تتوقع المصادر، ان تسلك التطورات احد الاتجاهات التالية:

سـيـنـاريـوهـات مـتـوقـعـة

 

🖇️ صـحـيـفـة الـديـار

 

تتوقع المصادر، ان تسلك التطورات احد الاتجاهات التالية:

 

– تصيعد محدود ومتقطع، من خلال ارتفاع وتيرة الغارات والاستهدافات ورقعتها الجغرافية، مضبوطة بوساطات إقليمية، وهو السيناريو الاكثر ترجيحا.

 

– تصعيد إقليمي أوسع، من خلال مواجهة تمتد لتشمل ضربات وصواريخ على نطاق أوسع…

 

قد تطال ايران، في ظل التقارير التي تتحدث عن استعدادات عسكرية وانذارات لطهران.

 

وتختم المصادر بان نجاح أو فشل مبادرة ترامب ليس أمراً يهمّ غزة وحدها، لما تشكله من مخاطر على البيئة الإقليمية.

 

ويضع لبنان مرة جديدة في مرمى التداعيات، بين توترٍ أمني محتدم، وانقسام داخلي يعرقل استجابات الدولة، وأزمة اقتصادية اجتماعية تتعاظم.

تـحـالـف انـتـخـابـي قـيـد الاعـداد

تـحـالـف انـتـخـابـي قـيـد الاعـداد

 

علم “ليبانون فايلز” أنّ الاتصالات الجارية بين “الكتائب” و”القوات” تتركّز حالياً على بحث إمكانية التحالف بين الحزبين في معظم الدوائر الانتخابية.

 

ويُتوقّع أن تختلف تحالفات الكتائب هذه المرّة عن تلك التي سادت في انتخابات 2022، ولا سيما في الأقضية المسيحية.

 

إلا أنّ الواضح حتى الآن أنّ الطرفين ما زالا يدرسان بدقة حسابات الربح والخسارة وانعكاسات أي تحالف محتمل عليهما.

صحيفة عـواء “صـهـايـنـة” الـوطـن:

صحيفة عـواء “صـهـايـنـة” الـوطـن:

 

– سلام أبلغ النواب الذين التقاهم أن العلاقة مع عون تتجه نحو الحلحلة ولا يريد إحداث خلل في السلطة التنفيذية…

 

فيما العلاقة مع الحزب مقطوعة بعد الخلل بالتزام الترخيص والتواصل يقتصر فقط مع بري

 

– لم يحصل حتى هذه اللحظة تواصل مباشر بين الرئيس عون وحزب الله خصوصًا بعد واقعة الروشة وكان مقررًا أن يزور رعد بعبدا قبل سفر الرئيس إلى نيويورك

طيران P-8A التابعة للبحرية الأميركية تقوم حاليا بمهام استطلاع في مضيق جبل طارق 

⭐️طيران P-8A التابعة للبحرية الأميركية تقوم حاليا بمهام استطلاع في مضيق جبل طارق

 

‏قبيل عبور حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford (CVN-78) إلى البحر الأبيض المتوسط.

صحيفة “إسرائيل اليوم”: إخفاق أمني خطير..

صحيفة “إسرائيل اليوم”: إخفاق أمني خطير… شخص يسكن بجوار الفندق الذي أقام فيه نتنياهو خلال زيارته للولايات المتحدة صوره من خلال نافذة لم تكن مغطاة بالستائر، بينما كان يعقد اجتماعات ويتحدث مع ضيوف. وأوضح أن الأمر لم يكن لحظات عابرة، بل استمر لساعات طويلة، بينما النوافذ لم تكن محمية ضد الرصاص.

نذرٌ أثمر شرحاً – شــــرح نهــــج البلاغـــة للسيّد هاشم صفيّ الدين

كان على سماحة الشهيد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليه) أن يفي بنذر عظيم قطعه على نفسه بعدما تحقّق الأمر المتعلّق به. لكنّ الوفاء يحتاج إلى تفرّغ ووقت كبيرَين لإنجازه، متمثّلاً في وضع شرح كامل لكتاب نهج البلاغة.

فمن أين له الوقت الكافي مع مشاغله الكثيرة ومسؤوليّاته الجسيمة في رئاسة المجلس التنفيذيّ لحزب الله؟

صحيح أنّه أنجز شرح الخطب الثلاث الأولى من النهج، ودوّنه بخطّ يده في صفحات دفتر مدرسيّ حينما كان طالب علمٍ في قمّ، غير أنّ المهمّة سرعان ما تعثّرت في لبنان، حتّى صار صاحب النذر يخشى من انقضاء سنوات عمره قبل أن يتمكّن من الوفاء به.

 

• انطلاقة فريق الشرح

يبدو أنّ هذا التعثّر غدا سرّ التحوّل لانطلاقة جديدة، ليكون مصداقاً للآية الشريفة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ فيشير سماحة الشيخ د. خليل رزق إلى أنّه في ختام جلسة إداريّة، كشف سماحته لصديقه وزميل دراسته الحوزويّة عن هذه المشكلة وعن هواجسه الشخصيّة. فاقترح عليه سماحة الشيخ أن يتابع العمل في مشروعه عبر تشكيل فريق من أهل الفضل والعلم والمثابرة، يكون سماحته مشرفاً عليه ومشاركاً فيه لإنجاز هذا الشرح. ولاحقاً، وقع الاختيار على سماحة السيّد علي عبد المنعم مرتضى والسيّد علي عبّاس الموسوي، إضافة إلى سماحة الشيخ د. خليل رزق نفسه.

التأم عقد جلسة الشرح أوّل مرّة في العام 2011م، في ليلة السبت بعد صلاة العشاء، وجرى تثبيت هذا الموعد الأسبوعيّ، الذي لم تتوقّف جلساته ما يقارب عشر سنوات، باستثناء ليالي عاشوراء، لارتباط أعضاء الفريق بحضور المجالس ليلاً وإلقاء الخطب والمحاضرات، فيما كانت جلسات الشرح تُعقد في الأغلب في مكتب سماحة السيّد الشهيد هاشم (رضوان الله عليه).

 

• منهجيّة الشرح

خلال جلسة العمل الأولى، توزّعت المهام على الأعضاء، بين تجميع لأقوال الشارحين لمناقشتها خلال كلّ جلسة، وهو ما تولّاه السيّد علي الموسويّ. أمّا مهمّة استخراج معاني المفردات اللغويّة وتوثيق سيَر الأعلام، الذين ذُكروا في نهج البلاغة، فتولّاها الشيخ خليل رزق. فيما تولّى السيّد علي مرتضى تدوين وقائع الجلسات وما يرد خلالها من ملاحظات وأفكار. هذا مع الإشارة إلى أنّ الجميع كانوا يشاركون في النقاشات التي امتدّ بعضها إلى خمس ساعات خلال جلسة واحدة، عبر اعتماد منهجيّة واضحة تهدف إلى استخراج خلاصات جامعة من مختلف الشروحات. وفي هذا السياق، يشير السيّد علي الموسويّ إلى أنّهم اعتمدوا في أغلب الأحيان على شرحَين أساسيّين، هما: منهاج البراعة للعلامة الخوئي قدس سره، وشرح العلامة ابن ميثم البحراني، من دون إغفال الشروحات الأخرى، خصوصاً إذا ما تفرّد بعضها بآراء معيّنة وإشارات محدّدة ومميّزة.

ومع تتابع جلسات شرح النهج، بدأت تظهر لمسات الشهيد السيّد هاشم (رضوان الله عليه) بدايةً عبر ما أسماه (الفوائد)، وكلّ فائدة هي عبارة عن أفكار مستلهمة من نصوص النهج كانت قد لفتت نظره، وسعى من خلالها إلى توضيح أفكار أمير المومنين عليه السلام وتفسيرها وصولاً إلى محاولة تظهيرها وتطبيقها في أرض الواقع، وذلك عبر نصّ لا يتجاوز بضعة سطور، ولا يتّسع إلى حدّ أن يبلغ البحث. وتجدر الإشارة إلى أنّ سماحته قرّر البدء بتفسير نهج البلاغة من أوّله من دون الاستفادة ممّا أنجزه سابقاً بشرح ثلاث خطب، لكنّ باقي أعضاء الفريق قرّروا الاستفادة منها والتوسّع فيها بما ينسجم مع منهجيّة العمل التي أقرّوها.

 

• لمسات السيّد هاشم

يتّفق أعضاء اللجنة أنّ سماحة الشهيد السيّد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليه) لم يكن خلال نقاشات هذه الجلسات متمايزاً عن الآخرين، ولم يحاول تسخير موقعيّته التنظيميّة أو المعنويّة كصاحب لهذا المشروع لفرض آرائه أو تغليبها على بقيّة الآراء. فإضافة إلى دوره المهمّ في تحفيز سير العمل في الجلسات، كان مثالاً مميّزاً في حسن الإصغاء إلى مختلف وجهات النظر واحترامها والتفاعل معها، وإن خالفت رأيه الخاصّ في موارد عدّة، بل لم يكن يتوانى عن التراجع عن رأي اقتنع به، كما أكّد لنا سماحة السيّد علي الموسويّ، الذي أصرَّ في إحدى الجلسات على اعتماد شرح غير مألوف لأحد أقوال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فاستبعد سماحة الشهيد هذا الشرح، غير أنّه بادر في الجلسة التالية إلى تأييده واعتباره أقرب للواقع.

ويشير الشيخ خليل رزق إلى أنّه في مجال ضبط معاني المفردات، كان سماحة السيّد الشهيد يصرّ على العودة إلى معاجم اللغة لاستخراج معاني الكلمات من جذورها الأصليّة، داعياً إلى التحرّر من سطوة شروحات المعاني كما قدّمها أصحاب الشروحات السابقة، سعياً إلى تجديد حقيقيّ ومواكبة لتطوّرات العصر.

 

• المسؤوليّة لم تفقده العلميّة

لكن، ماذا عن حضور شخصيّة سماحته العلميّة؟

يؤكّد أعضاء فريق الشرح أنّهم وجدوا أنفسهم أمام عالِم وفقيه صاحب رؤية ثاقبة وعلم غزير، بحيث لم يُفقده انغماسه في العمل التنظيميّ الإداريّ أيّ شيء ممّا اكتسبه من معارف ومَلَكات علميّة وقّادة، إضافة إلى هدوئه وتأمّله العميق في مختلف دقائق النصوص وتفاصيلها، وحضوره الذهنيّ اللافت، وهمّته العالية في التمعّن في مضامين النصوص وأبعادها المختلفة. هذا على الرغم من أنّ الجلسات كانت تجري مساءً بعد يوم حافل من متابعات سماحته لعشرات الوحدات التي تتبع لإشرافه، فكان يحرص على أن لا يقاطع الجلسة أيّ اتّصال، إلاّ إذا كان لأمر طارئ أو شديد الضرورة. فيما يشير السيّد علي الموسويّ إلى أنّه لم يلحظ في أيّ جلسة أيّ أثر من آثار أعباء يوم العمل في سلوك سماحته الهادئ، أو حتّى في حضوره الذهنيّ والعلميّ، وهو ما كان ينعكس بشكل إيجابيّ على أجواء البحث والنقاش.

 

• أولويّة لا يؤخّره عنها شيء

حرص سماحة الشهيد السيّد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليه) على استمراريّة جلسات الشرح وعدم انقطاعها تحت أيّ ظرف من الظروف. ويستذكر أعضاء الفريق أنّ سماحته اضطرّ بسبب متطلّبات مسؤوليّاته إلى الحضور في بلدة النبيّ شيث البقاعيّة لإحياء الذكرى السنويّة لسيّد شهداء المقاومة الإسلاميّة السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه)، وكان عليه البقاء إلى ما بعد المغرب بساعات، وكان ذلك يوم الجمعة، الموعد الأسبوعيّ للجلسة، فأصرّ على العودة إلى مكتبه في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة بيروت، على الرغم من الطقس الشتويّ العاصف. وعقدت الجلسة في وقتها.

كما يتذكّر الشيخ خليل رزق اضطرارهم في إحدى الليالي إلى عقد جلستهم في معلم مليتا السياحيّ الجهاديّ. فيما يتذكّر السيّد علي الموسويّ أنّ عيد الفطر جاء في إحدى السنوات يوم الخميس، فقضاه في بلدته في البقاع، قبل أن يتوجّه مساء اليوم التالي نحو بيروت للمشاركة في جلسة الشرح الأسبوعيّة.

أمّا السيّد علي مرتضى، فأشار إلى أنّ جلساتهم خلال شهر رمضان كانت تُعقد بالتناوب في منزل أحد أعضاء الفريق، بعد تناولهم طعام الإفطار، وأداء ما تيسّر من أعمال ليالي الشهر الكريم.

وهكذا، امتدّت جلسات الفريق وبإيقاعها المنتظم والدقيق، فبدأت تتجمّع لديهم عناوين أبحاث تتعلّق بما تثيره نصوص نهج البلاغة من قضايا، فقرّر سماحة السيّد هاشم ضبط هذه العناوين، وتأجيل إنجاز أبحاثها إلى حين إنجاز الجزء الأكبر من الشرح، وهو ما جرى بعد الانتهاء من شرح خطب النهج، لينتج عن ذلك ما يقارب 180 بحثاً توزّعت على أعضاء الفريق وشرعوا في إنجازها.

 

• استلهام تجربة أمير المؤمنين عليه السلام

الجدير ذكره هنا، أنّ أيّ مشروع شرح لسفر عظيم كنهج البلاغة، قد يكون محكوماً بالاهتمامات الشخصيّة لشارحه، سواء أكانت فقهيّة أم عقائديّة أم فلسفيّة، وهو ما جعلنا نتساءل إن كان هذا قد حصل خلال جلسات هذا الفريق المبارك؟

رأى كلٌّ من الشيخ خليل رزق والسيّد علي الموسويّ أنّ تنوّع اهتمامات الفريق جعل رؤيته للشرح متّسعة وشاملة، غير أنّه من الواضح أنّ سماحة الشهيد كان متعطّشاً لاستلهام تجربة الإمام عليّ عليه السلام بأبعادها الإداريّة والاجتماعيّة والعمليّة، ما جعله يسعى لتصحيح بعض مفاهيم العمل الإداريّ انطلاقاً من شرح خطب نهج البلاغة ورسائله ووصاياه وحكمه.

 

• تجهيز الشرح ليرى النور

توقّفت جلسات الشرح بشكل قسريّ خلال جائحة كورونا مطلع العام 2021م، ولكنّ هذا التوقّف كان فرصة ليعمل الفريق على تنظيم المادة التي تجمّعت لديه وتنسيقها وتنقيحها، بحيث إنّهم خلال هذا الوقت كانوا قد أنجزوا الجزء الأكبر من عملهم، ليعود الفريق للعمل بعدها بهمّة أكبر، فيما بدأت عمليّة تنضيد الجزء الأوّل في العام 2023م. ومع اندلاع معركة طوفان الأقصى ومعركة إسناد غزة، توقّفت الجلسات، ولحسن الحظّ، كان قد أُنجز الجزء الأكبر من شرح نهج البلاغة.

لكنّ المسؤوليّات الجسام التي حملتها معركة الإسناد، لم تمنع سماحة السيّد من متابعة عمليّة تنضيد الشرح، بل قدّم الكثير من الملاحظات من حيث بساطة الشكل والإخراج وتجنّب الأشكال الزخرفيّة. وفي مرحلة لاحقة، بدأ سماحته بمراجعة النصوص، وعدّل فيها وقدّم في بعض الموارد إضافات واسعة، كما أكّد لنا السيّد علي مرتضى، عارضاً علينا أوراقاً من النسخة المصحّحة والمعدّلة بخطّ سماحة الشهيد.

أمّا عنوان الشرح، فلم يُتّفق عليه، فقد قُدّمت العديد من المقترحات، من دون أن يُتفق عليها بشكل نهائيّ.

 

• أخٌّ وصديقٌ

خلال جلسات الشرح، توطّدت علاقة الزمالة العلميّة بين سماحة السيّد هاشم وبقيّة أعضائها، وامتدّ أثرها ليتحوّل إلى علاقة أخويّة مميّزة، خصوصاً لدى السيّدين علي مرتضى وعلي الموسويّ اللذين لم يسبق لهما أن تعرّفا إليه من قرب إلّا من خلال العلاقة التنظيميّة الحزبيّة، فصارت لقاءاتهما به خارج نطاق جلسات الشرح أو على هامشها تتّسم بالودّ والمحبّة والأريحيّة. فيما شعر الشيخ خليل رزق أنّه استعاد الكثير من روحيّة أيّام زمالتهما الدراسيّة في حوزة قمّ، عندما كانا جارَين ورفيقَي دراسة وحلقات مباحثة.

يذكر السيّد علي مرتضى، أنّ الهامش المتّسع لهذه الجلسات اشتمل على سعي من سماحة السيّد هاشم للتباحث في الشؤون العامّة والنقاش فيها، كما كانت مناسبة لحلّ بعض مشاكل الناس وقضاياهم من خلال عرضها على سماحته، بحيث كان يهتمّ بكلّ صغيرة وكبيرة تُعرض عليه، ويسعى وفق إمكاناته المتاحة إلى حلّها.

 

• لم يسمح بطباعة شيء في حياته

يشير السيّد علي مرتضى إلى أنّه عمد دون علم السيّد هاشم صفي الدين إلى تفريغ عدد من محاضراته القيّمة وتحريرها، وأنجز عمليّة إخراجها تمهيداً لطباعتها على أمل أن يقبل سماحته بنشرها، لكنّه رفض ذلك بشدّة، مبرّراً ذلك بأنّه لا يريد أن يظنّ أحدٌ إنّه استغلّ موقعه ليطبع محاضراته ويروّجها.

حتّى كتابة هذه السطور، يجري العمل على قدم وساق لإنجاز طباعة هذا الشرح، الذي يتكوّن من عشرة مجلّدات، لكن من الأمور التي يأسف عليها السيّد علي الموسويّ، أنّ الأجل لم يمهل سماحة السيّد الشهيد ليكتب مقدّمة تليق بهذا الشرح الجليل.

أمّا الشيخ خليل رزق، وفي حضرة ذكرى سماحة السيّد الشهيد هاشم صفي الدين، فيرى أنّه (رضوان الله عليه)، وإن كان إداريّاً من الطراز الرفيع، فإنّنا نظلمه إن حصرناه في هذا المجال، فقد كان عالِماً فقيهاً وصاحب فكر مميّز ونيّر، وهو ما يكشف عنه هذا الشرح لكتاب نهج البلاغة، الذي سيكتشفه الناس حين يرى النور.

وصيّة السيّد صفيّ الدين: “ممنوع أن يجوع أحد”

لم يكن السيّد هاشم صفيّ الدين، رئيس المجلس التنفيذيّ في حزب الله، قبل شهادته، مجرّد قائد سياسيّ أو شخصيّة دينيّة بارزة، بل كان قبل كلّ شيء إنساناً يعيش هموم الناس ويشاركهم تفاصيل معاناتهم.

شهادات الذين عملوا مع سماحته تكشف عن ملامح شخصيّة استثنائيّة، طابعها العطاء والرحمة والرعاية الأبويّة، فقد كانت يده ممدودة دوماً نحو الفقراء والمحتاجين والمرضى، من دون أيّ تمييز مناطقيّ أو طائفيّ. في هذا التقرير، نعرض جزءاً من الجانب الإنسانيّ عند سماحته، من خلال إبراز دوره الداعم لجمعيّة “وتعاونوا” و”مائدة الإمام زين العابدين عليه السلام”.

 

• عاشق الفقراء والمساكين

يستعيد المشرف على مائدة الإمام زين العابدين عليه السلام في منطقة برج البراجنة، الشيخ عبّاس الحركة، سيرة سماحة السيّد صفيّ الدين (رضوان الله عليه) وعطاءاته التي لم تعرف حدوداً، خصوصاً في خدمة الفقراء والمستضعفين، فقد كان الكرم عنوانه، والرحمة سمته، والأبوّة مظلّته.

ويصف علاقة سماحته بالمائدة بأنّها “ليست قائمة على الدعم أو المتابعة فحسب، بل كان كالأب الراعي لتفاصيلها كلّها. فقد كان يتابع كلّ قسم من أقسامها، بدءاً من الحصص التموينيّة الشهريّة التي كانت توزّع للعائلات، مروراً بالحصص الغذائيّة المتنوّعة من لحوم وخضار ودواجن وفواكه، وصولاً إلى المساعدات الماليّة المخصّصة للإطعام أو الاستشفاء، إضافة إلى المطابخ التي تنتج وجبات يوميّة متكاملة، وكسوة العيد التي تبهج قلوب المحتاجين”.

وعن دور سماحته في إقامة المائدة، يقول الشيخ الحركة: “لم يكن داعماً أو مراقباً، بل كان قيّماً على المشروع من أوّله إلى آخره”.

 

• “ممنوع أن يجوع أحد”

يحكي الشيخ عبّاس الحركة عن موقف لا يُنسى: “خلال زيارة السيّد صفي الدين لمطبخ مائدة الإمام زين العابدين عليه السلام في برج البراجنة، التفت قائلاً بحزم: (ممنوع أن يجوع أحد)، محمّلاً نفسه المسؤوليّة الكاملة عن ذلك، وكان مستعدّاً لمعالجة أيّ مشكلة مهما كان حجمها”.

ويضيف: “خلال شهر رمضان، كانت المائدة تصل إلى ذروة عطائها، بحيث تحضَّر وجبات الإفطار يوميّاً لأكثر من 29 ألف عائلة في بيروت، ومن ثمّ توزّع عليها مع التمر والحلويات وكسوة الفقراء. كان سماحته يحرص أن يتضمّن الإفطار أجود أنواع الطعام، وأن يكون كلّ شيء مرتّباً، وأن تصل المساعدات بشكل لا يشعر فيه الفقير بأي حرج”.

 

• التخفيف من الألم واجب

يتحدّث رئيس جمعيّة “وتعاونوا” الحاج عفيف شومان، عن المكانة الخاصّة التي كان يحتلّها سماحة السيّد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليه) في دعم الجمعيّة ورعايتها، إذ كانت تربطه بها علاقة أبويّة خالصة، ويعدّها ملفّاً أساسيّاً من ملفّاته، يتعامل معه مباشرة وبشكل خاصّ.

يشير شومان إلى أنّ ذلك بدا واضحاً من خلال حرص سماحته المتواصل على تعزيز خدمات الجمعيّة، خصوصاً في مجالات الطبابة والاستشفاء، انطلاقاً من قناعته بأنّ التخفيف من معاناة المرضى وتكاليف العلاج يُعدّ واجباً إنسانيّاً وإلهيّاً. وكان يرى أنّ علينا السعي يوميّاً للتخفيف عن كاهل أهلنا في ما يخصّ العلاج والطبابة.

ويضيف: “السيّد صفيّ الدين لم يكن مجرّد داعم، بل كان يتابع ملفّات الجمعيّات والمبادرات الاجتماعيّة من قرب، حتّى في أدقّ التفاصيل، وكان يحرص على وصول الخدمات الصحيّة والاجتماعيّة إلى كلّ بيت محتاج، قائلًا إنّ التخفيف من الألم واجب لا يقلّ قيمة عن العبادة، فضلاً عن أنّ خدمة الناس وصيّة إلهيّة يوميّة لا تُؤجل ولا تُجزّأ”.

ويتابع قائلاً: “لم يكن سماحته يتعامل مع دعم المرضى والمحتاجين من منظور ماديّ فقط، بل من منطلق إنسانيّ وأخلاقيّ عميق، إذ كان يعدّ هؤلاء مصاديق الرحمة الإلهيّة، وهم يستحقّون الرعاية الكاملة والمتابعة المستمرّة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، مبادرته الشخصيّة في منتصف الليل للتكفّل بعلاج الطفلة زينب حايك من دون تردّد، وجميع احتياجاتها الصحيّة والمعيشيّة”.

 

• لا تمييز أو إحراج

أظهر السيّد صفيّ الدين (رضوان الله عليه) اهتماماً بالغاً في شؤون الناس من مختلف المناطق والطوائف، فكان يرفض أيّ شكل من أشكال التمييز في تقديم المساعدة الطبيّة، فالفقير بالنسبة إليه هو نفسه، سواء كان في الجنوب أو الشمال، في البقاع أو بيروت، وكان يشدّد على ضرورة المبادرة للوصول إلى بيوت العائلات المتعفّفة والمرضى، بدل انتظار مراجعتهم، وذلك من أجل تشخيص احتياجاتهم ومعرفة ما يحتاجونه فعليّاً: من الدواء والاستشفاء، إلى ترميم البيوت المتصدّعة، وحتّى توفير لقمة العيش للعائلات التي لا تملك قوت يومها. يقول شومان: “كان سماحته يولي عناية دقيقة بتفاصيل الملفّات الطبيّة والاجتماعيّة، وكان يستفسر عن كلّ ما يمسّ المريض مباشرة، خشية وتفادياً لحصول أيّ تقصير”.

 

• إرثّ إنسانيّ لا ينضب

يخلص شومان إلى أنّ “حضور السيّد صفي الدين في تفاصيل عمل الجمعيّة شكّل عنصر دعم جوهريّ لاستمراريّتها وفاعليّتها، ولا سيّما خلال الأزمات المركّبة التي واجهها لبنان كالأزمة الاقتصاديّة وجائحة كورونا”، ويؤكّد أنّ “هذه العلاقة الأبويّة والرعاية الدائمة التي قدّمها سماحته، تُمثّل إرثاً ووصيّةً ملزمةً للجمعيّة وقياداتها لمواصلة العمل في خدمة المجتمع من دون تمييز، انسجاماً مع نهج الشهداء والقادة المؤسّسين”.

من جهته، يقول الشيخ الحركة: “لقد زرع فينا سماحته عشقاً خاصّاً للفقراء، وكانت وصيّته الدائمة أن لا نحيد عن خدمتهم، لهذا، فإنّ استمرار المائدة اليوم هو عهد لروحه الطاهرة”.

ترك السيّد صفيّ الدين برحيله إرثاً إنسانيّاً كبيراً، لا يقلّ أهميّة عن أدواره السياسيّة والدينيّة. هو إرث قائم على الرحمة والرعاية المباشرة، وعلى قناعة راسخة بأنّ خدمة الناس تكليف إلهيّ وأخلاقيّ. وذكراه ستبقى راسخة في وجدان الناس، فهو القائد الذي لم يكتفِ بالكلام، بل نزل إلى ميدان خدمتهم، وخفّف عنهم آلامهم، وبلسم قساوة الحياة عليهم في أكثر من جانب.

قيادة السيّد هاشم: حـزمٌ فـي ليـن

لم تكن حياة الشهيد الأمين العام السابق لحزب الله السيّد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليه) محطّات متفرّقة في مسيرة تنظيميّة أو جهاديّة فحسب، بل كانت لوحة مكتملة الأبعاد، تتداخل فيها الروحانيّات العميقة مع الفكر النيّر، والقيادة الميدانيّة مع الإدارة الحكيمة، والتواضع الإنسانيّ مع الحزم الثوريّ. من عرفه عن قرب، أدرك أنّه لم يكن شخصاً عابراً في مسار المقاومة، بل ظاهرة فذّة ارتبطت بالولاية والإيمان، وامتدّ أثرها ليشمل الناس كافّة، من جنوب لبنان إلى شماله، ومن ميادين القتال إلى رحاب العلم والثقافة.

في هذا التحقيق، نستعيد شهادات الشيخ محمّد عمرو، مسؤول منطقة جبل لبنان والشمال في حزب الله، والحاجّ د. عبد الله قصير، معاون رئيس المجلس التنفيذيّ، والسيّد أحمد صفي الدين والحاج محمّد زين الدين، معاونَي سماحة السيّد الشهيد. شهادات تكشف معالم شخصيّة قلّ نظيرها، وتجعلنا نقرأ سيرة السيّد صفي الدين بوصفها مرحلةً كاملةً من تاريخ المقاومة.

 

• البدايات: صداقة علم وجهاد

يروي الشيخ عمرو أنّ بدايات العلاقة تعود إلى فترة الثمانينيّات في منطقة الشياح، حيث جمعت الصداقة بينه وبين السيّدَين هاشم وشقيقه عبد الله صفي الدين، قبل أن تتحوّل إلى علاقة تنظيميّة متينة. تقلّد السيّد هاشم مناصب متعدّدة، من نائب مسؤول منطقة بيروت، إلى مسؤول منطقة الجنوب، ثمّ إلى رئيس المجلس التنفيذيّ في حزب الله، فتوطّدت العلاقة أكثر فأكثر.

أمّا الحاج عبد الله قصير، ابن بلدة دير قانون النهر التي ينتمي إليها السيّد هاشم (رضوان الله عليه)، فيعود بذاكرته إلى سنوات الحوزة والدراسة في قمّ، حيث كان السيّد الشهيد شابّاً هادئاً، ملتزماً بالعلم، لكنّه في الوقت نفسه منخرطاً في التجربة الجهاديّة، متنقّلاً بين مقاعد الدرس والتبليغ الدينيّ في الجبهات إبّان الحرب المفروضة على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. ويضيف الحاج قصير بُعداً شخصيّاً للعلاقة، إذ تربطه بالسيّد هاشم علاقة مصاهرة، فالأخير متزوّج من ابنة شقيقته، ما جعل الصلة بينهما تتجاوز حدود العمل إلى علاقة عائليّة متينة.

 

• صفات قياديّة استثنائيّة

يؤكّد الشيخ عمرو أنّ السيّد الشهيد كان رجلاً ذا فطنة وذاكرة نادرة وقدرة إداريّة عالية: “كان النور يخرج من وجهه. وكان رجلاً متواضعاً، وصادقاً في تعاطيه، ويمثّل نموذجاً نادراً من المؤمنين”.

الحاج قصير بدوره يلفت إلى جمع سماحته بين الحزم والليونة: “قدرته على اتّخاذ القرار الحاسم كانت توازي اهتمامه العميق بالكوادر والبيئة الشعبيّة، وهو ما جعله قائداً قريباً من الناس ومحبوباً لدى الجميع”.

 

 

• الإنسان في قلبه.. أيّاً كان

من أبرز ما يميّز شخصيّة السيّد هاشم (رضوان الله عليه)، كما يروي الشيخ عمرو، اهتمامه بالناس جميعاً: “لم يقتصر ذلك على بيئته الشيعيّة، بل اهتمّ أيضاً بطرابلس وعكّار والضنيّة والمتن وكسروان، ووقف إلى جانب مرضى وفقراء من كلّ الطوائف”. ويستعيد واقعة دعمه لبلدة مسيحيّة تعرّضت لكارثة، حيث أغاثها بمليارات الليرات، ما رسّخ صورته كقائد إنسانيّ جامع.

الحاج قصير أيضاً يشدّد على هذه السمة: “كان يتابع أوضاع المتفرّغين والأهالي شخصيّاً، ويكتب عقود الزواج لبعض الشباب بيده، مقدّماً لهم هدايا رمزيّة باسم القيادة. هذه التفاصيل الصغيرة صنعت مكانة كبيرة له في قلوب الناس”.

 

• علاقة استثنائيّة مع السيّد حسن نصر الله

يصف الشيخ عمرو علاقة السيّد الشهيد بسيّد شهداء الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) بأنّها علاقة “التلميذ بالأب”، إذ لم يكن مجرّد عضو شورى إلى جانب أمينه العام، بل كان يجسّد الطاعة الواعية. يكشف الشيخ عمرو أنّ سماحة السيّد حسن سلّم السيّد هاشم في السنوات الأخيرة ملفّات جهاديّة خاصّة وأشركه في جلسات المعاونيّة الجهاديّة، ما يعكس ثقة عميقة بمؤهّلاته القياديّة.

أمّا الحاج قصير، فيرى أنّ هذه العلاقة جعلت من السيّد هاشم امتداداً طبيعيّاً لخطّ الأمين العام: “ارتباطه الروحيّ والوجدانيّ بالولاية كان جوهر شخصيّته. لذلك، بدا دوماً وكأنّه صورة مكمّلة لمسيرة السيّد حسن”.

 

• العالِم العامل والمفكّر المقاوم

لم يكن سماحة الشهيد السيّد هاشم (رضوان الله عليه) إداريّاً أو تنظيميّاً فحسب، بل كان عقلاً علميّاً وروحاً عرفانيّة غاص في الفقه والأصول، وانفتح على آفاق العرفان والفكر. أمضى سنوات يعمل على مشروع شرح نهج البلاغة، وإلى جانبه مؤلّفات لم يُقدَّر لها أن ترى النور بعد، فضلاً عن ديوان شعريّ آثر أن يبقيه لنفسه.

يقول قصير: “كان يرى في الثقافة والمعرفة جزءاً أصيلاً من مشروع المقاومة، لا نشاطاً موازياً أو تكميليّاً”.

بعد استشهاد سماحته، عُثر على نصّ الكلمة التي أعدّها ليطلّ بها لأوّل مرّة بعد تعيينه أميناً عامّاً لحزب الله خَلَفاً للشهيد الأسمى السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)؛ كلمةٌ ارتسمت فيها معالم المرحلة الجديدة وتجلّت فيها رؤيته لوحدة الأمّة وثبات خطّ المقاومة، فغدت شاهداً إضافيّاً على عمق الرجل وامتداد مشروعه الذي تجاوز حدود التنظيم إلى رحابة الفكر والروح.

 

• إرث خالد

يختم الشيخ محمّد عمرو شهادته مؤكّداً أنّ ما قدّمه السيّد صفي الدين (رضوان الله عليه) لا يُحصى: “رفع المجتمع الشيعيّ من الضعف الشرعيّ إلى الاكتفاء، وأعطى كلّ لبنان من وقته وجهده”. أمّا الحاج عبد الله قصير، فيختصر تجربته بالقول: “كان السيّد هاشم صفي الدين قائداً استراتيجيّاً، وامتداداً طبيعيّاً لمسيرة المقاومة، وركناً أساسيّاً في استمرارها”.

 

 

• قائد بفكر استراتيجيّ

يصف السيّد أحمد صفي الدين، معاون السيّد الشهيد، بأنّ علاقتهما ليست مجرّد معرفة عابرة، بل تجربة خاصّة امتدّت لعقود، عايش خلالها شخصيّة قياديّة نادرة، عميقة الفكر، غنيّة بالبصيرة، وقريبة من هموم الناس.

منذ أيّام الدراسة في الحوزة العلميّة، برزت شخصيّة السيّد هاشم بعمقها العلميّ والفكريّ. لم يكن حضوره مقتصراً على الفقه والأصول، بل انعكس هذا العمق في إدارته وعمله اليوميّ، وفي تحليله للأحداث ومواقفه. كان يتمتّع بقدرة لافتة على قراءة المشهد بدقّة، واستشراف المستقبل برؤية استراتيجيّة. حتّى في النقاشات التنظيميّة أو القضايا الاجتماعيّة، كان يظهر هذا البعد المرتبط بالإسلام المحمّديّ الأصيل وبسيرة النبيّ وأهل البيت عليهم السلام، وهو ما منحه بُعداً روحانيّاً ومعرفيّاً متكاملاً.

 

• إدارة استثنائيّة وتفانٍ لا يعرف التعب

حين تولّى السيّد هاشم مسؤوليّاته في المجلس التنفيذيّ، يروي السيّد أحمد أنّ المجلس شهد قفزة نوعيّة واضحة. فقد كان سماحته يعمل لساعات طويلة تتجاوز أحياناً ثماني عشرة ساعة يوميّاً، مكرّساً كلّ وقته وجهده لخدمة المقاومة والناس. تميّز في الإدارة أيضاً، من خلال قدرته على متابعة التفاصيل كلّها بدقّة، وفي الوقت نفسه في إفساح المجال للآخرين لاتّخاذ القرارات: “كان يثق بفريقه، يشجّعهم على تحمّل المسؤوليّة، لكنّه يعرف كلّ صغيرة وكبيرة، يسأل ويتابع، ويوجّه عند الحاجة”.

 

 

• قائد شامل متعدّد الأبعاد

يؤكد السيّد أحمد أنّ ما ميّز الشهيد هو تنوّع قدراته. فقد كان حاضراً في الملفّات التنظيميّة، كما في الشأن الاجتماعيّ، والشبابيّ، والثقافيّ، والتربويّ، وحتّى في القضايا الإنسانيّة الدقيقة. هذه القدرة على إدارة ملفّات متنوّعة بعمق وبكفاءة عالية جعلت منه، كما يصفه، “قائداً شاملاً”، يملك من الملكات الذاتيّة ما يؤهّله لمواجهة مختلف التحدّيات.

 

• أخلاق رفيعة وزهد شخصيّ

على الرغم من كثرة مسؤوليّاته، ظلّ السيّد هاشم إنساناً حسّاساً قريباً من الناس. يروي السيّد أحمد أنّ أكثر ما كان يلفت فيه رقّته الإنسانيّة وشفافيّته في التعامل مع الفقراء وأهالي الشهداء. يقول: “كان يتأثّر بعمق بمعاناتهم، ويحرص على لقاء جميع عوائل الشهداء بشكل دوريّ، يستمع لهم، يواسيهم، ويهتمّ بكلّ تفاصيل حياتهم، بعيداً عن أيّ مظهر بروتوكوليّ”. حتّى حاجات الناس البسيطة كان يتبنّاها كأنّها قضيّته الخاصّة، متعاملاً معها بروح المسؤوليّة الشرعيّة والإنسانيّة، لا بوصفها مجرّد ملفّ تنظيميّ.

كما عُرف بالتواضع والزهد، فقد عاش حياة بسيطة جدّاً، بعيدة عن المظاهر والترف، مكتبه كان متواضعاً، وبيته أكثر تواضعاً. لم يكن يسعى إلى مظاهر السلطة أو الامتيازات، بل كان يصرّ على أن يعيش كعامّة الناس.

 

• علاقة خاصّة بالمجاهدين والشهداء

يحكي السيّد أحمد عن العلاقة الاستثنائيّة التي ربطت السيّد هاشم بالمجاهدين في الجبهات: “كان حضوره بينهم مختلفاً. كانوا يرَون فيه صورة السيّد حسن نصر الله، يسمعون في كلماته صدى الولاية، ويشعرون بصدق محبّته لهم. كان يشاركهم في دوراتهم العسكريّة، ويحاورهم في قضاياهم، ويعمل على حلّ مشاكلهم، حتّى بات مرجعاً ميدانيّاً موثوقاً لهم”.

أمّا مع الشهداء، فقد كان دائم الذكر لهم، يرى أنّ كلّ إنجاز للمقاومة إنّما هو ثمرة دمائهم الطاهرة، ويرى أنّ الوفاء لهم دَين في عنق كلّ قياديّ ومجاهد.

يختصر السيّد أحمد صفي الدين شهادته بالتأكيد أنّ الشهيد السيّد هاشم صفي الدين كان قائداً استثنائيّاً، يجمع بين العمق الفكريّ، والحضور الاستراتيجيّ، والبُعد الإنسانيّ والأخلاقيّ. لم تكن علاقته مع العاملين معه علاقة رئيس بمرؤوس، بل قائمة على الأخوّة والروحانيّة. “لقد قاد القلوب قبل العقول، وبقي فينا نموذجاً نادراً للقيادة التي تبني الإنسان كما المقاومة.”

يعود الحاج محمّد زين الدين، معاون سماحة السيّد الشهيد، بالذاكرة إلى العام 1993م، حيث كان اللقاء الأوّل مع السيّد هاشم في سهرة بسيطة بمنطقة جبل عامل. يومها، لم تكن العلاقة سوى تعارف أوّليّ، لكنّ النقاشات أظهرت سريعاً شخصيّة فريدة، قادرة على الجمع بين العمق الفكريّ والبساطة في الطرح.

التطوّر الحقيقيّ بدأ في العام 1996م، حين تولّى السيّد مسؤوليّاته في المجلس التنفيذيّ لحزب الله، فكانت العلاقة الشخصيّة امتداداً لتلك العمليّة في مختلف المحطّات التنظيميّة والتنفيذيّة.

يصف الحاج زين الدين سماحة السيّد هاشم بأنّه “لم يكن يوماً مديراً تقليديّاً، بل قائداً استثنائيّاً يؤسّس مدرسة قائمة بذاتها، إذ إنّ العلاقات معه لم تكن قائمة على سلطة الأمر والنهي، بل على روح الفريق الواحد. كان يعدّنا جميعاً شركاء في المهمّة، لا مرؤوسين تحت إمرة قائد”.

أبرز ما ميّز شخصيّة السيّد، بحسب الحاج زين الدين، امتلاكه بُعداً استراتيجيّاً نادراً. كان شديد الانتباه للتحوّلات الإقليميّة والدوليّة، يقرأ بدقّة التهديدات والفرص، ويخطّط للمستقبل بروح بعيدة النظر. ومع ذلك، لم يكن منفصلاً عن الواقع أو متعالياً على التفاصيل، بل كان يحرص على النزول إلى الميدان والاطّلاع على أدقّ الجزئيّات بنفسه.

كان السيّد هاشم دائم البحث عن الجديد، يقول الحاج زين الدين: “عندما نعرض عليه خطّة، كان يسأل مباشرة: ما الجديد فيها؟”. هذه الروح المتوثّبة جعلت منه قائداً تحويليّاً، بحيث يسعى دائماً إلى تطوير العمل، وابتكار أفكار خلّاقة تنقل الواقع إلى مستوى أفضل، ويبعث الطاقة والأمل في نفوس العاملين معه”.

 

• حضور في كلّ الساحات

لم تقتصر مسؤوليّاته على الإدارة التنفيذيّة، بل كان حاضراً أيضاً في الشأن الجهاديّ، على تماس مباشر مع القيادات العسكريّة، يتابع التفاصيل اللوجستيّة والاستراتيجيّة، ويؤمّن ما يلزم لاستمرار العمل المقاوم، ما جعله عنصراً أساسيّاً في معادلة القيادة الميدانيّة.

• قيادة القلوب قبل العقول

خلاصة التجربة مع سماحة الشهيد السيّد هاشم (رضوان الله عليه) أنّه كان قائداً يقود القلوب قبل العقول. يقول زين الدين: “من الصعب أن تجد قائداً يجمع بين الحزم الإداريّ، والبعد الاستراتيجيّ، والروح الأخلاقيّة العميقة. لكنّه فعل ذلك ببساطة وصدق، فدخل قلوبنا جميعاً.”

يختتم زين الدين شهادته قائلاً: “نحن أمام شخصيّة نادرة، استثنائيّة، عاشت بيننا بإنسانيّتها المتواضعة، وبقيت فينا بمدرستها القياديّة. السيّد هاشم لم يكن قائداً عاديّاً، بل نموذجاً من تلك النماذج النادرة التي يرسلها الله في لحظات مفصليّة لتصنع تحوّلات كبرى في مسيرة أمّة.”

يضيف: “لم يكن سماحته فرداً في سجلّ الرجال، بل آيةً من آيات الإيمان، ومثالاً للقيادة التي تصنع التاريخ بدمها وفكرها وروحها. لقد ارتقى شهيداً، فارتفع معه اسم المقاومة إلى علياء الخلود، وبقيت سيرته نبراساً لا يبهت نوره، وميراثاً يختزن معاني الولاية والجهاد والإنسانيّة في أنقى صورها”.

كان أباً مجاهداً – حوار مع عائلة سماحة السيّد الشهيد هاشم صفيّ الدين (رضوان الله عليه)

 

من أشدّ الآلام التي تقاسيها الأسرة ألم فقد الأب، فكيف إذا كان أباً، وقائداً، ومربّياً، ومعلّماً؟!

عن الأب المربّي، الذي يهتمّ بتفاصيل عائلته، ويخصّص لهم وصايا مكتوبة في مناسبات خاصّة. عن الأب الذي يستقيظ أبناؤه في الليل ليجدوه على سجّادة الصلاة. عن الأب الذي يرحل دون وداع، ثقةً بمن تركهم خلفه. عن سماحة السيّد الشهيد هاشم صفيّ الدين (رضوان الله عليه) نتحدّث، كما يروي لنا أفراد عائلته الكريمة.

 

• أوّلاً: بدايات الدراسة

س: كيف كانت بداية السيّد هاشم صفي الدين العلميّة في الحوزة؟

ج: أنهى السيّد دراسته الثانويَّة وبدأ المرحلة الجامعيَّة في بيروت. كان متفوِّقاً في المواد العلميَّة، وقد شجَّعه رفاقه وبعض إخوته على استكمال دراسته الأكاديميّة، خصوصاً مع توفُّر فرصة السفر إلى الولايات المتحدة الأميركيَّة لدراسة الهندسة، ولكنَّه اختار الطريق الأحبّ إلى قلبه، وهو الدراسة الدِّينيَّة. حتّى إنّه خلال فترة دراسته في الثانويَّة، اهتمّ بدراسة الكتب الفقهيَّة، فانتسب إلى حوزة المعهد الشرعيّ الإسلاميّ في حيّ السلّم في الضاحية الجنوبيّة في العام 1980م، وفي الوقت نفسه، ارتاد الجامعة اللبنانيّة للدراسة في كلّيّة العلوم وفي كلّيّة الحقوق والعلوم السياسيَّة. بعدما أنهى السنة الأولى بنجاح، حسم قراره بشأن دراسته، فقرَّر التفرُّغ للعلوم الدِّينيّة، وفضَّل الانتقال إلى مدينة قمّ، وكان ذلك في العام 1981م. أمّا سبب هذا القرار، فهو اعتقاد سماحته بأنَّ المجتمع بحاجة إلى علماء، فضلاً عن شعوره بالمسؤوليَّة الدِّينيَّة للقيام بمهمّة التبليغ.

 

 

س. من هي الشخصيّات العلمائيّة التي تأثّر بها سماحته في تلك الفترة؟ وكيف ترجم ذلك؟

ج. كان الإمام الشَّهيد السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره، ومن خلال كتبه ومحاضراته، معروفاً لدى جيل الشباب اللبنانيّ المتديّن في تلك الحقبة، وكانت أفكاره تصل إليهم عبر العلماء العائدين من النجف الأشرف، فتأثّر به السيّد صفي الدِّين كثيراً. ومع بروز الإمام الخمينيّ قدس سره في العام 1979م، كان الوالد من أوائل الذين استلهموا أفكاره، وقد ترجمها لاحقاً في سرعة تقليده، والانتماء إلى المجموعات الأولى التي تشكَّلت في اتّحاد الطلبة المسلمين أو في لجان المساجد. وكان الشهيد على علاقة روحيَّة مع علماء جبل عامل، وتأثّر بسيرة الشهيدَين الأوّل والثاني.

نتيجةً لذلك، كان العمل المحبَّب للسيّد هو التبليغ الدِّينيّ، إذ لم يكن ينظر إلى دوره كمدير أو مدبِّر أو مسؤول سياسيّ أو تنفيذيّ، بل كان يعدّ التبليغ الوظيفة الأساسيَّة لعالم الدِّين. لذلك، وعلى الرغم من حجم انشغالاته اليوميَّة في إدارة شوؤن حزب الله، كان يخصّص وقتاً للتبليغ الدِّينيّ، سواء في الدروس المسجديَّة التي ينظّمها، أو في خطبة الجمعة من خلال برنامج أسبوعيّ كان يلتزم به، فيختار أحد المساجد لإلقاء الخطبة والصلاة. وكانت لديه محطّتان أساسيّتان، هما: شهر رمضان المبارك وأيّام عاشوراء، بحيث كان يمارس دوره في التبليغ من خلال المحاضرات والدروس التي يلقيها.

 

• ثانياً: الشخصيَّة الإيمانيَّة

س: كيف كانت تظهر ملامح التديُّن والالتزام في حياة سماحة السيّد؟

ج: ينتمي السيّد الشهيد إلى عائلة مؤمنة ربّته على الإيمان والقيم الإسلاميَّة، فكان التزامه الدِّينيّ قبل سنِّ التكليف، وعُرف بين رفاقه في المدرسة كفتى متديِّن، يواظب على الفروض العباديّة، وعلى الصلاة في المسجد، والاهتمام بمسائل الحلال والحرام والمستحبَّات الدِّينيَّة، وأيضاً على مطالعة الكتب التي تتناول الشؤون الدِّينيَّة. وزاد تعلُّقه بهذا الإيمان في مرحلة الشباب، لأنَّ المسؤوليَّة أصبحت أكبر، فكان محتاطاً في شؤون الدِّين، فيتجنّب المكروهات، ويعمل على زيادة الاهتمام بالمستحبّات، بما فيها تلك المتعلِّقة بالقضايا الاجتماعيَّة، لجهة ممارسة دور تبليغيّ بين رفاقه في الحيّ، أو داخل المدرسة، أو بين أفراد العائلة. وكان يقدِّم سلوكه الشخصيّ كأفضل موعظة للآخرين؛ إذ كان صادق الحديث، وصافيَ القلب، ويسامح في حقوقه الشخصيَّة، ولا يقبل المسّ بحقوق الآخرين بما فيها المعنويَّة.

 

 

س: ما الدَّور الَّذي أدَّاه في تعزيز الأجواء الرُّوحيَّة داخل العائلة؟

عندما نستعيد معه مرحلة طفولتنا، فإنَّ أوَّل ما يتبادر إلى الذهن هو كيفيَّة معاملته لنا، فالأب في نظر الولد هو النموذج، ولذلك، فإنَّ سلوكه في البيت يصبح محلَّ اقتداء. عندما نراه، مثلاً، يصلّي، أو يقرأ القرآن والدعاء، فإنَّنا نتعلَّم منه ذلك أو نقلِّده. وكان يتعمّد خلال اجتماع العائلة أن يتناول موضوعات لها علاقة بالدِّين والأخلاق كي نقتبس بعض المفاهيم والقيم. وفي شهر رمضان المبارك، كان يملأ البيت بأجواء الدعاء وتلاوة القرآن، وهذا بحدِّ ذاته أسلوب تربويّ تثقيفيّ، ربَّما لا يدركه الأبناء إلا بعد أن يكبروا.

س: يروي بعض المقرَّبين أنَّ لليل علاقة قديمة مع سماحته، وأنَّ لديه برنامجاً عباديّاً خاصّاً. هل لديكم تفاصيل عن ذلك؟

ج: منذ أن بلغ الثالثة عشرة من عمره، واظب على صلاة الليل، وكان متعلّقاً بها، ويحثّ الآخرين على تأديتها، ولم يتركها حتَّى شهادته. كان يدعو فيها لصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويستغفر لمن أخطأ بحقّه. فنحن منذ طفولتنا كلّما صحونا في منتصف الليل، وجدناه على سجّادة الصلاة. فصلاة الليل كانت بالنسبة إليه مثل الفريضة الواجبة التي يؤديِّها مهما كانت الظروف.

في أحيان كثيرة، كان يعود من عمله في وقت متأخّر من الليل، وقد سألناه مرَّة: «ألا تتعب من هذا البرنامج؟»، فأجاب: «كلّ وقتي في النهار للعمل ومتابعة شؤون الناس، وما تبقَّى لي من ساعات قليلة لوقت راحتي، أفضّل أن أخصّصها لمناجاة ربِّي». نادراً ما كان ينام ليلاً، إذ يُقسِّم ما تبقَّى من وقته لمتابعة بعض الأعمال مع سماحة السيّد حسن نصر الله عبر الهاتف، أو للمطالعة. وفترة ما قبل الفجر، كانت مخصّصة للعبادة.

 

• السيّد والكتاب

س: ما أبرز الكتب التي كان يهتمّ بمطالعتها في شبابه؟ وهل ظلّ كذلك رغم انشغالاته؟

ج: علاقته بالكتاب بدأت في سنّ مبكّرة، وقال لنا يوماً: «عندما كنت في سنّ الخامسة عشرة من عمري، أنهيت مطالعة مكتبة بأكملها»؛ فالمطالعة في مجالات مختلفة كانت واحدة من أبرز هواياته. في مطلع شبابه، قرأ كتب الشهيدين السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره والشيخ مرتضى مطهري، وكتب الإمام الخمينيّ قدس سره، فضلاً عن الكتب الفقهيّة.

كانت قراءاته تشمل أيضاً كتب التاريخ، والأدب، والشعر، والروايات، وعلوم الإدارة، والاقتصاد، والسياسة، والاجتماع، ويهتمّ بالإصدارت الجديدة، سواء العربيّة أو الأجنبيّة. كان الكتاب يلازمه في حقيبته، فيستغلّ أوقات تنقّلاته في السيّارة ليقرأ فيه. وكان يواكب العلوم العصريّة ومستجدّات تطوّر التكنولوجيا.

 

 

س: كيف أثَّرت مطالعات السيّد في شخصيّته التربويّة وأسلوبه في التعامل مع العائلة والأبناء؟

كان يعتمد أسلوباً تربويّاً مميّزاً، وهو تبيان الصواب والخطأ من خلال سلوكه الشخصيّ، وليس عن طريق الزجر أو التأنيب. أمّا نحن أولاده، فلم يرفع علينا صوته في يوم من الأيَّام، مع العلم أنّ من طبيعة الأولاد أنَّهم يلعبون أو يشاغبون ويثيرون الضجّة، ولكنّه كان يأسر قلوبنا بحبِّه وعاطفته وحنانه، بحيث يجعلنا ننتبه من دون أن يذكر أخطاءنا، فنصحّحها ليبعث ذلك في نفسه السرور. وكان يشاركنا في مطالعاته، ويحدّثنا عن خلاصات الكتب التي يقرأ فيها، وينصح كلّ واحد منّا بكتاب معيّن، مراعياً أعمارنا واهتماماتنا. وكان يدعونا للاستفادة من هذه القراءة في المجال الثقافيّ والسلوكيّ والتربويّ، وكان يُشجِّع على قراءة الموسوعات القصصيَّة أو الثقافيَّة.

 

 

س: كيف كان يشجّع أفراد العائلة على طلب العلم أو الثقافة العامّة؟

ج: على الرغم من انشغالاته الكثيرة، إلّا أنّه كان حريصاً على تخصيص وقت للعائلة، خصوصاً في المجال العلميّ والثقافيّ، فيُتابع تفاصيل كلّ فرد منّا، ومدى تحصيله العلميّ ومستواه الدراسيّ. فضلاً عن أنّه كان ينظّم لنا دروساً أسبوعيَّة في المنزل في مقدّمات العلوم الحوزويّة، ويخصِّص لكلِّ ولد كتاباً معيّناً (المنطق، الفقه، اللغة، إلخ). وكان يقول لنا: «ما تحصدونه علميّاً وجهاديّاً وتربويّاً وإيمانيّاً، سوف ينعكس على المجتمع في المستقبل».

 

 

• الشخصيَّة الأخلاقيَّة

س: كيف كان السيّد (رضوان الله عليه) يعكس القيم الأخلاقيّة في حياته اليوميَّة مع العائلة أو الأصدقاء؟

ج: «كونوا لنا دعاةً بغير ألسنتكم»، مثل هذه القاعدة لم تكن مجرّد أحاديث يعظ فيها النّاس، بل كان يطبّقها على نفسه، ولا يفرض رأيه بل يحاول من خلال الحوار وتقديم الأدلَّة إقناع الآخرين بوجهة نظره. كما إنّه من موقعه الأبويّ، لم يفرض آراءه علينا، بل يقدِّم الفكرة بطريقة سلسلة. ومن خلال ما نعرفه عنه في عمله، لم يمارس صلاحيّاته وسلطته على الآخرين، بل كان يحرص على إقناعهم بالقرارات، باعتبار أنّ ذلك أفضل بكثير من فرضها، حتّى ينفّذها الفرد بإخلاص وتفانٍ. وعن ذلك كان يقول: «مسوؤليّتنا أن نعين الآخرين على آخرتهم، بحيث يذهبون إلى العمل بإخلاص بنيّة القربة إلى الله عزَّ وجلّ».

 

 

س: كيف تصفون اهتمام سماحته بأسرته وعائلته؟

ج: الحياة العائليَّة للسيّد تزخر بالدروس والعبر؛ فهو تحمَّل مسؤوليّات تُجاه عائلته منذ بداية شبابه، بعدما توفّي والده في العام 1982م، فبادر إلى ترتيب أمور أسرته في ظلّ وضع أمنيّ حسّاس في البلاد. وقد أولى والدته اهتماماً خاصّاً واهتمّ بشؤونها كافّة. وعندما ذهب لأداء مناسك الحجّ في شبابه، لم يحصل عدد من المعرِّفين وأصحاب الحملة على تأشيرة السفر، فصار المعنيّ الأوَّل بأمور الحجّاج، وكانت تلك فرصة له لخدمة ضيوف الرحمن. ولطالما تحدّث عن هذه الرحلة، وما تركته في نفسه. كما كان حريصاً على لقاء أفراد العائلة والأقارب، ويتفقّدهم فرداً فرداً، ويهتمّ بالصغير والكبير، لدرجة أنّهم كانوا يتفاجأون أحياناً أنّه يعرف تفاصيل أعمالهم ودراستهم.

كان بمثابة الرفيق لأبنائه، يُشاركهم همومهم وقضاياهم، ويشجّعهم على ممارسة الرياضة، ويرافقهم في بعض النشاطات الرياضيَّة، مثل كرة القدم والسِّباحة. وعلى الرغم من ظروفه وانشغالاته، إلّا أنّه نظَّم برنامجاً رياضيّاً لنفسه.

 

• الأب المربّي

س: من المعروف أنَّ سماحته (رضوان الله عليه) كان مهتمّاً بقضايا الشباب المؤمن، كيف انعكس ذلك في حياته مع أبنائه؟

ج: كان السيِّد يولي أهميَّة كبيرة لعمر الشباب، وهو تدَّرج معنا حسب كلّ فترة عمريَّة، والقاعدة العامَّة التي حكمت علاقتنا هي الحوار الممزوج بالعاطفة والحرص على تنمية الشعور بالمسؤوليّة. فترك لنا حريّة القرار أو الخيار في ما يتعلَّق بنا، وكان في الوقت نفسه يقدِّم النصيحة انطلاقاً من تجربته. كلّ ذلك كان نتيجة الأمان النفسيّ الذي منحنا إيّاه في البيت، وإشعارنا بالثقة بأنفسنا.

 

 

س: ما الذي ميّز السيّد كمربٍّ داخل أسرته؟

ج: لدى أيّ أب مجموعة من الميزات المشتركة، ولكن بالنسبة إلينا، كان السيّد يمثّل النموذج والأب المثاليّ، وخلاصة الأبوَّة الإنسانيَّة، والمربّي الخاصّ لكلِّ فردٍّ منَّا. كان قدوة من خلال سلوكه العمليّ، فعندما نراه يساعد الوالدة في أعمالها المنزليّة، نتعلّم منه كيفيَّة القيام بواجباتنا تجاه المنزل، وأنّ ربَّ الأسرة ليس فقط معيل العائلة، بل شريك زوجته في شؤون المنزل. عندما كان يغيب عن المنزل لفترات طويلة، كنَّا نشتاق إليه كثيراً، فيحاول عند عودته تعويضنا عن ذلك. بعد حرب تمّوز من العام 2006م، التقيناه بعد شهرين من الغياب، فعاتبناه لأنَّنا ظننَّا أنَّه لن يعود، وطلبنا منه أن لا يغيب من دون وداع. ولكن في الحرب الأخيرة، غادرنا دون وداع، وذهب إلى حيث يُحبّ.

 

• آخر لقاء

س: آخر لقاء للسيّد مع العائلة كان يوم مجزرة «البيجرز». ما الذي جرى حينها؟

ج: بعد استشهاد السيّد فؤاد شكر، طلب جهاز الحماية من السيّد اتّخاذ إجراءات جديدة، فلم يعد بإمكانه التواجد في المنزل، وانتقل إلى مكان آخر. نتيجة لذلك، لم تعد اللقاءات كما في الأوقات العاديّة، وصار التواصل معه محفوفاً بالمخاطر. وحرصاً منّا عليه، فضَّلنا عدم التواصل معه عبر الخطّ الدَّاخليّ. ولكن يوم تفجيرات «البايجرز» التقيناه للمرّة الأخيرة، وكان اللقاء مشبعاً بالعاطفة والتأثُّر، حدّثنا عن الشهادة، أخبرنا حينها أنَّ موعد الشهادة قد اقترب. وعبارته في وداع السيّد شكر محفورة في الوجدان: «شهادة الستّين ما أجملها!»، وكأنَّما يتحدّث عن نفسه.

 

 

س: ما أبرز وصاياه التربويَّة؟

ج: كان يوصي دائماً بأداء الصلاة في أوّل وقتها، خصوصاً صلاة الفجر، وقراءة القرآن الكريم، والتحدُّث مع صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأن نلتفت دائماً إلى أنَّنا بين يدَي الله عزَّ وجلّ، ونوكِل أمورنا إليه والتسليم له. واختار أسلوب الرسائل المكتوبة لأبنائه في أعياد ميلادهم، يبدؤها بعبارة: «أوصيكم بتقوى الله، والتقرُّب من إمام زماننا، والحفاظ على نهج المقاومة»، لتكون بمثابة وصايا وتوجيهات دائمة. كما أوصى بالاهتمام بعوائل الشهداء والتزام نهج الولاية. ولشدّة حبّه لسماحة السيّد حسن نصر الله، كان يوصينا بإطاعته والتزام إرشاداته. وقد شهدت الأيّام الأخيرة من حياته على عمق هذه العلاقة؛ فبعد حادثة «البيجرز»، اتّصل سماحة السيّد نصر الله على الفور به للاطمئنان إليه، وتداولا بما جرى. وقد تأثّر السيّد هاشم كثيراً باستشهاد رفيق دربه السيّد حسن، ومن بعده رفيق دربه الشيخ نبيل قاووق، ولكنَّه حافظ على صلابته وظلّ ثابتاً يمارس دوره في قيادة المجاهدين والتصدّي للعدوّ، إلى أن نال ما تمنَّى وفاز بالشهادة.

