أخبار عاجلة

رصد الواقع | ما وراء الحدث ما بعد نتنياهو ليس بالضرورة ما بعد الحرب: إسرائيل بين أزمة الحكم وثبات العقيدة الأمنية الواقع برس | رصد وتحليل

لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية مجرّد استحقاق لتحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل اختبارًا سياسيًّا وأمنيًّا لمنظومة الحكم الإسرائيلية في مرحلة تتداخل فيها تداعيات الحروب مع أزمة القيادة، وتتصادم فيها الحسابات الانتخابية مع رهانات إعادة تثبيت الردع وفرض الوقائع على جبهات المنطقة.

 

في السابع والعشرين من تشرين الأول، تتجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع في ظلّ مشهد إقليمي لم يعد يسمح بفصل السياسة الداخلية عن مسارات المواجهة الخارجية. فالحرب على غزة، والجبهة اللبنانية، والمواجهة مع إيران، والتصعيد في الضفة الغربية، ليست ملفات منفصلة عن المعركة الانتخابية؛ بل عناصر ضاغطة في تحديد شكل الحكومة المقبلة، وهامش حركتها، والخيارات التي قد تلجأ إليها لتثبيت موقعها داخليًّا وإقليميًّا.

 

لكن السؤال الذي يتجاوز نتائج الصناديق هو: هل تستطيع الانتخابات تغيير النهج الإسرائيلي، أم أنها ستحدّد فقط مَن يتولّى إدارة المرحلة المقبلة، وبأيّ أدوات ومستويات من التصعيد؟

 

*أولًا: انتخابات أزمة لا انتخابات حسم*

 

تدخل إسرائيل الاستحقاق الانتخابي في ظلّ انقسام سياسي حادّ، تتنافس فيه قوى اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو وحلفائه مع قوى معارضة تسعى إلى إنهاء هيمنته على الحكم. غير أنّ التحدّي لا يكمن في عدد المقاعد التي سيحصل عليها كلّ معسكر فحسب، بل في قدرة أيّ منهما على تحويل النتائج إلى أغلبية برلمانية تتيح تشكيل حكومة مستقرة.

 

ففي نظام سياسي يقوم على الائتلافات، لا تعني صدارة الانتخابات بالضرورة امتلاك القدرة على الحكم. وقد تفضي النتائج إلى مفاوضات طويلة، أو إلى محاولة تشكيل حكومة وحدة، أو إلى تجدد المأزق السياسي وصولًا إلى احتمال انتخابات جديدة.

 

وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة أساسية: إسرائيل التي تسعى إلى فرض معادلات أمنية على محيطها، قد تجد نفسها عاجزة عن إنتاج معادلة سياسية داخلية مستقرة.

 

من هنا، لا يُقاس نجاح أيّ معسكر بعدد المقاعد وحده، بل بقدرته على بناء تحالف قابل للاستمرار، ومنع الأزمة الداخلية من التحوّل إلى عامل إضافي في إضعاف القرار السياسي.

 

*ثانيًا: سقوط نتنياهو لا يعني سقوط النهج*

 

قد تكون الانتخابات استفتاءً على نتنياهو، وعلى إدارته للحرب والملفات الأمنية، وعلى مسؤوليته السياسية عن الإخفاقات التي سبقت السابع من تشرين الأول وما تلاه. لكنّ اختزال المشهد في مصير شخص واحد قد يحجب حقيقة أكثر أهمية: جزء أساسي من التوجّهات الأمنية الإسرائيلية يتجاوز هوية رئيس الحكومة، ويرتبط بتصوّرات راسخة لدى المؤسسة السياسية والعسكرية.

 

فالسعي إلى إضعاف الخصوم الإقليميين، والاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية، وتوسيع هامش الضغط الميداني، وفرض ترتيبات أمنية تخدم المصالح الإسرائيلية، ليست بالضرورة خيارات حصرية بمعسكر نتنياهو.

 

قد تختلف المعارضة معه في إدارة الحرب، وفي مستوى المخاطرة، وفي العلاقة مع الولايات المتحدة، وفي حدود التفاوض والدبلوماسية؛ لكنّ هذا لا يكفي وحده لإثبات وجود تحوّل جذري في الأهداف الاستراتيجية.

 

وهنا تكمن النقطة المفصلية في قراءة الانتخابات: قد يتغيّر رأس السلطة، فيما تبقى الأسئلة الأمنية نفسها، وتستمرّ محاولة الإجابة عنها بأدوات عسكرية وسياسية مختلفة.

 

لذلك، فإنّ قياس أثر الانتخابات لا ينبغي أن يقتصر على اسم الفائز، بل يجب أن يشمل طبيعة الائتلاف الذي سيحكمه، وموقع المؤسسة العسكرية في صناعة القرار، وحدود قدرته على تحمّل المواجهة، وحجم المساحة التي سيتركها للدبلوماسية.

 

*ثالثًا: لبنان بين الحسابات الانتخابية والوقائع الميدانية*

 

يمثّل لبنان أحد أبرز الملفات التي ستتأثر بطبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، لكنّ الربط بين الانتخابات ومسار الجبهة اللبنانية يحتاج إلى قراءة تتجاوز فرضية أنّ انتهاء الاقتراع سيؤدي تلقائيًّا إلى انفراج أو إلى تصعيد.

 

فالقرار الإسرائيلي في لبنان يرتبط بمجموعة عوامل متداخلة، من بينها الحسابات الأمنية والعسكرية، والضغوط الداخلية، والموقف الأميركي، وشروط أيّ تسوية محتملة، والوقائع التي يحاول كلّ طرف فرضها على الأرض.

 

وقد تدفع الحسابات الانتخابية القيادة الإسرائيلية إلى تأجيل قرارات مكلفة سياسيًّا، أو إلى تجنّب خطوات قد تربك الحملة الانتخابية. لكنّ انتهاء الاستحقاق قد يزيل بعض القيود السياسية، من دون أن يعني ذلك أنّ التصعيد أصبح حتميًّا.

 

وفي المقابل، فإنّ انتقال السلطة إلى معسكر معارض لنتنياهو لا يشكّل بحدّ ذاته ضمانة لتغيير السياسة تجاه لبنان، ما لم تقترن التغييرات السياسية بمراجعة فعلية للأهداف والوسائل وشروط التسوية.

 

وعليه، فإنّ المؤشر الأهم ليس مَن سيتولّى رئاسة الحكومة، بل ما إذا كانت القيادة المقبلة ستختار إدارة المواجهة ضمن سقف مضبوط، أم ستواصل سياسة الضغط العسكري ومحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة.

 

بالنسبة إلى لبنان، تبقى المسألة الأساسية مرتبطة بمآلات الانسحاب، والسيادة، والضمانات، وطبيعة الترتيبات الأمنية المطروحة، لا بمجرد التبدّل في أسماء المسؤولين الإسرائيليين.

 

*رابعًا: إيران وغزة والضفة… جبهات تتقاطع عند صندوق الاقتراع*

 

لا يمكن قراءة الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن الملفات الأخرى التي تشكّل مجتمعةً اختبارًا لقدرة الحكومة المقبلة على إدارة الصراع الإقليمي.

 

إيران: يشكّل الملف الإيراني أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالتوازن بين الحسابات العسكرية والسياسية. فالتلويح بعمل عسكري، أو تأجيله، أو إعادة ترتيب أولوياته، يتأثر بتقديرات الردّ المحتمل، وبالموقف الأميركي، وبكلفة فتح مواجهة واسعة. لذلك، لا تكفي المؤشرات الانتخابية وحدها للجزم بموعد ضربة جديدة أو باستبعادها؛ بل يجب مراقبة القرارات الرسمية والتحركات العسكرية والمواقف الأميركية والإسرائيلية المعلنة.

 

غزة: يبقى مستقبل القطاع مرتبطًا بالتباين حول ترتيبات ما بعد الحرب، وإدارة الحكم، والأمن، ونزع السلاح، وشروط أيّ تسوية. وقد تؤثر نتائج الانتخابات في هامش المناورة السياسية للحكومة، لكنّها لا تلغي التعقيدات الميدانية ولا تحسم تلقائيًّا مستقبل الخطة المطروحة.

 

الضفة الغربية: يشكّل الاستيطان والسيطرة الميدانية ومستقبل السلطة الفلسطينية عناصر أساسية في التنافس السياسي الإسرائيلي. وقد تدفع المنافسة داخل اليمين بعض الأطراف إلى تبنّي مواقف أكثر تشدّدًا، فيما قد تسعى قوى أخرى إلى إدارة الملف بأدوات مختلفة. غير أنّ تحديد اتجاه المرحلة المقبلة يتطلب رصد القرارات الحكومية الفعلية، لا الاكتفاء بخطاب الحملات الانتخابية.

 

وتكشف هذه الجبهات عن ترابط واضح: أيّ تصعيد في إحدى الساحات قد يؤثر في حسابات الساحات الأخرى، وأيّ تغيير في الموقف الأميركي قد يفرض على الحكومة الإسرائيلية إعادة ترتيب أولوياتها.

 

*خامسًا: السعودية والتطبيع… بين الرهان السياسي وشروط التسوية*

 

لا ينفصل مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل عن المشهد الإقليمي الأوسع، ولا سيما الموقف من القضية الفلسطينية، والضمانات الأمنية، وحسابات الولايات المتحدة في المنطقة.

 

فأيّ محاولة لإحياء المسار ستبقى مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات سياسية، وبالشروط التي تضعها الرياض، وبقدرة الحكومة الإسرائيلية المقبلة على التعامل مع هذه الشروط من دون الاصطدام بمكوّنات ائتلافها، ولا سيما القوى الأكثر تشدّدًا.

 

وقد يمنح التغيير الحكومي هامشًا مختلفًا للمفاوضات، لكنه لا يضمن نجاحها. فالتطبيع ليس قرارًا إسرائيليًّا منفردًا، كما أنّ الرغبة الأميركية في دفعه لا تكفي وحدها لتجاوز الخلافات الجوهرية المتعلقة بمستقبل الدولة الفلسطينية.

 

وهنا تظهر إحدى مفارقات السياسة الإسرائيلية: كلّما اتّسعت الفجوة بين متطلبات التفاهمات الإقليمية ومواقف القوى اليمينية المتشدّدة، ازدادت صعوبة الجمع بين الاستقرار السياسي الداخلي والانفتاح الدبلوماسي الخارجي.

 

*سادسًا: ما الذي ينبغي مراقبته بعد الانتخابات؟*

 

لفهم اتجاه المرحلة المقبلة، لا بدّ من الانتقال من متابعة النتائج الانتخابية إلى رصد المؤشرات التي ستكشف طبيعة القرار الإسرائيلي.

 

أول هذه المؤشرات هو شكل الائتلاف الحكومي، ومدى قدرة رئيس الحكومة المقبل على اتخاذ قرارات أمنية من دون الخضوع لابتزاز شركائه السياسيين.

 

وثانيها طبيعة التعيينات في المواقع الأمنية والعسكرية، والخطاب الرسمي بشأن أهداف الحرب وحدود استخدام القوة.

 

وثالثها الموقف الأميركي من الجبهات المفتوحة، ومدى استعداد واشنطن لدعم خيارات التصعيد أو الدفع نحو تسويات.

 

أما المؤشر الرابع، فيتمثل في الوقائع الميدانية على الجبهات اللبنانية والفلسطينية، وفي مدى تطابق التصريحات الإسرائيلية مع القرارات والإجراءات الفعلية.

 

ويأتي أخيرًا مسار المفاوضات الإقليمية، ولا سيما ما يتصل بإيران ولبنان وغزة والتطبيع؛ إذ يمكن لهذه الملفات أن تكشف ما إذا كانت الحكومة الجديدة تتجه إلى إعادة ترتيب الأولويات أم إلى مواصلة النهج السابق بأدوات مختلفة.

 

هذه المؤشرات مجتمعةً أكثر دلالة من الاكتفاء بقراءة الاستطلاعات أو التعامل مع الانتخابات بوصفها لحظة حسم نهائية.

 

*تتغيّر الحكومة… ويبقى اختبار الحرب*

 

لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية، في جوهرها، ضمانةً لتحوّل استراتيجي في سياسات المنطقة. فهي قد تنهي مرحلة سياسية، أو تعيد توزيع النفوذ داخل النظام الإسرائيلي، أو تفتح الباب أمام ائتلاف جديد؛ لكنّها لا تعني تلقائيًّا تبدّل الحسابات الأمنية أو التخلي عن أدوات الضغط العسكري.

 

وفي المقابل، فإنّ استمرار النهج العام لا يعني أنّ هوية الحكومة المقبلة عديمة الأهمية؛ إذ يمكن لتركيبة الائتلاف، وحجم الضغوط الداخلية، والعلاقة مع واشنطن، وتقديرات المؤسسة العسكرية، أن تؤثر في توقيت القرارات وحدّة المواجهة وحدود التسوية.

 

من هنا، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يشغل دول المنطقة ليس فقط مَن سيفوز في الانتخابات، بل كيف ستتعامل القيادة المقبلة مع أزماتها الداخلية، وما إذا كانت ستسعى إلى احتوائها سياسيًّا أم ستجد في التصعيد الخارجي وسيلة لإدارة الضغوط.

 

في قراءة «رصد الواقع»، لا تكمن أهمية الانتخابات في تبدّل الأسماء وحده، بل في اختبار المسافة بين الخطاب الانتخابي والقرار الأمني، وبين وعود التغيير وثبات المصالح الاستراتيجية. فالصناديق قد تحدّد مَن يحكم إسرائيل، لكنّ ما سيحدّد مستقبل المنطقة هو طبيعة القرارات التي ستخرج من الحكومة الجديدة، وما ستفرضه موازين القوى من حدود على خياراتها.

 

*الواقع برس | رصد وتحليل*

 

شاهد أيضاً

📄 قرى شمال الليطاني ، أزمة تتجاوز الدمار إلى تفاصيل الحياة اليومية ✒️ جواد | موقع الواقع برس الإعلامي

📄 قرى شمال الليطاني ، أزمة تتجاوز الدمار إلى تفاصيل الحياة اليومية   ✒️ جواد …