لحظة، قبل أن تصبح إسرائيل وحيدة في العالم

المصدر : يديعوت أحرونوت
المؤلف : نحمان شاي
  • إسرائيل منشغلة بالحرب الكبيرة في الجنوب، وبالصغيرة في الشمال، وبكثير من الأحداث الأمنية في الضفة، بالإضافة إلى سورية والبحر الأحمر. لا ينقصنا شيء على الطاولة. وبصورة خاصة في هذا الوقت الذي ننشغل بالأمور الطارئة، علينا أن ننظر إلى المستقبل ونتذكر أنه من دون دعم دولي، لن نستطيع الدفاع عن أنفسنا وقتاً طويلاً في هذه الجبهات جميعها. وعلى الرغم من آمال بعض اليهود بيننا، فإننا في القرن الـ21، لا نستطيع أن نكون “شعباً يدافع عن نفسه، ولا يفكر في الأغيار”. ولا حتى للحظة واحدة. لن نستطيع البقاء من دون الدعم، ومن دون أن نكون جزءاً من أي معسكر جيو – سياسي من بين المعسكرات التي تتقاسم العالم.
  • وسط صورة الصداقة هذه، والدعم الذي نحصل عليه من الولايات المتحدة، بدأت تظهر إشارات تحذير صارخة. وكان آخر هذه الإنذارات بحثاً أجرته جامعة “هارفارد” وشركة استطلاعات الرأي “هاريس بول”، وجاء فيه أن 51% من الأميركيين من جيل 18-24 يعتقدون أن حل الصراع هو “نهاية إسرائيل وتحويلها إلى ’حماس’ والفلسطينيين”. وهو استطلاع يتماشى مع استطلاعات سابقة طرحت نتائج مشابهة، وأيضاً يتماشى مع التظاهرات الكبيرة التي خرجت في المدن الأميركية والجامعات الكبيرة، وهتف المشاركون فيها “من النهر إلى البحر، فلسطين حرة”، وشهدت أحياناً اعتداءات وإزعاجات للطلاب اليهود. هذه الموجة تستند إلى أساسات لا سامية، لطالما كانت موجودة في الولايات المتحدة. وهي لن تختفي.
  • وفي المقابل، لا يزال الرئيس جو بايدن، حتى الآن، ملتزماً الدفاع عن إسرائيل، والسماح لها بالتعامل مع معركة عسكرية  سياسية – واقتصادية فُرضت عليها. المشكلة أنه يوجد بايدن واحد فقط. الولايات المتحدة لم تعد تصنع سياسيين مثله. وهو محاط بأصوات كثيرة تطالبه بالتحفظ، أو حتى وقف إسرائيل – في البيت الأبيض، وفي الإدارة، وفي الكونغرس، والحزب الديمقراطي، وأيضاً الرأي العام. ممنوع علينا تجاهُل هذه الأصوات، لذلك، فإن المعركة على الجامعات هي معركة مهمة وأساسية، فمنها يخرج جيل المستقبل في الولايات المتحدة، وحتى في العالم. الطلاب الجامعيون اليوم هم قادة الغد. وإن لم تتغير آراؤهم في إسرائيل عموماً، والصراع بشكل خاص، فإننا سنكون أمام جبهة صعبة جداً.
  • الآن، علينا بناء “مشروع أميركا” – خطة استراتيجية بعيدة المدى، تنظر إلى مدى 20 عاماً، وتكون تحت مسؤولية ديوان رئيس الحكومة الذي يدير أصلاً ملف العلاقات الأميركية- الإسرائيلية. على الخطة أن تشمل كل الوزارات الحكومية والسلطات التي تتعامل مع العلاقات بين الدولتين، وأن تستند إلى شراكة مع المجتمع المدني الأميركي، عبر لاعبين مركزيين: الفيدرالية اليهودية في شمال أميركا؛ و”المجلس الإسرائيلي – الأميركي”، وهو الجمعية الأكبر للجالية الإسرائيلية في الولايات المتحدة.
  • وبالشراكة مع الجهتين، يجب تشخيص المهم ونقاط القوة للتأثير في الرأي الدولي. ولتحقيق ذلك، يجب تخصيص ميزانيات كبيرة مختلفة عن ميزانية وزارة الخارجية القليلة. ويجب على “مشروع أميركا” أن يعزز بشكل جدي منظومة الممثلين والمبعوثين الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة، وأن يطوّر خططاً جديدة للتعامل مع الفئات الجديدة وفئة الشباب.
  • وفي هذا السياق، يجب أخذ التغييرات الإثنية والديموغرافية في الولايات المتحدة بعين الاعتبار. وخصوصاً أنها تطور قيماً جديدة، وتشتبك مع المجتمع، وتُراجع نفسها، وتتحفظ عن كل ما يبدو، في نظرها، أنه كولونيالية، وبكل قوتها، تطالب بفرض “التعددية والمساواة والاحتواء”، وهي أمور تحولت إلى قيم حديدية بالنسبة إليها. بهذه الصورة، يمكن للولايات المتحدة أن تتبرأ من إسرائيل، ولا ترى فيها حليفة تستحق المليارات من خزينتها، ولا تمنحها الدعم العسكري والسياسي من دون شرط.
  • على إسرائيل البحث عن الطريق الأمثل للوصول إلى القوى الصاعدة، وأن تقنعها بصدق طريقها، وأن نبتعد عن الوصف الكولونيالي، ونكسر المعادلة التي بحسبها، السود= الفلسطينيين. وعلى “مشروع أميركا” أن يشدد على التاريخ اليهودي الخاص، وعلى طريقتنا للوصول إلى الاعتراف والاستقلال، ومساهمتنا التاريخية في بناء القيم الليبرالية التي يستند إليها الغرب.
  • يجب أن يكون التشديد على الجامعات – المكان الذي تنمو فيه كراهية إسرائيل، وتثمر فيه أموال النفط العربي الذي استثمر فيها على مدار الـ40 عاماً الماضية. وإن لم نصل إلى هناك الآن، فستتحقق الرؤية المرعبة لشعب يقف وحيداً. وكلّ مَن يسخر من هذا الآن، بغباء وجهل، سيفهم معنى كلمة “وحيد”، كما جنوب أفريقيا حتى التسعينيات: عزلة، وضعف، وضغط دولي، وفي النهاية، خضوع.

ماذا حقق أوسـلو للأسرى؟

المؤلف: عبد الناصر فروانة

لقد جاء إعلان المبادئ في “أوسلو” بتاريخ 13/9/1993، ليفتح عهداً جديداً، ويشكّل تحولاً نوعياً في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وظنّت أغلبية الفلسطينيين أن الاتفاقية ستحقق أحلامها. أما الأسرى، فرأوا أن المرحلة الجديدة تقضي بالإفراج عنهم، كاستحقاق آلي لأي تسوية سياسية، وهذا رفع سقف توقعاتهم، وخصوصاً أولئك الذين ينتمون إلى حركة “فتح” وفصائل فلسطينية أيّدت الاتفاق، وهم يشكلون الأغلبية. بحيث لا نكون مبالغين إذا قلنا أنهم باتوا يعتبرون أنفسهم في عداد المحرَّرين، فرفعوا العلم الفلسطيني رغم قيدهم، وأقاموا الحفلات اليومية بين جدران سجونهم، فرحاً وابتهاجاً، بانتظار اليوم الموعود للحرية. بينما عبّر الأسرى الآخرون، الذين ينتمون إلى الفصائل المعارِضة للاتفاق، عن رفضهم لِما تم توقيعه، وبأشكال متعددة.

كنت هناك أسيراً في القسم (د) مردوان 3، داخل معتقل النقب في عمق الصحراء، جنوب فلسطين المحتلة، أو كما يسمونه بالعبرية معتقل “كيتسعوت”. الآن، وبعد ثلاثين عاماً، أستذكر تلك الأيام بما شهدت، وأستحضر أمامي صور إخواني المناضلين ورفاق الدرب وزملاء القيد الذين سارعوا إلى لملمة أغراضهم الشخصية، ووزعوا ما تبقى من أمتعتهم الخاصة، وأتلفوا أملاكهم الثقافية وكراريسهم النضالية، وأحرقوا وثائقهم التنظيمية والأمنية، استعداداً لليوم القريب.

أعقبت ذلك حالة من الترقب والانتظار، رافقها الكثير من مظاهر الترهل والفوضى، الأمر الذي أرخى بظلاله على كافة مناحي الحياة الاعتقالية، وأثّر سلباً في وحدة الحركة الوطنية الأسيرة وقيَمها الثورية، وطبيعة العلاقة بالسجّان الإسرائيلي.

مرت الأيام بطيئة كسلحفاة تصعد إلى جبل، من دون تحقيق ما كان الأسرى يتطلعون إليه، ويتوقعون حدوثه، وكاد اليأس يسيطر عليهم بعد تسرُّب الإحباط إلى نفوسهم، لولا أن شيئاً من هذا تحقق بالفعل، بعد بضعة أشهر، على الرغم من خيبة الأمل، حين انطلقت أوسع عملية إفراج جماعية في الثلث الأول من سنة 1994، وأفرجت الحكومة الإسرائيلية، كبادرة حُسن نية إسرائيلية، وعلى دفعات متتالية، عن نحو 2000 معتقل فلسطيني، جميعهم من الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد أوشكت مدة محكومياتهم على الانتهاء. ثم توالت الإفراجات بموجب الاتفاقيات اللاحقة التي لا يمكن فصلها عن “أوسلو”، وهي: اتفاقية القاهرة (غزة/أريحا) الموقّعة بتاريخ 4/5/1994؛ اتفاقية طابا (أوسلو2) الموقّعة في واشنطن بتاريخ 28/9/1995؛ مذكرة “واي ريفر” الموقّعة في واشنطن بتاريخ 23/10/1998؛[1] اتفاقية شرم الشيخ في 4/9/1999.[2] ويقدَّر عدد المفرَج عنهم بأكثر من 10.000 أسير، إلى أن وصلت المفاوضات إلى جدار مسدود، حين تنصّلت الحكومة الإسرائيلية من التفاهمات ونكثت وعودها، وأمعنت في خرق الاتفاقيات، واستمرت في بناء المستوطنات وانتهاك حرمة المقدسات، فاشتعلت انتفاضة الأقصى في 28/9/2000، وبقي في السجون الإسرائيلية ما يقارب الـ 1250 أسيراً من أصل 12500، هم مجموع المعتقلين حين تم توقيع إعلان المبادئ في أوسلو، بحسب وكالة الأنباء الرسمية (وفا).

وبهدف وأد انتفاضة الأقصى وقمع الشعب المنتفض، عادت سلطات الاحتلال وشنّت حملات اعتقال جماعية، وهو ما دفعها إلى بناء سجنيْ ريمون وجلبوع، وتوسيع سجون أُخرى، وإعادة افتتاح معتقلات كبيرة كانت أُغلقت عقب توقيع اتفاق أوسلو، كالنقب وعوفر، بهدف استيعاب الأعداد الضخمة من المعتقلين الفلسطينيين.

وبعد مرور سنوات قليلة على اندلاع الانتفاضة، لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى إطلاق سراح عدة دفعات من المعتقلين، بلغ مجموعهم نحو 2000 معتقل فلسطيني، لمعالجة الاكتظاظ داخل السجون من ناحية، وترجمةً لتفاهمات قمة شرم الشيخ في سنة 2005،[3] من ناحية أُخرى، وتحت مسميات بوادر حُسن نية، في محاولة إسرائيلية للتنصل من الاستحقاق السياسي.[4]

ومع استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، في أواخر تموز/يوليو 2013، تبقّى في السجون الإسرائيلية 104 أسرى معتقلين منذ ما قبل أوسلو، ولم تنجح صفقة شاليط (2011) في إدراج أسمائهم ضمن قوائم المحرَّرين، فاتفق الطرفان المتفاوضان، الفلسطيني والإسرائيلي، برعاية أميركية، على إطلاق سراحهم على أربع دفعات. التزمت إسرائيل بإطلاق سراح الدفعات الثلاث الأولى. ولا يزال الفلسطينيون حتى كتابة هذه السطور ينتظرون إطلاق سراح الدفعة الرابعة التي كان من المفترض تنفيذه بتاريخ 29/3/2014، وهو ما دفع المفاوض الفلسطيني إلى وقف المفاوضات احتجاجاً؛ فبقوا مقيّدين في السجون، إلى أن أمضى بعضهم مدة محكوميته كاملة، والتي تجاوزت الثلاثين عاماً، من أمثال: كريم وماهر يونس اللذان أُفرج عنهما في كانون الثاني/يناير 2023، بعد أن أمضى كلٌّ منهما مدة محكوميته كاملة، والبالغة 40 عاماً، ورشدي أبو مخ وبشير الخطيب، بعد أن أمضى كلٌّ منهما مدة محكوميته البالغة 35 عاماً، وغيرهم. أما الأسير فارس بارود، المحكوم بالسجن المؤبد (مدى الحياة)، فلم يشأ القدر أن يبقيه حياً لينتظر لحظة الإفراج، فاستشهد داخل سجنه في سنة 2019 نتيجة الإهمال الطبي، وما زال جثمانه ينتظر مَن يحرّره، بعد أن احتجزته إسرائيل إلى جانب مئات الجثامين الأُخرى المحتجزة في سجون الأموات، وما يُعرف بمقابر الأرقام وثلاجات الموتى.

بينما لا يزال 22 أسيراً، من أسرى ما قبل أوسلو، قابعين في سجون الاحتلال؛ أقدمُهم الأسير محمد الطوس المعتقل منذ 38 عاماً. وما بين فشل المفاوضات في الإفراج عنهم عبر القنوات السياسية، وعجز المقاومة عن كسر قيدهم وإغلاق ملفهم في إطار صفقة التبادل، أضحت حريتهم اختباراً جاداً للمفاوض والمقاوم، على حد سواء. بينما تبقى الكلمة العليا للمقاومة، في ظل انعدام الأفق السياسي وانسداد المسارات التفاوضية.

إن بقاء هؤلاء في السجن ومكوث غيرهم أعواماً طويلة خلف القضبان، هما نتاج طبيعي لِما اعترى أوسلو والاتفاقيات اللاحقة من أخطاء وثغرات، إذ لم تتطرق اتفاقية أوسلو إلى قضية الأسرى في بنودها ونصوصها. لقد تعاملت الحكومة الإسرائيلية مع قضية الإفراج عن الأسرى من منطلقات ما يُسمى (مبادرات حُسن النية) ووفق مقاييس إسرائيل الداخلية.[5]

أما النصوص القليلة التي وردت في بعض الاتفاقيات اللاحقة، فكانت فضفاضة وغير واضحة، ومتناقضة أحياناً، فعلى سبيل المثال لا الحصر، جاءت على ذِكر الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، من دون التطرق إلى أسرى القدس والـ 48، أو الإشارة إلى الأسرى العرب الذين اعتُقلوا على خلفية الصراع، ولهذا كله أبعاد سياسية. ومع ذلك، أُفرج عن العشرات من هؤلاء في مناسبات عديدة. لكن ثالثة الأثافي كانت ذلك المصطلح الذي استحدثته إسرائيل في اختيار مَن يجب إطلاق سراحه، وأقصد مصطلح “الأيادي الملطخة بالدماء”، إذ اعتبرت كل يد قتلت يهودياً، أو اشتركت في قتله، يداً ملطخة بالدماء، وبالتالي، هي لا تستحق الخروج من السجن بموجب أي اتفاقية.

لقد جزّأت إسرائيل قضيتهم الواحدة إلى أجزاء متعددة، وصنّفت الأسرى إلى فئات مختلفة، وفرضت العديد من المعايير والشروط لدى اختيار المنوي الإفراج عنهم، ما بين أسرى منظمة التحرير الفلسطينية وأسرى الحركات الإسلامية، وما بين مؤيد ومعارض، وبحسب المناطق الجغرافية، ما بين أسرى الضفة والقطاع، وأسرى القدس و الـ 48، وهكذا. الأمر الذي مزّق وحدتهم وأضعفَ قوتهم.

إن عدم وجود نصوص واضحة تقضي بالإفراج عن كافة الأسرى، من دون تمييز، وفق آليات محددة وجدول زمني مُلزم بضمانات دولية، ترك الباب مشرّعاً أمام إسرائيل، للتهرب من الاستحقاقات الطبيعية لأي عملية سلمية، وفي مقدمتها إطلاق سراح الأسرى، وهو ما شجعها على التنصل من مفهوم النصوص، ومن التزاماتها بهذا الصدد، ودفعها إلى التعامل مع قضية الأسرى، باعتبارها محكومة بحُسن نياتها فقط.

إن هذه الطريقة والآليات الإسرائيلية المجحفة في التعامل مع الأسرى، بعد أوسلو، هي التي أقامت الدليل لدى الكثيرين من الأسرى على أن المسار السياسي لن يُخرجهم جميعاً في نهاية المطاف، فوضعُ المعايير وتشكيل اللجان للبحث واختيار الأسماء، يعني أن هناك مَن لا تنطبق عليه المعايير، وهو ما دفعهم، ويدفعهم دوماً، إلى مطالبة الفصائل بالبحث عن بدائل، وهذا ما حفّز بعض الفلسطينيين على اللجوء إلى خيار القوة لتحرير الأسرى، وما صفقة شاليط ببعيدة.

وفي السياق ذاته، فإن الاتفاقيات لم تُلزم إسرائيل بعدم القيام باعتقالات أُخرى، ولم تنجح في منعها من تنفيذ حملات اعتقال واسعة، فاستمرت الاعتقالات من دون توقُّف، إذ رصدت هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين (مؤسسة رسمية) عدد حالات الاعتقال منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى أيلول/سبتمبر 2022، والتي بلغت 135.000 حالة اعتقال، بينها نحو 20.000 طفل، و2500 سيدة وفتاة فلسطينية. بالإضافة إلى اعتقال نصف أعضاء المجلس التشريعي (البرلمان الفلسطيني) في دورته الأخيرة، وعدد من الوزراء، والمئات من الأكاديميين والصحافيين والعاملين في منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية.[6] ولا تزال إسرائيل تحتجز في سجونها نحو 5000 أسير فلسطيني، بينهم أكثر من 450 أسيراً مضى على اعتقالهم 20 عاماً وما يزيد.

بينما التحق بقائمة شهداء الحركة الوطنية الأسيرة، منذ توقيع اتفاقية أوسلو، نحو 123 شهيداً، نتيجة التعذيب والقتل المتعمد والإهمال الطبي، كان آخرهم الأسير خضر عدنان. هذا بالإضافة إلى آخرين كثُر ارتقوا شهداء بعد خروجهم من السجن، متأثرين بما أصابهم من أمراض خلال فترة سجنهم.

ختاماً، يمكنني القول، وبموضوعية، إن “أوسلو” وملحقاته لم يكن منصفاً للأسرى، سياسياً وقانونياً، ولم يرتقِ إلى مستوى توقعاتهم وتطلعاتهم، غير أنه لم يكن مجحفاً إلى درجة كارثية، في ظل غياب صفقات التبادل خلال تلك الحقبة، وشمول الإفراجات، في إطار المسار السياسي، أسرى قدامى وممن مضى على اعتقالهم سنوات طويلة، كما شملت المئات من ذوي الأحكام العالية، وممن كانوا يمضون أحكاماً بالسجن المؤبد (مدى الحياة)، وأفرجت أيضاً عن العشرات من أسرى القدس و الـ 48 وأسرى الدوريات والأسرى العرب. هذا بالإضافة إلى أنها شملت أسرى ينتمون إلى فصائل فلسطينية عارضت اتفاق أوسلو، وتنضوي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، إلا إن الاتفاقيات فشلت في إطلاق سراح كافة الأسرى، بسبب غياب أو ضعف النصوص بهذا الخصوص، وغياب الضمانات الدولية الكفيلة بإلزام إسرائيل.

وأنا هنا لست مجاملاً أو مدافعاً عن أوسلو، كما لم أكن مؤيداً للاتفاق في حينه؛ ولم يُفرَج عني من سجون الاحتلال بموجب الاتفاقيات الموقّعة. وأعتبر أنه من الخطأ الفادح ترك حرية الأسرى لحُسن النية الإسرائيلية، وأن أي اتفاق سياسي لا يتضمن الإفراج عن كافة الأسرى، هو باطل. فمع حرية الأسرى، نقرأ فجر حرية الوطن. وما زلت أرى أن إسرائيل، حاضراً ومستقبلاً، لا يمكن أن تفرج عن أسير واحد، ولا سيما ممن أوجعها فعلهم المقاوم، من دون ضغط مؤثر أو قوة تؤلم. لكنني أؤمن بأهمية المزاوجة ما بين الفعل المقاوم والعمل السياسي، من دون التقليل من شأن أحدهما، وما حققه أيّ منهما، مع إعطاء أهمية أيضاً للنضال الحقوقي والقانوني. ولنا في ذلك كله أمثلة عديدة.

“الحقيقة تحكي”.. كيف يبيع الاحتلال الوهم للفلسطينيين؟

المؤلف: مؤيد طنينة

لا يتوقف حلم المشروع الاستعماري في فلسطين عن الرغبة الجامحة في إبادة الفلسطينيين، وإن عجز عن ذلك، فلا أقل من تخريب هويتهم وتدمير معنى وجودهم. وقد تكون وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات الجديدة لدى دولة الاحتلال لتنفيذ ذلك، أو بالحد الأدنى لصناعة فلسطيني جديد “محب للسلام”،، ومُباد سياسياً، في ظل العجز عن إبادته كلياً.

تشير التقارير إلى أن دولة الاحتلال خصصت بعد حدث العبور الكبير في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الفائت أكثر من 13 مليون دولار، لتقديم روايتها لمجتمعات “العالم الأبيض” لزيادة الشرعية واستجلاب الدعم لمزيد من القتل، وتبني سردية الحرب ضد “البربرية”، في تكثيف لعملها السابق على وسائل التواصل الاجتماعي وتركيز عليه، إذ تولي دولة الاحتلال اهتماماً من أعلى المستويات لوسائل التواصل الاجتماعي، وتعي تأثيرها ودورها في تعزيز السردية الصهيونية، ولذا عمد قادة الاحتلال منذ الأيام الأولى للحرب إلى عقد لقاءات مع إعلاميين ومؤثرين لتعزيز روايتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشرت أخبار عن محاولات “شراء ذمم” بعض الناشطين على مستوى العالم.

الأدوات والطرائق بين المباشرة والإقناع

منذ عام 2011 ظهرت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على فيسبوك، والتي تديرها وحدة تابعة لوزارة خارجية الاحتلال، ثم انتشرت صفحة باسم “المنسق” عام 2015، ويديرها فريق منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة. وبدأت هذه الصفحات تهتم بمخاطبة الفلسطينيين بلغتهم، والإجابة على استفساراتهم. ويندرج هذا السلوك الجديد ضمن مساعي الاحتلال لإيجاد مساحات يقدم من خلالها صورته كمشروع لتطوير الشرق الأوسط والعرب، وإظهاره بأنه يحارب “الإرهاب”، ويرغب في نشر “السلام والمحبة بين الشعوب”.

بعد هبّة القدس عام 2015، وما رافقها من تدوينات على منصات التواصل تدعم المقاومة وتحتضن الفاعلين فيها، أنشأ جهاز مخابرات الاحتلال “الشاباك”، في الفترة 2016- 2018، عدة صفحات أُخرى حملت أسماء وعناوين عربية لمخاطبة المواطنين الفلسطينيين، مثل صفحات “الكابتن” التي يديرها ضباط المخابرات في كل منطقة. ثم تتابعت الصفحات ووظائفها وصار الحديث عن جهات متخصصة تديرها وتتابعها وتعنى ببث المحتوى فيها، بالإضافة إلى فرق ترصد المحتوى الفلسطيني وتتابعه وتضيّق عليه الفضاءات الرقمية.

وهي سياسة استعمارية مرعبة كثفها الاحتلال مع حرب الإبادة التي يشنها على قطاع غزة، وسعيه لتهجير الفلسطينين نحو سيناء عبر الدفع بالمواطنين إلى النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه. وكي يحقق مساعيه بكل الطرق المتاحة، نشط في بث المحتوى على هذه الصفحات التي تديرها أجهزته الأمنية، ثم أنشأ عدة صفحات جديدة على مواقع فيسبوك تخدم وتساعد جهوده المتوحشة على الأرض، ومنها صفحة “إنقاذ أهل شمال غزة”.

ومن خلال رصدي ومتابعتي لهذه الصفحة يمكنني القول بأنها حرصت على استخدام النصوص الدينية لاستمالة مشاعر الفلسطينيين وطمأنتهم بأن المتحدث “ناصح يريد الخير” لكم. وكان واضحاً أن الرسالة والهدف المباشر لهذه الصفحة، يتمثلان في تمرير مسعى الاحتلال الرامي إلى إفراغ شمال غزة من السكان.

ولذا نجد الصفحة تركز على فكرة أن الفلسطيني في غزة وحيد، ولا نصير له، بعد تخلي حركة “حماس” عنه، وذلك بهدف قتل معنويات الناس ودفعهم إلى الهجرة والنزوح مع شعورهم بالخذلان.

وهذا الأسلوب لم يكن موجهاً إلى غزة وحدها فحسب، بل ظهرت أيضاً صفحة تحمل اسم “هاجروا الآن” بتاريخ 18 تشرين الثاني/نوفمبر، تخاطب سكان الضفة الغربية بخطاب التهجير، ومما نشرته: “إلى العرب في يهودا وسامرة، هاجروا من أراضي الجدود إلى الأردن قبل فوات الأوان”، وقد سبق أن وزع هذا الموقع منشورات على بعض القرى انطوت على المضمون ذاته، واللافت هنا استحضار تعبير “أراضي الجدود” إعمالاً بالمبدأ الميكيافيلي الأمني، الذي يخاطب الفلسطيني كما يحب أن يُخاطب لتمرير الرسائل الهادفة لتحقيق غاية التهجير.

ومن خلال متابعتي للصفحة ولما نشرته، وبعد افتضاحها من خلال حديثها عن مخططات الاحتلال، حُذفت هذه الصفحة بعد يومين من إطلاقها، إذ انتهى دورها ورسالتها التي أراد الاحتلال إيصالها إلى الفلسطينيين في الضفة، كما أن الاحتلال لا يريد تداول تقارير تتهمه بإدارة مثل هذه الصفحات، لذا آثر حذفها وإنهاء الفكرة “الإلكترونية”، وتولى العمل على تحقيقها على الأرض.

التهديد والوعيد وهندسة الانفعال

يستخدم الاحتلال “الهندسة الانفعالية” كما يسميها الباحث المقدسي بلال سلامة، إذ يعرض الاحتلال من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، “عقوبة” الفعل المقاوم: وهي التدمير والقتل والهدم، وكذلك مكافأة “الهدوء” بحسب السردية الاستعمارية. وبهذا يكون الانفعال الشعبي مُهندساً مسبقاً، إذ نلاحظ ظاهرة منتشرة بكثرة في الخطاب الاستعماري تقوم على فكرة تقسيم المناطق إلى: خضراء وحمراء، فالمناطق الخضراء تعني الازدهار والتطور، دلالة على الهدوء، أي في حالة اللاعنف/اللامقاومة، أمّا المناطق الحمراء، فتشير إلى الخطر الدائم والترقب والحذر، دلالة على حالة مقاومة، وبهذا تصبح انفعالات المجتمع مهندسة سلفاً.

في 26 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حاصرت قوات الاحتلال مخيم جنين، واعتقلت الشاب أسامة بني فضل، 20 عاماً، بتهمة تنفيذ عملية قُتل فيها مستوطنان اثنان في حوارة (آب/أغسطس 2023)، فنشرت حينها صفحة “الحقيقة تحكي” على فيسبوك، بلغة عربية ركيكة ما يلي: “إلى أهالي الضفة الغربية، هل اعتقدتم أن أسامة بني فضل المخرب من العملية في حوارة، يمكنه أن يختبىء من قوات الأمن الإسرائيلية؟ حقاً إنكم مخطئون”، إلى جانب عبارات التهديد واستعراض القوة وسادية الخطاب وغربة اللغة: “دولة إسرائيل ستصل إلى أي مخرب يختار الاختباء كالأرنب في أي مكان وفي أي وقت”، مرفقة بصورة لأسامة يحمل فيها قفص السجن، ومكتوب عليه هذا بيتي الجديد.

أراد جيش الاحتلال من خلال الإصرار على نشر أخبار إلقاء القبض على الشاب بني فضل استعراض قوته الاستخباراتية والعسكرية، والتذكير بمصير الفعل المقاوم. وهو ما لم ينجح به الاحتلال حتى الآن، لا ميدانياً ولا من خلال رسائله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما يبدو. فبينما تُكتب هذه السطور لا تنقطع الأخبار عن الاشتباكات مع قوات الاحتلال مع كل اقتحام لجنين ومخيمها.

في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، بعد عملية “الأنفاق” في بيت لحم، التي نفذها ثلاثة شهداء من الخليل (نصر الله وعبد القادر القواسمة وحسن قفيشة)، ظهرت على فيسبوك صفحة “طريق السلامة” وغردت بمنشور تقول فيه: “أطلقنا هذه الصفحة حتى تتكلم الحقيقة عن كل الأحداث الأخيرة. انضموا إلينا لسماع كل الحقيقة حول النشاط في الضفة الغربية”. هذه المباشرة في استخدام المصطلح العملياتي “نشاط”، المرتبط في المخيلة الإعلامية والشعبية الفلسطينية بعمليات الاقتحامات والاعتقالات التي ينفذها الاحتلال، تهدف بذكاء إلى استقطاب الجمهور وشده بهدف استيعابه وتقديم الرسالة السريعة المصممة مبسقاً له، وهو ما كان من خلال فيديو حمل رسالة “تحذيرية” إلى أهالي الضفة جاء فيها: “إن دولة إسرائيل ستضرب بيد من حديد وستعمل كل ما في وسعها لإفشال التخريب الموجه ضدها والذي يمس أمن مواطنيها”.

أمّا الصورة الشخصية للصفحة، فهي لشخص يقف أمام مفترق طرق، على يمينه طريق خضراء ربيعية، وعلى يساره أرض قاحلة خريفية، تجسيداً للفكرة الاستعمارية “العصا والجزرة”، ولتعزيز فكرة المنطقة الحمراء والمنطقة الخضراء.

“حياتنا أهم”، صفحة على فيسبوك، أُنشئت في شباط/ فبراير هذا العام، تخاطب العمال الذين يعملون في الداخل المحتل، من خلال منشورات تطالبهم بالابتعاد عن “الحركة من غزة”، مقايضة بتصريح العبور إلى مناطق 1948.

توجه الصفحة في إحدى التدوينات رسالة تحذيرية إلى أهالي الضفة تقول: “تأييدكم للحركة من غزة ما هو إلاّ إلقاء حجارة في البئر اللي بتشربوا منه..”. وقد أُرفق المنشور بصورة لمقر المقاطعة في رام الله، يعتليه شخصان يلقي أحدهما الآخر من أعلى المبنى بما يرمز إلى صورة مشابهة لأحداث الانقسام (2006 – 2007).

لا يتخفى الاحتلال في هذا المنشور، إذ يمكننا الشعور بحضوره ووقوفه مباشرة خلف هذه الصفحة وهذا المنشور، فهو يقول: “إن الحركة ضدنا لحالنا”، كأنه يوجه خطابه إلى عناصر من حركة “فتح”، لزيادة الفرقة بين أطياف المجتمع الفلسطيني.

وثمة صورة وشكل آخر لبرمجة العقول ومحاولات خلق فلسطينيين جدد منزوعي الإرادة السياسية، تقدمه صفحة “تكونش موسى” على فيسبوك، فهي تستعرض فيديوهات “إنمي”، تتضمن شخصية “موسى” الرئيسية، وحتى الاسم هنا في المخيلة الدينية العربية الإسلامية فيه إحالة ما. ويعلق على الفيديوهات على هذه الصفحة شخص يقول في أحد الفيديوهات، أن الشاب “موسى” اشترى له والده سيارة لكنه قام بزرع عبوة في الشارع، ما أدى إلى خراب الشارع، فغضب منه والده وجيرانه، ويختم الفيديو بعبارة: “تكونش موسى”.

وفي ذات الإطار قامت صفحة “International Providence SRL” على فيسبوك بمخاطبة الفلسطينيين في غزة بما يلي: “اكسب الكثير من المال مقابل معلومات موثوقة عن الرهائن في غزة. سلامتك مهمة. اتصالك سرّي. تواصل معنا”. مرفق فيديو يستعرض صور لبعض أسرى الاحتلال، وذلك بهدف السعي للوصول إلى أي معلومة تساعدهم في تحرير أسراهم من غزة.

الأمر نفسه تقوم به صفحة “فيدنا لمستقبل مشترك” على فيسبوك، وتعرّف عن نفسها بأنها: “صفحة لمشاركة المعلومات والأخبار لبناء مستقبل مشترك لكل من يريد العيش بسلام ومحبة على هذه الأرض”. أمّا الصور الشخصية والغلاف فهي لشخص يتحدث على الهاتف في الظل، في إشارة واضحة إلى العمالة – الجوسسة مع العدو. وكل محتويات الصفحة تحاول خلق فلسطيني “متعاون” مع عدوه لكن تحت مصطلحات مقبولة وغير مباشرة.

ولم تقف الجهود الاستعمارية عند هذا الحد، بل ذهبت إلى تطبيق واتساب، في محاولة أيضاً لإكمال المخطط والهدف المرجو، إذ قام جيش الاحتلال بتاريخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، باختراق سيبراني لمجموعة واتساب لمختبرات ميديكير الطبية في رام الله، وقام بإرسال رسائل تهديدية إلى المرضى تضمنت: “أنت لست مصاباً ولكن جيش الدفاع الإسرائيلي على وشك تفجيرك”.

وهناك روايات كثيرة عن اختراق مجموعات على واتساب، وقيام ضباط المخابرات بإرسال رسائل جماعية للمتابعين ومخاطبتهم وتهديدهم بالتصاريح والعمل، كما حدث في غروب واتساب اسمه: “بيت عوا بلدنا”، ما يجعل الأمر مفهوماً بوضوح أن المخابرات وضباطها وموظفيها المتخصصين هم من يدير مثل هذه الحركات والتصرفات التي يمكن وصفها بـ “الصبيانية”.

المباشرة في تحقيق الردع بالندية

أنشأ ضباط المخابرات، وينشئون، صفحات على منصات التواصل، وخصوصاً فيسبوك، للتواصل مع أهالي المناطق المحتلة المكلفين إدارتها أمنياً، في تجاوز وخرق واضح لاتفاقية أوسلو والتنسيق الأمني. وهو عمل لا ينفصل إطلاقاً عن دور الصفحات التي تخاطب الفلسطيني بمضامين وأساليب متنوعة، وإن اختلفت المسميات والجهات التي تديرها وتقف خلفها (جيش- مخابرات- مستعمرون)، فالهدف في النهاية واضح وأدوارهم متكاملة.

من خلال هذه الصفحات يحاول الضباط الظهور بشخصية العارف بتفاصيل الشخصيات والأمور، والناصح للفلسطينيين، والحريص على سلامتهم، ولذا يقومون بتحذيرهم من الاقتراب من أشخاص معينين. فمثلاً ثمة منشور على صفحة “كابتن عيد – مخيم الفوار” يتضمن تحذيراً من التعامل مع أحد الأشخاص بحجة أنه قيادي في “حماس”، ويحذرهم من أن التعامل معه سينتهي باعتقالكم.

أمّا، أبو جميل – مسؤول منطقة الريف الشرقي بيت لحم، فقد نشر على صفحته “طلاب جامعة أبو ديس” منشوراً عن مداهمة الجامعة ومصادرة مقتنيات وأوراق للطلبة بحجة أنها للكتلة التابعة لـ “الحركة التخريبية من غزة”، بحسب وصفهم. ثم يوجه نصيحة إلى الطلاب فيقول لهم: “بتوجه لكل الطلاب، لمصلحتكم الشخصية وعلشان مستقبلكم، ابعدوا عن نشاط الكتلة لأنه الثمن راح يكون غالي. كابتن أبو جميل، مسؤول جامعة أبو ديس”.

وهذه الظاهرة التي يديرها ضباط المخابرات أصبحت حالة عامة ومشهورة في فيسبوك، إذ تقوم صفحات متعددة لهؤلاء الضباط بنشر منشورات تتعلق بالتهديد والوعيد، وإعلان إلقاء القبض على أشخاص معينين بداعي التحدي، وكل ذلك لضبط المجتمع وتقييد حركة تفاعله مع قضاياه الاجتماعية والإنسانية والوطنية، من خلال الضغط والتهديد بالسجن وإيقاف التصاريح والملاحقة وتعطيل الحياة لهؤلاء المستهدفين والناشطين الذين لا يخضعون لمثل هذه التهديدات المبطنة بغلاف النصيحة.

ختاماً، من الواضح أن الاحتلال يرغب من خلال أدواته الإلكترونية الرقمية، في استغلال واحتلال الفضاءات العامة الافتراضية كالسوشال ميديا، ليكرس نهجه الأمني الاستخباراتي القائم على إنتاج حواجز ردع نفسية تساهم في ضبط الفلسطينيين، وقهرهم، وإصابتهم بالعجز، وإشعارهم بالمراقبة، وأن الاحتلال يتابع كل شيء، وأن الفلسطيني لا يستطيع أن يخطو أي خطوة من دون مراقبة الاحتلال التي تلاحقه حتى على غروبات واتساب وفيسبوك.

ومن الواضح أن سياسة الاحتلال هذه، بكل وتنوعها، يتم التعامل معها فلسطينياً باعتبارها حركات “صبيانية” لا معنى لها. ولذا يتندر الفلسطينيون على هذه الصفحات ويتعاملون معها بمنطق الجدي/الساخر أو بمعنى شعبي “مصدقك يا كذّاب”، أي أننا نعرف أنكم كَذَبَة، لكن علينا أن نظهر بطريقه توحي بأننا نصدق مثل هذا المحتوى الفارغ. ولأجل ذلك تفشل كل هذه الصفحات في خلق حالة حقيقية، ولأجل ذلك أيضاً يختفي بعضها، ويُعاد دائماً إنتاج صفحات أُخرى على أمل أن تخلّف أثراً مرجواً يساهم في خداع الفلسطيني وسلب وعيه وتمرير الرسائل المطلوبة.

هل يمكن أن تعود السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة؟

المؤلف: ماهر الشريف

بات هذا السؤال محط اهتمام الدوائر السياسية الإقليمية والدولية التي تجتهد في الإجابة عنه، إذ أكد الزعماء العرب المشاركون في منتدى الدوحة السنوي، الذي اختتم أعماله في 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري، لدى توقفهم عند الحلول المطروحة لمرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أنه “لن ترسل أي دولة عربية قوات مسلحة لتحقيق استقرار الأوضاع بمجرد توقف الأعمال العدائية”، وأنه “لن يوافق أحد في المنطقة على إرسال قوات إلى الميدان” لتجد نفسها أمام الدبابات الإسرائيلية. وفي حين طرحت ألمانيا فكرة “إدارة هيئة الأمم المتحدة قطاع غزة بمجرد انتهاء الحرب”، أشار جوزيب بوريل، رئيس الدبلوماسية الأوروبية، إلى أن إسرائيل “لن تكون قادرة على البقاء في غزة وسيتعين على السلطة الفلسطينية العودة إلى هناك”.

الإدارة الأميركية: عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم غزة بعد “تجديدها”

تتبنى إدارة الرئيس جو بايدن، بشروط، خيار عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة وتوحيد الضفة الغربية والقطاع، إذ اعتبر وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، في كلمة ألقاها أمام اللجنة المالية في مجلس الشيوخ في 31 تشرين الأول/أكتوبر الفائت، أن رهان الإدارة الأميركية هو أن تقوم “سلطة فلسطينية فعالة ومتجددة بتولي الحكم وتتحمّل، في نهاية المطاف، المسؤولية الأمنية في غزة”. وخلال لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، في 5 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، عبّر أنتوني بلينكن “عن رغبته في رؤية الهيكل الحكومي الذي ولد من اتفاقات أوسلو يستعيد السيطرة على غزة بمجرد انتهاء العمليات العسكرية”. بينما أكد الرئيس جو بايدن نفسه، في مقال نُشر في صحيفة “واشنطن بوست” في 18 من شهر تشرين الثاني نفسه، أنه “يجب جمع غزة والضفة الغربية معاً تحت هيكل حكم واحد تقوده، في نهاية المطاف، سلطة فلسطينية متجددة”، تعمل على التوصّل إلى اتفاق مع حكومة إسرائيلية يفضي، كما تُعلن هذه الإدارة، إلى إحياء “حل الدولتين”. ويبني المسؤولون الأميركيون آمالهم على إمكانية “استدعاء الجنود وضباط الشرطة الذين خدموا في قوات الأمن الفلسطينية في قطاع غزة قبل استيلاء “حماس” على السلطة فيه في سنة 2007، وإعادتهم إلى الخدمة الفعلية”، وخصوصاً أن هؤلاء الجنود والضباط ما زالوا يتلقون رواتب من السلطة الفلسطينية. ويبدو أن هذا الخيار لوّح به مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان خلال لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مدينة رام الله، في 15 كانون الأول/ديسمبر الجاري، إذ ذكر جون كيربي المتحدث باسم مجلس الامن القومي أنهما “ناقشا الشكل الذي يجب أن تبدو عليه غزة بعد الحرب وكيف ستتم إدارتها وسبل تحديث السلطة الفلسطينية وتجديدها حتى تتمكن من تحمل المسؤولية عن مستقبل الشعب الفلسطيني”. وأشار مسؤولون أميركيون كبار، من جهة أخرى، إلى أن إدارة بايدن تريد “إجراء إصلاحات واسعة النطاق في السلطة الفلسطينية، لا سيما من خلال ضخ دماء جديدة” في المؤسسة السياسية، و”إدخال أشخاص جدد أصغر سناً يتمتعون بمهارات إدارية إلى دوائر صنع القرار، ويمكنهم الفوز بدعم الرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً، وبثقة المجتمع الدولي”، كما يمكنهم الحصول على “مساعدة دول الخليج اقتصادياً.

بنيامين نتنياهو: لا “حماستان” ولا “فتحاستان” في غزة

خلافاً لهذا الموقف الأميركي، يرفض بنيامين نتنياهو وحكومة حربه، رفضاً قاطعاً، عودة السلطة الفلسطينية لاستلام الحكم في قطاع غزة، إذ أكد، في مناسبات عديدة، أن إسرائيل “ستكون لها اليد العليا إلى أجل غير مسمى في القضايا الأمنية” في القطاع، كما هو الحال في الضفة الغربية حيث يشن جيش الاحتلال غارات أينما يريد، بما في ذلك في المدن التي يفترض أنها تخضع لسيطرة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وهو ينوي تحويل قطاع غزة، بعد الحرب، إلى ما يشبه المنطقة (ب) في الضفة الغربية، بحيث تكون السلطة الأمنية فيه في يد إسرائيل، بينما تهتم بالشؤون المدنية فيه “إدارة محلية” تقود عمليات إعادة الإعمار بالاستناد إلى دعم السعودية ودول الخليج، ويمكن أن تتشكّل هذه الإدارة من تجار وأكاديميين وزعماء عشائر. وخلال مؤتمر صحفي، عقده مساء السبت في 18 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، قال: “نحن لا نشن حرباً لنقل الحكم في غزة إلى السلطة الفلسطينية”، واتهم الرئيس محمود عباس “بعدم إدانة المجازر التي ارتكبتها قوات كوماندوس حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر الفائت، وشدّد على أنه “لا يمكن وضع غزة تحت مسؤولية حكومة تدعم الإرهاب، وتشجع الإرهاب، وتموّل الإرهاب، وتعلّم الإرهاب”، في إشارة إلى المخصصات التي تدفعها السلطة الفلسطينية للأسرى في السجون الإسرائيلية ولعائلات الشهداء، وكذلك إلى البرامج التعليمية الفلسطينية. ويبدو أن هذا الموقف، الذي عبّر عنه بنيامين نتنياهو، يتبناه في إسرائيل، بصورة أو أخرى، قسم من المعارضة “الوسطية” والعديد من وسائل الإعلام. وفي 12 كانون الأول/ديسمبر الجاري، أعاد رئيس حكومة الحرب الإسرائيلية في بيان تأكيده بأن “غزة لن تكون لا حماستان ولا فتحاستان”، وأضاف: “أحب أن أوضّح موقفي: أنا لن أسمح بأن تعيد إسرائيل ارتكاب خطأ أوسلو.

التشكيك في قدرة السلطة الفلسطينية على العودة إلى حكم غزة

يشكك العديد من المحللين في قدرة السلطة الفلسطينية على العودة إلى حكم قطاع غزة جراء تراجع شعبيتها وتراجع شعبية رئيسها، وكذلك تراجع شعبية حركة “فتح”، في مقابل تزايد كبير في شعبية حركة “حماس” وقادتها، كما بيّن آخر استطلاع للرأي أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية”، وهو معهد الاقتراع الفلسطيني الرئيسي، ما بين 1 و 3 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بين 1231 من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، مع هامش خطأ هو 4%. فبحسب غيث العمري من “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، فإن “قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم في الضفة الغربية، سواء فيما يتعلق بقضايا الأمن أو النظام المدني، محدودة للغاية”، وتساءل: “فالسلطة التي لم تتمكن من حكم الضفة الغربية، هل يمكننا أن نتوقع منها أن تكون قادرة على حكم غزة؟”. وفي حين أرجع جان بول شانيولو، مدير “معهد أبحاث ودراسات الشرق الأوسط في منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​(IREMMO)”، تراجع شعبية السلطة الفلسطينية في صفوف الفلسطينيين إلى “التعاون الأمني” بين الأجهزة الفلسطينية والأجهزة الإسرائيلية، الذي “صمد” في جميع الأوضاع، بحيث أنه “في كل مرة أراد [الرئيس[ محمود عباس قطع التعاون الأمني، عارضه الأميركيون ولم يفعل”، قدّر دوف واكسمان، مدير “المركز الناصري للدراسات الإسرائيلية” في كاليفورنيا “أنه مع تدمير البنية التحتية بالكامل ونزوح أكثر من 70% من السكان، فإن التحديات التي ستواجه الحكومة القادمة في غزة ستكون هائلة”، وتساءل “عما إذا كانت قدرات السلطة الفلسطينية تمكّنها من إنجاز مهمة بهذا الحجم”، وخصوصاً أن بنيامين نتنياهو “يعمل منذ سنوات على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ويرى في السلطة الفلسطينية مجرد عدو آخر”، كما أن “القوميين المتطرفين في حكومته سيفعلون كل ما في وسعهم لمنع تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية في المنطقة.

بث روح جديدة في السلطة الفلسطينية

يعترف جان بول شانيولو أنه “في كل أزمة [فلسطينية] داخلية أو في كل أزمة مع إسرائيل، يظهر اسم الأسير مروان البرغوثي من جديد”، وهو الملقب بـ “نيلسون مانديلا الفلسطيني”، الذي كان قد اعتُقل، على يد السلطات الأمنية الإسرائيلية، في سنة 2002، بصفته قائد “التنظيم” في حركة “فتح” الذي أسسه ياسر عرفات سنة 1995، وحكمت عليه المحاكم الإسرائيلية في سنة 2004 بخمسة أحكام بالسجن مدى الحياة بتهمة “شن هجمات والعضوية في منظمة إرهابية”. ويتابع الباحث الفرنسي أن مروان البرغوثي لم ينقطع، وهو في سجنه، عن الحياة السياسية الفلسطينية وساهم، في سنة 2006، مساهمة مهمة في صياغة “وثيقة الوفاق الوطني” التي أعدّها الأسرى الفلسطينيون بغية توحيد القوى الوطنية والإسلامية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وأثبت، على مر السنين، أنه “الشخص الوحيد القادر على تحقيق الوحدة بين المنظمات الفلسطينية”. ويتفق الباحث الفرنسي الآخر فريديريك إنسيل، المختص في الجغرافيا السياسية وفي شؤون الشرق الأوسط، مع هذا التقدير ويوضح قائلاً: “لقد أمضى مروان البرغوثي سنوات عديدة في السجن في إسرائيل، وهو ما يمنحه بوضوح ضمانة الاستقامة والبطولة والوطنية في نظر الفلسطينيين؛ وعندما كان على رأس [التنظيم] في حركة “فتح”، كان يؤيد التحالف مع حماس”. ولكن هل يمكن لمروان البرغوثي أن يكون شخصية اليوم التالي للحرب؟ بالنسبة لجان بول شانيولو، “تظل هذه الفرضية غير محتملة، ذلك إن إسرائيل لم تستجب، في الوقت الحالي، لهذا الطلب من حماس” [الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في مقابل الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين]. بينما يرى فريدريك إنسيل أن “لا شيء يضمن اليوم أن يقبل مروان البرغوثي بتولي مسؤوليات كبيرة على رأس السلطة الفلسطينية، وبصورة أكثر تحديداً في قطاع غزة”. وبحسب عضو سابق في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، فإن مروان البرغوثي هو “الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يجمع فتح، وهو مقبول من حماس”. وأظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت، طوال سنوات، بين الفلسطينيين أنه “الشخصية الأكثر شعبية بين الشباب، متفوقاً بفارق كبير على الرئيس محمود عباس وعلى زعيم حماس إسماعيل هنية”. وفي الأوساط الدبلوماسية، يُنظر إليه أيضاً “على أنه الأمل الوحيد للمصالحة بين الفلسطينيين وتنشيط السلطة الفلسطينية.

الوحدة الوطنية مدخل إحباط أهداف الحرب الإسرائيلية

لا يمكن الحديث عن عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة قبل إحباط أهداف حرب الإبادة الجماعية التي تشنها الحكومة الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي مقدمها هدف تهجير سكانه، وهي مهمة تتطلب تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وفي المقام الأول توحيد حركتَي “فتح” و”حماس”؛ فالحرب الدائرة اليوم لا تستهدف قطاع غزة وحده، بل هي تستهدف الضفة الغربية، بما فيها القدس، كذلك، ولا تستهدف حركة “حماس” وحدها بل تستهدف كذلك حركة “فتح”، وجميع فصائل المقاومة، وهو ما صرّح به بنيامين نتنياهو الذي اتهم ، خلال اجتماع مغلق للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست عُقد في 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري، السلطة الفلسطينية “بالرغبة في تدمير إسرائيل على مراحل”، وقال: “الفرق بين حماس والسلطة الفلسطينية هو فقط أن حماس تريد تدميرنا هنا والآن، في حين أن السلطة الفلسطينية تريد أن تفعل ذلك على مراحل. وإذا كان هناك من يعتقد بأنه يمكن القضاء على حركة “حماس” فهو واهم، وهو ما أكد عليه جان بول شانيولو الذي قال: “لا أعتقد أن إسرائيل ستنجح في القضاء على حماس، بما في ذلك جناحها العسكري؛ وحتى لو نجح الإسرائيليون، فسوف ينشأ تنظيم عسكري آخر عاجلاً أم آجلاً”. كما أكد على هذه الحقيقة- خلافاً لبعض تصريحات لا تخدم الوحدة الوطنية صدرت عن بعض مسؤولي حركة “فتح”- رئيس الوزراء الفلسطيني وعضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” محمد اشتية، الذي صرّح، في منتدى الدوحة في قطر، أن حركة “حماس” هي “جزء أساسي من الخارطة السياسية الفلسطينية، وحديث إسرائيل عن القضاء على حماس لن يحدث وغير مقبول بالنسبة إلينا”. وفي الاتجاه نفسه، أشارت وكيلة وزارة الخارجية والمغتربين في السلطة الفلسطينية أمل جادو إلى أنه “يمكننا القضاء على الهياكل العسكرية، ولكن لا يمكننا القضاء على أيديولوجية؛ سيتم استبدال حركة حماس بأخرى، انظروا إلى الولايات المتحدة في أفغانستان! لقد بذلوا قصارى جهدهم للقضاء على طالبان، ولكن بعد سبعة عشر عاماً عادوا إلى السلطة، وقد أصبحوا أقوى، والحل الوحيد القابل للتطبيق هو إعطاء الفلسطينيين الحق في تقرير مستقبلهم”، وتابعت قائلة: “إن الحكومة الفلسطينية لم تغادر غزة قط، فهي التي تدير الإدارة الصحية ونظام التعليم، وهي التي تخصص دائما 40% من ميزانيتها، كل شهر، لغزة، وتوظف عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية هناك

وفي اعتقادي، فإن الأرضية باتت مهيأة، على الصعيد السياسي، لتحقيق وحدة وطنية تضم جميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركتي “حماس” والجهاد الإسلامي، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصاً في ضوء تنصل الحكومة الإسرائيلية الصريح من “اتفاقيات أوسلو”، وهو ما يفرض على قيادة منظمة التحرير أن تتحرر منها ومن التزاماتها، وكذلك في ضوء التطوّر البارز الذي طرأ على المواقف السياسية لقيادة حركة “حماس”، وهي مواقف تقترب كثيراً من برنامج الإجماع الوطني الذي أجمعت عليه فصائل منظمة التحرير. وفي هذا السياق، لا يجب أن يكون لدى أي طرف سياسي فلسطيني أوهام حول حقيقة موقف إدارة الرئيس جو بايدن، التي تستمر في تجهيز جيش الاحتلال الإسرائيلي بكل ما يحتاجه من أحدث أنواع الأسلحة، وتغطي سياسياً ودبلوماسياً استمرار حربه التدميرية، بينما ترمي في الوقت نفسه “جزرة” للسلطة الفلسطينية من خلال دعوتها إلى استلام الحكم في قطاع غزة بعد “تجديدها”، وبعد أن تكون آلة الحرب الإسرائيلية قد “قضت” على حركة “حماس”، كما تلوّح لها مجدداً بـ “حل الدولتين”، الذي اعتادت الإدارات الأميركية أن تسحبه من جعبتها كلما تأزمت الأوضاع السياسية في المنطقة واشتدت حدة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، كما فعلت إدارة الرئيس جورج بوش الابن عشية غزوها العراق وفي خضم أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية، من خلال طرحها “خارطة الطريق” التي حددت سنة 2005 موعداً لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وإذا كانت جميع القوى الفلسطينية، بما فيها حركة “فتح”، قد وافقت على “وثيقة الوفاق الوطني ” لسنة 2006، التي أكدت “حق الشعب الفلسطيني في المقاومة والتمسك بخيار المقاومة بمختلف الوسائل”، يصبح من المنطقي أن لا تشكّل قضية وسائل المقاومة عائقاً أمام تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً في هذا الوقت الذي يقف فيه الشعب الفلسطيني أمام تحديات لا سابق لها سيتوقف مستقبله ومستقبل قضيته الوطنية على النجاح في مجابهتها.

كيف يعمل سرب الاستخبارات “نحشون”؟

في غرفة  تحكم  سلاح  الجو للعدو تحت الأرض في المجمع العسكري في تل أبيب “الكرياه، لا يتذكرون ساعات دراماتيكية مثل ذلك الصباح من مارس آذار 2021، وعلى خلفية التوترات الإقليمية والانذارات الاستخباراتية، ظهرت الشكوك في أن جرأة الإيرانيين ستزداد وأنهم
سيحاولون إطلاق طائرات باتجاه الكيان من دولة ليس لدينا حدود معها تنفذ من خلالها هجوم خطير.

وبينما كان الضباط وأفراد الاستخبارات يجلسون متخفين  في تلك  الحفرة، في مكان آخر في الشرق الأوسط، كانت طائرة
 استخباراتية تحلق على ارتفاع كبير وربطت بين النقاط لتصبح صورة استخباراتية، ثم في لحظة واحدة، انكشفت الصورة التي كان يخشاها الجميع، طائرة من دون طيار تقلع باتجاه الكيان، أدركوا في طائرة الاستخبارات أن هذه كانت لحظة الحقيقة
 وأرسلوا إشارة إلى غرفة  التحكم، التهديد حقيقي، أرسلوا على وجه السرعة، أقلعت رباعية من طائرات الشبح من طراز
 “أدير” (F35)، وهي الطائرة الأكثر تطوراً في حوزة سلاح  الجو، وحلقت باتجاه  الطائرة الأجنبية.

وفي أقل من دقيقة أصبح من الواضح أن الطائرة الأولى بدون طيار لم تكن تحلق في السماء وحدها، وأن طائرة أخرى كانت
تقلع باتجاه الكيان، وكلاهما تحملان أسلحة، ربما بهدف إيصالها  إلى أراضي  الضفة الغربية. “الطائرات ذات موثوقية عالية، وقادرة على التحليق لفترات طويلة وعلى ارتفاعات عالية، نحن نطير في كل منطقة ونعمل كثيرًا جدا، لا أستطيع تحديد أين تذهب منتجاتنا، وأحيانًا لا أعرف أيضًا“.

أسقطت  طائرات “أدير” الطائرتين الإيرانيتين، وبذلك دخلت التاريخكانت هذه هي المرة الأولى التي تنفذ فيها طائرة شبح 
إسقاط عملياتي، إسقاط الطائرتين تم بالتنسيق مع الدول المجاورة، وبالتالي تم منع  تسللها إلى الكيان.

فُرض التعتيم على العملية، ولم يُسمح بالنشر عنها إلا بعد مرور عام، وفي بيان المتحدث باسم الجيش، المنشور في مارس 2022، أصبح من الواضح أن الطائرات بدون طيار كانت تحت مراقبة أنظمة التحكم والكشف خلال الرحلة بأكملها، وبذلك سجلت طائرة التجسس نجاحًا عملياتيا مثيرًا للإعجاب ليس أقل من  نجاح  طائرة الشبح.

يقول المقدم أ، قائد سرب “نحشون” بلقبه الآخر أن السرب 122 هو سرب  تجسس ” استخبارات الدولة، وهو يركز على
جمع المعلومات الاستخبارية ومهام المراقبة ويشغل نوعين من الطائرات، “شبيطوعيتام، التنفيذي” وهي طائرات مديرين
تم تحويلها إلى طائرات تجسس.