مرقد الهاشميّ نُصب الشهادة في أرض عاملة

كانت زيارة تنساب بين الدمع شكراً وشوقاً وعرفاناً. بخطا متهيّبة، سلكت الطريق إلى المرقد، وهناك، ألقيت حقيبة أثقالي، قلباً قد أضناه الشوق؛ فسماحة السيّد هاشم صفيّ الدين، كما الأقدس، حبيب كان منّا وبيننا، وكنّا نتنسّم فيه عبق السيّد الأسمى الذي كان يفصل بيننا وبينه زجاج شاشة، أبعد من سماء القلب. تلوتُ لروحه الطاهرة أولى فواتح الوصال، وتركت شمس الجنوب تشعل فجيعتي الصامتة التي تهسّ في قلبي هسيس النار في الهشيم. إنّه السيّد الشهيد الهاشميّ (رضوان الله عليه) الذي أحبّنا وأحببناه، بعد أن أزاح بيننا كلّ ستائر الحجب.بدأت في جوار مرقده أوّل حواراتي مع زوّاره القادمين من مختلف المناطق. وأقسم أنّهم جميعاً كانوا يمسحون دموعهم قبل أن تطأ أقدامهم عتبة المرقد، وقبل البدء بطقوس اللقاء.

 

• حبٌّ ودموع

رأيت المرقد الشريف قبلة أنظار طلّاب الكرامة وعشّاق البطولة وأهل القيم والنبل والعطاء. كلّ ذلك ستشعرون به في هذه السطور.

قالت إحدى الزائرات بعد أن مسحت دموعها بكفّ متعبة: “إنّ ما قام به السيّد في حياته، لأجلنا جميعاً، يستحقّ أن نذكره بفاتحة وأن نقصده في زيارة الواله المشتاق”. وبعد أن لمست ضريحه بحبّ، هنّأته بالشهادة، وتمنّت أن يسير أبناؤها على نهجه. وقد أكَّد أكبر أبنائها هذا الأمر معلناً اطمئنانه أنّ السيّد “عند ربّه، وأنّ علينا أن نحمل الأمانة، ونكون بمستوى العهد الذي نقطعه كلّما أتينا لزيارته”.

وأعلنت زائرة أخرى أنّها جاءت مباشرة من مرقد سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، إلى مرقد السيّد هاشم كي تقرأ له الفاتحة من القلب تحيّة لجهاده واستشهاده. وأردف أخوها أنّه جاء يعاهد من قدّم حياته قرباناً لنا، واعداً إيّاه أن لا يترك نهجه ولا يحيد عن دربه. أمّا أخوه الأصغر، فقد باح للسيّد الهاشميّ بعشق لا ينتهي، فهو “من ضحّى لأجلنا بالروح، فضلاً عن أنّه يشبه كثيراً السيّد الأقدس، وهذا سبب إضافيّ لمزيد من العشق”.

زائرة أخرى، هي أمّ خليل، امرأة جليلة مسنّة تسند فوق مقبض عصاها مرارات السنين، قالت إنّها جاءت من بيروت، في وقت الظهيرة الحارّة، تحمل أشواقها وأمنياتها أن تكون في جواره، وأن يحشرها الله معه، وتمنّت في زيارتها الأولى لو أنّها كانت فداء له، وأعلنت أنّ إنسانيّته العميقة وأخلاقه النبيلة ستظلّان في قلبها وروحها مدى الحياة.

اللافت أنّ الحاجّة أم خليل من الطائفة السنيّة الكريمة، وهذا بحدّ ذاته مؤشّر على أنّ مختلف الطوائف تحبّ السيّد الهاشميّ وتزوره في مرقده الشريف.

وأعربت ابنتها زينب عن تأثّرها الشديد باستشهاد السيّد هاشم كما سيّد شهداء الأمّة، “وبفقده، فقدنا أباً وعمّاً وأخاً”. وقالت إنّها كانت تشمّ فيه رائحة النبوّة، وأنّها أحسّت بعده بيتم لا يزيده الشوق إلّا تأجّجاً. ثمّ طلبت منه في آخر حديثها أن يدعو لها، فهو كان ولا يزال إلى الله أقرب.

وتحدّث رجل آخر عمّا يعنيه له السيّد الهاشميّ الشهيد، “فهو لا يقلّ أهميّة عن الشهيد الأسمى”. وهنا، خنقته عبرة منعته من إكمال حديثه، لتكمل زوجته التعبير وهي تمسح بيدها دمعاتها: “إنّ السيّد لا يزال يعطينا الكثير، كما كان يفعل في حياته، فنزوره كلّما اشتقنا إلى نسائم النصر من طهر دمه”، مع الوعد بزيارته بشكلٍ متكرّر، لأنّ عطاءه مستمرّ، وستظلّ تتزوّد منه.

 

• تاريخ مع الجهاد

بعد حديث طويل عن فضائل السيّد الهاشميّ الأخلاقيّة والدينيّة، أعلن صديق لسماحته صادفناه هناك زائراً، أنّ في حياة الهاشميّ جانباً جهاديّاً عظيماً، يستحقّ تسليط الأضواء عليه لتستفيد منه الأجيال، قائلاً إنّ السيّد قد بدأ جهاده باكراً، في جبهات متعدّدة، منها ما هو خارج لبنان، كجبهة الفاو التي خاض فيها النضال مع الرعيل الأوّل كالشهيد الرملاوي وقريبه السيّد يوسف والسيّد عيسى. وقد جمع في حياته بين الجهادَين الكبيرَين العسكريّ والتبليغيّ، إذ إنّه كان يستغلّ أوقات استراحته بجهاد التبليغ، مرسّخاً في المجاهدين الثبات اليقينيّ أنّهم في صراع الحقّ ضدّ الباطل.

 

 

• زوّار المرقد: لهفة وحبّ

ماذا عن تفاصيل الدفن والمرقد؟ أعلن فضيلة الشيخ محمود عبد الجليل، مدير شؤون مرقد السيّد الهاشميّ، أنّ سماحته كان قد ترك أمر مكان دفنه للسيّد الأسمى؛ فهو كان يرغب في أن يُدْفن في أرض عاملة، لأنّه كان يرى فيها قداسة لا تقلّ عن غيرها من الأماكن المقدّسة، وهي أرض الجهاد المقدّس التي ارتوت بدماء الكثير من الشهداء. ولأنّ قيادة حزب الله كانت تعلم بمدى اعتزازه بأنّه ابن هذه الأرض، قرّرت دفنه فيها، ليكون في الجنوب معلم جهاديّ، كما مرقد سماحة السيّد الشهيد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه) في النبيّ شيث، ومرقد الشهيد الأسمى في ضاحية بيروت.

ورأى الشيخ عبد الجليل أنّ السيّد هاشم أصبح أكثر حياةً بعد استشهاده، فهو يتلمّس في وجوه زوّاره من العامليّين كلّ ملامح الحب واللهفة. وأشار إلى الوفود التي تأتي من المناطق البعيدة، كالهرمل، حيث يشكّل أهلها مجموعات معظمها من عوائل الشهداء، بمبادرة فرديّة لتجديد عهد البيعة والوفاء للهاشميّ الجليل.

 

• إجراءات تحسينيّة

عند سؤالنا عن شكل المرقد الشريف في الآتي من الأيّام، أعلن الشيخ الفاضل أنّ السيّد الهاشميّ لا يقبل -من خلال ما يعرفونه من إيثاره وتضحياته – أن يُبنى له مرقد فخم، في الوقت الذي لا تزال فيه بيوت الناس ركاماً فوق ركام. لذلك، ارتأى الموكلون بشؤون المرقد إجراء تحسينات تخدم الزوّار، الذين يأتون بدافع الحبّ والولاء، فأقاموا سقفاً للطريق المؤدّية إلى المرقد كي لا يتأذّى الزوّار صيفاً أو شتاءً، وعبَّدوه بما يريح خطاهم، بعد أن كان وعراً، وتركوا على جانبيه مساحات لركن السيّارات. كما تحدّث فضيلته عن إنشاء قاعة للمحاضرات الدينيّة والثقافيّة وسائر النشاطات الفكريّة تتّسع لمئتين وخمسين شخصاً حاليّاً، كي يبقى مرقد الهاشميّ مشعل نور وهداية. فضلاً عن إنشاء مصلّى للنساء وآخر للرجال، مع مرافقهما الصحيّة كي لا يتأخّر الزوّار عن أداء الفريضة التي كانت أهمّ ما يحرص عليه سماحته (رضوان الله عليه).

كما تحدّث عن أهميّة نشر المساحات الخضراء حول المرقد الشريف، تجميلاً للمكان، وقد زُرعت شجرتَا زيتون على جانبَيْه، لما لهذه الشجرة من قداسة ورمزيّة، فهي تشير إلى الثبات والتشبّث بالأرض كما فعل الشهداء، ومنهم صاحب هذا المرقد الجليل. وأشار فضيلة الشيخ إلى شجرة اصطناعيّة تحمل في أغصانها صور الشهداء وقلاداتهم، وهم الذين رافقوا سماحته في حياتهم، فكان الوفاء أن يرافقوه في شهادته. وتحدّث أيضاً عن نصب سارية(1) لتحمل راية الإمام الحسين عليه السلام التي قُدّمت هديّة للمرقد الشريف من العتبة الحسينيّة المباركة.

 

 

تبقى هذه الزيارة نبراساً ينير دروب المحبّين، وذكرى خالدة تجدّد في النفوس عهود الوفاء والإخلاص. فكلّما رجعنا إلى ذلك المكان الطاهر، تزداد أرواحنا اشتياقاً وتتجدّد إرادتنا للسير على نهج العظماء.