كلما عاد الحديث عن سلاح حزب الله إلى الواجهة، يُطرح وكأن المسألة تبدأ اليوم: سلاح خارج الدولة، ومطلوب تسليمه، مقابل وعود بالأمن والاستقرار. لكن التاريخ اللبناني يقول إن الحكاية أقدم بكثير من هذا النقاش، وإن فهم السلاح يحتاج أولًا إلى العودة إلى السبب الذي وُجد من أجله، وإلى ما حدث عندما وُضعت التفاهمات والقرارات الدولية أمام الاختبار.
منذ اجتياح عام 1982، عاش الجنوب اللبناني تحت الاحتلال الإسرائيلي، واستمر الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء منه حتى أيار 2000. وفي تلك البيئة نشأت المقاومة، فيما بقيت المواجهة مع القوات الإسرائيلية مستمرة لسنوات. وفي 24 أيار 2000 انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي التي كانت تحتلها في الجنوب، وأكدت الأمم المتحدة في 16 حزيران إتمام الانسحاب وفق القرارين 425 و426
لا يمكن القول إن الانسحاب كان نتيجة عامل واحد فقط، لكن من الصعب أيضًا فصل نهايته عن سنوات المقاومة التي جعلت الاحتلال أمام كلفة عسكرية وسياسية متواصلة. ولهذا شكّل عام 2000، في الذاكرة السياسية لجمهور المقاومة، الدليل الأبرز على أن ميزان القوة يمكن أن يجبر إسرائيل على الانسحاب من أرض لبنانية.
لكن التجربة لم تتوقف هنا.
في نيسان 1996، وبعد عملية «عناقيد الغضب»، وُضع تفاهم لوقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله، ونصّ على عدم استهداف المدنيين وعدم استخدام المناطق المأهولة لإطلاق الهجمات. وأُنشئت لجنة تضم لبنان وسوريا وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا لمتابعة الخروقات.
ومع ذلك، لم يتحول التفاهم إلى نهاية للصراع. فالوقائع الميدانية التي سبقت تفاهم نيسان كانت قد شهدت تصعيدًا إسرائيليًا واسعًا في الجنوب، فيما وثقت الأمم المتحدة خلال تلك المرحلة تصاعد الأعمال العسكرية وصولًا إلى أكثر من أسبوعين من القصف الإسرائيلي في نيسان 1996.
ثم جاءت حرب تموز 2006.
انتهت الحرب بقرار مجلس الأمن 1701 في 11 آب 2006، الذي دعا إلى وقف كامل للأعمال العدائية، ونص على انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل جنوبًا بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة.
لكن القرار لم يُنهِ كل عناصر النزاع. فقد وثقت الأمم المتحدة لاحقًا خروقات مرتبطة بالسيادة اللبنانية، بما فيها الانتهاكات الجوية الإسرائيلية. وحتى اليوم، ما زالت قضية تطبيق القرار 1701 محورًا أساسيًا في النقاش حول الحدود والأمن بين لبنان وإسرائيل.
وهنا تحديدًا تظهر الحجة التي يستند إليها جمهور المقاومة.
إذا كانت القرارات الدولية وحدها قادرة على ضمان أمن لبنان، فلماذا استمرت الخروقات بعد صدورها؟ وإذا كانت التفاهمات وحدها كافية لمنع الحرب، فلماذا عاد التصعيد في كل مرة إلى الجنوب؟
هذه التجربة هي التي جعلت سلاح حزب الله، بالنسبة إلى مؤيديه، يتجاوز كونه سلاحًا عسكريًا. أصبح بالنسبة إليهم جزءًا من معادلة الردع: قوة يرون أنها تمنع إسرائيل من التعامل مع لبنان باعتباره ساحة مفتوحة أمام تفوقها العسكري.
واليوم، تعود المعادلة نفسها بصورة أكثر حدّة. ففي 13 آب 2026 أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان قبل نزع سلاح حزب الله، فيما يرفض الحزب بحث نزع السلاح في ظل استمرار الوجود والاعتداءات الإسرائيلية.
وبعد ذلك بيومين، في 15 آب، قتلت غارة إسرائيلية على بلدة أنصار سبعة أشخاص وأصابت آخرين، في واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ بدء الهدنة الأخيرة
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان الاعتداء الإسرائيلي لم يصبح جزءًا من الماضي، على أي أساس يُطلب من المقاومة أن تتخلى عن وسيلة الردع التي تعتبرها ضرورية لحماية لبنان؟
بالنسبة إلى جمهور حزب الله، لا تكمن القضية في ما إذا كان السلاح سيُسلَّم قبل الانسحاب أو بعده. القضية أن السلاح نفسه ليس بندًا تفاوضيًا.
فهو، في نظرهم، نتاج تجربة بدأت مع الاحتلال، وارتبط بالانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ثم بحرب 2006، وبسنوات من الخروقات والتهديدات التي تلتها. لذلك، فإن اختزاله بعبارة «سلاح غير شرعي يجب نزعه» يعني، بالنسبة إليهم، حذف نصف الحكاية: حكاية لماذا حمله لبنان أصلًا.
قد يختلف اللبنانيون حول دور المقاومة، وحول شكل الدولة واستراتيجيتها الدفاعية، وهذا نقاش سياسي مشروع. لكن أي نقاش جدي يجب أن يبدأ من الوقائع لا من الذاكرة الانتقائية.
فإسرائيل احتلت الجنوب سنوات، وانسحبت عام 2000 بعد عقود من الصراع؛ وُضعت تفاهمات في 1996، ثم اندلعت حروب وخروقات؛ وصدر القرار 1701 عام 2006، ومع ذلك استمرت الخروقات والنزاعات حول تطبيقه.
لهذا، بالنسبة إلى جمهور المقاومة، لا يُنظر إلى السلاح باعتباره عبئًا يجب التخلص منه بمجرد توقيع اتفاق جديد.
إنه بالنسبة إليهم قوة ردع، وذاكرة مقاومة، وضمانة تمنع تكرار تجربة الاحتلال.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: «متى يسلّم حزب الله سلاحه؟»
بل: «ما الذي يضمن للبنان ألّا يعود إلى مرحلة كان فيها الاحتلال هو صاحب الكلمة الأقوى على أرضه؟»
فمن يريد أن يناقش مستقبل السلاح، عليه أولًا أن يقرأ تاريخ الجنوب كاملًا؛ لأن السلاح الذي يراه البعض اليوم مشكلة، يراه آخرون نتيجةً لتاريخ طويل من الاحتلال والاعتداءات، وجزءًا من القوة التي يقولون إنها جعلت لبنان قادرًا على رفع كلفة أي محاولة لفرض الإرادة الإسرائيلية عليه.
وهنا تحديدًا، لا يمكن اختصار القضية بكلمة واحدة: نزع
الواقع برس اخبار محلية وعالمية