن المواجهة لم تعد محصورة بالتصريحات والتهديدات، بل باتت تتصل مباشرة بأمن الملاحة وإمدادات الطاقة والقدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
وتتمسك طهران بشروطها المتعلقة بمستقبل المضيق، فيما تواجه واشنطن معادلة صعبة بين استخدام الضغط العسكري والاقتصادي وبين تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة ذات كلفة إقليمية ودولية مرتفعة.
3. الانقسام الأميركي حول إيران: الحرب أم التسوية؟
تكشف التحركات السياسية والتسريبات المتعلقة بإدارة ترامب عن تباينات بشأن كيفية التعامل مع إيران.
ففي مقابل اتجاه يدفع نحو تشديد العقوبات والضغوط الاقتصادية والأمنية، يبرز اتجاه آخر يفضّل التوصل إلى تسوية سياسية تمنع توسع المواجهة.
وفي هذا الإطار، تواصل قطر جهود الوساطة، مع حديث رئيس وزرائها في 7 تشرين الثاني عن استمرار الاتصالات وإحراز تقدم في مسار التفاوض، وإبداء واشنطن استعدادها لمواصلة البحث عن اتفاق.
وتعكس هذه الوساطة إدراكاً إقليمياً بأن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تبقى محصورة بين طرفين، بل قد تمتد إلى الخليج وممرات الطاقة والقواعد العسكرية والمصالح الأميركية والإسرائيلية.
القراءة: تحاول واشنطن الجمع بين إبقاء الضغط على طهران ومنعها من فرض معادلات استراتيجية جديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في تحمل كلفة حرب مفتوحة. أما إسرائيل، فتجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً: تريد تحجيم القدرات الإيرانية، لكنها تحتاج إلى الغطاء الأميركي والقدرة على احتواء تداعيات أي رد إيراني.
—
رابعاً: الساحة الدولية – تهديدات هجينة وبيئة أمنية مضطربة
ترافقت التطورات الإقليمية مع تقارير عن إنذارات كاذبة بوجود متفجرات في عدد من الدول الأوروبية، شملت مطارات ومؤسسات إعلامية ورحلات جوية.
وتعكس هذه الحوادث اتساع المخاوف من التهديدات الهجينة، التي تستخدم الإرباك المعلوماتي والإنذارات الأمنية والضغط النفسي إلى جانب أدوات المواجهة التقليدية.
ومن منظور أمني، فإن انتشار هذه الحوادث في أكثر من دولة يفرض ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات غير المؤكدة، وعدم التعامل مع كل إنذار بوصفه دليلاً على وجود عملية أمنية منظمة أو جهة واحدة تقف خلفها.
كما تبرز أهمية الأمن السيبراني وإدارة المعلومات في حماية المؤسسات والمرافق الحيوية، ولا سيما في ظل التوترات الدولية المتصاعدة.
—
خامساً: التقييم الاستراتيجي والأمني – ماذا تكشف الصورة الكاملة؟
1. نتنياهو يخسر أفضلية الحكم لكنه لم يخسر القدرة على المناورة
تظهر نتائج التوصيات البرلمانية أن نتنياهو يواجه تراجعاً واضحاً في موقعه السياسي، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء قدرته على التأثير في تشكيل الحكومة.
فالمشكلة الأساسية لدى خصومه تكمن في التناقضات بين مكونات معسكر التغيير، ولا سيما في ملفات التجنيد والهوية السياسية والعلاقة بالقوائم العربية.
وبالتالي، فإن إسقاط نتنياهو من موقع رئاسة الحكومة أسهل من بناء ائتلاف قادر على الحكم والاستمرار.
2. الحكومة المقبلة أمام اختبار التناقضات
حتى في حال تكليف آيزنكوت، فإن تشكيل الحكومة سيبقى محكوماً بتسويات صعبة.
فالتقارب مع الأحزاب الحريدية قد يفرض تعديلات على ملف التجنيد، بينما يؤدي الاعتماد على القوائم العربية إلى اعتراضات داخل أحزاب أخرى.
وهذا يعني أن أي حكومة جديدة قد تبدأ من نقطة ضعف، وأن استقرارها سيكون مرتبطاً بقدرتها على معالجة ملفات شديدة الحساسية داخل المجتمع الإسرائيلي.
3. المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بين الحسابات السياسية وتعدد الجبهات
تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحدياً يتجاوز الجاهزية الميدانية، ويتمثل في ضرورة التعامل مع جبهات متعددة ضمن بيئة سياسية داخلية غير مستقرة.
فالجبهة اللبنانية لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد، والملف الإيراني يحمل مخاطر توسع المواجهة، فيما تبقى غزة والضفة الغربية مصدر استنزاف أمني وسياسي.
ومن هنا، فإن أي قرار عسكري كبير قد يتحول إلى موضوع خلاف داخل المؤسسة السياسية، خصوصاً إذا ترتبت عليه كلفة بشرية واقتصادية أو احتاج إلى دعم أميركي لا يتوافر بالشروط السابقة.
4. الجبهة اللبنانية مرتبطة بسقف المواجهة الإقليمية
لا يمكن فصل الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان عن الحسابات المرتبطة بإيران.
فاستمرار القصف والتفجيرات والتضييق على السكان، بالتزامن مع الحديث عن استعدادات عسكرية لاحتمال تجدد الحرب، يعكس أن الاحتلال يريد إبقاء الجبهة اللبنانية تحت الضغط، مع الاحتفاظ بخيارات التصعيد.
لكن القدرة على الانتقال إلى حرب واسعة تبقى مرتبطة بعوامل عدة، أبرزها الموقف الأميركي، وحسابات الردع، وكلفة المواجهة، وطبيعة التطورات على الجبهة الإيرانية.
5. تراجع الغطاء الأميركي يرفع كلفة المغامرة الإسرائيلية
إن التغيرات السياسية في واشنطن، والنقاش حول المساعدات العسكرية، واستمرار الوساطة مع إيران، كلها عوامل تحد من قدرة إسرائيل على التحرك بصورة منفردة دون حساب ردود الفعل الأميركية.
ولا يعني ذلك فقدان إسرائيل للدعم العسكري الأميركي، بل يشير إلى أن طبيعة هذا الدعم وشروطه ومستقبله أصبحت موضع نقاش سياسي أكثر وضوحاً.
—
سادساً: السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة
السيناريو الأول – احتواء الأزمة الإسرائيلية: نجاح آيزنكوت في تشكيل حكومة ائتلافية، ولو بصيغة تسوية مؤقتة، بما يفتح مرحلة سياسية جديدة ويضع نتنياهو خارج الحكم.
السيناريو الثاني – استمرار المراوحة السياسية: تعثر المفاوضات حول التجنيد والحريديم، وفشل المعسكر المعارض في تأمين 61 نائباً، بما يعيد احتمالات الانتخابات المبكرة أو التسويات الاضطرارية.
السيناريو الثالث – تصعيد إقليمي محدود: استمرار الضغوط المتبادلة بين واشنطن وطهران، مع بقاء الوساطة القطرية قائمة، من دون الوصول إلى حرب شاملة.
السيناريو الرابع – توسع الجبهة اللبنانية: انتقال التهديدات والاستعدادات الإسرائيلية إلى عمليات عسكرية أوسع في لبنان في حال تجدد المواجهة مع إيران، وهو احتمال يستحق الرصد، لكنه ليس قراراً عسكرياً مؤكداً حتى الآن.
—
الخلاصة: أزمة سياسية في الداخل وقلق استراتيجي على الجبهات
تكشف تطورات 7 تشرين الثاني 2026 عن مشهد إسرائيلي مضطرب، تتراجع فيه قدرة بنيامين نتنياهو على الإمساك بالمبادرة السياسية، من دون أن يكون معسكر التغيير قد نجح بعد في تقديم بديل حكومي مستقر.
وفي المقابل، تواجه إسرائيل بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، مع استمرار المواجهة مع إيران، وتزايد أهمية مضيق هرمز، وتراجع اليقين بشأن شكل الدعم الأميركي في المرحلة المقبلة.
أما في لبنان، فإن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والتقارير عن استعدادات لاحتمال استئناف العمليات العسكرية، يضعان الجبهة الجنوبية أمام مرحلة حساسة، تتداخل فيها سياسة الاستنزاف الميداني مع حسابات المواجهة الإقليمية.
والاستنتاج الأبرز أن إسرائيل تواجه اليوم أزمة في إدارة التوازن بين الداخل والخارج: حكومة لم تتشكل بعد، وقيادة سياسية متنازع عليها، وجبهات لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد.
وبالتالي، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى في صلب الرصد خلال الأيام المقبلة ليس فقط: من سيشكل الحكومة الإسرائيلية؟ بل أيضاً: كيف ستنعكس أزمة الحكم وتبدل الحسابات الأميركية على القرار العسكري الإسرائيلي في لبنان والمنطقة؟
—
رصد الواقع | إعلام العدو تحت الرصد
الواقع برس اخبار محلية وعالمية