أخبار عاجلة

إذا باتت الحقيقةُ تزيّف، فكيفَ نصدِّق ما نراه؟ /سارة زعيتر _ الواقع برس

لم يعد التزييف استثناءً في زمنِ الذكاء الاصطناعي، بل احتمالًا واردًا في كل صورةٍ وخبر…

اعتدنا أن تكونَ الصورة دليلًا كافيًا لتصديقِ الخبر، لا بل نعتبرهُ زائفًا ومفبركًا إن لم يُرفق بصور. ولكن التطور المستمر الذي نشهده باتَ يضعُ قناعتنا هذه في موقعِ خطر، فليسَ كلّ ما نراه اليوم يعتبرُ حدوثهُ حقيقة، قد يكون مشهدًا مصممًا ليحاكي الواقع، أو صورةً صُنعت لتروي قصة لم تحدث أصلًا.

 

لطالما ارتبطت الصورة في أذهاننا بالحقيقة، فهي كانت الدليل الذي يثبت وقوع الحدث ويمنح الخبر مصداقيته. ولكن مع التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد الصورة وحدها كافية للحكم على صحة ما نراه، بعدما أصبحت التقنيات الحديثة قادرة على إنتاج محتوى يصعب التفريق بينه وبين الواقع. وهنا يبرز السؤال الأكبر حول قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم في عالمٍ أصبحت فيه الحدود بينهما أكثر ضبابية.

الذكاء الاصطناعي اليوم خرجَ عن دوره المألوف، فهو لم يعد يقتصر على تطوير التكنولوجيا أو تزويدنا بالمعلومات فقط، بل دخلَ عالم صناعة المحتوى ليعيد تشكيل هيكلية حدود المصداقية. نشهدُ اليوم صورًا وفيديوهات تُنشر برفقة الأخبار، دواعيها سرعة انتشار الخبر، رفع نسبة مصداقيته وجذب اهتمام المشاهد والتفاعل معه، ولكن من خلال التكنولوجيا المتطورة وإمكانيات التزييف العميق بات بإمكان أي شخصٍ إنتاج صورٍ ومشاهد فيديو تحاكي الواقع وشرح الخبر، وحتى تستنسخُ الأصوات.

هذا التطور لم يغيّر فقط طريقة صناعة المحتوى، بل أثّر أيضًا على طريقة تلقّي الجمهور للأخبار. فالمشاهد الذي كان يعتمد على الصورة كمرجع أساسي أصبح اليوم أمام تحدٍ جديد، إذ بات عليه أن يبحث ويتحقق قبل أن يمنح ثقته لأي محتوى يراه على الشاشات.

ومع الانتشار السريع لهذه المشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزداد خطورة هذه التقنيات، حيثُ تنتقلُ هذه المقاطع بين ملايين المستخدمين بسرعة فيروسية قبلَ التحقق من صحّتها ودقّتها. والمشكلة الأكبر أن الضرر لم يعد يقتصر على نشر معلومة خاطئة وحسب، بل يتّسعُ ليعيد رسم الرأي العام ويؤثر على قرارات المشاهدين ومواقفهم.

فالصورة المزيفة لا تبقى مجرد محتوى عابر على منصة رقمية، بل قد تتحول إلى أداة تؤثر في المجتمعات، وتعيد تشكيل نظرة الناس للأحداث، خصوصًا في القضايا الحساسة التي تحتاج إلى دقة ومصداقية عالية. وبعدَ تلقّي المشاهد حقيقةَ هذه الصورة وأنها لا تعبِّر سوى عن تزييف يحملُ مراد من نشره، يُزرعُ الشكُّ في كلِّ ما ينشر، حتى المحتوى الحقيقي.

وهنا لا تكمن الخطورة فقط في وجود أخبار مزيفة، بل في فقدان الثقة بشكلٍ عام، لأن انتشار التزييف قد يدفع الجمهور إلى التشكيك بكل صورة أو فيديو، حتى لو كان حقيقيًا، ما يضع الإعلام أمام تحدٍ جديد للحفاظ على ثقة الناس.

وتباعًا لهذا التطوّر الخطير الذي نشهده، لم يعد دور الإعلام نقلُ الخبر وحسب، بل يعيشُ تكليفًا آخر يُعتبرُ معركةً لحماية الحقيقة نفسها. فمع التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي تزداد الحاجة إلى الوعي وعدم الاكتفاء بتصديق ما ينشر على الشاشات، بل التعمق في أصل الخبر، والبحث عن مصادره، والتحقق من تفاصيله قبل تبنّيه أو مشاركته.

فالإعلام اليوم لا يواجه فقط سرعة انتشار الأخبار، بل يواجه سرعة انتشار الوهم أيضًا، ما يجعل مسؤولية الصحافي أكبر في عصرٍ أصبحت فيه الحقيقة بحاجة إلى إثبات أكثر من أي وقت مضى.

 

في زمنٍ بات فيه للذكاء الاصطناعي قدرة عالية على تقليد الحقيقة وطباعتها بهذهِ الدّقة، لم يعد السؤال فقط: “هل يمكننا تزوير الحقيقة؟” بل بتنا نتساءل: “هل ما زلنا قادرين على التمييز بينها وبين الوهم؟” فربما تكون المعركة المقبلة ليست معركة تكنولوجيا وحسب، بل معركة الحفاظ على الحقائق، وعلى قدرة الإنسان على معرفة ما هو حقيقي في عالمٍ يمكن فيه صناعة الوهم بكل هذه الدقة.

 

> سارة زعيتر

شاهد أيضاً

حين تُقاس الحرب بمعدّل 9.5 من 20 / دكتور محمد عطوي

حين تُدار أزمة تعليمية بمنطق الانتظار السياسي، لا بمنطق الاستجابة الإنسانية الفورية، فإن أول من …