*البيان… من التأبين إلى رسم معالم المرحلة*
لم يكن بيان قائد الثورة الإسلامية، السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، عقب ملحمة تشييع الشهيد، مجرد كلمة تأبينية أو رسالة وجدانية إلى الشعب الإيراني، بل جاء كوثيقة سياسية واستراتيجية تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد طبيعة الصراع مع الولايات المتحدة، وتؤكد أن معادلات الردع التي تشكلت خلال السنوات الماضية أصبحت أكثر رسوخا بعد هذه المحطة المفصلية.
فالبيان، وإن افتتح بتوجيه الشكر للشعب الإيراني على حضوره التاريخي في مراسم التشييع، سرعان ما انتقل إلى تثبيت جملة من الثوابت التي تبدو اليوم، من وجهة نظر القيادة الإيرانية، أساس المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها سقوط الرهان على الولايات المتحدة، ووحدة جبهة المقاومة، وثبات معادلة الردع.
*سقوط الرهان على الولايات المتحدة*
لم يتعامل السيد مجتبى الخامنئي مع نقض الولايات المتحدة لمذكرة التفاهم بوصفه أزمة دبلوماسية عابرة، بل اعتبره دليلا جديدا على أن عدم الالتزام بالعهود يمثل جزءا من النهج الأمريكي. ومن هنا، فإن البيان لا يوجه انتقاده إلى إدارة أمريكية بعينها، بل إلى طبيعة السياسة الأمريكية نفسها، التي تقوم، بحسب ما يعكسه النص، على استخدام الاتفاقات كأدوات مرحلية لتحقيق المصالح، لا كالتزامات ثابتة.
ومن خلال هذا الطرح، يؤسس البيان لرسالة واضحة مفادها أن زمن بناء السياسات على الثقة بالولايات المتحدة قد انتهى، وأن التجارب المتراكمة، من الاتفاقات السابقة إلى مذكرة التفاهم الأخيرة، رسخت قناعة بأن الضمان الحقيقي لا يصنعه توقيع على ورقة، بل تصنعه عناصر القوة الوطنية.
*جبهة المقاومة… وحدة الساحات في بيان السيد مجتبى*
في مقابل الحديث عن الولايات المتحدة، يبرز مفهوم “جبهة المقاومة” بوصفه أحد أهم المفاهيم التي يحملها البيان. فاللافت أن السيد مجتبى الخامنئي لم يتحدث عن حركات المقاومة كتنظيمات منفصلة، وإنما جمعها جميعا تحت عنوان واحد، في إشارة واضحة إلى أنها تشكل جبهة موحدة في مواجهة المشروع الأمريكي والإسرائيلي.
ويظهر ذلك بوضوح عندما يقرن بين الشعب الإيراني وجبهة المقاومة في سياق واحد، مؤكدا أن كليهما يمتلك “دروسا لا تنسى”. هذا الربط يعكس رؤية تعتبر أن أمن إيران وأمن قوى المقاومة لم يعودا مسارين منفصلين، بل أصبحا جزءا من معادلة واحدة، بحيث إن أي استهداف لإحدى الساحات ينعكس على مجمل الجبهة.
كما أن الإشارة إلى شجاعة مجاهدي الإسلام وأبناء الجنوب ليست مجرد إشادة بدور ساحة معينة، وإنما تأكيد على أن مختلف ساحات المقاومة أصبحت مترابطة سياسيا واستراتيجيا، وأن قوة كل ساحة تستمد جزءا من فاعليتها من قوة الساحات الأخرى، وهو ما يرسخ مفهوم وحدة الجبهات في مواجهة التحديات المشتركة.
*معادلة الردع… القوة التي تمنع الحرب*
في هذا السياق، يطرح البيان معادلة الردع باعتبارها الضمانة الأساسية لمنع الحرب. فالرسالة ليست الدعوة إلى التصعيد، وإنما التأكيد أن امتلاك عناصر القوة هو الذي يمنع الخصوم من فرض إرادتهم.
ولهذا، يحذر البيان الولايات المتحدة من مغبة إشعال مواجهة جديدة، مؤكدا أن أي خطوة من هذا النوع لن تكون بلا ثمن، وأن محور المقاومة، بما يمتلكه من قدرات وخبرات وتكامل بين ساحاته، أصبح جزءا أساسيا من منظومة الردع الإقليمية.
*رسالة إلى واشنطن… زمن الضغوط الأحادية انتهى*
هنا تتجلى الرسالة الأبرز في البيان، وهي أن الضغوط الأحادية لم تعد قادرة على تغيير المعادلات. فالعقوبات، والتهديدات، والضغوط السياسية، وحتى الاتفاقات التي يجري التراجع عنها، لم تؤد، بحسب الرؤية التي يقدمها البيان، إلى إضعاف إيران أو تفكيك جبهة المقاومة، بل دفعتها إلى تعزيز اعتمادها على قدراتها الذاتية، وإلى توثيق الترابط بين مكونات محور المقاومة.
ومن هذا المنطلق، يقدم البيان رؤية تعتبر أن الرد على الضغوط لا يكون بتقديم التنازلات، وإنما بتعزيز التماسك الداخلي، والحفاظ على وحدة جبهة المقاومة، وتطوير عناصر القوة، لأن هذه المرتكزات هي التي تفرض التوازن وتمنع الخصوم من فرض شروطهم.
وعليه، فإن بيان السيد مجتبى الحسيني الخامنئي لا يقتصر على قراءة الواقع، بل يسعى إلى تثبيت معادلة سياسية جديدة عنوانها أن زمن الرهان على الوعود الأمريكية قد انتهى، وأن وحدة جبهة المقاومة أصبحت جزءا من منظومة الأمن والردع، وأن أي محاولة لإعادة فرض الضغوط الأحادية ستصطدم بجبهة ترى في وحدتها وقوتها الضمانة الأساسية لحماية خياراتها ومصالحها.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية