حين تُدار أزمة تعليمية بمنطق الانتظار السياسي، لا بمنطق الاستجابة الإنسانية الفورية، فإن أول من يدفع الثمن هم أضعف الحلقات: التلميذ النازح، والمعلّم المتعاقد الذي يرتبط رزقه بعدد الشُّعب والحصص، والأستاذ الرسمي الذي وجد نفسه فجأة مسؤولاً عن علامة كان يضعها في سياق صفّي محدود، فتحوّلت، من دون إرادته، إلى بديل عن شهادة وطنية.
ما الذي نطلبه إذاً؟
ليس المطلوب معركة كلامية إضافية حول من أصاب ومن أخطأ. المطلوب تصوّر مختلف تماماً لمعنى العدالة في زمن الحرب، يقوم على ثلاثة أسس متكاملة.
أولًا: إفادة نجاح موحّدة
إفادة النجاح الموحّدة، تتمتع بقوة قانونية مساوية تماماً لقوة الشهادة الرسمية، وتُمنح لكل طالب مسجّل رسمياً في السنة نفسها، من دون ازدواجية بين «مُعفى» و«مُمتحن»، ومن دون أن تفتح الباب أمام سؤال قاسٍ يلاحق هذا الجيل حتى الجامعة: أي وثيقة تحمل أنت؟ فإذا كانت الظروف الاستثنائية قد فرضت تعليق الامتحان، فإن مقتضى العدالة هو تطبيق الأثر نفسه على الجميع، لا تقسيم الدفعة الواحدة بحسب قدرة كل أسرة على تحمّل كلفة دورة إضافية.
ثانياً: تشريع دائم للتعليم في حالات الطوارئ
المطلوب تشريع دائم، لا إجراء موسمي، ينظّم التعليم في حالات الطوارئ، أسوة بما فعلته دول أخرى سبقتنا إلى هذا الطريق المؤلم، إذ ينبغي وضع أطر تقنّن التعلّم عن بُعد، والتقييم التراكمي القائم على ملف إنجاز الطالب، والمرونة في أوقات النزوح، حتى لا تضطر الوزارة، في كل حرب مقبلة، لا سمح الله، إلى الارتجال من جديد، وكأن التاريخ لا يعلّمها شيئاً.
ثالثاً: حماية التعليم الرسمي
المطلوب اعتراف صريح بأن التعليم الرسمي، بمدارسه ومعلّميه على اختلاف تسمياتهم، هو خط الدفاع الاجتماعي الأول عن أبناء الفئات الأقل حظاً، وليس عبئاً إدارياً يُدار بمنطق الحساب والتوفير. فعندما تهتز ثقة الأهل بالمدرسة الرسمية، لا يخسر القطاع العام تلميذاً هنا أو هناك، بل يخسر المجتمع بأسره فكرة أن التعليم حق، لا امتياز يُشترى.
خاتمة: من يرسب حقاً؟
في نهاية هذا العام الدراسي، سيحمل آلاف التلامذة إفادات نجاح، وسيهنّئهم من حولهم، وستُلتقط الصور، وتُنشر البيانات الرسمية عن «استمرارية العملية التعليمية رغم الظروف». لكن السؤال الذي لن تجيب عليه أي إفادة نجاح هو: من الذي رسب فعلاً هذا العام؟ هل رسب الطفل فضل، الذي لم يطلب سوى غرفة هادئة؟ أم رسبت منظومة كان يُفترض بها أن تجد له هذه الغرفة، قبل أن تسأله عن معدّله؟
التاريخ، كما ذكّرنا أحد كتّاب هذه المرحلة، لا يُنصِف أحداً ولا يظلمه، بل يمنحنا فقط المسافة الكافية لنرى الصورة كاملة. وحين تتّسع هذه المسافة بعد سنوات، لن يُسأل أحد عن حجم الجدل الذي رافق قراراً إدارياً بعينه، لكن الجميع سيتذكّر: هل وقفت الدولة إلى جانب أبناء الجنوب والضاحية والبقاع حين كانوا الأضعف، أم تركتهم ينتظرون «تطورات إقليمية» لتقرّر مصير طفولتهم؟ فالعدالة، في زمن الحرب أكثر من أي زمن آخر، ليست أن تُعامل الجميع بمسطرة واحدة، العدالة أن تنحني قليلاً نحو من انحنى عليه القصف، لا أن تطلب منه أن يقف مستقيماً كمن لم يُصب بأذى.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية