مكتب الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي يفرض قيودا جديدة على التقارير التي تفيد بوقوع إصابات في الحرب

موقع والا العبري

المتحدثون باسم المستشفيات في الكيان الصهيوني يقولون: إن قيادة الجيش يطلبون منا إخفاء المعلومات أو تشويه المعلومات أو أن نكذب على الإعلام و الجمهور.

يفرض مكتب الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي قيودا جديدة على التقارير التي تفيد بوقوع إصابات في الحرب، بهدف السيطرة على توقيت المعلومات للأوقات المناسبة للجيش..

تقول المستشفيات: “لقد أخذ التقرير دور المفوض الوطني للمعلومات، وهي مسؤوليتنا أولا وقبل كل شيء تجاه المرضى”.

ينوي الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي الاستيلاء على تقارير المستشفيات وفرض قيود جديدة على تقاريرها حول ضحايا الحرب.

وذلك في رسالة بعثت بها اليوم (الثلاثاء) المقدم عدي باريل إيفن، من “رعان كوميونيكيشنز”، أبلغت المستشفيات بإجراء جديد يمكنهم بموجبه الآن الإبلاغ عن رسالة يومية واحدة فقط في الساعة 13:00، بعد ساعة من الإعلان اليومي للناطق بلسان الجيش الإسرائيلي حول هذا الموضوع.

وفقا للمخطط الجديد ، سيتضمن الإعلان بيانات حول الـ 24 ساعة الماضية ولن يفصل الإصابات غير المعلنة حول إصاباتهم في هذا التقرير الأخير.

الإجراء الجديد ، الذي ينضم إلى الإجراءات الأخرى التي تنفذ تقريرا في حرب على قطاع غزة ، سيجعل من الصعب فهم الأحداث.

وهكذا، وفقا له، في حالة نظرية نأمل ألا تتحقق، فإن إصابة أصيب فيها 10 أشخاص، من بينهم 9 جنود، سيتم الإبلاغ عنها، من قبل المستشفيات كشخص واحد فقط تم إدخاله مصابا.

وكما هو متوقع، تثير التوجيهات الجديدة غضبا بين المتحدثين باسم المستشفى.. “إنهم يبتزوننا حقا”.. “تقع على عاتقنا مسؤولية التصرف بشفافية مع عامة الناس”

“تولى الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي دور المفوض الوطني للمعلومات، ربما بسبب الفراغ.. هذا يتجاوز دوره الكلاسيكي”، يقولديفيد راتنر، المتحدث باسم مستشفى رمبام، الذي تأتي معه كلمة “سخيفة” مرارا وتكرارا، “كجزء من هذا، يريد التقرير تعويد الجمهور والمتحدثين باسم المستشفى على تحديثين في اليوم، وهذا كل شيء.

وفيما يتعلق بالرسالة التي تلقاها أيضا هذا الصباح، يقول راتنر: “لدي تحفظات كبيرة على الصياغة وأعتزم إرسال رسالة رد إليهم. أنا شخصيا موظف حكومي عملت في هذا المستشفى الحكومي لمدة 18 عاما، ولم أؤذي أبدا أمن الدولة أو مشاعر عائلات الضحايا.

لقد تعاملنا هنا مع عشرات الحالات لمقاتلين من وحدات النخبة والوحدات السرية الذين أصيبوا في عمليات غامضة وسرية للغاية، ولم ننتهك أبدا الثقة التي يضعها الجيش وعائلاتهم فينا.

هذا ليس ما يدور حوله.. منذ اللحظة التي تعرف فيها العائلات وتخضع لاعتبارات الرقابة ، نعتبر أنفسنا ملزمين بإبلاغ الجمهور والرد بشفافية على استفسارات وسائل الإعلام.

والاعتبارات الأخرى للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، بخلاف أمن الدولة وعائلات الجنود الذين أنتمي إليهم، ليست من شأن الناطق بلسان المستشفى”

يذكر راتنر أيضا البيئة الإعلامية لعام 2023 التي يعمل فيها هو وزملاؤه.. “تغريدات وسائل التواصل الاجتماعي تقارير في الوقت الحقيقي عن وصول الضحايا إلى المستشفيات، وبالتأكيد في حيفا، حيث يراقب مئات الآلاف من سكان المدينة مهبط طائرات الهليكوبتر في مستشفى رمبام”.

يتحدث المتحدثون باسم المستشفى رمبام وعلى ما يبدو أيضا سوء فهمه لدوره وسلطاته ، ومن المحزن أن هذه هي الطريقة التي يتصرف بها معه الناطق باسم الجيش الصهيوني .

حيث أكد أنه تقع مسؤولية المتحدثين الرسميين في المستشفى أولا وقبل كل شيء تجاه المرضى وعائلاتهم. كما أن المتحدثين باسم المستشفى ملزمون بإعلام الجمهور والتحلي بالشفافية .. ويأملون في مواصلة العمل”.

وأضاف: “إذا نفذنا تعليمات الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، فسوف نتجاوز دورنا”.

“هناك تنفيذ هنا لأجندة إخفاء المعلومات عن الجمهور. إنهم يحاولون تجنب الضغط من أجل العمل في الشمال.. إنهم يحاولون تخفيفه”.

قال متحدث آخر باسم المستشفى، طلب أيضا عدم الكشف عن هويته، “لكنهم، في هذه العملية، يصطدمون ببعض الأشياء الأساسية.. الذي أثبت أنه نقطة ارتكاز ومرونة لدولة إسرائيل هو النظام الصحي، وهم ببساطة يسقطون الأرض في سلوكهم.

حتى الجندي الذي يقوم بالإجلاء للجرحى أو القتلى، وليس نحن، يريد أن يعرف أنه يتم نقله إلى مكان جيد وذو خبرة، و هم ببساطة يمنعوننا من القيام بذلك.

كما تستحق الفرق الطبية التقدير على كل تضحياتها ومناوباتها الطويلة وكل ما تفعله لإنقاذ الأرواح في الحرب وللجمهور بشكل عام.. و هذا جزء منه هو أيضا تقديم أنه تم إجلاء الجنود إلى مستشفى أو آخر وليس متأخرا وليس بشكل مصطنع وليس كتسرب.

 يجب العودة إلى المفاوضات لإطلاق المختطفين

 

المصدر : هآرتس

من مجموع 240 مختطفاً تحتجزهم “حماس” في قطاع غزة، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر حتى مرور 7 أيام من الهدنة الإنسانية من أجل استعادتهم، لا يزال هناك 137 شخصاً منهم في الأسر لديهم، وبالنسبة إلى الـ137 مختطفاً وعائلاتهم، يبقى “7 تشرين الأول/أكتوبر” مع كل فظائعه في ذروته، ومن واجب دولة إسرائيل أن تبذل كل ما في وسعها من أجل إعادتهم كلهم.
منذ تجدُد القتال وعائلات المختطفين تطالب بالاجتماع بكابينت الحرب، لكن حتى الآن لم تلق هذه المطالبات جواباً ملموساً، وهو ما دفع ممثلي هذه العائلات أمس إلى عقد مؤتمر صحافي، اتهموا خلاله أعضاء كابينت الحرب برفض إطلاعهم على المستجدات المتعلقة بمستقبل المفاوضات من أجل تحرير أحبائهم، وهددوا بزيادة حدة احتجاجهم ضد الحكومة. وقالت ياعل أدير، والدة تامير أدير (38 عاماً)، الذي خُطف من كيبوتس نير عوز: “هذا التجاهل مشين، وإذا لم يلتقونا، فسنجلس على باب الكرياه حتى يجري ذلك.”
إن غضب العائلات وشعورها بالإحباط مبرَر، على الرغم من أن انهيار وقف إطلاق النار هو نتيجة انتهاك “حماس” للاتفاق، ومطالبتها بإعادة رجال بالغين قبل النساء المخطوفات. وتدرك العائلات جيداً أن عودة القتال في غزة مع وجود أحبائها هناك يزيد الخطر على حياتهم، ناهيك بأن شهادات الذين عادوا فعلاً منهم تُفاقم هذه المخاوف من الخطر الذي تشكله عودة قصف الجيش الإسرائيلي على حياتهم.
لا أحد في إسرائيل لا تهمه حياة المختطفين، ومع ذلك، فإن إطلاق سراحهم وُضع على رأس سلم الأولويات الوطني، وكهدف مركزي للحرب، فقط جرّاء الضغط الشعبي المطالب بتحريرهم. وإذا كانت العائلات قد تعلمت شيئاً من تجربتها القاسية، فهو ألاّ تكتفي بالتعاطف، وفعلاً، فقد أثبت نتنياهو مرة أُخرى أنه لا يفهم إلاّ بالقوة؛ ففي البداية، أعلن مكتبه أنه سيفحص إمكان تقديم موعد الاجتماع إلى يوم الأربعاء، ولاحقاً، أعلن أن الاجتماع كان سيُعقد أمس، ثم أعلن أخيراً أنه سيجري اليوم.
يتعين على كابينت الحرب أن يتعهد للعائلات وكل المواطنين الإسرائيليين بأن إعادة المختطفين مهمة ستحتل الدرجة الأولى في سلم الأولويات الوطني. وإعادة كل الأولاد والنساء هي إنجاز ضخم وتشكّل عزاء كبيراً بالنسبة إليهم وإلى أحبائهم وكل المواطنين الإسرائيليين، ويجب ألاّ نتنازل، سواء بصورة رسمية أم ضمنية، عن طريق قرارات أُخرى بإعادة كل المختطفين، وبينهم الجنود.
يتعين على إسرائيل العودة فوراً إلى طاولة المفاوضات كما دعا دانيال ليفشتس، حفيد يوخباد ليفشيتس الذي تحرر من أسر “حماس” بينما عوديد ليفشتس لا يزال في الأسر. ويجب أن تكون إسرائيل مستعدة لدفع الثمن من أجل إعادة أبنائها وبناتها إلى منازلهم، فالوقت ينفذ.

ربما تكون عملية خانيونس العملية البرية الأخيرة

المصدر : يديعوت أحرونوت

المؤلف : ناحوم برنياع

إن العناوين التي برزت عقب الكلام الذي قاله رئيس الأركان مغلوطة، فالعملية البرية للجيش الإسرائيلي في خانيونس لن تكون مشابهة من حيث حجمها وقوتها للعملية البرية في شمال القطاع، قطعاً لا، وهذا هو وقت خفض التوقعات. إذا ألقينا نظرة جدية إلى الخيارات المتاحة حالياً، فسيقودنا هذا إلى استنتاج أن القتال البري في خانيونس لا يستطيع أن يستمر أكثر من 10 أيام أو أسبوعين. وإذا كنا لم ننجح في تطهير مدينة غزة وضواحيها من المسلحين خلال 59 يوماً من الحرب، فكيف لنا أن نستطيع تطهير خانيونس وضواحيها خلال فترة أقصر بكثير؟ أضف إلى هذا أن اجتماع مليوني نازح (مليون ونصف المليون من شمال القطاع، و200,000 نازح جديد من خانيونس)، مع الضغط الأميركي، هما أمران يفرضان حدود العملية، بالإضافة إلى وجود خطر تبادل إطلاق النار هناك أيضاً. إن الثمن الذي ندفعه في هذا الشأن في شمال قطاع غزة مقلق للغاية، ويمكن أن تكبدنا منطقة خانيونس ثمناً مماثلاً.

يحوم فوق كل نقاش يتعلق بالضغط الأميركي التهديد بأن هذا الدعم الأميركي للجيش الإسرائيلي يمكن أن يضعُف، وهو ما لم يحدث بعد، لكنه ممكن في الحقيقة، ويلقي بظلاله على كل قرار يتخذه الكابينت بشأن الخطة العملانية. ويشعر البيت الأبيض بالقلق بشأن تأثير صور الدمار في الناخبين الشباب وفي الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، وعلى الرغم من ذلك، فإن الرئيس جو بايدن مصرّ على الوفاء بوعوده ومنح إسرائيل مساعدة بقيمة 14 مليار دولار، بالإضافة إلى دعمه السياسي والعسكري، لكن لم تجرِ الموافقة على هذه المساعدة بعد، فالجمهوريون في مجلس النواب والكونغرس يضعون شروطاً صعبة، جزء منها لا علاقة له بإسرائيل، والآن، جزء من الديمقراطيين أيضاً يضعون شروطاً لها علاقة مباشرة بسياسة إسرائيل إزاء الفلسطينيين.

يرى البيت الأبيض أن إسرائيل متعنتة ومتهورة، فهي ترفض كل ما له علاقة بنقاش جدي لليوم التالي في قطاع غزة والفلسطينيين، ولا تبالي بقصفها المكثف للمدن في غزة، ولا تستجيب للتحذيرات من مغبة حدوث كارثة إنسانية. والمسألة هنا ليست “من الذي على حق في هذا الجدل؟”، بل “إلى أي حد تستطيع إسرائيل شد الحبل؟”، وهذا في الوقت الذي بات فيه اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة أكبر بكثير مما الحكومة مستعدة للاعتراف به.

منذ يومين، ألقى وزير الدفاع الأميركي لويد أوستين خطاباً علنياً تضمن عبارة قاسية تتعلق بالحكومة الإسرائيلية، قال فيه: “عندما تدفع سكاناً مدنيين إلى أحضان العدو، أنت تحول نصراً تكتيكياً إلى هزيمة استراتيجية.” وأضاف: “لقد أوضحت هذا أكثر من مرة لزعماء إسرائيل. لديهم مسؤولية أخلاقية بحماية حياة السكان المدنيين في غزة، وهذه ضرورة استراتيجية.” وقد نقلت نائبة الرئيس الأميركي كاميلا هاريس رسالة مماثلة في خطاب ألقته قبل أيام.

إن التوغل البري في مداخل خانيونس هو جزء من المرحلة الثانية من الحرب، وبذلك، فقد سمح تراجع “حماس” عن الاتفاق بالاحتفاظ بـ15 امرأة مدنية في الأسر، إذ اقترحت الحركة أن تطلق بدل النساء مسنين، لكن إسرائيل رفضت، والذريعة الأساسية كانت أنها لن تسمح لـ”حماس” بتغيير الاتفاقات بسرعة. وعلى خلفية ذلك، طُرحت فكرة بديلة في الجيش الإسرائيلي؛ وهي استبدال المرضى بين المختطفين بأسرى فلسطينيين مرضى، وهي فكرة مثيرة للاهتمام، يمكنها أن تؤمّن يوماً أو يومين لتحرير المختطفين، لكن فرصها ضئيلة.

وعلى افتراض أن العملية البرية في خانيونس ستنفَذ، فشبه مؤكد أنها ستكون العملية الأخيرة، ولا نستطيع توسيعها حتى رفح، فليس لدى النازحين مكان يذهبون إليه. إذاً، فالمرحلة الثانية للحرب التي بدأت بدخول شمال القطاع ستنهي قريباً في خانيونس.

في الأمس (الاثنين)، تجمعت أعداد غفيرة من الناس في مستشفى ناصر في خانيونس، أكبر مستشفى في الجنوب (ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، فقد استعاد مستشفى الشفاء في شمال غزة جزءاً من نشاطه)، وقد كان مستشفى الشفاء مركزاً للسيطرة لقادة كتائب “حماس” في شمال القطاع؛ فهل يقوم مستشفى ناصر بالدور عينه في الجنوب؟ والسؤال الكبير والمعضلة الصعبة: هل نهاجمه ونفتح جبهة مع البيت الأبيض والإعلام الغربي؟

في نهاية مرحلة خانيونس، ستبدأ مرحلة المنطقة العازلة؛ أي إقامة منطقة أمنية بين غزة والغلاف، لكن لن تؤمّن هذه المنطقة كثيراً من الأمن، فالأرض ضيقة جداً، ومكتظة سكانياً. لقد أرادت إسرائيل أن تتدخل مصر والسعودية والدول السنية الأُخرى إلى جانب الولايات المتحدة في إدارة القطاع وإعادة بنائه، لكن فرص حدوث ذلك ضئيلة ما دامت إسرائيل تنوي مواصلة تحرك الجيش الإسرائيلي في غزة. وفي الجيش، يتحدثون عن مستقبل غزة كما تحدثوا عن مدن الضفة الغربية بعد عملية السور الواقي [2002]، أي منطقة يديرها آخرون، لكن الجيش يتحرك فيها بحرية، لكن من الصعب تصديق أن دولاً أجنبية ستوافق على تعريض جنودها لخطر تبادل إطلاق النار.

يكثر الحديث في مجلس الأمن القومي وفي الجيش الإسرائيلي عن اليوم التالي، لكن الخلاصات لا تُعرض على الكابينت، فرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يرفض ذلك، والسياسة الداخلية تتغلب على الحاجة الأمنية، وربما المزاج العام لدى أغلبية الإسرائيليين جرّاء “الفظائع” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر لا تتطابق مع متطلبات الواقع…

الديموغرافيا والقضية الفلسطينية منذ خمسينات القرن التاسع عشر حتى عام 1948

 

استوطن اليهود في فلسطين زمناً طويلاً قبل أن يطوّر تيودور هرتزل النظرية الصهيونية في كتابه “دولة اليهود” (1896). انحدر جزء صغير من يهود فلسطين من اليهود الذين نجوا من تدمير الهيكل الثاني خلال القرن الأول الميلادي، لكنّ معظمهم انحدر ممن تمّ إبعادهم أثناء حروب الاسترداد الإسبانيّة خلال القرن السادس عشر. في فلسطين، كان هناك سنة 1852 نحو 13 ألفاً من اليهود الفلسطينيين (حوالى 4 في المئة من السكان)، وتركّز معظمهم في مناطق القدس وعكا ونابلس . وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حصلت هجرة كبيرة من اليهود المغامرين، الذين اشتروا أراضٍ فلسطينية وتمكّنوا من النمو والتزايد بوتيرة أعلى من السكان الأصلانيّين، المسلمين والمسيحيين.

بين سنتي 1850 و1914، دُعِّمت ديموغرافيا المجتمع اليهودي في فلسطين بهجرة ما يربو على 84 ألفاً من اليهود (على رغم عدم استقرارهم جميعاً في فلسطين بشكل دائم). وبالإضافة إلى ذلك، عزّز النمو السكاني الطبيعي لليهود (بسبب معدّلَي الولادة المرتفع والوفيات المنخفض نسبياً) وجودَهم في فلسطين، وهي ميزة ديموغرافية كانت ومازالت من الأهمية بمكان، فهي تعوّض انخفاض الهجرة اليهودية إلى إسرائيل الحاصل منذ مطلع القرن الواحد والعشرين.

وفي مستهلّ الحرب العالمية الأولى ، غدت فلسطين موطناً لنحو 60 ألفاً من اليهود، منهم 39 ألفاً من حاملي الجنسية العثمانية، مقارنة بأكثر من 700 ألف من العثمانيين، الذين كانوا إمّا مسلمين أو مسيحيين.

كان الحضور اليهودي في فلسطين أصغر مما هو في العراق أو اليمن ، ولكنّه أكبر قليلاً ممّا كان عليه في سوريا ولبنان . وبينما كان للحرب تأثير كبير في ديموغرافيا اليهود الفلسطينيين، إلا أنّ هذه الخسارة كانت أقلّ بكثير من تلك التي تكبّدها السكان الفلسطينيون الآخرون، المسلمون أو المسيحيون.

شكَّل وعد بلفور (1917) صكّاً تأسيسياً جعل من الممكن لما مجموعه 60 ألفاً من يهود فلسطين العثمانية بالتزايد إلى أن وصل عددهم إلى 700 ألف إسرائيلي في الدولة الجديدة سنة 1948، أي بزيادة أكثر من أحد عشر ضعفاً، نتجت من الهجرة المكثفة أكثر ممّا نتجت من النمو الطبيعي لليهود. ففي الثلاثينات، تدفّق إلى فلسطين أولئك اليهود الذين تعرّضوا لاضطهاد ألمانيا النازية وأوروبا، والذين تمّ رفض استقبالهم في أماكن أخرى من أوروبا أو في أميركا، الأمر الذي أدخل إلى فلسطين ما يقرب من نصف مليون لاجئ.

وعلى رغم أنه لم تحصل في البداية أعمال طرد لفلسطينيين من وطنهم، إلا أنّ وصول أعداد كبيرة من المهاجرين خلق توتّراً شديداً أدّى في نهاية المطاف إلى طرد الفلسطينيين وترحيلهم في العام 1948.

وبلغت مقاومة الفلسطينيين مصادرةَ الانتداب البريطاني السلطة واستيلاء اليهود على الأراضي (ولو بالشراء، وفي بعض الأحيان بسعر مرتفع) ذروتها خلال فترتين: اضطرابات سنتي 1920- 1921، وإبّان الثورة الفلسطينية الكبرى بين سنتي 1936 و1939 على الأخص. ومع ذلك، لم تتمكّن الثورتان الأولى والثانية من الإطاحة بالانتداب البريطاني أو كبح جماح الهجرة اليهودية، التي كانت جزءاً لا يتجزأ من الانتداب، وبالتالي اتّخذ ردّ فعل الشعب الفلسطيني شكلين مختلفين: سياسياً بدايةً، وديموغرافياً في نهاية المطاف.

استطاع الانتداب البريطاني بفضل نظام إحصائي استثنائي وجديد في المنطقة، أن يجمع خلال أعوام معلومات حول عدد المواليد والوفيّات بين المجموعات السكانية الرئيسية في فلسطين. وكشفت الإحصاءات أنّ الزيادة الطبيعية للسكان الفلسطينيين، بغض النظر عن الدين وعلى رغم ارتفاع معدّل الوفيات، وصلت مستويات عالية وتجاوزت الزيادة الطبيعية لدى المهاجرين اليهود.

الإحصاءات البريطانية تلك كانت ذات أهمية خاصة، إذ بمقارنتها بمثيلاتها في الدول العربية المجاورة الأقلّ عرضة لتهديد الوجود الأجنبي، أظهرت أنّ الفلسطينيين خلال فترة الانتداب، سواء عن وعي أو غير وعي، كانوا يقاومون من خلال تكوين أسرٍ كبيرة، فقد كان معدّل المواليد لديهم الأعلى في العالم، وبقي كذلك باستمرار تقريباً. وتراوح معدّل المواليد بين أدنى مستوياته من 45 لكل 1000 في العام 1942 إلى أعلى مستوياته 60 لكلّ 1000 (في 1928 و1930)، أي بمعدّل 50 لكل ألف، أو نحو 9 أطفال لكل امرأة. وفي مقابل ذلك، كان معدّل الولادات المصرية حوالى 44 لكلّ ألف، وفي سوريا 40. وإذا كانت، منذ عهد الانتداب حتى اليوم، الأسلحةُ المستخدمة من مختلف الأطراف المشتركة في الصراع أكثر فأكثر تطوّراً، إلا أن السلاح “التقليدي”، سلاح النمو السكاني/ الديموغرافي، أو “انتقام المهد”، كان جلياّ جداً تحت الانتداب وما زال حتى يومنا هذا.

لقد تمّ طمس هذه الديموغرافيا الأسطورية للسكان الفلسطينيين بوحشية خلال بضعة أسابيع فقط من حرب عام 1948 ، بترحيل مئات الآلاف منهم -نحو 750 ألفاً–. ولم يبق في الكيان الإقليمي الجديد إلا 156 ألفاً أصبحوا “عرباً إسرائيليين”، مقابل حوالى 700 ألف يهودي في ذلك الوقت.

الحكم العثماني 1516–1917

في سنة 1516، تحركت الإمبراطورية العثمانية  – التي أسّسها رجال القبائل التركية في الأناضول  وأقاموا عاصمتهم في القسطنطينية على أنقاض الإمبراطورية البيزنطية – ضد حكم المماليك في بلاد الشام ، فهزمت قواتها جيوش المماليك واحتلت بلاد الشام، بما فيها فلسطين، لتبدأ بعدها حقبة امتدت أربعة قرون حَكَمَ خلالها العثمانيون فلسطين بلا انقطاع تقريباً، وتميّز حكمهم بإدماج النخب المحلية في شبكات سلطة الدولة (لاسيما من خلال نظام الضرائب)، وبتأسيس المؤسسات الدينية والخيرية ودعمها.

مثّلت السيادة على القدس أهمية خاصة لدى الإمبراطورية الإسلامية، التي سرعان ما باشرت تنفيذ مشاريع إعادة بناء أسوار المدينة وترميم قبة الصخرة (1537 – 1540). وفي الوقت ذاته، اعترف العثمانيون للمسيحيين واليهود بحقوقهم في الأماكن ذات الأهمية الدينية بالنسبة إليهم، فأداروا ترتيباً معقداً للامتيازات وحقوق الدخول إلى هذه الأماكن عبر ما سمّي بنظام “الستاتوكو “. واستندت الأنظمة والتفاهمات في هذا الشأن إلى ممارسات عرفية متراكمة، وتضمنت حقوقاً اعترف بها الحكام المسلمون السابقون ودعمتها قرارات المحاكم الإسلامية، إضافة إلى تعهّدات المسيحيين واليهود بالتقيد بالممارسات العرفية.

وعلى الرغم من الهدوء النسبي على صعيد الشؤون الدينية، كانت فلسطين من حين إلى آخر مسرحاً للصراعات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، فقد شهد مطلع القرن الثامن عشر على سبيل المثال، اندلاعَ ثورة محلية ضد حاكم القدس العثماني بسبب السياسات القمعية والضرائب عُرفت باسم تمرّد نقيب الأشراف ، وفي وقت لاحق من القرن الثامن عشر، أقام ظاهر العمر الزيداني  حكماً ذاتياً في منطقة الجليل ، كما قامت القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت  سنة 1799، وبعد غزوها مصر ، باجتياح الساحل الفلسطيني واحتلال غزة ويافا وحيفا ، وحصار مدينة عكا  الذي كان مصيره الفشل، ثم اندلعت ثورة محلية أخرى بسبب الضرائب في القدس سنة 1825، قام العثمانيون بإخمادها قُبيل قيام إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا  حاكم مصر، باجتياح فلسطين من جهة الجنوب سنة 1831، لتظلّ فلسطين (وبلاد الشام الكبرى) خلال السنوات العشر التالية مسرحاً للصراع بين الإمبراطورية العثمانية والحاكم المصري المتمرد والفئات الفلسطينية المحلية، قبل أن يتمكن تحالف الإمبراطوريات العثمانية- البريطانية- الروسية- النمساوية من طرد الجيش المصري.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان لعدد من التطورات على الصعيدين الإقليمي والعالمي دور مؤثر في مسار الأحداث في فلسطين، وكان لثلاثة منها تأثير خاص، وهي: قيام العثمانيين بسلسلة من الإصلاحات الإدارية التي سعت بشكل أساسي إلى إعادة صوغ العلاقة بين الدولة ورعاياها، وتحولات دولية منحت قوى أوروبية نفوذاً متزايداً على الدولة العثمانية المتهالكة، وصعود الحركات القومية، بما في ذلك تنامي الصهيونية في أوروبا والقومية العربية والفلسطينية في الأقاليم العربية من الإمبراطورية العثمانية.

تميّزت سنة 1876 بوصول السلطان عبد الحميد الثاني  إلى الحكم، وبكونه بداية لمرحلة دستورية أولى أطلقها صدور “القانون الأساسي” العثماني، الذي سعى إلى إعادة تكوين العلاقة بين الدولة العثمانية ورعاياها، من خلال صوغ هوية سياسية عثمانية واحدة تطبَّق بالتساوي على جميع رعايا الإمبراطورية، كما تأسس البرلمان العثماني  وفقاً لهذا القانون، ومَثَّل مدينةَ القدس فيه يوسف ضياء الدين باشا الخالدي . ولكن بعد عامين فقط، أمر السلطان عبد الحميد بتعليق “القانون الأساسي”، منهياً بذلك المرحلة الدستورية الأولى، وليحكم بعدها كملك مطلق الصلاحية على مدى السنوات الثلاثين التالية، التي رعى خلالها بعض مشاريع التحديث الناجحة (مثل الإصلاحات البيروقراطية وإنشاء سجل السكان وتشييد سكة حديد الحجاز )، بينما كانت الإمبراطورية تفقد سيطرتها على العديد من المناطق (في أوروبا خصوصاً)، نتيجة ائتلافات بين حركات تحرر محلية وقوى خارجية.

ودفعت تلك الخسائرُ القوى الخارجية إلى استغلال الضعف النسبي الذي أصاب الإمبراطورية العثمانية وفرض تنازلات اقتصادية وسياسية عليها، من خلال اتفاقيات أعطت الرعايا الأجانب على الأراضي العثمانية وضعاً متميزاً، مثل إعفائهم من الضرائب والملاحقات القضائية المحلية على سبيل المثال. وعلى رغم أن الاتفاقيات هذه، والمعروفة بـ”الامتيازات الأجنبية”، كانت أُعدت منذ استيلاء العثمانيين على بلاد الشام، إلاّ أن ترنّح الإمبراطورية دفع القوى الأوروبية إلى توسيع امتيازاتها وإعطائها إلى وكلاء محليين، فاستغلت الحركة الصهيونية ومؤيدوها الأوروبيون هذا الوضع الجديد من أجل تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين، على الرغم من المعارضة المحلية لذلك.

لم تكن فلسطين تمثّل وحدة إدارية في تلك الفترة، وكانت التسمية (“فلسطين”) تُستخدم لوصف منطقة جغرافية، وبعد عمليات إعادة التنظيم الإداري في السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر، تم تقسيم المنطقة التي عُرفت لاحقاً باسم “فلسطين الانتدابية ” الى ثلاث وحدات إدارية: سنجق القدس ، وتتم إدارته من الآستانة مباشرة، وسنجقا نابلس وعكا  في الشمال، ويرتبطان إدارياً بـولاية بيروت . وتشير السجلات العثمانية إلى أن عدد سكان هذه السناجق الثلاثة بلغ 462,465 نسمة سنة 1878، منهم 403,795 مسلماً و43,659 مسيحياً و15,011 يهودياً (لا تشمل الأرقام حوالى 10,000 يهودي كانوا يحملون جنسيات أجنبية، وعدة آلاف من البدو أو الأجانب الذين أقاموا في فلسطين). كانت يافا ونابلس أكبر المدن الفلسطينية وأكثرها حيوية اقتصادياً، في حين أن معظم اليهود في فلسطين –مع ملاحظة أن اليهود الأرثوذكس كانوا يتعاملون بشكل محدود جداً مع الصهيونية- عاشوا في أربع مدن ذات أهمية دينية، وهي: القدس والخليل وصفد وطبريا .

كانت الصهيونية في ذلك الحين تتبلور في أوروبا، وعلى وجه الخصوص في أوروبا الشرقية . كان المفكرون الصهاينة، المدفوعون بالمد الكولونيالي خارج أوروبا، والذين كانت تحركهم التيارات الأيديولوجية القومية والظروف القمعية التي يتعرض لها اليهود الأوروبيون، يبحثون عن أرض يمكن الاستيلاء عليها لإقامة دولة يهودية ذات سيادة تمثل إنجازاً قومياً ووسيلة للخلاص، فبدت فلسطين لهم المكان المنطقي الأمثل، لأنها مكان نشوء اليهودية، على رغم أن بعض المفكرين الصهاينة الأوائل أرادوا الأخذ بعين الاعتبار مواقع بديلة.

تأسست أول مستعمرة في فلسطين سنة 1878، ووصلت الموجة الأولى من المهاجرين الصهاينة سنة 1882. وقد قام الثريّان اليهوديان الأوروبيان، البارون إدموند دي روتشيلد  والبارون موريس دي هيرش ، بتمويل أنشطة الاستيطان الأولى، في حين نشر اليهودي المجري تيودور هرتزل ، كتاب “الدولة اليهودية”، وهو أطروحة تضمّ الأفكار الصهيونية السائدة وتضع برنامجاً لتنفيذها. دعا هرتزل إلى عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل – سويسرا  سنة 1897، وأسّس المنظمة الصهيونية ، وهي الإطار المؤسساتي للدبلوماسية الصهيونية والنشاطات اللاحقة، كما أقيم الصندوق القومي اليهودي  سنة 1901، من أجل الحصول على أراض فلسطينية لإقامة المزيد من المستعمرات اليهودية. وبحلول سنة 1914، كانت هناك حوالى ثلاثين مستعمرة صهيونية، وبلغ عدد اليهود في فلسطين  حوالى ستين ألفاً، أكثر من نصفهم من المهاجرين الوافدين حديثاً.

في ذلك الوقت، كانت المشاعر القومية العربية والفلسطينية تتنامى في فلسطين، بالتزامن مع تزايد معاداة الصهيونية. وكثيراً ما كانت تندلع نزاعات فلسطينية – صهيونية بشأن ملكية الأراضي أو استئجارها. وفي سنة 1908، أدّت “ثورة تركيا الفتاة ” إلى إعادة الدستور، وبشّرت بعهد الحريات الصحافية، وتم انتخاب مندوبين من القدس ويافا ونابلس وعكا وغزة إلى البرلمان العثماني المعاد تشكيله سنتي 1908 و1912، وازدهرت صحافة فلسطينية تعبّر عن القلق المتزايد إزاء المطامع الصهيونية في فلسطين، وتُفْرِد المساحة لرؤى متعددة ولتعبير قومي عربي أو عثماني أو سوري (نسبة إلى سوريا الكبرى) أو فلسطيني. وأدى اندلاع الحرب العالمية الأولى واحتلال القوات البريطانية فلسطين، إلى تقليص الإمكانات التي توخاها الفلسطينيون، وإلى انتزاع حقهم في التحكم بمستقبلهم السياسي، مع ظهور وعد بلفور الذي أكد أن المشروع الصهيوني سيمضي قدماً ضد إرادة السكان الفلسطينيين الأصليين.

أليكس ويندر

إسرائيل لديها معضلة في جنوب غزة، لكن هناك فرص اتفاق في الشمال

المصدر: يديعوت أحرونوت
المؤلف: ناحوم برنياع

  • أرادت “حماس” تجاوُز الـ15 امرأة وطفلاً الذين لا يزالون في الأسر، والتوصل إلى صفقة تبادُل مسنين ومرضى، في مقابل مسنين ومرضى تابعين لها.  المسنون ومرضانا هم مواطنون كبار في السن، معظمهم من كيبوتسات الغلاف؛ بينما المسنون ومرضاهم هم “قتَلة” محكوم عليهم بالسجن المؤبد. المسنون ومرضانا يعيشون ظروفاً تهدد حياتهم؛ بينما المسنون ومرضاهم يعالَجون في مستشفيات السجون. من المحتمل أن يكون قرار “حماس”، خرق العملية المتفق عليها والوصول إلى المسنين في وقت أبكر من المتفق عليه، ناجماً عن الضغط الكبير الذي يمارسه الأسرى على الحركة. لقد قرر الجانب الإسرائيلي أن يثبت لـ”حماس” أنه غير قابل للابتزاز. وآمل أن يكون التعقل وراء ذلك، وليس الغرور.
  • تجدُّد القتال في غزة، يضع المستوى السياسي أمام عدد من المعضلات: الأصعب بينها المخطوفون. فالفرح بإطلاق سراح 114 مخطوفاً ممزوج بالقلق الكبير على 136 لا يزالون أحياء، وقليلون منهم أموات. في خانيونس وفي ضواحيها، توجد أغلبية زعماء “حماس”، وعلى ما يبدو، أيضاً أغلبية المخطوفين. وحتى لو لم تعلن “حماس” ذلك، فإن المخطوفين الذين بقوا في غزة هم دروع بشرية. وكلما ازدادت حدة القصف على هذه المنطقة، كلما ازداد خطر إصابتهم. شهادات المخطوفين الذين أُطلق سراحهم تؤكد هذا القلق. الخطر يزداد حدة منذ لحظة بدء العملية البرية.
  • وفي الواقع، هناك إنذار مزدوج. الأول، إنذار من إسرائيل إلى “حماس”، ما دام سلاح الجو يقصف في خانيونس، يمكننا وقف العملية والعودة إلى المفاوضات ووقف إطلاق النار. بينما في لحظة دخول الدبابات إلى الميدان، سيكون من الصعب جداً وقف تقدُّم الجيش الإسرائيلي.
  • يدخل الجيش الإسرائيلي إلى خانيونس من دون خطة لليوم التالي للحرب. وهذا جيد لعملية انتقامية، وليس لتحرُّك يجب أن يخدم هدفاً استراتيجياً. إنه يدخل إلى منطقة مليئة بالنازحين من شمال القطاع، من دون مأوى، ومن دون حماية. يضاف إليهم سكان خانيونس الذين طلبت منهم مناشير الجيش الإسرائيلي التوجه نحو الجنوب، نحو معبر رفح. وتشير الأرقام اليومية التي تنشرها الأمم المتحدة إلى ازدياد خطر انتشار الأوبئة، وإلى كارثة إنسانية (طواقم عمل وزير الدفاع غالانت مقتنعة بأن هذه التحذيرات مبالَغ فيها).
  • دروس الأسابيع الثمانية الأولى من القتال، هي أنه ليس من السهل “تطهير” مناطق غزة من “المخربين”. 57 يوماً مرت، ولا تزال الشجاعية تقاتل، وتوجد جيوب مقاومة في أحياء أُخرى. الوقت بدأ ينفد بسبب الضغط الأميركي، وأيضاً بسبب وضع السكان المدنيين. ثمة شك في أن يكون لدى إسرائيل أكثر من أسبوعين؛ وثمة شك في أن تستطيع خلالهما تحقيق الأهداف القصوى التي وضعها المستوى السياسي، وأعلنها في بداية الحرب.
  • لا جدال في أنه يجب توجيه ضربة إلى “حماس” تجعلها تخسر قدراتها. والجيش الإسرائيلي لا يستطيع تخطّي معقل “الإرهاب” في خانيونس. لكن لا مجال للانتصار هنا: من الأفضل خفض التوقعات والتوجه بسرعة نحو عملية التعافي وإعادة الإعمار، وقبل كل شيء استعادة المخطوفين.
  • في الجبهة الشمالية، هناك فرصة معينة في التوصل إلى اتفاق بوساطة من الأميركيين والفرنسيين. يمكن رشوة الحكومة اللبنانية بأموال دولية في مقابل موافقة حزب الله على ما يطالب به وزراء في إسرائيل بتطبيق “القرار 1701 مخفّف”، نسخة مختصرة من قرار مجلس الأمن الذي أنهى حرب لبنان الثانية [حرب تموز/يوليو 2006]. وعلى ما يبدو، سيوافق حزب الله على سحب قوة الرضوان إلى ما وار نهر الليطاني، وعلى عدم إعادة بناء أبراج المراقبة والمواقع على الحدود، والتي دمرها الجيش الإسرائيلي (يريد غالانت عودة الطيران الإسرائيلي إلى التحليق في الأجواء اللبنانية). وتدل التجربة على أن هذا الاتفاق سيُخرَق بعد مرور أشهر، أو سنوات، لكنه سيسمح بعودة سكان المستوطنات في الشمال إلى منازلهم.
  • يقودنا هذا الأمر إلى الجبهة الثالثة، التي تُعتبر على هامش جدول الأعمال: الجبهة الحوثية. يسيطر الحوثيون على معظم أجزاء اليمن، وهم ذراع إيرانية. ومنذ بداية الحرب، أطلقوا صواريخ ومسيّرات في اتجاه إيلات. وهم صادروا باخرة تملكها شركة رامي أوغنار الإسرائيلي، ويهددون بمصادرة بواخر أُخرى.
  • قبل أيام، سُمعت أصداء انفجارات قوية في مخازن سلاح تابعة للحوثيين بالقرب من صنعاء. ليس لديّ معلومات عن الجهة التي تقف وراءها، لكن لو كان لإسرائيل دور في ذلك، فمعنى هذا إشارة. قبل التفجيرات، نشر الحوثيون فيديوهات عن زيارات للسفينة المغطاة بعلمَي اليمن وفلسطين. وبعد التفجير، استضافوا وفداً من حزب الله في السفينة، وسارعوا إلى نشر فيديو عن الزيارة. وإذا كانت هذه إشارة، فإنها ليست كافية.
  • صديق لي عثر في الإنترنت على تفاصيل حديثة عن سفينة شحن إيرانية تحمل اسم بهشاد، كان يجب أن تصل إلى قناة السويس في 19 تشرين الثاني/نوفمبر، لكنها بقيت في مواجهة ساحل اليمن. كُتب أن عمر السفينة 24 عاماً، وتبلغ قيمتها 5.1 مليون دولار. هذه المعطيات لا تقدم الكثير، قد تكون سفينة بريئة تعطل محركها، وربما أيضاً سفينة عسكرية، مهمتها التعرف إلى هوية السفن الإسرائيلية، أرسلتها إيران المهتمة بمهاجمة ومصادرة هذه السفن. إنه أحد أساليب إيران الغامضة.

إسرائيل تخلّت عن المخطوفين

المصدر : هآرتس

المؤلف : غدعون ليفي

عودة إسرائيل إلى القتال هي أكبر خطأ ارتكبته منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر. حرب “الأيام الثقيلة والمثقلة بالدماء”، بحسب التعبير الشهير لموشيه دايان عن حرب أُخرى، تحولت في الأول من أمس إلى أيام ثقيلة ودموية، أكثر فأكثر، في وقت تبتعد أهدافها، وتتراكم جرائمها. العودة مجدداً إلى المشاهد المخيفة من غزة، اليومان الأولان لتجدُّد القتال كانا مريعَين، أولاد يُحتضرون على الأرضية القذرة للمستشفيات في غزة، وأهلهم فوقهم يصرخون ألماً. جرحى في الرأس غطاهم غبار الدمار، يُحمَلون إلى المستوصفات، حيث لا يمكن إنقاذهم. غزة لم يعد في إمكانها أن تتحمل أكثر، وبعد الهدنة، لم يعد من الممكن تحمُّل المعاناة الإنسانية. كيف يمكن أن تخبر عائلة فرّت، حفاظاً على سلامتها، ووجدت لها مأوى في ربع خيمة، بأن عليها التوجه جنوباً؟ كيف تقول لها إن عليها التوجه جنوباً، بينما الجنوب كله يُقصَف من دون تمييز تقريباً، مثل الشمال. وحتى الخريطة التفاعلية نتيجة تكنولوجيا وأخلاقية الجيش، والتي وُزعت في نهاية الأسبوع، لا تستطيع إنقاذ أحد في غزة، وثمة شك في أنها وُضعت من أجل هذه الغاية.

إسرائيل غير مهتمة بمعاقبة غزة، بل فقط بتحقيق الأهداف. من خلال العودة إلى الحرب في غزة، إسرائيل اعترفت بأنها تفضل هدفاً على هدف آخر. انتهى الحديث عن تحرير المخطوفين بأي ثمن، قبل أي شيء آخر، وسقط سقوطاً لا عودة عنه. إسرائيل فضّلت، بوضوح، سحق “حماس”، بغض النظر عمّا تعنيه كلمة سحق، على إنقاذ المخطوفين. لا تنفع الألاعيب الكلامية هنا، وهذه هي الحقيقة العارية. مع استئناف الحرب، إسرائيل لا تعرّض حياة المخطوفين للخطر فحسب، بل تُفشل محاولات تحريرهم.  يجري هذا كله، بينما كانت عملية تبادُل المخطوفين والأسرى في ذروتها، ونجحت أكثر مما كان متوقعاً لها.

بعد أيام طويلة من احتفالات إطلاق سراح المخطوفين، وفي الوقت الذي استنفدت الاستديوهات والصحف كل قطرة من المشاعر؛ وتحولت نشرات الأخبار إلى برامج من تلفزيون الواقع، روى فيها كل ابن عم بعيد روايته لمحرر مرات ومرات، وعندما تحول الواقع المفزع إلى برنامج تلفزيوني، والنهاية السعيدة إلى مشهد مبتذل، بعد هذا كله، انهارت المفاوضات، وانهارت أسطورة تحرير المخطوفين بأي ثمن. وفقاً للتقارير، “حماس” هي التي أرادت الانتقال إلى إطلاق سراح الرجال، الأغلى ثمناً، لكن إسرائيل أرادت الانتهاء من إطلاق النساء أولاً. إن تفجير المفاوضات والعودة إلى الحرب بكامل القوة يعني شيئاً واضحاً فيما يتعلق بسلّم أولويات إسرائيل التي كان هناك شك منذ البداية في أنها تفضّل الحرب على تحرير المخطوفين.

لقد حانت لحظة الحقيقة بالنسبة إلى إسرائيل، والاختيار جرى، وهو أمر مشين. لا يوجد هدف لإسرائيل أهم من تحرير المخطوفين، ولا يوجد أخطر من قطع الميثاق غير المكتوب بين المواطن (والجندي) وبين دولته، وترك المخطوف لمواجهة مصيره. منذ الآن، لا يمكن الحديث عن تحرير المخطوفين بأي ثمن. إسرائيل مع إطلاق المخطوفين، لكن من الواضح أنه ليس بأي ثمن. في نظرها، هناك أمور أكثر أهمية. فهي لن توافق على صفقة الكل في مقابل الكل، صفقة وقف إطلاق نار ثابت في مقابل إنقاذ 136 إسرائيلياً.

في استديوهات الموت والفن الهابط، حاولوا طمس الاختيار. وحدهم أبناء عائلات المخطوفين، وليس كلهم، تجرأوا على الوقوف ضد استئناف الحرب، بينما واصلت جيوش المحللين والمراسلين ترديد الشعارات الفارغة، دفاعاً عن الحرب، حرب ما من شك في عدالتها، لكنها تطرح مسائل ثقيلة جداً، لا أحد يتحدث عنها بشأن أدواتها المرعبة. لقد خرجت إسرائيل إلى حرب عادلة، لكنها استخدمت وسائل غير عادلة قط. حتى في الحروب العادلة، ليس كل شيء مسموحاً، وبالتأكيد ليس مسموحاً قتل 15 ألف إنسان، والاستمرار في ذلك من دون توقف، فقط من أجل تحقيق أهداف، ثمة شك في أنها ممكنة التحقيق، وإذا تحققت، فإنها لن تحل شيئاً.

لكن لنترك عدالة الحرب ووسائلها جانباً.  من واجبنا استعادة المخطوفين، قبل كل شيء. ولا يزال في إمكاننا ذلك، شرط توقُّف الحرب.

من تداعيات أحداث 7 أكتوبر: انهيار مفهوم “الجيش كافٍ لكلّ المهمّات”!

  •  سليم سلامة

انهيار مفهوم “إمكانية تحقيق سلام بدون الشعب الفلسطيني” كان موضوع الحلقة السابقة (21 تشرين الثاني 2023) من سلسلة المقالات هذه، التي نستعرض فيها المفاهيم المركزية الأبرز التي شكلت قاعدة الرؤية الأمنية ـ السياسية الإسرائيلية التي يتعمق الإجماع الإسرائيلي على حقيقة أنها مُنيت بالفشل الذريع، بل بالانهيار التام، والتي تتزايد وتتعالى الأصوات الداعية إلى إعادة النظر فيها، لكن بعد صبّ الجهد بداية على تحديدها، من منطلق القناعة بأن تحديد تلك المفاهيم هو الخطوة الأولى التي لا مناص منها في مسيرة إعادة ترميم ما ينبغي ترميمه في العقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية، ثم في إعادة هيكلة الأجهزة، المنظومات والأذرع المكلفة بتطبيق هذه العقيدة في المستقبل.

هذا العرض لهذه المفاهيم مبنيٌّ على الرصد والتوثيق اللذين يقدمهما مشروع مشترك أطلقته مؤخراً “مؤسسة بيرل كتسنلسون”، التي يقول شعارها المركزي: “نبني أسساً طويلة الأمد لمعسكر المساواة في إسرائيل”، و”مركز مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل”، تحت عنوان “انهيار المفاهيم ـ الطريق إلى إخفاق 7 أكتوبر 2023”. وقد وضع هذا المشروع خارطة تفصيلية بالمفاهيم التي انهارت، فقادت بنفسها وبانهيارها إلى الإخفاق. وكنا قد عرضنا حتى الآن لأربعة من المفاهيم المركزية التي حددتها تلك الخارطة ونعرض، في هذه الحلقة، للمفهوم المركزي الخامس الذي وضعت له “وثيقة المفاهيم” عنواناً مشتقاً من الممارسة السياسية الإسرائيلية التي توهّمت وأوهمت أن بمقدور الجيش الإسرائيلي “الرقص على كل الحبال وفي كل الأعراس” في الوقت نفسه: “ثمة جيش كافٍ للجميع”، أو “الجيش قادر على النهوض بكل المهامّ”! بينما أثبتت التطورات، وخصوصاً منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، أن المشروع الاستيطاني في المناطق الفلسطينية يستنزف الجزء الأكبر من موارد الجيش، قواته وقدراته، حتى أصبح يضع إسرائيل وجهاً لوجه أمام ضرورة الاختيار: إما الاستيطان وإمّا الأمن!

المستوطنات في الضفة الغربية تستنزف الجزء الأكبر من القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي

في صباح يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر كانت القوة العسكرية التي نشرها الجيش الإسرائيلي على الحدود مع قطاع غزة مؤلّفة من كتيبتين عسكريتين فقط، بينما كانت القوة التي نشرها الجيش في الوقت نفسه في مناطق الضفة الغربية تشمل لا أقل من 32 كتيبة. هذه المعلومة، التي كان يمكن أن تبدو “عادية تماماً” قبل 7 أكتوبر، تجسّد حقيقة أن المستوطنات في الضفة الغربية تستنزف الجزء الأكبر من القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي (الجنود) ولذلك، فهي تُحبط بالتالي قدرته على حماية المناطق الحدودية الأخرى، كما تحول دون تمكّنه من إجراء التدريبات اللازمة واللائقة استعداداً لحرب محتملة قادمة. وبناء على هذا، فإن ما حدث في 7 أكتوبر قد أوضح، بما لا يرقى إليه أي شك، ثمن اختيار إسرائيل تفضيل المستوطنات على أي شيء/ قطاع/ مجال/ مكان آخر في إسرائيل فوضعها، بالتالي، أمام ضرورة ملحّة للاختيار من الآن فصاعداً: إما المستوطنات وإما الأمن!

كيف وصلت إسرائيل إلى هذه النقطة المحددة؟ ترسم وثيقة “انهيار المفاهيم” خط التسلسل الزمني الذي أوصل إليها، فتعيد نقطة بدايته إلى أيلول 2013 حين قررت حكومة بنيامين نتنياهو التوقف عن توكيل جنود من الجيش بمهمات حراسة البلدات الإسرائيلية الواقعة عند الحدود الشمالية (مع لبنان)، وعند الحدود الجنوبية (قطاع غزة ومصر). ثم تلا ذلك، في حزيران 2014، قرار بفصل النصف من “مركّزي الأمن الجاري العسكري” في بلدات “غلاف قطاع غزة”، وذلك ضمن قرارات أخرى لإجراء تقليصات في الميزانية. وفي حزيران 2016، يصرّح مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الإسرائيلية بأنّ “الجيش محدود في قدرته على إجراء التدريبات وتحسين الكفاءة بين جنوده وضباطه، وذلك لأن جزءاً كبيراً من قوات الجيش منتشرة في مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) ومنهمكة بالمهمات الموكلة إليها هناك”. وفي كانون الأول 2021 اكتمل العمل في إقامة الجدار الكهربائي المحيط بقطاع غزة، بطول نحو 65 كيلومتراً وبتكلفة إجمالية بلغت ثلاثة مليارات ونصف المليار شيكل. ثم، في الشهر نفسه، قام الجيش الإسرائيلي بجمع كل قطع الأسلحة التي كان قد وزعها من قبل على سكان بلدات “غلاف غزة” لغرض الدفاع عن النفس.

تؤكد الوثيقة حقيقة أن الجيش الإسرائيلي، وعلى الرغم من كل ضخامته، البشرية والعتادية والتكنولوجية، يبقى بمثابة “مورد محدود”، بما يعني أنه من غير الممكن توفير عدد لا نهائي من الجنود، الدبابات، المروحيات والوسائل القتالية المختلفة لكل بلدة من البلدات في إسرائيل. لذلك، فإن طريقة استخدام موارد الجيش والقرارات بشأن كيف وأين يتم نشر قواته تعكس سلم الأولويات كما تحدده الدولة.

لماذا كانت الحاجة إلى تخصيص 16 ضعفاً من القوات/ الكتائب العسكرية للحماية في الضفة الغربية عمّا خُصِّص لحماية الحدود مع قطاع غزة؟ لسبب “بسيط جداً” هو أن اليمين الاستيطاني ـ كما تقول الوثيقة ـ أقام طوال عشرات السنين مشروعاً استيطانياً مدنياً “في قلب منطقة معادية” يتطلب موارد أمنية هائلة، على حساب القطاعات والمجالات والمناطق الأخرى بالتأكيد.

هنا يجب التوقف للإشارة إلى الحقيقة التاريخية الجوهرية التي تفيد بأنّ الذي أطلق “المشروع الاستيطاني في قلب منطقة معادية” (الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري) والذي وضع لبناته الأولى ووفر الدعم وغطاء الشرعية لطلائعييه، من الأفراد ثم التنظيمات، لم يكن “اليمين الاستيطاني” بل من سبقه في الحكم ـ تحالف أحزاب “اليسار” و”الوسط” الإسرائيليين، ثم جاء اليمين وركّز جهوداً وموارد ضخمة جداً من أجل تكثيف الاستيطان وتوسيع مشروعه بصورة مذهلة.

لكن، على الرغم من ملاحظتنا التاريخية هنا وتجاوزاً لها، يمضي معدّو “وثيقة المفاهيم” على الخط الذي رسموه لأنفسهم منذ البداية فيكتبون أنه “خلافاً لادعاءات اليمين” (وهنا، أيضاً: هذه الادعاءات المقصودة سبقت صعود اليمين إلى الحكم!)، فإن دواعي إقامة هذا المشروع الاستيطاني ورصد الموارد الأمنية والاقتصادية الهائلة التي يتطلبها “ليست، ولم تكن في يوم من الأيام، دواعي أمنية، بل هي دواعٍ دينية وأيديولوجية: استعجال قدوم المخلّص، الاستيلاء على أرض إسرائيل التوراتية، إقصاء السكان الفلسطينيين ومنع إعادة أراضٍ في إطار أي اتفاق سياسي”.

الاستيطان ـ مشكلة خطيرة برؤوس عدّة!

لتحقيق السيطرة على أكثر ما يمكن من الأراضي في الضفة الغربية، أقيم العديد من المستوطنات والبؤر الاستيطانية بحيث تفصل بينها مسافات كبيرة جداً، وهو ما أصبح يعني أن “الوجود المدني المنتشر في أنحاء الضفة الغربية لا يساهم في ضمان وتعزيز الحماية، بل يُثقل على قوات الأمن ويستهلك جزءاً كبيراً من موارد جهاز الأمن ويُضيف عدداً غير نهائي من نقاط الاحتكاك التي تطيل الخطوط الدفاعية”، بحسب التقييم الذي وضعه قائد المنطقة العسكرية الوسطى ونائب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي سابقاً، الجنرال موشي كابلينسكي.

ووفقاً لتقديرات متحفظة جداً، فإنّ الخط (الحدودي) الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية هو أطول بخمس مرات على الأقل مما كان يمكن أن يكون عليه بدون المستوطنات.

كما أن أكثر من نصف مليون إسرائيلي يعيشون اليوم في “مناطق يهودا والسامرة” (الضفة الغربية)، معظمهم في مستوطنات تقع غربيّ الجدار الفاصل الذي “يوفر لها الحماية”، غير أن مستوطنات كثيرة، كذلك كل البؤر الاستيطانية تقريباً، تقع شرقيّ الجدار، بل إن جزءاً غير قليل منها يقع وسط “سكان فلسطينيين معادين”. ومن أجل توفير الحماية لهؤلاء، سواء في حضانات ورياض الأطفال، في المدارس أو على الشوارع التي تربط المستوطنات بإسرائيل وكذلك الحياة اليومية الروتينية لعشرات الآلاف من الأشخاص (المستوطنين) الذين “يخلقون احتكاكاً وتوتراً دائمين مع الفلسطينيين”، يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى تخصيص كمية هائلة من القوى البشرية ومن الموارد العسكرية.

على سبيل المثال، في المستوطنة اليهودية في قلب مدينة الخليل الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، يعيش نحو 800 “مستوطن دائم” ونحو 250 “من تلاميذ المدارس الدينية” اليهودية (ييشيفوت). من أجل حماية هؤلاء، بين 33.000 فلسطيني، يحتفظ الجيش الإسرائيلي في المدينة بكتيبة كاملة من سلاح المشاة وبسريّتين اثنتين من عناصر شرطة “حرس الحدود“، أي ما مجموعه تقريباً 600 عنصر أمنيّ. معنى هذا أن حماية مستوطنين اثنين تتطلب “أكثر من جندي واحد”، بالمعدّل. ومثال آخر: قبل يومين فقط من يوم “السبت الأسود”، خصص الجيش ما لا يقل عن ثلاث كتائب عسكرية ووسائل عسكرية أخرى عديدة لتأمين حراسة الصلاة الجماهيرية التي نظمها المستوطنون في “قبر يوسف” في قلب مدينة نابلس. ويقتبس معدّو الوثيقة من بحثٍ كان قد نشره مركز “مولاد” في العام 2017 حول العبء الأمني الثقيل الذي تشكله المستوطنات على كاهل الدولة والجيش وجاء فيه أن حجم القوات التي يضطر الجيش الإسرائيلي إلى نشرها والإبقاء عليها في الضفة الغربية يعادل نصف ـ وأحيانا ثلثيّ ـ إجمالي القوة المقاتلة التي في حوزته. أي أن هذه القوات أكبر حتى من تلك المعدّة للدفاع عن كل الجبهات الأخرى مجتمعة (لبنان، سورية، قطاع غزة والعراباه في الجنوب).

غير أن هذه ليست المشكلة الوحيدة التي يخلقها ويفاقمها المشروع الاستيطاني. فهو لا يؤدي إلى تحويل موارد أمنية هائلة إلى الضفة الغربية، لأسباب ودوافع أيديولوجية مسيانية، فقط وإنما هو يلحق أيضاً ضرراً جسيماً بكفاءة الجيش ومدى جاهزيته لخوض حرب على جبهات أخرى. ذلك أن التشكيلات العسكرية التي تقضي جلّ وقتها في مهمات شُرَطيّة في مناطق الضفة الغربية لا تجد ما يكفي من الوقت للتدريبات التحضيرية لسيناريوهات حرب مستقبلية. وهو ما عاد وأكده مؤخراً اللواء (احتياط) يتسحاق بريك، القائد السابق للواء المدرعات والكليات العسكريّة، في أعقاب الهجوم المباغت الذي نفذته حركة حماس في عمق الأراضي الإسرائيلية يوم 7 أكتوبر، مضيفاً: “ليس لدينا ما يكفي من الجيش لنوكل إليه المهام الشرطية اليومية في قطاع غزة والضفة الغربية ثم أن نتوقع منه أن يؤدي مهمته في حماية الحدود الشمالية، مع لبنان. إن هذا غير ممكن”.

وفوق هذه وتلك تأتي مشكلة مستعصية وخطيرة أخرى ناجمة عن الاستيطان ومشروعه تتمثل في الإرهاب اليومي الذي يمارسه المستوطنون، وهو ما يجعل مهمة الحماية في الضفة الغربية أكثر صعوبة وتعقيداً بدرجات، ثم يزيد بالتالي وبالضرورة من حجم الموارد والمخاطر المترتبة على ذلك، بصورة كبيرة جداً. فإذا كانت قد وقعت في العام 2021، على سبيل المثال، 450 حادثة “عنف استيطاني” (بما في ذلك إشعال الحرائق، رشق الحجارة وإطلاق النيران الحية) ضد فلسطينيين في الضفة الغربية، فقد تضاعف هذا العدد مرتين في العام 2022 ووقعت ـ حسب معطيات الجيش الإسرائيلي نفسه ـ 850 حادثة كهذه، أي بمعدل حادثتين ـ ثلاث في كل يوم! وهنا، يتعين على الجيش “التعامل مع” هذه الأحداث، ثم “معالجة” أي ردود فلسطينية عليها. لكن هذه الأرقام سجلت ارتفاعاً حاداً جداً خلال الفترة الأخيرة، وخاصة بعد السابع من أكتوبر، حتى اضطر رئيس “جهاز الأمن العام” (الشاباك) ورئيس هيئة أركان الجيش إلى التحذير الصريح من مغبة استمرار هذا الوضع، وذلك في إحدى الجلسات التي عقدها “المجلس الوزاري المقلص للشؤون الأمنية” في الفترة الأخيرة.

إجمال: “إمّا المستوطنات وإمّا الأمن”!

تأكيداً لانهيار مفهوم “ثمة جيش كافٍ للجميع”، تخلص “وثيقة المفاهيم” في هذا السياق إلى القول: “أصبح من الواضح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن إسرائيل مُجبرة على الاختيار: إما المستوطنات وإما الأمن”! ذلك أن الوضع الحالي، الذي تُوظَّف فيه موارد الجيش، بجزئها الأكبر، لحماية المستوطنين هو “ليس قدراً محتوماً وإنما قرار سياسي تتخذه الحكومات الإسرائيلية”.