يشكل يوم 7 حزيران 2026 واحداً من أكثر أيام معركة العصف المأكول كثافة من حيث حجم العمليات وتنوعها وأهدافها، إذ أعلنت المقاومة الإسلامية تنفيذ 29 عملية عسكرية توزعت بين الاشتباكات المباشرة، والقصف الصاروخي والمدفعي، والهجمات بالمسيّرات الانقضاضية، والتصدي الجوي، واستهداف الدبابات والمنظومات التقنية التابعة للعدو الإسرائيلي. ويكشف تسلسل العمليات عن مشهد ميداني متكامل يعكس قدرة عالية على الرصد وإدارة النيران وتوزيع الجهد القتالي على مختلف محاور المواجهة.
*المحور الأول: فشل محاولات التقدم البري وتحول الأرض إلى ساحة استنزاف*
تكشف العمليات الأولى عن أن العدو حاول خلال ساعات الليل التقدم عبر عدة محاور، أبرزها محور شقيف النمل باتجاه حداثا ومحور زوطر الشرقية وصولاً إلى محيط تلة الصوان. إلا أن البيانات تؤكد أن جميع هذه المحاولات اصطدمت باستجابة نارية مباشرة أجبرت القوات المتقدمة على التراجع.
فالاشتباك المباشر بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة مع القوة المتقدمة من شقيف النمل، بالتزامن مع القصف المدفعي، يدل على أن المقاومة لم تكتفِ بالرصد والاستهداف عن بعد، بل انتقلت إلى مرحلة الاشتباك القريب الذي يعكس ثقة كبيرة بالتموضع الميداني والجاهزية القتالية.
كما أن استهداف الدبابات والجرّافات التي حاولت التسلل لمسافة كيلومتر كامل باتجاه الأطراف الشمالية لزوطر الشرقية يكشف أن المقاومة كانت تتابع حركة القوة لحظة بلحظة، وأن محاولات التقدم لم تحقق أي اختراق فعلي، بل تحولت إلى أهداف مكشوفة تحت النيران.
ويؤكد تكرار استهداف منطقة شقيف النمل خلال ساعات متواصلة أن العدو كان يحاول تثبيت موطئ قدم في هذه المنطقة، إلا أن كثافة النيران المفروضة عليه حولتها إلى ساحة استنزاف مفتوحة.
*المحور الثاني: هيمنة المسيّرات وتحولها إلى السلاح الحاسم*
اللافت في بيانات اليوم هو الحضور الكاسح للمسيّرات الانقضاضية بمختلف أنواعها، حيث شكّلت الأداة الأكثر استخداماً في العمليات المعلنة.
فالمقاومة لم تستخدم المسيّرات ضد هدف واحد أو جبهة محددة، بل وزعتها على مقرات قيادية وتجمعات جنود وآليات ودبابات وأجهزة تقنية ومنشآت عسكرية، ما يعكس امتلاكها بنك أهداف واسعاً وقدرة تشغيلية كبيرة في إدارة أسراب متعددة في الوقت نفسه.
وقد طالت الهجمات المسيّرة الناقورة، وقلعة الشقيف، والقنطرة، والعديسة، ومركبا، والبياضة، ويحمر الشقيف، ودوفيف، ومواقع داخل فلسطين المحتلة، وهو انتشار جغرافي واسع يدل على أن سلاح المسيّرات بات يشكل العمود الفقري للعمليات الهجومية.
كما أن استخدام “أبابيل” الانقضاضية بشكل متكرر ضد أهداف متنوعة يعكس نجاح هذا السلاح في تجاوز الدفاعات والوصول إلى أهدافه بدقة، الأمر الذي يفسر الاعتماد المتزايد عليه مقارنة بالوسائل التقليدية.
*المحور الثالث: معركة قلعة الشقيف تتحول إلى مركز الثقل الميداني*
تظهر البيانات أن محيط قلعة الشقيف التاريخية كان أحد أبرز محاور القتال خلال هذا اليوم، إذ تعرض لسلسلة متواصلة من العمليات امتدت من ساعات الظهيرة وحتى الليل.
فقد استهدفت المقاومة تجمعات الجنود في محيط القلعة أكثر من مرة، كما ضربت دبابة ميركافا هناك بمحلقة أبابيل انقضاضية، واستهدفت جهاز التشويش “درون دوم”، ثم عادت لتقصف تجمعات الجنود بالصواريخ والمدفعية في ساعات المساء.
هذا التركيز الناري المكثف يوحي بأن العدو ينظر إلى القلعة باعتبارها نقطة ارتكاز أساسية في عملياته داخل القطاع الأوسط، بينما تسعى المقاومة إلى منع تحويلها إلى مركز قيادة أو منصة تثبيت ميداني.
ويشير تكرار الاستهداف إلى أن العدو لم يتمكن من تأمين المنطقة بصورة كاملة رغم الحشد العسكري الكبير، ما جعلها ساحة اشتباك دائمة طوال اليوم.
*المحور الرابع: استهداف البنية التقنية للعدو وإضعاف تفوقه التكنولوجي*
لم تقتصر العمليات على استهداف الجنود والآليات، بل شملت معدات وتقنيات عسكرية متقدمة يعتمد عليها الجيش الإسرائيلي في إدارة المعركة.
فاستهداف آلية الاتصالات في تلة الصلعة، ثم استهداف جهاز التشويش “درون دوم” قرب قلعة الشقيف، يكشف أن المقاومة لا تركز فقط على العنصر البشري، بل تعمل على ضرب منظومات القيادة والسيطرة والاتصال والحرب الإلكترونية.
وتكتسب هذه العمليات أهمية مضاعفة لأن الحرب الحديثة تعتمد بشكل كبير على الشبكات الإلكترونية والاتصالات العسكرية. وبالتالي فإن ضرب هذه الوسائط يؤدي إلى إرباك القيادة الميدانية وتقليل فعالية الوحدات المنتشرة على الأرض.
ويعكس ذلك انتقال المعركة من مجرد مواجهة نارية تقليدية إلى مواجهة تستهدف البنية التقنية التي تمنح العدو أفضلية في إدارة العمليات.
*المحور الخامس: استمرار فعالية الصواريخ والمدفعية في دعم المعركة*
رغم الحضور اللافت للمسيّرات، حافظت الصواريخ والمدفعية على دور محوري في إدارة النيران.
فالبيانات تسجل عشرات الرمايات الصاروخية والمدفعية ضد تجمعات الجنود والآليات في شقيف النمل ويحمر الشقيف والبياضة ورشاف ومحيط قلعة الشقيف، إضافة إلى استهداف مربض المدفعية في ثكنة يفتاح وتجمعات الجنود في محيط بركة المرج.
ويكشف هذا التوزيع أن المقاومة تعتمد مبدأ الدمج بين النيران الدقيقة التي توفرها المسيّرات والنيران الكثيفة التي توفرها المدفعية والصواريخ، بما يؤدي إلى إنهاك القوات المعادية ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها.
كما أن تكرار الاستهداف للمواقع نفسها خلال فترات زمنية متقاربة يشير إلى اعتماد سياسة الضغط المستمر ومنع العدو من تثبيت قواته أو إعادة الانتشار بأمان.
*المحور السادس: التصدي الجوي وتوسيع نطاق الاشتباك*
من أبرز ما ورد في البيانات إعلان التصدي لطائرة حربية إسرائيلية في أجواء النبطية بصاروخ أرض – جو.
وتحمل هذه العملية أبعاداً تتجاوز نتيجتها المباشرة، لأنها تعكس استمرار حضور منظومات الدفاع الجوي في ساحة المعركة وقدرتها على فرض تهديد دائم للطيران المعادي.
فالطيران الإسرائيلي يشكل الركيزة الأساسية في أي عملية برية، وعندما يصبح مضطراً لأخذ احتمالات الاستهداف بالحسبان، فإن ذلك ينعكس على حرية الحركة والاستطلاع والدعم الناري.
ومن هنا تأتي أهمية هذه العملية باعتبارها رسالة بأن سماء المعركة لم تعد مفتوحة بالكامل أمام العدو كما كانت في مراحل سابقة.
تكشف عمليات 7 حزيران 2026 أن المقاومة الإسلامية تدير معركة متعددة المستويات تجمع بين الدفاع المتحرك والهجوم المستمر والاستنزاف المنهجي. فالعدو فشل في تحقيق تقدم بري رغم تعدد محاولاته، بينما واجه شبكة نارية متكاملة شملت الصواريخ والمدفعية والمسيّرات والاشتباكات المباشرة والدفاع الجوي.
كما تظهر البيانات أن المسيّرات الانقضاضية أصبحت السلاح الأبرز في المعركة، وأن محيط قلعة الشقيف تحول إلى إحدى أكثر الجبهات اشتعالاً، في حين انتقلت المواجهة تدريجياً نحو استهداف البنية التقنية والقيادية للعدو إلى جانب قواته المنتشرة على الأرض.
وبذلك يمكن اعتبار هذا اليوم نموذجاً واضحاً لتطور أساليب القتال في معركة العصف المأكول، حيث تتداخل التكنولوجيا الحديثة مع حرب الاستنزاف التقليدية لتشكّل مشهداً ميدانياً شديد التعقيد والكثافة.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية