تكشف المعطيات الميدانية والسياسية خلال الساعات الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، تختلف عن المراحل السابقة من حيث طبيعة المواجهة وأدواتها. فلم يعد الاشتباك محصورا في العمليات العسكرية المباشرة، بل أصبح صراعا مركبا تتداخل فيه الجبهات العسكرية، والاقتصادية، والإعلامية، والسياسية، والدبلوماسية، بحيث تؤثر كل جبهة في الأخرى بصورة متزامنة.
وتشير المؤشرات إلى أن جميع الأطراف تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، إلا أن حجم الحشود العسكرية، وتبادل الرسائل النارية، واتساع دائرة التهديدات، يجعل احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة إذا فقدت الأطراف القدرة على ضبط قواعد الاشتباك.
*الجبهة الإيرانية… إدارة التصعيد دون الوصول إلى الحرب الشاملة*
تعكس التحركات الإيرانية خلال المرحلة الحالية استراتيجية تقوم على مبدأ “الردع المرن”، أي الجمع بين إظهار القدرة العسكرية، والإبقاء على مساحة للحلول السياسية
فالرسائل الإيرانية الأخيرة، سواء عبر الإعلان عن جهوزية القوات المسلحة، أو من خلال استمرار تشغيل منظومات الطائرات المسيرة والصواريخ، تهدف إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي هجوم واسع على إيران لن يبقى داخل حدودها، بل سيمتد إلى القواعد الأمريكية، وخطوط الملاحة، وحلفاء واشنطن في المنطقة.
وتدرك طهران أن ميزان القوى لا يقاس بعدد الضربات فقط، بل٧ بقدرتها على إطالة أمد المواجهة واستنزاف الخصم سياسيا واقتصاديا وعسكريا. لذلك يبدو أن القيادة الإيرانية تعتمد سياسة النفس الطويل، مع الحرص على عدم تقديم الذريعة التي قد تسمح بتشكيل تحالف دولي واسع ضدها.
كما أن استمرار الدعم اللوجستي والعسكري لمحور الحلفاء يمنح إيران عمقا استراتيجيا، يجعل أي مواجهة معها متعددة الساحات، وهو ما يفرض على خصومها توزيع قدراتهم العسكرية على أكثر من جبهة في آن واحد.
*جبهة العدو الإسرائيلية… بين التفوق العسكري والاستنزاف الاستراتيجي*
رغم استمرار التفوق الإسرائيلي في مجالات الطيران والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، فإن طبيعة المواجهة الحالية تفرض على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحديات غير مسبوقة.
فالضربات الجوية تحقق أهدافا تكتيكية، لكنها لا تنهي قدرة الخصم على إعادة التموضع أو استئناف العمليات. كما أن اتساع رقعة التهديدات لتشمل الخليج والعراق وسوريا ولبنان يزيد من الأعباء الأمنية على إسرائيل، ويجعلها مضطرة إلى توزيع قدراتها الدفاعية والهجومية على مساحات جغرافية واسعة.
ويبرز هنا عامل الاستنزاف، إذ إن استمرار رفع الجهوزية العسكرية، واعتراض الصواريخ والمسيرات، وتأمين الجبهة الداخلية، يفرض كلفة مالية وعسكرية متزايدة، وهو ما قد يتحول مع مرور الوقت إلى أحد أبرز عناصر الضغط على صانع القرار الإسرائيلي.
*الجبهة اللبنانية… معادلة الردع ما زالت تحكم المشهد*
تبقى الساحة اللبنانية جزءا أساسيا من معادلة الصراع الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه تخضع لحسابات دقيقة تمنع حتى الآن الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
وتشير الوقائع إلى أن قواعد الاشتباك القائمة ما زالت قائمة، إذ يسعى كل طرف إلى الحفاظ على قدرة الردع دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى انفجار شامل.
وتكمن أهمية الجبهة اللبنانية في أنها تمثل إحدى أهم أوراق الضغط الاستراتيجية في المنطقة، نظرا لما تمتلكه المقاومة من قدرات صاروخية وخبرة قتالية، تجعل أي توسع للحرب في لبنان ذا كلفة مرتفعة على إسرائيل.
وفي المقابل، يدرك الجميع أن أي تغير جذري في المواجهة الإيرانية الأمريكية أو الإيرانية الإسرائيلية سينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، ما يجعلها مرتبطة عضويا بمسار الصراع الإقليمي.
*الجبهة الاقتصادية… الاقتصاد يدخل دائرة الاشتباك*
أثبتت التطورات الأخيرة أن الاقتصاد أصبح أحد أبرز أسلحة الصراع.
فمجرد الحديث عن احتمال إغلاق مضيق هرمز، أو استهداف منشآت الطاقة، أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة المخاوف في الأسواق العالمية، لأن ما يقارب ثلث تجارة النفط العالمية يمر عبر الخليج.
ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، وأسعار النقل البحري، والتضخم، وأسواق المال، ما يجعل الاقتصاد العالمي طرفا غير مباشر في هذه المواجهة.
ومن هنا، فإن استمرار التوتر يعني أن ورقة النفط ستبقى أحد أهم أدوات الضغط السياسي، خصوصا على الدول الغربية التي تعتمد بصورة كبيرة على استقرار أسواق الطاقة.
*المفاوضات… التصعيد العسكري لتحسين الشروط السياسية*
رغم ارتفاع مستوى التوتر، إلا أن المؤشرات السياسية لا توحي بانهيار كامل لمسار المفاوضات، بل تشير إلى أن العمليات العسكرية أصبحت وسيلة لتحسين المواقع التفاوضية.
فكل طرف يحاول فرض وقائع جديدة على الأرض قبل العودة إلى طاولة الحوار، سواء في الملفات النووية، أو الأمنية، أو الإقليمية.
ولذلك يمكن اعتبار التصعيد الحالي جزءا من معركة تفاوض غير مباشرة، تستخدم فيها القوة العسكرية كأداة ضغط من أجل الحصول على تنازلات سياسية لاحقا.
غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بقدرة الأطراف على إبقاء التصعيد تحت السيطرة، لأن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل.
*التأثيرات الإقليمية والدولية… إعادة رسم موازين القوى*
لم يعد الصراع محصورا بإيران وإسرائيل أو الولايات المتحدة، بل أصبح يمس مصالح قوى دولية وإقليمية عديدة.
فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية وجودها العسكري وحلفائها، بينما تراقب روسيا والصين تطورات الأزمة لما لها من انعكاسات على النظام الدولي، وأمن الطاقة، والتوازنات الجيوسياسية
كما أن دول الخليج تتابع المشهد بحذر، لأنها ستكون من أكثر الأطراف تأثرا في حال توسعت المواجهة، سواء أمنيا أو اقتصاديا.
ولهذا فإن الحراك الدبلوماسي المكثف الذي تشهده المنطقة يعكس إدراكا دوليا بأن أي انفجار واسع سيؤدي إلى تغييرات عميقة في خريطة الشرق الأوسط.
تكشف مجمل المؤشرات أن المنطقة دخلت مرحلة “إدارة الصراع” أكثر من مرحلة “حسم الصراع”. فجميع الأطراف تمتلك القدرة على التصعيد، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحرب الشاملة ستكون ذات كلفة يصعب تحملها.
ولهذا تبدو المرحلة الحالية قائمة على تثبيت معادلات ردع جديدة، واختبار حدود القوة لدى الخصوم، وتحسين شروط التفاوض، أكثر من كونها استعدادا لمواجهة مفتوحة.
إلا أن خطورة المرحلة تكمن في أن كثافة التحركات العسكرية، وتعدد الجبهات، وارتفاع مستوى الاحتكاك، تزيد من احتمالات وقوع خطأ في الحسابات أو حادث ميداني قد يشعل مواجهة أوسع، وهو ما يجعل الأيام المقبلة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الصراع الإقليمي.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية