الشيخ خليل رزق: لبنان لن يكون بلد التطبيع والسلم مع العدو وسيبقى بلد الجهاد والمقاومة*

*الشيخ خليل رزق: لبنان لن يكون بلد التطبيع والسلم مع العدو وسيبقى بلد الجهاد والمقاومة*

 

في أجواء يوم الشهيد والذكرى الـ43 لعملية فاتح عهد الاستشهاديين الشهيد أحمد قصير، أقام حزب الله مراسم يوم الشهيد أمام نصب الشهداء في شارع فتح الله وسط العاصمة بيروت، بحضور عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب أمين شري، مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله الشيخ خليل رزق، المستشار الثقافي للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في لبنان السيد محمد رضا مرتضوي، وعدد من العلماء والفعاليات والشخصيات البلدية والاختيارية والثقافية والاجتماعية، عوائل الشهداء، وجمع من الأهالي.

 

المراسم افتتحت بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم للقارئ مصطفى شقير، ثم كانت وقفة من النشيد الوطني اللبناني ونشيد حزب الله، بعدها، أقيم تشييع رمزي لشهيد من مجاهدي المقاومة الإسلامية، حيث حمل النعش الذي لُف بعلم حزب الله على أكتاف ثلة من المجاهدين، وساروا به على وقع عزف موسيقى كشافة الإمام المهدي (عج)، ثم جرى استعراض لمجموعة من سائقي الدراجات النارية الذين رفعوا صور عدد من الشهداء، تبعهم استعراض لسرايا كشفية تضم (القادة، الجوالة، الكشافة، البرية، الأشبال)، وكل ذلك على وقع عزف موسيقى كشافة الإمام المهدي (عج).

 

بعد ذلك، كانت كلمة لمسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله الشيخ خليل رزق قال فيها لقد علّمنا هؤلاء الشهداء ومعهم كل مجاهد، معنى الثبات والاستقامة والعزة والإباء، وأن لا نكون ضعفاء ولا أذلاء ولا جبناء، فهم ما ضعفوا وما استكانوا وما وهنوا لما أصابهم، وعندما كانت الميادين وساحات المواجهة تطلب حضورهم، لبوا النداء، وعندما احتاجت المعركة إلى دمائهم الزاكية، بذلوها، ليصنعوا على امتداد تاريخ لبنان أعظم البطولات، وليسطروا أروع الملاحم.

 

وأكد الشيخ رزق أن العالم المتغطرس الذي اجتمع في الحرب الأخيرة علينا بوحشيته وإجرامه وصواريخه، سقط أمام دماء شهدائنا في بلدات الشريط الحدودي، واستطاع المجاهدون والشهداء الثبات، وتلقين هذا العدو درسًا لم ولن ينساه، وإذا كان العدو يفكر بتوسعة جغرافية كيانه حين يتحدث عن “إسرائيل الكبرى”، فعليه أن يعلم أن دماء شهدائنا كفيلة بأن تزلزل الأقدام تحت عروش الصهاينة، ونقول له ولمن يدعمه ويسير في فلكه، بأنه لن يكون هناك وجود لإسرائيل في هذا العالم إن شاء الله.

 

وشدد الشيخ رزق على أنه لن يكون لبنان على شاكلة البعض من أهل المذلة، ولن يكون ضعيفاً، ولا بلد التطبيع والسلم مع العدو، وإنما سيبقى بلد الجهاد والمقاومة والعزة والكرامة، فلن ترفع فيه أي راية لهذا العدو، وستبقى بإذن الله رايات المقاومة هي المرفوعة على الرغم مما نقدمه يومياً من الشهداء.

 

وختم الشيخ رزق بالقول إننا نقول في يوم الشهيد وبرؤوس وهامات عالية ومرفوعة، إن لبنان لن يكون إلاّ بلد المقاومة، وبلد الأمين العام سيد شهداء الأمة الأسمى والأقدس السيد حسن نصر الله (رض).

 

وفي الختام، أدى القادة والعناصر الكشفية قسم العهد والوفاء للشهداء بالسير على نهجهم، وحفظ الدماء الطاهرة، وإكمال مسيرة الجهاد والمقاومة حتى تحقيق النصر الكامل على العدو الإسرائيلي، قبل أن يضع الشيخ رزق والحاضرون إكليلاً من الزهر أمام نصب الشهداء.

 

*العلاقات الإعلامية في حزب الله*

*الإثنين 10-11-2025*

*19 جمادى الأولى 1447 هـ*

*عضو المجلس السياسي في حزب الله الوزير السابق محمود قماطي من جبيل:* *”من حقنا الوطني أن نرفض أن يقول الأميركي للحكومة اللبنانية افعلوا كذا خدمة للإسرائيلي*

*عضو المجلس السياسي في حزب الله الوزير السابق محمود قماطي من جبيل:* *”من حقنا الوطني أن نرفض أن يقول الأميركي للحكومة اللبنانية افعلوا كذا خدمة للإسرائيلي*”.

 

أكد عضو المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي أنه “من حقنا الوطني واللبناني أن نرفض أن يقول الأمريكي للحكومة اللبنانية افعلوا كذا وكذا خدمةً للإسرائيلي، هذا أقل حقوقنا.” كلام قماطي جاء خلال كلمة ألقها في الحفل التأبيني الذي أقامه حزب الله وعائلة الشهيد السعيد محمد علي رشيد في قاعة شهداء جبيل وكسروان في كفرسالا بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لإرتقائه خلال معركة أولي البأس دفاعا عن لبنان وشعبه ، بحضور عضو المجلس السياسي في حزب الله محمد صالح ، معاون مفتي جبيل وكسروان الشيخ محمد حيدر وجمع من عوائل الشهداء وأهالي المنطقة.

 

وأضاف قماطي : “إنّ أجمل ما ميّز لبنان هو صيغة العيش المشترك، وأجمل ما ميّز منطقة جبيل وكسروان هو العيش الواحد بين مختلف الطوائف، حتى أضحت المنطقة رمزاً جميلاً ورائعاً لصيغة لبنان الفريدة. هذه المنطقة، التي كانت رمزاً لهذا التعايش، كانت أيضاً رمزاً للتضحية في سبيل لبنان، حيث ارتقى من أبنائها شهداء لأنهم جزء أساسي من الوطن ولكل الوطن، من عكار في الشمال إلى الجنوب.”

وقال قماطي : ” إنّ هذه التضحيات التي تُبذل في سبيل لبنان هي لأن الوطن لا يتجزأ. ولا يجوز أن تعيش منطقةٌ ما آلامها وأوجاعها بسبب الاعتداءات الإسرائيلية وتبقى بقية أجزاء الوطن وكأن الأمر لا يعنيها. فالشعور بالألم الوطني هو أرقى الواجبات الوطنية، وهو التعايش الحقيقي. فما نفع أن تخبرني عن التعايش وأنت لا تعيش هذا التعايش بكل تفاصيله مع بقية أبناء وطنك؟ وللأسف الشديد، هناك اليوم من يحاول أن يدمر هذه الصيغة والوحدة وأن ينسف هذه الرسالة بطروحات طائفية، في زمن مفصلي يعيشه الوطن ألماً ودماراً وتهديداً وجودياً حقيقياً.”

ولفت قماطي إلى أن ” زوال لبنان ليس مبالغات أو نظريات سياسية، فقد قالها نتنياهو عندما تحدث عن “إسرائيل الكبرى”، وقالها المبعوث الأمريكي توم باراك إن لبنان يواجه تهديداً وجودياً، وإذا لم يتحرك فقد يعود إلى “بلاد الشام”. وحتى الكثير من الأوروبيين نسمعهم يتحدثون عن توصيات تخيّر الوطن بين الوصاية السورية والوصاية الإسرائيلية برداء أمريكي. عندما تكون كل مطالب إسرائيل هي مطالب أمريكية، فماذا تكون الغاية وما هو الهدف؟

أمام هذا الخطر الحقيقي الوجودي، لا يجوز لأي فريق سياسي أن يتماهى مع العدو، بل أن يتجاوز في تماهيه حتى يصل إلى الحقد والعداء لمكون لبناني من أجل طلب أمريكي أو إسرائيلي.”

وشدد قماطي على ” أننا نحن اليوم بحاجة إلى الاستقرار الوطني. وما يقوم به البعض من أجل حسابات سياسية ضيقة، يتعلق للأسف بجزء جغرافي صغير يعتقدون أنه هو الوطن، وهذه ليست مشكلة سياسية عابرة بل مشكلة تكوينية لا تشبه الشعب اللبناني نفسه الذي يريد كل هذا الوطن. لقد أظهر الشعب اللبناني أعظم التجليات الوطنية أثناء العدوان الإسرائيلي، فقال بصوتٍ عالٍ: “نريد أن نعيش مع بعضنا”. وعاشت هذه المنطقة تحديداً، إلى جانب مناطق أخرى استقبلت المهجرين اللبنانيين من مناطق أخرى بسبب العدوان الإسرائيلي، أجمل اللحظات الوطنية المشرقة، وما زال أهالي البقاع والجنوب يتواصلون مع الذين استقبلوهم، وهذه هي صورة الشعب اللبناني الحقيقية.”

وأضاف قملطي : ” السياسة هي لصون الوطن والوحدة الوطنية. والاستراتيجية كي يبقى لبنان فاعلاً في محيطه وفي صناعة القرار العالمي، هي أن يكون لبنان قادراً على أن يقول “نعم” عندما نكون جميعاً مستفيدين من قرار يدعم هذه الصيغة الوطنية ومكانة لبنان العالمية، وأن يقول “لا” عندما تكون هذه القرارات لضرب لبنان في وحدته. إن وطنيتنا اللبنانية وسيادتنا تفرضان علينا، ومن حقنا الوطني، أن نرفض أن يقول الأمريكي للحكومة اللبنانية افعلوا كذا وكذا خدمةً للإسرائيلي، فهذا أقل حقوقنا.

هذه التجربة السورية ماثلة أمامنا، فهي تقوم دون اعتراض بتطبيق كل ما يُطلب منها أمريكياً، ومع ذلك، لم يمنع كل هذا الاستسلام أمام الطلبات الأمريكية إسرائيل من الاعتداءات اليومية على سوريا، ودخول المناطق السورية يومياً حيث تريد وكيفما تريد، لأنه لا توجد في سوريا مقاومة، أو من يعترض ليجعل الإسرائيلي على الأقل يخشى أن يستسهل دخول هذه المناطق بحرية كاملة. في الختام، يظهر أن سوريا التي تقدم كل شيء، لا تريدها إسرائيل، ولا حتى تراعي هيبة حكومتها أمام شعبها.

المشكلة التي لا يريد البعض أن يفهمها أو حتى يصدقها هي أن حدود إسرائيل وصلت إلى حدود العراق. هناك تغيرات كبيرة في المنطقة تُفرض علينا، وأقلّه أن نتمسك بقوتنا مهما كانت لرفض هذه الخيارات الكبرى التي تهدد ليس فقط لبنان بل كل الأوطان العربية. وقد بدأنا نسمع في العالم العربي “لماذا يجب تسليم السلاح؟”، خاصة بعد قصف قطر، حيث ظهر للجميع أن الأهم أمريكياً هي إسرائيل على حساب كل الأوطان العربية بما فيها لبنان. لذلك، نحن عندما ندافع عن لبنان، ندافع عن كل الأوطان العربية ونكون خط الدفاع الأول. لذلك، الاستراتيجية الدفاعية ضرورة في السياسة والحرب، لأنها ورقة ضغط حقيقية وقوية يمكن للجميع الاستفادة منها.”

واعتبر قماطي أنه ” عندما نقول “لن نسلم السلاح”، فإنّ هذه العبارة بالأعراف السياسية والوطنية هي أقل عبارة يمكن قولها أمام هذا التهديد الوجودي لكل لبنان. ماذا يُطلب منا أن نقول لقوى تعتدي علينا يومياً؟ أن نقول “سنسلم السلاح”؟ أو أن ندعو جميع الفصائل اللبنانية التي تحمل السلاح وتجمعه في المخازن لنتوحد وتصبح هذه القوى هي الاستراتيجية الدفاعية للبنان ورفع سقف الشروط اللبنانية؟

وأنتم تعلمون أننا نتحدث عن ثقة وانطلاقاً من تجربة، لا كما يحاول البعض أن يتحدث بأن المقاومة لم تحمِ أو تحرر، في تزييف للتاريخ والحقيقة وهي أمامنا. عندما لم تكن المقاومة موجودة وصل الإسرائيلي إلى العاصمة اللبنانية، نحن نتحدث عن احتلال أكثر من نصف لبنان بأيام قليلة ودون خسائر للعدو تُذكر، ولولا الوجود السوري لربما وصل الاجتياح الإسرائيلي إلى الحدود السورية.

لا يجوز وصف المقاومة بـ”الميليشيا” وهي التي منعت إسرائيل من احتلال كل جنوب لبنان. إذا كانت إسرائيل تعاني ما تعانيه من وجود المقاومة التي التزمت بوقف إطلاق النار، ومع ذلك تفرض شروطاً تعجيزية، فكيف لو لم تكن المقاومة موجودة وإسرائيل تحتل نصف لبنان؟

ومن المعيب والكذب الواضح والفاضح، أن تجعلوا من المقاومة سبب الانهيار الاقتصادي للبنان وما وصل إليه الشعب اللبناني، لأن السبب هو الفساد وسرقة أموال المودعين. وأنتم اليوم الذين تسعون لاستهداف المقاومة، حتى لو وصل الأمر إلى حرب أهلية، لا لحماية لبنان بل لحماية الفاسدين الذين هم سبب ما حلّ في لبنان.”

وأضاف قماطي: ” كما أن المقاومة ليست شيعية كما يُشاع، وهذا أمر نرفضه لأنه ارتقى بيننا شهداء من مختلف الطوائف من السنّة والمسيحيين، ومن أحزاب مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي والجماعة الإسلامية. العداء لإسرائيل ليس فقط شيعياً، بل هو في صميم كل مواطن لبناني شريف، ومن لا يستطيع أن يقدم الدم والتضحيات لا يحق له أن يصنف المقاومين كما يشتهي.

وهل تصدقون أن الحصار والعقوبات المفروضة على لبنان وعدم الإعمار هي بسبب سلاح حزب الله؟ بالأمس، عندما كان مجلس الوزراء مجتمعاً بوجود وزراء الثنائي الوطني، وبينما كان التقييم والبحث عن كم قطعة سلاح وكم مخزن أسلحة استلمته الدولة اللبنانية، كانت إسرائيل تقصف الجنوب وتقتل المواطنين الأبرياء. ألا تستحق هذه الوحشية أن نوقف عدّ الأسلحة التي صودرت وأن نخرج لنعترض على هذا العدوان والانتهاك الفاضح للسيادة اللبنانية؟

نحن منذ اللحظة الأولى كنا بنّاءين ومتعاونين إلى أقصى الحدود، من انتخاب رئيس للجمهورية إلى رئيس للحكومة، إلى الالتزام الكلي بوقف إطلاق النار من جانبنا. لكن، هل قامت إسرائيل بعمل واحد مما تعهدت به؟ هل احترمت إسرائيل على الأقل من يكررون مطالبها؟ إن إسرائيل لا تحترم أحداً ولن تقبل بأحد حتى لو ارتمى هؤلاء الذين يداهنون أمريكا عند أقدام إسرائيل.

ثم هناك مشروع معلن لإدخال الوطن في عصر الوصاية الأمريكية والإسرائيلية، وهناك من يقبل بهذه الوصاية ويسميها سيادة، بينما يرفض الدعم الإيراني ويسميه احتلالاً. هل يعقل أن نصل إلى هذا المستوى؟ إيران التي تدعم ومستعدة لتقديم كل إمكانياتها للدولة اللبنانية ليست كأمريكا التي قالتها صراحةً إنها غير مستعدة حتى للطلب من إسرائيل أن توقف قتل الأبرياء، وتعلن صراحةً أن كل أشكال الدعم متوقفة عن لبنان حتى تسليم السلاح. إن أمريكا تقول بصورة أخرى إنها ستضغط على لبنان حتى الانهيار. فقضية السلاح ليس لها علاقة بما تقوم به أمريكا؛ أمريكا تريد أن يصبح لبنان دون أي قوة دفاعية أو اقتصادية أو حتى معيشية لأنها تسعى إلى تفتيت لبنان.

أمريكا تراهن على تعبنا لأننا وحدنا ومن معنا نقدم الدماء والتضحيات. لكن في الختام، هل يجوز فقط أن ندفع نحن دائماً ثمن تمسكنا بوطننا لبنان الذي لا نملك غيره ومتشبثون به أكثر من أرواحنا التي نقدمها في سبيله؟”

وختم قماطي : ” في ذكرى الشهيد وبعد غدٍ في يوم الشهيد: لن نترك السلاح لأنه ليس سلاحاً موجهاً إلى الداخل، بينما بعض الداخل افتعل الحروب لعقود. بل نتمسك بالسلاح لأنه ضمان بقاء لبنان وورقة قوة للبنان، ومن أجل لبنان نقدم كل هذه الكوكبة من الشهداء”.

 

*العلاقات الإعلامية في حزب الله*

*الإثنين 10-11-2025*

*19 جمادى الأولى 1447 هـ*

عمائــــــم سلكت درب الشهادة (1)

 

لم تكن العمامة يوماً، منذ انطلاقة المقاومة، حاجزاً بين صاحبها وميادين الشرف. ولم يكن سيّد شهداء المقاومة الإسلاميّة السيّد عبّاس الموسويّ وشيخها الشيخ راغب حرب (رضوان الله عليهما) إلّا قدوة في التقدّم نحو ساحات التضحية والفداء. وعلى طريق الشهادة، ارتسمت أسماء علماء كثيرين دُوّنت أسماؤهم في سجلّات الخلود، كان آخرهم سيّد شهداء المقاومة سماحة السيّد حسن نصر الله ورفيق دربه الشهيد السيّد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليهما)، اللذين أكّدا بشهادتهما في معركة أولي البأس أنّ أمّة قادتها شهداء لا يمكن أن تركع أو تخضع.

نطلّ في هذا التحقيق على عدد من علماء الدين الذين التحقوا بركب الشهداء منذ اليوم الأوّل لهذه المعركة.

 

• الشيخ نبيل قاووق

هو «شيخ الانتصار الأوّل»، كما يحبّ الكثيرون تسميته، فهو الذي كان حاضراً في تحرير العام 2000م بعقله وقلبه ووجدانه، وهو القائد السياسيّ والميدانيّ الذي لا يعرف الكلل أو الملل، والمبلّغ والمرشد الدينيّ الذي تشهد له المنابر بحسن اطّلاعه وعمق معرفته وتديّنه، وقد كان أسرع اللاحقين بسيّد شهداء الأمّة، إذ استشهد في اليوم التالي لشهادته، ليترافقا في الجنان كما ترافقا في الدنيا.

من أبرز ما ميّز الشيخ الشهيد علاقته الخاصّة بالقرآن الكريم، بحيث كان مواظباً على قراءة ثلاثة أجزاء منه في كلّ ليلة وقوفاً، تأسّياً بالنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم واقتداءً به، على الرغم من انشغالاته الكثيرة. ولم يمنعه أيّ حدث أو مناسبة من أداء هذا البرنامج، فهو حتّى ليلة شهادة سماحة السيّد (رضوان الله عليه) افترش سجّادة صلاته وأكمل برنامجه المعتاد، مع أنّ المصاب جلل والمسؤوليّة أصبحت أعظم.

تنقل كريمته كيف تأثّر أبناؤه وأحفاده بعلاقته بكتاب الله تعالى، حتّى باتوا كلّما اشتاقوا إليه قرأوا آيات من القرآن الكريم. وتقول: «ابنتي مثلاً، ذات الأعوام التسعة، كلّما اشتاقت إلى جدّها تقرأ بعض الآيات وقوفاً تأسّياً به وتهديها له».

 

• الشيخ عبدو أبو ريّا

هو العالِم الجليل وإمام البلدة، الذي ترك فيها أثراً كبيراً حتّى بعد شهادته، فلا يأتِ أحد على ذكره إلّا وبكى تأثّراً. بعد استشهاد رفيقَي دربه الشيخ علي أبو ريّا والسيّد محمّد صالح (رضوان الله عليهما) في أوّل يوم من العدوان، لم يستسلم للحزن ولم يتوانَ عن خدمة الناس حتّى آخر لحظة من حياته الشريفة.

تقول فاطمة ابنة الشهيد: «بعد شهادته، اكتشفنا شخصيّة أخرى لوالدي لم نكن نعرفها من قبل، فقد كان شديد الكتمان، ومتواضعاً جدّاً، وصاحب صدقة السرّ التي تركت أثراً كبيراً في قلوب الناس، وخصوصاً طلّابه وأهل قريته، الذين كانوا يجدون في أخلاقه وتواضعه طيفاً من أخلاق أمير المؤمنين عليه السلام وحلمه وعلمه وشجاعته».

إلى اليوم، لم يترك الشيخ أبو ريّا أهل قريته الذين أحبّهم وأحبّوه، فهو يزورهم في عالم الرؤيا، يطمئنّ على مريضهم، ويستفسر عن أحوالهم، ويجيب عن أسئلتهم، وقد ذكر لبعضهم في المنام عبارة: «ابحثوا عن سرّ العمامة»، ذلك السرّ الذي لم يكتشفه أحد حتّى اليوم.

تنقل فاطمة عن والدها، أنّه وقبل يومين من شهادته، كان جالساً مع أحد طلّاب الحوزة من أبناء قريته، يوصيه بأهلها، ويطلعه عمّا يجب أن يقوم به بعد شهادته، حتّى إنّه قال له: «إذا استشهدت، فعليك بارتداء العمامة لتكمل الطريق من بعدي، لأنّني آخر عالِم دين معمّم في القرية، ويجب أن يكون ثمّة أحد آخر يملأ هذا الفراغ». فصدق حدسه، إذ استشهد هو والسيّد إبراهيم ياسين.

 

• الشيخ أحمد العوطة

يتحدّث فضيلة الشيخ علي إسماعيل، وهو صديق الدراسة الحوزويّة، عن الشهيد الشيخ أحمد العوطة بلسان المشتاق تارة والفخور تارة أخرى؛ فهو الذي عاشر الشهيد منذ الأيّام الأولى للدراسة في الحوزة، واستمرّت العلاقة بشكل شبه يوميّ إلى ما قبل الشهادة التي كان ينتظرها الشيخ العوطة ويتمنّاها.

«كلّ صفات الشيخ أحمد مميّزة»، هكذا يعبّر الشيخ إسماعيل، ويتابع: «لكن، أكثر ما يلفتك فيه، اتّزانه ورصانته، فهو شخص ناضج يزن كلّ كلمة أو موقف أو سلوك، وهذه الشخصيّة الرصينة تكشّفت معالمها أكثر بعد ارتدائه العمامة وانخراطه في التبليغ الدينيّ».

عُرف الشيخ العوطة بصفات أخرى لا تخفى على أحد، وأهمّها حبّه لخدمة الناس والسعي إلى قضاء حوائجهم، بحيث كان يتابع بكلّ اندفاع ومحبّة، أيّ طلب أو حاجة يُطلبان منه حتّى يوفّق في قضائهما. هذا مضافاً إلى كرمه وشجاعته وتديّنه القويّ الذي يجسّد بحقّ حالة طالب العلم الحوزويّ بالفعل لا بالقول فقط.

يخبرنا الشيخ إسماعيل كيف كان الشهيد يعبّر عن انزعاجه بسبب عدم استدعائه للحرب منذ اندلاعها قبل سنتين، وهو الذي كان ينتظر بفارغ الصبر الالتحاق بالمقاومين في الجبهات، ورفض الابتعاد عن بيروت بانتظار استدعائه في أيّ لحظة لتأدية الواجب الجهاديّ، ونيل شرف المقاومة والشهادة.

 

• الشيخ طليع زين الدين

هو قارئ العزاء المتواضع والمبلّغ المحبوب الذي لم يترك أيّ تشييع لشهيد إلّا وحضره، حبّاً بالشهداء وشوقاً للَّحاق بهم. تنقل عنه ابنته بتول كيف كان يطلب منها دوماً أن تدعو له بالشهادة، وتقول: «حضر مرّة في تشييع شهيد من بلدة عيترون، وقد رأى حينها أنّه لم يتبقّ من جثمان الشهيد إلّا بعض الأشلاء التي لا يتجاوز حجمها كفّ اليد الواحدة. وعند عودته، أخبرني بما رأى، وأنّه يتمنّى لو ينال شهادة مشابهة لا تُبقي منه أثراً. وفعلاً، بقي جثمانه مفقوداً مع أفراد عائلته طيلة أيّام الحرب، ولم نتأكّد من شهادته هو وعدد من أفراد عائلته إلّا بعد انتهائها بأيّام عدّة، فلم نجد منهم إلّا بعض الأشلاء». كما تنقل ابنة الشهيد أنّ أحد الأشخاص رآه في المنام طالباً منه تأجيل الدفن، لأنّهم سيجدون أشلاء أخرى في مكان معيّن. وهذا ما حصل، فبعد أيّام وجدوا أشلاء في ذلك المكان.

هذه الشهادة المميّزة للشيخ طليع زين الدين مع عدد من أفراد عائلته كانت دليلاً على كرامة إلهيّة استحقّها بأخلاقه وإيمانه وحبّه لأهل البيت عليهم السلام، فهو الذي كان يردّد يوميّاً أنّ كلّ ما لدينا هو ببركة الإمام الحسين عليه السلام . بالإضافة إلى دراسته في مرحلة البحث الخارج، كان مبلّغاً دينيّاً ومدرّساً يتعامل مع طلّابه بكلّ حبّ وأبوّة، خصوصاً أيتام الشهداء الذين كان يخصّهم دائماً بالهدايا والعطف والحنان. كذلك، كان الشيخ الشهيد من قرّاء العزاء الذين تركوا أثراً كبيراً في قلوب كلّ من استمعوا إلى قصائده ومحاضراته ورواياته، التي كان يختارها بعناية ودقّة.

 

• شركاء العلم والجهاد

كثيرون هم علماء الدين الذين جسّدوا القول بالفعل، وحملوا عمامة الطهر رمزاً للتضحية والفداء، كما هي رمز للعلم والمعرفة. أسماء كثيرة لا يتّسع المقام لذكرها، لكنّها حتماً دُوّنت في سجلّات الخلود عند الله تعالى، ليبقى أثر هؤلاء حاضراً بيننا إلى حين تحقُّق النصر الكبير الذي قدّموا أرواحهم الطاهرة لأجله.

وفي العدد القادم نطلّ على مجموعة منهم أيضاً بإذنه تعالى.

تسابيح جراح | من الانفجار… وُلد عزّ لا يُقهر

انتهى الاجتماع وتفرّق الإخوة. القاعة التي كانت مكتظّة بالمجاهدين فرغت سريعاً، كلٌّ علِم تكليفه وغادر، بقيت وصديقي فقط نتحدّث عن مهمّتي. هممت بالخروج، لكنّ رنين جهاز «البايجر» المعلّق على حزام خصري أوقفني! حملته بكلتا يديّ وقرّبته من وجهي، وصلتني رسالة مفادها أنّ عطلاً طرأ على الجهاز. أريتها لصديقي ثمّ استرجعت الجهاز وضغطت على «ok»، دوّى انفجار صمّ آذنايَ وسلبني الرؤية مباشرة، فوقعت أرضاً لبعض الوقت. ثبت في فكري أنّ مدّخرة الجهاز انفجرت.

 

• رسومات حمراء

كلّ الجهات ظلام. تناهى إلى مسمعي صوت صديقي الخافت الذي اخترقته شظيّةٌ، كان يطلب لي النجدة عبر الهاتف. لا أذكر كيف استطعت الوقوف والتوجّه نحو المطبخ مستعيناً باللمس، تقاطر الدم منّي مع كلّ خطوةٍ خطوتها. نقشت رسوماتٍ حمراء على الجدران بأصابعي المدماة حتّى وصلت. فتحت الصنبور وغسلت رأسي، تحسّست عينَيّ فأدركت أنّ ضرراً أصابهما. مررت بأصابعي على صراط شفتيّ، قد قدّتهما الشظايا فشقّت كلّ فلقةٍ منهما نصفين. ومنذ ذاك الحين، لم يغادرني طعم الدماء. ساعدني انهمار الماء على استعادة توازني قليلاً، فاتّجهت نحو الباب واستعنت بالجيران ليطلبوا لي الإسعاف. بعدها، انتظرت المصعد وقد وافاني صديقي بمنشفة لفّ بها رأسي، فأخفى رعب ما ظهر من جروح. تجمهر سكّان المبنى حولي بانتظار الإسعاف. غزارة النزف دفعتني للتمدّد أرضاً من دون ورود أثرٍ ينبئ أنّ مسعفاً ما في طريقه إليّ، خاصّة بعد معرفتنا أنّ جلّ أجهزة «البايجرز» قد انفجرت.

 

• صورٌ نازفة

أحضر أحد الجيران مشكوراً سيّارته ونقلني بها إلى مستشفى بهمن، ومنها إلى الساحل لعدم توفّر مكانٍ شاغرٍ لي في الطوارئ، ومنها توجّهنا إلى طوارئ مستشفى الزهراء عليها السلام، فبدأ الممرّضون بإجراء الإسعافات الأوليّة بعد تمزيق قميصي وبنطالي، لأكتشف أنّي مصاب في بطني وفخذي أيضاً.

الوجهة التالية كانت نحو مستشفى الجامعة الأميركيّة. رفضوا استقبالي بدايةً لاكتظاظ المكان بالجرحى، لكنّ الإصابة في وجهي وحالتي الحرجة فرضتا عليهم ذلك. تولّى ممّرضان أمر الاهتمام بي، فطلبت منهما الاتّصال بأخي، وإخباره عن مكان وجودي وأنّي بخير، وقد وافاني ومعه زوجتي وأولادي سريعاً.

قبل وصولهم، أُدخلت إلى غرفة العمليّات. أضواؤها الساطعة اخترقت حجُب الجروح، فلمحت وميضاً بعيني اليُمنى، ما طمأن بالي أنّي لم أفقد البصر كلّيّاً. ضمّت الغرفة أكثر من جريح على اختلاف خطورة أوضاعهم، وكانت أولويّة بدء الجراحات لمن زهدت به الحياة.

على طاولة العمليّات حُبِس الوقت. ثلاثة مواضع يجب متابعتها؛ استأصلوا العين اليُسرى لأنّ شظيّة كبيرة فرتها واستقرّت فيها، وضمّدوا جروح يديّ، وبتروا إصبعاً كانت تربطه قطعة لحمٍ واهية، وبعدها، رتقوا جروح الفخذ والبطن. بقيت ثلاثة أيّام في غرفة الاستشفاء لا أدرك ما يدور حولي بسبب كثرة الأدوية المخدّرة. بفضل الله لم يكن ثمّة خطر على حياتي، كما أنّي لم أحتج إلى نقل وحدات دم على الرغم من النزف الشديد. دللت أخي على مكان هاتفي فأحضره لي، لم يخلُ منّي الشكّ أنّ عيني اليسرى لم تُستأصل، لأنّي كنت أرى ضوء الهاتف عبرها. ولاحقاً، أخبرني الأطبّاء أنّ السبب هو توهّم الدماغ بأنّها ما زالت موجودة. بعد ذلك، تواصل معي المعنيّون من السفارة الإيرانيّة لأُنقل إلى إيران، كما أنّهم أرسلوا طبيباً تابع حالتي من كثب.

 

• حرب وسفر

سرى في قلبي وعينيّ نورٌ عجيب حين تحسّنتُ قليلاً، فتنقّلت بين الغرف لزيارة الجرحى. وفي اليوم الخامس، توجّهت بمساعدة الدفاع المدنيّ إلى المطار، وأثناء وجودي في الطائرة، علمت بأنّ الحرب بدأت، وأنّ قريتي قد تعرّضت لعدوانٍ إسرائيليّ. وصلنا إلى طهران بعد اثنتي عشرة ساعة، وكانت الوفود الطبيّة في مستشفى «فارابي» (أكبر مستشفى للعيون في الشرق الأوسط) على أهبة الاستعداد وبانتظارنا، كما أنّهم نشروا أجهزة فحص العيون في الممرّات.

خضعت لعمليّة جراحيّة أعادوا خلالها فتح عيني اليسرى، وتأكّدوا أنّها قد فُرِّغت تماماً، كما انتزعوا بعض الشظايا من عيني اليمنى. تبِعتني زوجتي وبناتي بعد أيّامٍ أربعة، واجتمع الأحبّة جميعاً. أحضر لي الأهل هاتفاً خلويّاً مع خطٍّ إيرانيٍّ، وصرت أتابع أخبار الحرب وأنقلها إلى باقي الجرحى، وأصبحت غرفتي مضيفاً لهم. توالت الأخبار عن شهادة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ولكن عندما قرأت بيان النعي لم أصدّق، خرجت إلى الممرّ صارخاً بأعلى صوتي: «يا أهل العالم استشهد السيّد!»، فهرع الجرحى بشكل هستيريٍّ، ولم يصدّقوا الخبر حتّى رأوه على شاشة الهاتف. نزل الخبر كالصاعقة، ليس على الجرحى فحسب، إنّما أيضاً على الطاقم الطبّيّ الإيرانيّ.

نُقلنا إلى فندق بعد أسبوعين، وسكنت برفقة عائلتي. بقيت في إيران مدّة أربعة أشهر، وعدنا إلى بيروت في آخر رحلة قبل إيقاف الرحلات بين البلدين. عدت إلى قريتي ليلاً، واستقبلني الأهل والأقارب بالأرزّ والورود، وبباقات المحبّة الصادقة، الموشّاة بالعزّ. بحمد الله لا أعاني إلّا من أوجاع طفيفة في بعض مواضع الإصابة. ربّما وهبني الله أجر ولائي، فمنذ انتسابي إلى صفوف حزب الله، اخترت العمل في مجالٍ صعب، أصررت عليه على الرغم من المجهود الكبير الذي أبذله، وكنت مع فريق العمل نختار لقب «مجموعة أبي الفضل العبّاس عليه السلام ». لطالما حرصت على إيصال الماء شديد البرودة للإخوة المرابطين في الصحراء، مع خطورة الظروف.

 

• سرّ الصدقة

لقد غيّرت الإصابة ما في داخلي، وارتقت بها روحي، فهي وسام يهديه الله لخواصه. أفتخر بجراحي، وأعدّها مكافأة من أبي الفضل العبّاس عليه السلام . وأمّا عن نفحة اللطف التي خفّفت وطأة الإصابة، فهي بركة السيّدة الزهراء عليها السلام التي تجلّت حين زارتني في المنام قبل الإصابة بشهرين مشرقة الوجه، تجرّ أطراف عباءتها ، وقد أوصتني بذكرها دائماً، وبالتصدّق على اسمها، وقد صدقت الرؤيا ونفّذت الوصيّة، ومصداق ذلك دفع الأذى المحتوم الذي أحاط بي بفضلها، لأنّي كنت قد رفعت صدقةً قبل المجزرة بقليل.

تشبّثت تلك الرؤيا بذهني، فصار العنفوان يهدر في دمي، حزب الله هو الخطّ المبارك الذي نتمسّك به بشقّ الأنفس، وعنه لن نحيد. سنحفظ سلاحنا بأشفار عيوننا، وستُزهق دونه الأرواح. دوري لم ينتهِ بعد، سأتابع علاجي وأنظّم أموري لأكون دائم العطاء ولو بمقدار نصف طاقتي السابقة. أجالس الجرحى خاصّة من أهدوا عيونهم لأبي الفضل عليه السلام ، لأنهل منهم العزيمة والإرادة الصلبة. عمدت لتأهيل نفسي، فبتّ أقود السيّارة لمسافات طويلة، وأتدرّب على الرماية بعينٍ واحدةٍ كلّما سنحت لي الفرصة.

 

 

اسم الجريح الجهاديّ: كربلاء.

تاريخ الولادة: 21-11-1985م.

تاريخ الإصابة: 17-9-2024م.

نوع الإصابة: استئصال العين اليسرى وبتر إصبع.

 

الشهادة: موقف من الحياة للحياة

الشهادة في الفكر الشيعي ليست موقفاً من الحياة فحسب، وإنما هي موقف للحياة أيضاً. لذا فقد ارتبطت عبر التاريخ بفكرة العدالة والحق، وكانت بالتالي، شهادة على الظلم من أجل العدالة، وشهادة على الباطل من أجل الحق. ولا يمكن، عبر التاريخ الشيعي، الفصل بين الشهادة والمثل العليا البشرية المتجسدة بالأئمة الإثني عشر، بدءاً بالإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وانتهاءً بالإمام المهدي عجل الله فرجه، حيث تشكل الشهادة والابتلاء القاسم المشترك الأكبر بين حياة الجميع. جميع أئمة الشيعة باستثناء الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإمامية) لم ينتهوا على فراش، إذ بغالبهم قد قتلوا قتلاً وعلى أيدي الحكام، وهم بذلك، رسموا النموذج الأسمى لدى شيعتهم ليس للحياة فقط، وإنما للموت أيضاً. فطريقة الموت تحمل في طياتها نمط الحياة المطلوب والمرغوب فيه. وإذا كانت الشهادة طفرة تحدث تحولاً ربانياً في الجانب الحقير والمنحط من الإنسان إثر عملية توهج واحتراق في نار العشق والإيمان، ليصبح ذلك الإنسان طاقة نورانية إلهية محضة، فإنها بذلك تجسد فعل ارتقاء إلى قيم العدالة والحق.

 

* رسالة الشهادة

وبهذا المعنى، فالشهادة رسالة، وهي كأية رسالة لها شروط أساسية تقوم بها، أبرزها:

أ – وجود الذات الواعية.

ب- وجود الجهة المخاطبة، أو الغاية واجبة التحقق.

ج- أخيراً تحرك صاحب الرسالة من أجل تحقيقها.

 

وهكذا، فإن جوهر “الرسالة” هو ميل غائي قاهر موحى به نحو فعل (أو قول) شي‏ء ما. إن الرسالة لا تقال عن حق إلا لبعض الأفراد الذين يحددون لأنفسهم بأنفسهم أهدافاً عالية تخرج عن المألوف، ويكرّسون لتحقيقها كل حياتهم أو جلّها، ويكونون على استعداد واعٍ للتضحية بكل شي‏ء، حتى بالحياة نفسها في سبيل تلك الأهداف. وهنا تلتقي الشهادة بالرسالة، ذلك أن الشهيد صاحب رسالة بكل معنى الكلمة، حيث يصل بالتضحية إلى حدّها الأقصى. ومن الواضح أن الشهادة كأعلى ما يكون عليه الموقف الرسالي، هي موقف غيري يتجلى فيه الخروج عن الذات بأسمى معانيه، إلى حد تحطيم الذات في سبيل إنجاز الهدف، الذي غالباً ما يكون هدفاً نوعياً. وبكلام آخر، فإن تحطيم صيغة الذات الفردية، إنما يشكل نوعاً من الخروج عن الذات في سبيل الحياة النوعية للجماعة، أي في سبيل الـ”نحن” الكلي والعام. ولذا كانت الشهادة بما هي رسالة، ليست قضاء على الحياة، وإنما هي توسعة لها وتخصيب، إنها نوع من تكبير للـ”أنا” لتلامس الـ”نحن”، ونوع من رؤية الـ”أنا” في مرآة الـ”نحن” لا الـ”أنا”، أو قل هي عبور الاختلاف بين (الأنا) و(النحن) والقضاء عليه بفعل التضحية نفسه.

 

الموت التضحية بالذات، هي لحظة الانعطاف الكلي في الاختلاف بين (الأنا) و(النحن)، بما يعيد إنتاجهما سوياً في مركب توحيدي أعلى، من حيث هي أي التضحيّة تجاوز ومفارقة نحو الأعلى الإلهي. وبهذا الاعتبار، أو بهذا التحول، تكبر الـ”أنا” لتصبح في حدود الـ”نحن” ويشتد وجود الـ”نحن” باندكاك “أنا” كل الشهداء فيه تماماً، وعلى حد تعبير “طاغور” “يذوب البخور، يذوب ليتحلل في العطر، والعطر يذوب لكي يلتحم بالبخور، والنغم يسعى لمعانقة الإيقاع، بينما يعود الإيقاع متدفقاً في النغم”. ولما كانت الشهادة رسالة من أجل الآخرين وفي سبيلهم، فإنها لا يمكن أن تكتفي بنفسها، بل لا بد من اكتمال معناها من خروجها من مستوى التصور إلى مجال التنفيذ، والسعي للتحقيق، أي لا بد من اكتسابها لحماً ودماً وعظماً وعصباً، وجعلها واقعاً حياً معاشاً، وهذا ما يجعل من الرسالة دعوة. ولا ريب أن الشهادة هي أبلغ وأفصح بيان لنشر الرسالة الدعوة، حيث تؤثر في هذا الاتجاه على مسألتين أساسيتين، هما:

أ- حجم التحديات والموانع التي تواجه الرسالة.

ب- حجم وكثافة التغيير المطلوب، سواء في دائرة حركة الرسالة الدعوة أو في وجهتها. وكلا الأمرين يستلزم من صاحب الرسالة إنهاء حياته الدنيا في سبيل تجسيدها واقعاً حياً ومعاشاً.

 

* معاجز الشهادة

وبهذا الاعتبار، ليست الشهادة مجرد موقف، وإنما هي حجة ودليل في الواقع والتاريخ معاً، حجة ودليل يستعان بهما لتحديد ماهية الأمور، وأداة من أدوات الفصل بين الحقيقة والخيال على المستوى المعرفي، وبين الحق والباطل على مستوى القيمة. وأهمية الشهادة هنا، أنها لا تطل على موضوعها من بعيد، أو من وراء حجب، فهي ليست نقلاً عن، وإنما هي حضور يتجسد في مجاورة الشاهد الشهيد لموضوعه لعصره. هو جزء منه يتفاعل مع قضاياه وهمومه وتطلعاته وآماله. ولذا كانت الشهادة وكان الشهداء عبر التاريخ أصدق كاشف، لا عن واقع العصر فحسب، وإنما عن مسار التاريخ ووجهته أيضاً، إنهم يشكلون المسار النقيض لمساري التعسف والجور، اللذين ينسج جدلهما حركة التاريخ. إن الشهادة تعطي مثل هذا المجتمع دماً وولادة حركة متجددة، وأكبر معاجز الشهادة هي إيصال الحياة والدماء إلى الأجزاء الميتة من ذلك المجتمع، من أجل ولادة جيل جديد وإيمان جديد.

 

* الماهية الحسينية لحزب الله:

من هنا نخلص إلى القول إن الشهادة تعني الحضور، والإبصار، والإخبار، والشهود، والصدق، والأمانة، والوعي للشخص الذي تتطلع إليه الآمال.. وهي تعني أيضاً القدوة والنموذج. إنها اختيار واعٍ يقدم عليه المجاهد بكل طواعية ووعي وإدراك، ويختاره بدافع ذاتي بعيد. هذا النمط من الشهادة هو الذي ما فتئ الفكر الشيعي وفقهه وحضوره التاريخي يؤكده. فالفكر الشيعي حوَّل الشهادة إلى منهج حياة، والشهداء بنظره يقيمون ضرباً من الاتصال بخط الأنبياء عبر التاريخ، هذا الخط المنسوج من التوحد والحق والعدل والعزة والكرامة والحرية، في مواجهة خطوط الشرك والظلم والعبودية.. والذي منح الشهادة هويتها الشيعية الخاصة هي واقعة كربلاء، والدور التاريخي الذي لعبه بطلها الإمام الحسين عليه السلام. فالإمام الحسين عليه السلام بصفته أحد أئمة الشيعة، استطاع بشهادته المتميزة، أن يكسب الشهادة عمقاً إضافياً. فمعه لم تعد الشهادة تصوراً مجرداً، أو إطاراً مثالياً لفكرة ودور، وإنما تحولت إلى واقع حي، واقع مقدّس ومتعال. ولأن الإمام في التصور الشيعي يشكل المثال البشري الأعلى الذي يجب التماهي معه، فإن الإمام الحسين تحول إلى نموذج للتماهي في طريقة الحياة والموت معاً. كما أن التركيز التاريخي المتواصل عبر سلسلة الأئمة، على عمق الحضور العاشورائي في الحياة زماناً ومكاناً، حيث إنه حسب تعبير الإمام الصادق (الإمام السادس من أئمة أهل البيت الإثني عشر) أعطى التماهي اليومي مع الحسين، حياة وموتاً، إمكاناً ممتداً على طول الزمان واتساع المكان. وبما أن الحسين اختصر أهداف عاشوراء الخالدة بعنوانين مركزيين هما العمل بسيرة جده وأبيه و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وكان سلاحه المركزي لتحقيق تلك الأهداف هو الموت: “خُطَّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة”، فإنه، وإن كان المصداق العاشورائي يتنوع بحسب طبيعة الزمان والمكان، إلا أن الموت كسبيل إلى إنجاز الأهداف سيبقى الفعل النوعي لهذا الحضور.

السيد هاشم صفي الدين لـ”بقية الله”: اعتبار الشهادة ثقافة موت خروجٌ عن التاريخ والإنسانية

يطأطئ قلمي برأسه خجلاً وهو يلامس بحبره نعومة الورقة، ليخطَّ على سطورها سمو كلمات بحق من أفاضوا بحبرهم القاني، ليحفروا في كتاب أيامنا أبجدية النور المجبولة بحروفه العزة والشرف والكرامة والفداء. نعم، تقف قطرات القلم عاجزة في محاولتها للتعبير عمن سكبوا قطراتهم الندية في يباس الأرض ليُزهروا فيها ورود مجد، وحدائق انتصار.

 

إنهم الشهداء، فإذا كانت العبارات عن وصفهم تقصِّر، فكيف عن سرّهم الأكبر الذي استودعوه في منازل قلوبنا، وعشقهم الذي زرعوا شتوله في بيادر أفئدتنا، وموطنهم الذي صار محط رحالنا! وهل من سرٍّ أعمق، وعشق أحلى، وموطن أغلى من الشهادة التي حار في معرفة أمرها هذا، وعجز عن إدراك كنهها ذاك، فصار عنها يحلو السؤال، ويحلو أكثر وأكثر عندما يحلُّ ضيفاً بين يدي رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين الذي أفاض بالإجابة عن جميع التساؤلات وانجلت في إجابته الإشكاليات…

 

المحور الأول: الشهادة، مواصفات وشروط

* تعتبر الشهادة في سبيل الله مقاماً خاصاً يُوفَّق الإنسان للوصول إليه، فما هي المقدمات أو المواصفات المطلوبة للرقي إلى مرتبة الشهادة؟

لا شكّ أن تكليف الإنسان بالجهاد يُعتبر بحد ذاته نعمةً وتوفيقاً. وحينما يُتوّج الجهاد بالشهادة ويُصبغ هذا التكليف بلون الدم، تزداد النعمة بالرقي إلى هذه المرتبة من التضحية. وفيما يخص المقدمات، فإن الشهيد الذي يُوفَّق لهذا المقام يكون قد تجاوز أولاً: مرحلة نضوج الإيمان أي بلوغ السمو والرقي على المستوى الإيماني؛ وثانياً: مرحلة الانقياد والالتزام بطاعة الله عز وجل، وثالثاً: الإخلاص والصدق الذي تحدثت عنه الآية القرآنية بوضوح ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. وليس صدفة أن تربط الآية بين الشهادة والصدق. وطبعاً هنا نتحدث عن الصدق الرسالي، أي الصدق في تبنِّي قضية أو رسالة، والدفاع عنها والوصول إلى درجة الاستعداد للتضحية من أجلها.

 

* هناك شهداء قد لا تبدو عليهم أثناء حياتهم المواصفات التي ذكرتم، فكيف يرتقي هؤلاء إلى مرتبة الشهادة بدون تحصيل المقدمات؟

يتخيَّل البعض أن المقدمات المذكورة قد تحتاج إلى زمن طويل لتتحقق، لكن في الحقيقة الوقت ليس دخيلاً فيها. فقد تتحصل هذه الأمور بلحظة كما حصل مع الحر الرياحي في عاشوراء بحيث انقلب خلال ساعات قليلة من الموقف المعادي للإمام الحسين عليه السلام إلى الانضمام لعداد الشهداء الكبار بين يديه عليه السلام.

 

* ربطتم الشهادة بالالتزام كشرط، وذكرتم أنه يمكن للإنسان أن يتحوَّل بلحظة إلى مرتبة الشهادة، فهل يمكن أن يتحصَّل الالتزام بلحظة؟

هنا نبيِّن عدة أمور. أولاً، إن الالتزام لا يعني أن الإنسان في كل مراحل حياته كان ملتزماً بشكل كامل وتام. والالتزام لا يعني العصمة حيث ينبغي أن نفرِّق بين السلوك الصحيح والعصمة. فنحن لا نقول إن الشهيد معصوم ولا يخطئ في حياته أبداً، فقد يكون قد ارتكب الكثير من الأخطاء، والخطأ يمكن تجاوزه بالتوبة. وهنا أعطي مثلاً عن السحرة الذين انقلبوا بلحظة واحدة حينما بدت لهم حجة موسى عليه السلام، فقد هددهم فرعون بالقتل والتقطيع لكي يتراجعوا فقالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. لقد ظهرت أمامهم الحجة الإلهية وملأت قلوبهم وكيانهم، وهذا الامتلاء هو الالتزام. الأمر الثاني، هو أن الالتزام يحتاج إلى كواشف لمصداقيته. وهنا نسأل: كيف نكتشف أن الملتزم صادق في التزامه؟ إن الذي يلتزم بقضية الجهاد اليوم ويصبح جاهزاً للتضحية بنفسه يجسِّد المعنى الراقي للالتزام.

 

* هل يعني هذا أن الشهادة في سبيل الله تمحو للشهيد كل أخطائه وذنوبه؟

لا نريد أن نقول إن أخطاء الشهيد التي ارتكبها قبل شهادته مبرأة، بل ما نريد أن نقوله هو مضمون الأحاديث الشريفة التي تؤكد أن الشهيد تُغفر له ذنوبه وتُمحى كل سيئاته لأن الشهادة في كشفها عن مستوى عال من الالتزام والصبر والتضحية قادرة على أن تمحو كل آثار السيئات. طبعاً ما خلا ما كان حقاً للناس وفي روايات: ما خلا الدَّيْن.

 

* المجاهدون الذين لا يُستشهدون على جبهة القتال هل يُعتبرون شهداء؟ ولماذا؟

نحن مكلفون بالحفاظ على المسلَّمات الفقهية والشرعية. فالشهادة مفهوم ديني وشرعي، ومصطلح ثقافي تستخدمه الأمم والشعوب. ونحن عندما نطلق لفظة شهيد نقصد بها بالمصطلح الشرعي والفقهي والديني والثقافي من يُقتل في سبيل الله قتلاً، حتى لو لم يُقتل بحد السيف وكان في المعركة يقاتل فيقتل وهو في أداء التكليف والقيام بواجبه القتالي والجهادي المباشر فهو شهيد. أما الشخص الذي يُتوفَّى حين أداء تكليفه الشرعي والديني والعملي فقد لا يُعد بالاصطلاح الشرعي شهيداً لكن قد يكون له أجر الشهيد. وهناك روايات تقول إن: “من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه”. وهنا أيضاً مسألة مهمة وهي أن المنزلة المخصصة للشهداء لا تعني أنه لا يمكن لأي إنسان آخر أن يصل إلى مقامها. بل يمكن للعالم الرباني والمخلص والصابر أن يصل إليها بل قد يتجاوزها إذا كان علمه وصبره وإخلاصه وصدقه وتحمّله في سبيل الله كما تقول الرواية: “مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء”.

 

* ماذا عن المرأة، هل تصل إلى مرتبة الشهادة مع وجود النية لذلك من غير أن تكون مهيأة للجهاد؟

المرأة هي شريكة في الأجر والثواب في كل نقطة دم تسقط. فهي زوجة كانت أو أماً تشارك من جهة الإعداد والتجهيز، أو من جهة توفير الأسباب. ومن جهة أخرى، فإن المرأة، وفي التاريخ الإسلامي استشهدت دفاعاً عن الرسالة الإسلامية بوجه قريش وفي كربلاء أيضاً. ليست بعيدة عن إمكانية الاستشهاد.

 

* هنا يتبادر إلى الأذهان: لماذا لا تفتح المقاومة الإسلامية للمرأة باب الشهادة من خلال المشاركة في الجهاد؟

هذا يتعلق بخصوصيات المعركة، نحن في المبدأ لا نمنع المرأة من المشاركة في القتال بالمعنى العسكري بل أكثر من ذلك، من الناحية الفقهية نرى أن الدفاع واجب على الرجل والمرأة على حد سواء. لكن مقتضيات المعركة العملية تفترض عدم إقحام المرأة في العمل العسكري طالما أن الرجال يقومون بالواجب. ثم إن المقاومة بالنسبة إلينا هي ليست فقط القتال العسكري، وهناك مواقع أخرى يمكن للمرأة أن تلعب دوراً فيها بل أقول إنه حتى في بعض المواقع العسكرية التي تخدم العمل العسكري بشكل مباشر فإن المرأة عندنا تشارك فضلاً عن مشاركتها في كل مشروع المقاومة. وبالنسبة للرجال أيضاً ليس كل من ينتمون إلى التشكيلات العسكرية يحملون البندقية، بل هناك من يقوم بأعمال إدارية ولوجستية وبهذا المعنى تكون المرأة مجاهدة ومشروع شهيدة.

 

* إذا كان أجر الشهيد الفوز بجنان الله، فما هو الأجر الذي يحصل عليه شركاء الشهيد في شهادته (الأب، الأم، الزوجة، الأولاد…)؟

الأجر يحصل بمقدار مساهمتهم ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ فهذه قاعدة، بل يمكن أن يزيد عليه الله من لطفه ورحمته الزائدة. فمثلاً بمقدار ما يكون الأب مشجعاً ومباركاً ومسهلاً ومؤيداً وداعماً يكون له الأجر وكذلك الأمر بالنسبة للأم والزوجة والولد والمعلم وإمام البلدة والكاتب وغيرهم.

 

* المحور الثاني: إشكاليات حول الشهادة

* حين يُقدم الشهيد على التضحية بأغلى ما يملك (نفسه)، هل يكون عطاؤه من أجل نفسه للفوز بجنان الله أم من أجل الآخرين؟

من الخطأ أن نجعل طريق الآخرين وكأنه مختلف أو مناقض لطريق نفسه أو لطريق الله. وبتعبيرنا العلمي نقول إن هناك سلسلة من الأهداف تقف وراء بعضها بشكل طولي بحيث لا يلغي الهدف الأول الثاني وهكذا… فالأهداف تسير بشكل متكامل لأن طريق الشهادة هو طريق تلتقي فيه كمالات متعددة: كمال الفرد في سعيه للشهادة، وكمال المجتمع وسلامته وكرامته وهدايته، وكمال الأمة. ودم الشهيد يخدم كل هذه القضايا بشكل مباشر، لذا لا ينبغي أن نتخيَّل أن عشق الشهادة يتنافى مع حب المجتمع بل لعل أرفع مستوى للاندماج في مجتمع أو قضية ما هو أن يصبح الإنسان جاهزاً للتضحية في سبيلها.

 

* قد يعتبر البعض أن اختيار الشهادة نوع من حب الذات عندما يترك الشهيد وراءه عائلة وأولاداً؟

هذه الفكرة غير صحيحة من عدة جهات، أولاً: من حق الشهيد أن يسعى لرقي ذاته ولا يمكن لأحد أن يسلب هذا الحق منه، فمن حق أي إنسان أن يسعى إلى الجنة من خلال قرع باب الشهادة، وهذا طلب محبّب ومرغوب ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. فلو قلنا، ولا نقول ذلك، إن الشهيد لم يطلب إلا الوصول لخلاص نفسه فهذا جيد. لكن الشهيد الواقعي لا بد أن تكون شهادته في سبيل الله في إطار قضية شرعية حظيت برضى الحاكم الشرعي وهي بالتالي تكون في خدمة الآخرين.

 

ثانياً: إن الموت حق مكتوب على كل إنسان ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.

 

* كيف نستطيع أن نثبت في مجتمع متعدد الأفكار والمعتقدات أن الشهادة هي ثقافة حياة وليست ثقافة موت كما يعتبرها البعض؟

الشهادة هي أمر تفتخر به كل الأمم والشعوب والأديان والرسالات السماوية وليس هناك من عاقل إلا ويعطي الشهادة قيمتها الخاصة باعتبارها تضحية وفداء في سبيل ما هو أكبر وأعظم بنظر الإنسان. والذي يعتبر أن الشهادة هي ثقافة موت هو خارج عن التاريخ والفكر والإنسانية.

 

ثانياً: الشهادة في منطقنا هي حياة حقيقية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فإذا كان البعض لا يعتقد بوجود الآخرة فخلافنا معه خلاف عقائدي وجوهري.

 

ثالثاً: الحياة هي ليست أن يعيش الإنسان ليأكل ويشرب، بل الحياة هي النبض فحين يتوقف النبض يصبح الإنسان ميتاً. والذي يستسلم لعدوه يصبح بلا نبض وبلا حيوية وبلا روح، والذي يرضى بواقع تحركه أيادي الاستكبار هو ميت بالفعل وهو الذي يدعو إلى ثقافة الموت. الشهادة هي التي تُعطي الحياة الحقيقية للأمة والمجتمع والإنسانية، والثقافة التي تهرب من الشهادة ليست جديرة بأن تؤسس للحرية والاستقلال والوطنية. حين تموت هذه المعاني في نفس الإنسان حينئذٍ يصبح ميتاً. وليس صدفة أن نجد أن من ينعت المقاومة اليوم بثقافة الموت هم من أكثر الناس جبناً وتنكراً لأصالتهم العربية والإسلامية، وهم من أكثر الناس استسلاماً وارتماءً تحت أقدام المستكبر.

 

* من الثابت أن الموت من أجل قضية لا يعني تلقائياً صحة هذه القضية، فكيف نحدد مصداقية القضية هنا؟

نعم، القضية هي التي تصحّح مفهوم الشهادة، ونحن لا نقبل في ثقافتنا أن يُقتل الإنسان لمجرد أنه مقتنع بقضية. لا بد أن يكون القتل تحت راية حق، وأن يكون لها غطاء شرعي وفقهي. والفرق بين الدعوات والقضايا المحقة وبين من يواجهها أن القضايا المحقة لا تطلب لنفسها شيئاً أما أولئك فيطلبون. فمثلاً، الولايات المتحدة الأمريكية تطلب اليوم لنفسها الامتياز والمكاسب على حساب الآخرين وكذلك الأمر بالنسبة للصهاينة فكيف يمكن أن يعتبروا أنهم يدافعون عن قضية محقة بنظرهم وهم مغتصبون للأرض؟

 

* كيف تجيبون على إشكالية من يستغرب أن تقوم الأمهات بدفع أبنائهن للشهادة معتبرين أن ذلك مناقض لمقتضيات الأمومة؟

البشر متفاوتون في منطلقاتهم وتطلعاتهم، وهناك أمهات جديرات لأن يحملن فكراً أممياً ينتمي إلى الأنبياء والأولياء الذين يزهدون بأي موقع أو خصوصية. فالأم التي تحمل استعداد التضحية من أجل قضية بحيث تجعل وجودها ووجود أبنائها في سبيل هذه القضية، هذه الأم تعتبر مفخرة على المستوى الفكري والعقلي والنفسي والروحي، وهي تقدم نموذجاً للمرأة القدوة لكل العالم، المرأة التي لا نقول إنها ساوت الرجل فحسب، بل تجاوزت الكثير من الرجال في تطلعاتها ورؤيتها للمجتمع والأمة. هذا من جهة أما من جهة التطلعات الآخروية فإن المرأة التي تؤمن بالآخرة تصل إلى قناعة أن سعادة ابنها الحقيقية هي في دخوله الجنة وتشعر أنها بدفعها إياه إلى طريق الجهاد تكون قد اطمأنت إلى مستقبله. الأم الحقيقة هي الأم التي تضمن مصلحة ابنها الحقيقة وليس مصلحته الزائفة أو الآنية التي تكون عادة مقترنة بالقلق والاضطراب.

 

* بالرغم من المكانة التي يختص بها مفهوم الشهادة في الإسلام لماذا نجد أن المجتمعات الإسلامية تتفاوت في استجابتها لهذا المفهوم؟

نحن نعتقد أن الشعوب الإسلامية عموماً تحمل استعدادات وقابليات كثيرة للاندماج في المشروع الجهادي والتضحية في سبيل هذه الأمة. ونعتقد بأنه لو خُلّيَ بين الواقع الموجود والشعوب الإسلامية لضربت النماذج الرائعة في حب الاستشهاد. فنحن في المقاومة الإسلامية مثلاً نعرف الكثير من الأشخاص والجهات الذين كانوا وما زالوا يتواصلون معنا من كل بلدان العالم الإسلامي لطلب المشاركة في المقاومة وهذا دليل أن الخير موجود وأن الأمل الكبير هو في هذه الشعوب التي كانت وستبقى حريصة على ثقافتها وحبها للجهاد والاستشهاد.

 

* هل من كلمة أخيرة نختم بها الموضوع؟

الشهادة هي مقام كرم به الله تعالى المؤمنين، والأمة التي توفق لأن يكون منها شهداء هي أمة محافظة على استقامتها وحريتها وثقافتها وشأنيتها. وليس بإمكان أي أمة أن تصل إلى تحقيق أهدافها دون أن تحمل استعداداً للشهادة في سبيل قضاياها. ولعل تجربة المقاومة الإسلامية تشهد على أن العشق للشهادة كان سبباً لكل خير قدمته المقاومة للبنان وللوطن وللأمة الإسلامية والعربية.

النائب علي فياض من قاعقية الجسر: لا مساومة على دماء الشهداء والمطلوب موقف لبناني صلب أمام التصعيد الأميركي _الإسرائيلي*  

*النائب علي فياض من قاعقية الجسر: لا مساومة على دماء الشهداء والمطلوب موقف لبناني صلب أمام التصعيد الأميركي _الإسرائيلي*

 

أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الدكتور علي فياض خلال الكلمة التي ألقاها بمناسبة يوم الشهيد لشهداء بلدة قاعقية الجسر بمشاركة شهصيات وفعاليات أن العودة إلى الشهداء ليست فقط تعبيراً عن الاعتزاز ببطولاتهم وتضحياتهم، بل هي تجديد للعهد على الاستمرار في الطريق الذي سلكوه، والثبات على الأهداف التي استشهدوا من أجلها.

 

وقال فياض إن الدماء التي سُفكت في سبيل قضية مقدسة، ليست موضوعاً للمساومة أو الصفقات، بل هي مرتبطة بعقيدتنا وبمصالح أهلنا وبسيادة وطننا ومستقبله، مشيراً إلى أن إحياء الذكرى هو مناسبة لتأكيد الوفاء لتلك القيم والمبادئ.

 

وفي الشأن السياسي رأى فياض أن لبنان يواجه مرحلة شديدة الخطورة في ظل تصاعد التنسيق الأميركي – الإسرائيلي، حيث يتولى العدو التصعيد الميداني، فيما يتكفّل الأميركي بالإدارة السياسية لهذا التصعيد ومحاولة استثماره في فرض وقائع جديدة على لبنان.

 

وأشار إلى أن الضغوط للدخول في مفاوضات مباشرة مع العدو لا تقتصر على ملفات تقنية كترسيم الحدود أو تنفيذ القرار 1701، بل تهدف إلى فتح الباب أمام اتفاقية أمنية تتجاوز القرار الدولي، وتفرّغ السيادة اللبنانية من مضمونها، وتُمهّد لإدخال لبنان في مسار التطبيع مع العدو الإسرائيلي.

 

واعتبر فياض أن التجارب السابقة، ولا سيما ما حدث في سوريا، تؤكد أن الرهان على التنازلات أمام إسرائيل خطير ومضلل، إذ لم تحترم إسرائيل أي تعهد أو تطمين، بل واصلت عدوانها واحتلالها وتوسّعها.

 

وأكد أن الحلّ ليس في الرضوخ أو التراجع، بل في الثبات والتمسك بحق لبنان في الدفاع عن نفسه، داعياً السلطة اللبنانية إلى الخروج من حال التردد والإرباك، واتخاذ موقف وطني صلب يقوم على التمسك بالقرار 1701 وإعلان وقف إطلاق النار كإطار وحيد للمعالجة، مع الاستعداد الحاسم للدفاع عن لبنان مهما كانت التضحيات.

 

وختم فياض مؤكداً أن الموقف الثابت والصلب هو وحده الكفيل بحماية لبنان من العدوان الإسرائيلي، وتأمين التفاف شعبي وطني واسع حول السلطة في مواجهة التحديات المصيرية التي تمر بها البلاد.

 

*العلاقات الإعلامية في حزب الله*

*الأحد 09-11-2025*

*18 جمادى الأولى 1447 هـ*

النائب رامي بو حمدان من أنصارية: لن نتنازل عن قرار المقاومة ودماء الشهداء طريق النصر* 

*النائب رامي بو حمدان من أنصارية: لن نتنازل عن قرار المقاومة ودماء الشهداء طريق النصر*

 

في أجواء يوم الشهيد، نظّم حزب الله احتفالاً تكريمياً في بلدة أنصارية تكريماً لشهدائها الأبرار، بحضور شخصيات وفعاليات ، عوائل الشهداء وحشد من الأهالي ، وألقى عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب رامي بو حمدان كلمة أكّد فيها أنّ لبنان ما زال حيًّا رغم الجراح، وأنّ شعبه قادر على النهوض من تحت الركام، مشدداً على أنّ احترام ما التزمت به الدولة في اتفاق وقف إطلاق النار كان على قاعدة تحقيق العناوين الأربعة: وقف الاعتداءات، انسحاب العدو، تحرير الأسرى، وإعادة الإعمار دون قيد أو شرط.

 

ورفض بو حمدان أي حديث عن مفاوضات جديدة أو وساطات أميركية أو غير أميركية، مؤكداً أنّ المقاومة لا تفاوض على الدماء والآلام، وقال: لقد التزمنا بالاتفاق بالكامل، بينما العدو لم يلتزم به أبداً، وما يجري اليوم من خروقات إسرائيلية تخطّى السبعة آلاف خرق بحسب تقارير اليونيفيل، فيما الدولة لا تزال غائبة عن الإحساس بأن قرار السلم والحرب يُنتزع من يدها.

 

وانتقد النائب ما وصفه بالهيمنة الأميركية على القرار اللبناني قائلاً إنّ السفارة الأميركية في عوكر تحوّلت إلى غرفة عمليات تتحكم بالقرارات السيادية، وإنّ الضغوط والإملاءات الخارجية طالت معظم مؤسسات الدولة ، ودعا المسؤولين إلى التحرر من هذه التبعية قبل الحديث عن وساطات أو حلول، مؤكداً أنّ من يحتل القرار في لبنان هو نفسه الذي يسلّح العدو الإسرائيلي.

 

وأضاف بو حمدان أنّ الأهداف الأميركية في المنطقة واضحة وثابتة، وتقوم على السيطرة على مقدّراتها، من معابر مائية دولية وثروات نفطية وغازية وغيرها، وصولاً إلى لبنان، في إطار مشروع السيطرة الاقتصادية على العالم، بعدما انتقلت واشنطن من مرحلة الحروب العسكرية إلى مرحلة الحروب الاقتصادية ، أمّا على مستوى الكيان الإسرائيلي، فهدفه جلي لا لبس فيه، وهو إقامة “إسرائيل الكبرى” و“إسرائيل التوراتية” ، الأولى بحدود تمتد من لبنان إلى ما يسمّى بالأرض الأولى، والثانية تشمل السيطرة على المنطقة بأسرها.

 

وأشار إلى تصريح لوزير التخطيط الاستراتيجي في كيان العدو قال فيه بوضوح: نحن لا نريد تطبيعاً من لبنان، بل نريد من السلطة الحالية أن توقّع وثيقة سلام مُذلّة، وسأوقّعها بحذائي هذا، سائلاً: فهل يقرأ أصحاب السلطة في لبنان هذه التصريحات؟ وهل يدركون من يفاوضون، وتحت أي شروطٍ وأي عناوينٍ مضلِّلة؟.

 

وختم النائب بو حمدان كلمته بالتأكيد على أنّ الكتاب المفتوح الذي أطلقه حزب الله مؤخراً هو كتاب العزّة والقوة، يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، ويؤكد أنّ لبنان لا يمكن أن يُحكم بمنطق الضعف والانهزام، موجهاً تحية إلى الشهداء والمجاهدين الذين حفظوا كرامة لبنان ووحدته، ومشدداً على أنّ المقاومة ستبقى ثابتة على نهجها، متمسكة بوليّها وبقيادتها وبالجمهورية الإسلامية في إيران التي دعمت لبنان في أصعب المراحل. وقال: أنتم يا أهل الشهداء، دماؤكم أمانة في أعناقنا، وسنمضي على الطريق حتى النصر، لأن هذا قدرنا ومسؤوليتنا أمام الله والتاريخ .

 

*العلاقات الإعلامية في حزب الله*

*الأحد 09-11-2025*

*18 جمادى الأولى 1447 هـ*

*النائب علي عمار: أمتنا لن تهزم بعد اليوم مهما حاول الأعداء من النيل منها.* 

*النائب علي عمار: أمتنا لن تهزم بعد اليوم مهما حاول الأعداء من النيل منها.*

 

في أجواء يوم الشهيد والذكرى الـ43 لعملية فاتح عهد الاستشهاديين الشهيد أحمد قصير، أقام حزب الله وكشافة الإمام المهدي (عج) في القطاع الرابع بمنطقة بيروت، مراسم يوم الشهيد أمام روضة شهداء المقاومة الإسلامية في الغبيري، بحضور عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي عمار، رئيس بلدية الغبيري أحمد الخنسا، وعدد من العلماء والفعاليات والشخصيات، عوائل الشهداء، وجمع من الأهالي.

 

المراسم افتتحت بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، ثم كانت وقفة من النشيد الوطني اللبناني ونشيد حزب الله، بعدها، جرى استعراض لسرايا كشفية تضم عدد من عناصر وقادة كشافة الإمام المهدي (عج)، تبعهم استعراض لثلة من مجاهدي المقاومة الإسلامية الذين يحملون رايات حزب الله على وقع عزف موسيقى كشافة الإمام المهدي (عج).

 

بعد ذلك، كانت كلمة لعضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي عمار قال فيها، إننا نقف اليوم في هذه المناسبة على مقربة من يوم الشهادة والشهيد، ونحن نتلمّس من الشهداء الشفاعة، لتكون ذخراً لنا في الدنيا، وعزاً لنا في الآخرة، ولا نستطيع أن نتجاوز حدود ما يجري من حولنا في هذا الزمن الذي نعيش، حيث التحوّل والتغيّر والاستكبار يأخذ مداه، فأميركا الشيطان الأكبر من خلال إدارتها المتوحشة، تحاول أن تنقض على العالم بكل ما أوتيت من ظلم وعدوان وجبروت عبر ربيبتها العدو الصهيوني، الذي ما ترك ولم يترك حتى الآن سبيلاً من سبل التجزير والإجرام والطغيان والاستكبار إلا واعتمده، ظناً أنه يستطيع في تسعير سياسة الطغيان والظلم، أن يحقق ما لم يستطع أن يحققه أيام الحرب الفائتة.

 

وأضاف النائب عمار: إن أميركا الشيطان الأكبر والعدو الإسرائيلي يحاولان الآن بالتكافل والتضامن استثمار المرحلة، ليحققوا ما فشلوا في تحقيقه إبان الحرب الماضية، وهم يعلمون أن ليوث وأسود حزب الله وفرسان وفتيان الإمام المهدي (عج)، يصبرون على الأذى بتصبّر ملؤه الإعداد والاستعداد للحظة ليس للعدو الإسرائيلي فيها إلاّ السقوط والهزيمة إن شاء الله.

 

ورأى النائب عمار أننا نمر في مرحلة حساسة وخطيرة، خصوصاً أن العدو الإسرائيلي يحاول جاهداً أن يسقط جبهتنا من الداخل، ونحن نطمئن أهلنا بلسان الصدق والفصاحة والبلاغة والشجاعة، وبلسان سماحة الأمين العام المقدس السيد حسن نصر الله (رض)، أن هذه الأمة لن تهزم بعد اليوم مهما حاول الأعداء من النيل منها بأي شكل من الأشكال.

 

وشدد النائب عمار على أن سماحة الأمين العام المقدس السيد حسن نصر الله (رض) حاضر بيننا بشخص سماحة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم ومن حوله من القيادة، الذين يسهرون الليل من أجل إيجاد السبل التي تحقق لنا ما نريد على المستوى الداخلي ومواجهة العدوان.

 

وختم النائب عمار بتوجيه التحية لعوائل الشهداء من أمهات وآباء وزوجات وأبناء، وكذلك لكل الشهداء الذين جعلونا نقف في هذا الموقف، ونحن ننحني إجلالاً وإكراماً واحتراماً لدمائهم الزاكية، التي أنبتت كل عز وفخر واعتزاز.

 

وفي الختام، أدت ثلة من المجاهدين قسم العهد والوفاء للشهداء بالسير على نهجهم، وحفظ الدماء الطاهرة، وإكمال مسيرة الجهاد والمقاومة حتى تحقيق النصر الكامل على العدو الإسرائيلي، قبل أن يضع النائب عمار والحاضرون إكليلاً من الزهر أمام أضرحة شهداء المقاومة الإسلامية.

 

*العلاقات الإعلامية في حزب الله*

*الأحد 09-11-2025*

*18 جمادى الأولى 1447 هـ*

النائب حسن فضل الله خلال الاحتفال التكريمي لشهداء بلدة برج قلاويه: نرفض أن يكون في ‏لبنان قرار للاستسلام لهذا العدو والمطلوب اليوم من هذه الحكومة ألا تكتفي بترداد شعارات ‏لم يعد لها أي معنى

بسم الله الرحمن الرحيم

 

النائب حسن فضل الله خلال الاحتفال التكريمي لشهداء بلدة برج قلاويه: نرفض أن يكون في ‏لبنان قرار للاستسلام لهذا العدو والمطلوب اليوم من هذه الحكومة ألا تكتفي بترداد شعارات ‏لم يعد لها أي معنى

 

رأى عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب د. حسن فضل الله أن أمامنا في هذه المرحلة تحديات يمكن أن ‏تختصر بثلاثة عناوين، هي الاعتداءات الإسرائيلية وإعادة الإعمار والوضع الداخلي، وأن لبنان يوضع اليوم ‏أمام خيارين، إما القتل والحرب واستمرار الاستهدافات أو الاستسلام، وإن كنّا لسنا هواة حرب ولكنّ شعبنا ‏الوفي الأبي لا يمكن تحت أي ظرفٍ أن يقبل بالاستسلام أو الخضوع للعدو الذي يستبيح بلدنا ودماءنا ‏ويقتل في كل يوم من أبنائنا الذين يستشهدون في حالة مدنية، ويستهدف المنازل والمنشآت المدنية، ‏ويمارس سياسة العدوان خصوصًا على الجنوب بهدف منع الاستقرار، وحتى لا يطمئن الناس وكي يدفعهم ‏إلى مغادرة هذه القرى والبلدات، ويمنع إعادة الإعمار ويجعل المنطقة غير آمنة وغير مستقرة، ويضغط ‏على البلد من أجل أن يخضعه لمشروعه التوسعي ولشروطه.‏

كلام النائب فضل الله جاء خلال مشاركته في الاحتفال التكريمي لشهداء بلدة برج قلاويه الجنوبية، بحضور ‏فعاليات وشخصيات وعلماء دين وعوائل شهداء والأهالي.‏

وقال النائب فضل الله هناك من يريد أن يضعنا أمام هذا الخيار بالقتل اليومي والحصار والاستهداف ‏والتضليل والتحريض والتشويه، أو أن نستسلم لهذا العدو ويوضع لبنان كل لبنان أمام هذا الخيار ولكن ‏مهما كان نزف الدماء العزيزة والغالية فإننا لن نستسلم، ونحن نعرف أن الوضع صعب، لكن التحدي ‏والتهديد لا يُسقطنا ويجب أن نتحمل، وللأسف في الداخل اللبناني هناك من يعتقد أن العدو الإسرائيلي في ‏استهدافاته يساعده على تنفيذ أجندته الخاصة، أو يظن أن هذا العدو قد يعمل لخدمته ولخدمة حساباته ‏الداخلية، ولذلك يراهن على استمرار هذا النزف ويحاول أن يستثمر في دمائنا من أجل تحقيق مصالح للنفوذ ‏والسيطرة والهيمنة والتسلط في الداخل، وهؤلاء لم يتعلّموا من هذا العدو الذي يعمل لحساب أهدافه ‏التوسعية، وهو الذي يستخدم بعض الأصوات ويستغل بعض التحركات والتحريض داخليًا لتنفيذ مشاريعه، ‏وعندما ينفذ مشاريعه يترك عملاءه ويتخلى عنهم، وتجارب الماضي في لبنان خير دليل على ذلك.‏

وأضاف النائب فضل الله: أمام هذا الواقع، كيف نواجه؟ فالمقاومة كانت تصنع معادلات وكانت تمنع ‏المس بأي مدني في لبنان وتمنع العدو من أن يستهدف الجنوب، وهذا ما كان يحصل خصوصًا منذ تفاهم ‏نيسان 1996 وحتى العام 2006 وصولًا إلى هذه الحرب، لكن حدث متغير كبير له علاقة بكل المجريات التي ‏حصلت وليس فقط في الحرب، لأن المقاومة في الميدان صمدت ومنعت العدو من احتلال الجنوب، ‏ووجودنا هنا بفضل تضحيات المقاومين، وهذه الدماء العزيزة، والمتغيرات حصلت بعد وقف إطلاق النار ‏سواء في لبنان أو في محيطنا الإقليمي أيضًا، وأدى إلى تغيير في الموازين، وبعد وقف إطلاق النار، عندما ‏تصدت الدولة بمؤسساتها لهذا الملف وأعلنت أنها تريد أن تكون هي المسؤولة وتعمل من أجل تطبيق هذا ‏الاتفاق، وافقنا وقبلنا، ولكن اليوم قد يأتي أحد ليسأل عن أي دولة نتحدث أو أين هي مؤسساتها، فهذا ‏واضح لدينا، ولكن لأن هذه المرحلة مختلفة عن الماضي وصلنا إلى ما نحن عليه الآن لجهة إلزام الدولة ‏بتحمل مسؤولياتها الكاملة، وهذا بالأصل من مسؤولياتها.‏

وأضاف النائب فضل الله: المقاومة كانت قد بدأت قبل انطلاقة حزب الله نتيجة ضعف الدولة وغيابها ‏وعدم تحملها المسؤوليات، فقبل حزب الله كان هناك مقاومات، وعندما جاء الإمام المغيب السيد موسى ‏الصدر أنشأ مقاومة، والشعب أيضًا أطلق مقاومة شعبية للتصدي للاحتلال، ونحن في هذا المقطع ‏الزمني نريد لهذه الدولة أن تتحمل المسؤوليات الكاملة رغم كل ما يصيب شعبنا من ألم ووجع ورغم كل ‏هذه الدماء.‏

وأشار النائب فضل الله إلى أننا وفي الوقت الذي نعلم فيه أن الكثيرين يطالبون اليوم بالعودة إلى المعادلات ‏التي كانت موجودة، نصرّ في هذه المرحلة على قيام الدولة بمسؤوليتها، إذ أن لديها الآن آلية للتواصل عبر ‏لجنة الإشراف على تطبيق وقف إطلاق النار التي ورغم أنها لم تقم بواجباتها ولم تكن على قدر المسؤولية ‏الملقاة على عاتقها، لكنها لجنة قائمة وتتحمل مسؤولية، ويمكن للحكومة من خلالها أن تلجأ إلى كل ‏الخيارات المتاحة من أجل الضغط لوقف هذه الاعتداءات، فلا يمكن الانتقال إلى مرحلة أخرى قبل استنفاد ‏تطبيق هذا الاتفاق الذي لم يُطبق حتى الآن إلا من طرف واحد.‏

وقال النائب فضل الله: اليوم يخرج بعض المسؤولين ليقول إن قرار الحرب والسلم في يد الدولة، ولكن متى ‏أخذت هذه الدولة قرارًا ليس بالحرب ضد هذا العدو؟ بل قرارًا بالدفاع في وجه هذا العدو ومنعها أحد؟ فنحن ‏نرفض أن يكون في لبنان قرار للاستسلام لهذا العدو، والمطلوب اليوم من هذه الحكومة ألا تكتفي بترداد ‏شعارات لم يعد لها أي معنى، بل أن تلتزم بما كتبته في البيان الوزاري وتتلخص في حماية السيادة وردع ‏المعتدي وإعادة الإعمار وإطلاق الأسرى، وهذه البنود بقيت حبرًا على ورق، ولم يكتشفوا من البيان الوزاري ‏إلا جملة واحدة لا تستهدف حماية السيادة بل توجّه ضد جزء كبير من الشعب اللبناني.‏

وشدد النائب فضل الله على أننا لا نريد للمشكلة أن تصبح لبنانية – لبنانية، في حين أن هناك من يصر في ‏الداخل على أن تكون المشكلة بين اللبنانيين، ولكننا نقول له إن مشكلتنا جميعًا هي هذا العدو، والتهديد ‏الحقيقي هو هذا العدو، لذلك لا يجوز لأحد في لبنان أن ينصب نفسه كأنه صدى للصواريخ الإسرائيلية أو أن ‏يستغل هذا العدوان من خلال حملة التحريض والتضليل التي نسمعها، اتركوا المشكلة مع العدو فلماذا ‏هناك من يريد نقلها إلى الداخل؟ وإذا نُقلت إلى الداخل ماذا سيستفيد؟ وهل يظن أحد في لبنان أن شعبنا ‏يمكن أن ينكسر أو أن ينهزم؟

وتابع النائب فضل الله: المعادلة الداخلية دقيقة وحساسة ولا يحق لأحد أن يمس بها لأن هذا يهدد الداخل ‏اللبناني، ونحن لا نريد تهديد الداخل اللبناني، لكن هناك من يصر على هذا المسار في الوقت الذي يقتل ‏العدو الناس هنا نرى هذه الحملة الداخلية، ولكن من تستهدف هذه الحملة الداخلية؟ ويخرج أحد ليقول إن ‏هناك إجماعًا، ولكن أين هو هذا الإجماع؟ يخرج أحد أيضًا ليمارس سياسة العزل، ولكن على من تمارس هذه ‏السياسة؟ وأنا هنا لا أتحدث عن المسلمين الشيعة في لبنان بل عن بيئة المقاومة التي تمتد داخل كل ‏الطوائف، صحيح أن من مفاخر الشيعة في لبنان أنهم يحملون راية المقاومة، وأنهم رأس الحربة في هذه ‏المقاومة، وأنهم يقدمون التضحيات، لكن هذه المقاومة تمتد على امتداد مساحة بلدنا، وهل يمكن لأحد ‏أن يتوهم أو يعتقد أنه يستطيع أن يعزل هذه الفئة من الشعب اللبناني أو أن يحاصرها؟

أضاف النائب فضل الله: نحن لا نقول إننا نمثل ثلثي الشعب اللبناني، بل أقول لكم إننا أكثر من نصف ‏الشعب اللبناني، ولا أريد أن أقول إننا وحدنا نشكل أكثر من ثلث الشعب اللبناني فكيف سيعزلون ‏ويحاصرون؟ هؤلاء يعيشون في الأوهام، وفي مخيلتهم تاريخ أسود مليء بالأحقاد والضغائن والارتهان، ‏ويعتقدون أن هذه اللحظة هي لحظتهم وأن هذه الفرصة هي فرصتهم، ويقولون إن ما لم يحققوه خلال ‏أربعين سنة وفي اجتياح العام 1982 قادرون على تحقيقه اليوم، وهناك من يعيش في وهم أنه يستطيع ‏الآن أن يتحكّم بلبنان وأن مشروعه انتصر ومشروعنا تراجع أو ضعف، لكن هؤلاء لم يتعلّموا من الماضي ‏وتجارب الماضي، ويراهنون اليوم على الانتخابات وعلى تغيير الموازين عبر قانون الانتخاب تحت عنوان ‏انتخاب المغتربين، لذلك يسعون بكل الوسائل من أجل الانقلاب على القانون الحالي والانقلاب على صيغة ‏الوفاق الوطني وعلى الدستور، ولا يهمهم شيء إلا أن يحققوا ما في مخيلتهم، ففي الوقت الذي يقوم ‏العدو فيه بالقتل والضغط يريدون أن يستثمروا في الداخل.‏

وأردف النائب فضل الله: لا أريد أن أتحدث عن الأخلاق السياسية لأن في لبنان معروف من الذي يملك هذه ‏الأخلاق، وهناك شخص اسمه السيد حسن نصر الله قدم نموذجًا ومدرسة في الأخلاق السياسية، لكن ‏للأسف في الداخل من هو خارج كل هذه المعايير، هناك من يحاول الاستثمار في الداخل في الوقت الذي ‏يقوم فيه العدو بالقتل، ولكن بعيدًا عن المبالغة والحماسة والعنتريات، أقول لكم بكل ثقة، أولًا بالله عز وجل ‏وبشعبنا: في الداخل لدينا بيئة صلبة وشعب وفيّ وقوي وعزيز، ولدينا وحدة على مستوى بيئة المقاومة، ‏والمعادلة الداخلية لا يستطيع أحد أن يغيرها مهما راهن على الخارج، ومهما كان نزف الدماء الذي يسيل على ‏أرضنا، فإننا لن نقبل ولن نسمح لأحد أن يمس بشراكتنا وبحضورنا ووجودنا في إدارة الدولة وفي مؤسساتها ‏وفي تقرير مصير بلدنا، وهذا يستند إلى هذا الشعب وهؤلاء الناس الذين لا يستطيع أحد أن يتجاوزهم وأن ‏يقفز فوق حضورهم الدائم، وليس لدينا خوف في الداخل على وضعنا ولكن نخاف على البلد، ليس لدينا ‏خيارات إلا أن نبقى أقوياء، وأن نتمسّك بهذا النهج، نهج المقاومة وخيارها، وفي المرحلة الحالية المقاومة ‏لها أداء معين، لكن المقاومة تبقى هي المقاومة بحكمتها وشجاعتها وحضورها وشعبها، والسيد حسن ‏نصر الله غرس في لبنان كرامة وعزة وأجيالًا من المقاومين يحملون الراية التي لا تسقط.‏

 

العلاقات الاعلامية في حزب الله

الأحد 09-11- 2025‏

‏18 جمادى الأولى 1447 هـ