يُسمح لعدد قليل جدًا من الأشخاص بالصعود على متن الطائرة بسبب المعدات السرية الموجودة عليها، السرب صغير جدًا
وهو الوحيد مننوعه (على عكس الطائرات المقاتلة، على سبيل المثال، التي لها أسراب موازية)، وهو ينفذ سلسلة من
المهام ويعمل به طيارون ومراقبونوأفراد استخبارات من وحدات أخرى محمولون جواً، هذا عدد محدود جدًا من الأشخاص، بينما يركز القسم الفني أيضًا بشكل كبير علىنوع الطائرة والتعامل معها، بسبب الوصول للأنظمة السرية، يوضح المقدم أ.

ويضيف: “السرب صغير لأنه يحتوي على عدد قليل من الطائرات، ولكن بسبب المهام المتعددة والتدريب والنشاط العملياتي، هناك
فريق واسع وذو مهارات عالية، “الطائرات موثوقة للغاية، وقادرة على التحليق  لفترات طويلة جدًا على ارتفاعات عالية،  نحن
نحلق في كل منطقة ويتم تشغيلنا كثيرا جدا،  لدينا تعاون مع مختلف الوحدات والأسلحة، ويعمل مراقبونا المحمولون  جوا
على وصلنا بأنظمة التحكم الموجودة على الأرض، لا أستطيع تفصيل أين تذهب منتجات طلعاتنا خارج غير الجيش ولأكون صادقًا، أحيانًا لا أعرف أيضًا، أنا أتلقى مهمة طلعة جوية وهدفًا يجب إحضاره، والاستجابة للاحتياجات التي تأتي من سلاح الجو.

ما هي مهامكم  الفعلية؟..

نحن نحلق  لجلب معلومات استخباراتية من أماكن لا تصل إليها وحدات الاستخبارات الأخرى، إذا حلقت في منطقة معينة
ويوجد فيها أشياء تهمنا، تسمح لنا الطائرة بالبقاء فوق تلك المنطقة وجمع العديد من الأشياء، أستطيع الوقوف في الجو في
منطقة معينة، ليلا ونهارا، وفي أي طقس، وجلب المعلومات الاستخبارية أيضا من منطقة قريبة، طائرة “عيتام، والتي هي
 أكثر من طائرة مراقبة وكشف، قادرة على تقديم إنذار مبكر في حراسة الحدود، إذا كان لدي إنذار بشأن دولة أو هيئة تريد
الهجوم، يمكنني استخدامها  لجلب معلومات حول مايحدث في المنطقة، نحن نعرف أيضًا كيفية تحليل التحركات البرية، عندما تربط ما يحدث في الهجوم بما يحدث على الأرض، تحصل على صورة أفضل، ولهذا السبب هناك مهام نستخدم فيها كلتا
 الطائرتين، بالإضافة إلى ذلك، نحن نعرف كيفية “التحدث” مع الطائرات الأخرى، وإذا لزم الأمر، تزويدهم بصورة أكثر دقة واتصال أو ربط أفضل بالمهمة“.

ترى وتكاد لا تُرى …

لنعد إلى اللحظة التي أدركتم فيها أن طائرة كانت في طريقها إلى الكيان، ماذا يمكن أن تقول لنا عن هذا الحدث؟

لا أستطيع أن أفصل أين كانت طائرة عيتام “النسر” الخاصة بنا تحلق، لكنها هي من جلبت المعلومات، لقد اكتشفنا الطائرة
في وقت مبكر بما فيه الكفاية ونقلنا المعلومات إلى صناع القرار، وهذا ما أدى إلى استنفار  طائرات الشبح وإسقاط الطائرات  ولهذا تلقينا شهادة تقدير من رئيس الأركان.

بشكل عام، يختلف وقت الإنذار وفقًا للتهديد الذي أستعد له، في تلك الحالة حيث كانت الطائرات بطيئة نسبيًا، وبسبب
المكان  الذي يمكننا الوصول إليه، تمكنا من تقديم الكثير من المعلومات، من اللحظة التي  تقلع  فيها الى الجو  أعرف كيف أكتشفها،
 والسؤال هو  الىأين  هي تتحرك وفي أي وقت من المتوقع أن تصل إلى الهدف.

لكن طائرة “عيتام” نفسها، التي هي طائرة  مدراء أو رجال أعمال، يمكن اكتشافها، صحيح؟

صحيح  هي لم يتم تصميمها لتكون غير مرئية أو شبح أو منخفض البصمة، ولكن لدينا ما يكفي من القدرات والطرق لجعل
الأمر صعبًا على أولئك الذين يريدون العثور علينا، حتى لو بحثوا عنا طوال الوقت، معظم الوقت الذي لن يجدونا، لدينا طرق
 لجعل أنفسنا نختفي عند الضرورة، غير الطائرات، لدينا العديد من القدرات الأخرى“.

طائرتان تكفيان للكم المطلوب من المعلومات؟

هذا سؤال جيد، لنفترض أننا لا نقف في المكان، أو نقوم بالتدريب، أو نقوم بطلعات عملياتية، أو نقوم بالتعامل على الأرض،
 بجانب ذلك هناك الوحدات البرية، ما يميزنا هو الحركة من جبهة إلى أخرى والقدرة على أخذ الطائرة إلى أي مكان في
 العالم، نحن نعرف إكمال المهمة بأقصى قدر من السرية“.

ما الفرق بين مراقبتكم في الجو والوحدات البرية؟

أولا وقبل كل شيء التنقل  أو الحركةنحن نعمل باستمرار على تحسين أنظمتنا الموجودة على الطائرات لتقليل الاعتماد
على البشر قدر الإمكان، وهذا يساعدنا على إنتاج صورة استخباراتية أفضل، بعد كل شيء، هم يحلقون لساعات ويحتاجون
 إلى الحفاظ على حدة عملياتية عاليةلذلك هناك أوقات يكون فيها اليقظة أقل، مثل الإقلاع والهبوط،  في الوقت الحقيقي،
لحظة جمع المعلومات التي انطلقنا من أجلها   الجميع  يكونون في حالة تأهب ومليئين بالأدرينالين، يعرفون في الطاقم جيدًا ماهية المهمة وهم مستعدون للحظة الوحيدة التي لا ينبغي تفويتها، إذا أقلعنا لاكتشاف طائرة معادية فيجب ألا نفوتها، نحن نفهم المهمة جيدًا، حتى لو تمت بعد ساعات.

جزء كبير من العمل يتم في الرأس والتركيز والعمل الجماعي المكمل، إذا لم تكن الطائرة في المكان المناسب، فلن نتمكن
من إحضارالمعلومات الاستخبارية، إذا وصلت إلى الموقع وكان المراقب ليس متنبهاً، الهدف سوف يمر من تحتي ولن أراه،
نتحدث بيننا ونعمل معاً من الإيجاز إلى التحقيق.

في الماضي، كان من الصعب على الجيش تبادل المعلومات الاستخبارية مع أجهزة مثل “الشاباك” والموساد” هل هناك تعاون أفضل اليوم؟

جميع الأجهزة تتحدث مع بعضها البعض اليوم، وهي تتطور فقط، سنتسلم قريبًا طائرة  أورون، الجديدة وستجلب معها
قدرات جديدة وتعاون إضافي، نحن لا نعمل فقط أمام غرفة السيطرة الجوية في “الكرياه“، الحوار واسع للغاية، كما أننا نتلقى
المساعدة من هيئات أخرى وهذا ينمو فقط، وهذا الاتجاه إيجابي ويجعل الجيش أكثر دقة“.

لسنا قريبين من تحقيق أهداف الحرب – تدمير الأنفاق يستغرق وقتاً أطول مما توقّعه الجيش

المصدر : معاريف
المؤلف : ألون بن دافيد
  • في غضون أيام قليلة، ستنتهي هذه السنة الملعونة التي جلبت الخراب على حياة كثير من العائلات، وتركت جرحاً غائراً لدينا جميعاً، أبناء المجتمع الإسرائيلي، طال الروح والجسد، وسيظل إلى الأبد. لكن لعنات سنة 2023 لن تنتهي خلال العام المقبل، إذ إن سنة 2024 ستكون أيضاً سنة لحرب متّصلة، سنة من الخسائر، والجرحى، والألم، على الجبهة الجنوبية، وربما يمتد الأمر نحو الشمال أيضاً.
  • في نهاية هذا الأسبوع، بات الجيش قريباً جداً من إعلان هزيمة “حماس” في شمال القطاع بأسره. معنى هذا أن لواءَي “حماس” اللذين كانا يعملان في هذه المنطقة، بكل كتائبهما، توقفا عن العمل كأطر قتالية. أما مؤسسات الحكم التابعة لحركة “حماس” في شمال القطاع، فقد دُمرت، والمنطقة “في أغلبيتها، لم تعد صالحة لعيش البشر. هذا لا يعني أنه لم يتبقّ “مخربون” مسلحون في تلك المنطقة، أو بنى عسكرية حقيقية لـ”حماس”. فهذه كلها بقيت، وستواصل إزعاجنا. لكن في إمكاننا، منذ اليوم، السفر من “زيكيم” أو “بئيري” إلى قلب مدينة غزة في سيارة غير محصنة أو ثقيلة.
  • مع ذلك، فإننا لسنا قريبين من تحقيق الهدفين الأساسيَين: إطلاق سراح المخطوفين، وتدمير القدرات العسكرية والسلطوية التابعة لـ”حماس”. إن إخضاع “حماس” في شمال القطاع هو إنجاز عسكري كبير، بعد شهرين من التحرك البري، وهو إنجاز دُفع في سبيله ثمن باهظ. لكن حتى مَن لا ينتمون إلى المتشائمين، ممن أوضحوا أن الجيش الإسرائيلي غير قادر على فعل ذلك، حذّروا من أن أثمان احتلال شمال القطاع ستكون أكبر، وما من أحد، ما من أحد حقاً، كان يعرف ما الذي ينتظرنا في داخل القطاع. لقد كان الجيش يعلم بأن مدينة غزة ومحيطها هما موقع محصّن يحتوي على شبكة أنفاق تحت أرضية متفرعة، لكنه لم يكن يعرف إلى أي حد كان الموقع محصّناً. وباتت القوات الإسرائيلية تُفاجأ، يوماً بعد يوم، بكشف الحجم الهائل للأنفاق القتالية، ومجمّعات القيادة التحت أرضية، التي تكتشفها هذه القوات.
  • تتوزع الأنفاق على شبكتين منفصلتين: فهناك الشبكة الهائلة والمتفرعة، المكونة من أنفاق قتالية ضيقة، وهي تنتشر أساساً في الخطوط الدفاعية للحركة، وتحتوي على عدد لا متناهٍ من فتحات الدخول والخروج المنتشرة على الخطوط الدفاعية المتقدمة التابعة لـ”حماس”. إن الأنفاق القتالية هي أنفاق ضيقة، بعرض جسد إنسان، وتؤدي إلى فتحاتٍ، بعضها مفتوح، وبعضها الآخر مسدود. ويمكن فتحه إذا ما دعت الحاجة. الهدف من هذه الشبكة يتمثل في خوض القتال خلال اجتياح بري إسرائيلي، وهي تمتد على مسافة مئات الكيلومترات.
  • خلف هذه الشبكة، تم الكشف عن شبكة أُخرى، تتمثل في مجمعات قيادية تقع على ارتفاعات مختلفة تحت الأرض، وهي بعمق عشرات الأمتار، بعضها تتوفر فيه مصاعد، وبعضها متصل بأنفاق واسعة، تتيح التحرك بواسطة سيارة. بعض هذه الأنفاق لم تكن استخباراتنا تعلم بوجوده. المثير هنا هو أننا لسنا وحدنا الذين فوجئنا: ففي أغلبية الحالات، لا تكون الأنفاق القتالية متصلة بالمراكز القيادية التي أنشأتها “حماس” في قلب المدينة، وفي جباليا والشجاعية. بكلمات أُخرى: لم تكن “حماس” تقدّر أننا سنصل إلى هذه المجمعات القيادية، ولذا، فهي لم توصلها بالأنفاق القتالية، لكي يتم استخدامها كمسارات هرب للضباط إذا ما دعت الحاجة. يقوم الجيش الإسرائيلي بتدمير الأنفاق القتالية فور اكتشافه لها. أمّا المجمعات القيادية فهو يرغب في فحصها أولاً، وحتى الآن، تم جمع كنز من المعلومات الاستخباراتية من هذه المواقع، إلى جانب أدلة مهمة تتعلق بالمخطوفين.

على صورة الانتصار أن تنتظر

  • إن تدمير هذه الشبكة، التي لم نكن نعرف حجمها، يحتاج إلى وقت، كما أنه يتطلب كميات هائلة من المتفجرات التي لا تتوفر دائماً. لقد اتضح أن هناك نقصاً عالمياً في مادة الـ TNT نتيجة الحرب في أوكرانيا، وليس من السهل الحصول على الكميات المطلوبة بسرعة. فضلاً عن أن الصينيين هم أكبر منتجي هذه المادة. إن تدمير هذا التفرع الهائل من الشبكات التي بنتها “حماس” يتطلب من الجيش الإسرائيلي وقتاً وجهداً غير قليلَين، بموازاة الجهود المستمرة المبذولة في القضاء على عناصر “حماس”. إن المعلومات التي يتم جمعها من الأنفاق باتت، منذ الآن، تخدم القوات العاملة في جنوب القطاع، والتي تحاول صبّ جهودها على الوصول إلى قيادة “حماس” والمخطوفين، وهي جهود لم تتكلل بالنجاح حتى الآن.
  • أما فيما يتعلق بالمأساة الفظيعة المتمثلة في مقتل المخطوفين في الشجاعية يوم الجمعة الماضي، فقد ذكّرت قيادة الجيش بأنه لا يكفي التحدث في المؤتمرات الصحافية عن استعادة المخطوفين لأن الأمر هدف من أهداف الحرب، بل يجب تكرار ذلك على مسامع المقاتلين. لقد أحسن رئيس هيئة الأركان، هرتسي هليفي، صنعاً حين أوضح، بطريقته الحادة والواضحة، بأنه يحظر إطلاق النار على مَن يخلع كنزته ويرفع يديه. لكن تصريحاته قوبلت بخيبة أمل من كثيرين من المقاتلين الذين فسّروا الأقوال بأنها إلقاء اللوم على مقاتلي الكتيبة 17.
  • إن المقاتل الموجود في خضم القتال على مدار أكثر من سبعين يوماً، منهك من التعب، وواجه العدو مرات كثيرة. مثل هذا المقاتل يجب توضيح هذه المضامين أمامه، ليلاً نهاراً. وهذا لا يجري الآن. إذ لم يتم إطلاع المقاتلين على إمكان لقائهم رهائن إسرائيليين يسيرون بحُرية. هذه مسؤولية الضباط.
  • لا يزال أمامنا نحو شهر من القتال المكثف في جنوب القطاع، والذي يتركز الآن في مواضع توجد فيها قيادة “حماس” والمخطوفون. ما من شك في أن القضاء على زعيم “حماس” سيختصر مدة القتال، لكن من المشكوك فيه أن يتحقق الأمر خلال الشهر الجاري. يُحتمل أن يتوقف هذا القتال في أعقاب صفقة تبادُل، بيْد أن مثل هذه الصفقة لن يتمكن من إعادة جميع المخطوفين إلى منازلهم.
  • بناءً عليه، لا بد من أن ننظر إلى القتال في غزة كما نظرنا إلى حملة “الجدار الواقي” في سنة 2002: فبعد الاحتلال السريع لمدن الضفة، استمر قتل المئات من الإسرائيليين في هجمات “إرهابية” انطلقت من المدن التي قمنا باحتلالها. في ذلك الحين أيضاً، لم نحصل هناك على صورة نصر. لقد تطلّب الأمر مرور عدة أعوام، عندما قمنا باجتثاث “إرهاب الانتحاريين”، إلى أن أدركنا أننا انتصرنا. وهذه هي الحال في غزة: فبعد أن نُخضع جلّ القوة المقاتلة في “حماس”، سنحتاج إلى مواصلة العمل طوال أعوام في القطاع لكي نتمكن من اجتثاث أي نمو جديد لـ”حماس”.

منصات الصواريخ التحت أرضية في الشمال

  • هذا الدرس ينطبق أيضاً على الجبهة الشمالية. إذ كان الجيش الإسرائيلي يعمل طوال الأسابيع الأخيرة بصورة منهجية على حرق الغطاء النباتي الواقع في شمال الحدود مع لبنان. كل مرة نقوم فيها بحرق الغطاء النباتي المعقد، تتكشف الأرض عن العشرات من منصات الإطلاق التحت أرضية والمرافق القتالية التي لم نعلم بوجودها. يتم تدمير كل مرفق من هذه المرافق، لكننا بدأنا للتو بإدراك حجم البنى التحتية التابعة لحزب الله التي يتوجب علينا تدميرها، لكي نتمكن من إعادة سكان الشمال إلى منازلهم.
  • في وقت لا نزال منغمسين في القتال العنيف في غزة، تتيح إسرائيل للأميركيين والفرنسيين العمل على اتفاقية تُبعد قوات حزب الله عن الحدود الشمالية. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاقية من هذا النوع، لإبعاد فيالق الرضوان عن حدودنا، فهناك شك في أن هذا الأمر سيقنع سكان الشمال بالعودة إلى منازلهم. وعلى وجه الخصوص، في حال ترك مقاتلو حزب الله خلفهم البنى التحتية العسكرية التي ستتيح لهم العودة إلى إدارة هذه المواقع بين ليلة وضحاها.
  • في موازاة خوض القتال في الجنوب، يتعين على الجيش الإسرائيلي العمل على تحديث خططه الحربية في الشمال، والبدء ببناء القوة التي ستتولى القتال هناك. لا بد من أن يكون التفكير مماثلاً لِما مارسناه في الجنوب: إزالة التهديد الذي يحيق بالمستوطنات على امتداد خط المواجهة. ربما يتطلب الأمر تنفيذ مناورة برية محدودة النطاق على غرار ما جرى في سنة 2006، وربما يتطلب مناورة تصل إلى الليطاني، أو ما وراء الليطاني، لكن، لكي نتمكن من العودة إلى الشمال، علينا إبعاد حزب الله وإبادة بنيته التحتية. وحتى اللحظة، لم يتم الشروع في التخطيط لهذا الأمر.
  • كلا، لن تحلّ السنة الجديدة علينا ونحن بخير. سيتعين علينا مواصلة العمل الحثيث، خلالها، على استعادة مكانتنا في هذا الإقليم، واستعادة هيبتنا بصفتنا جهة لا يُفضّل العبث معها، وسيكون للأمر أثمان. ليس من المؤكد أننا سننجح، خلال العام المقبل، في إبعاد وإزالة جميع التهديدات، لكن هناك أمراً واحداً علينا ضمانه: التأكد من أننا لن نستيقظ قط، على صباح يشبه صبيحة السابع من تشرين الأول/أكتوبر.

في حضرة الـ”بحر”: أسرار و”لآلئ” من جبهة الجنوب / الاعلامية رنا الساحلي

سبعة وسبعون يوماً مرّت على الحرب في جنوب لبنان، بين المقاومة الإسلامية من جهة، وبين أعتى الجيوش عتاداً وعديداً وقوة استخباراتية، والذي يتمركز على الجبهة الشمالية في فلسطين المحتلة، ويقضم جزءاً لا يستهان به من الأراضي اللبنانية التي لا زالت المقاومة الإسلامية مصرة على تحريرها كما حررت عام 2000 الجزء الأكبر.

 

“أقوى الجيوش” في التوصيف، هو الذي لا يمكن اختراق تحصيناته وتشكيلاته وعديده، وذاك الذي يمتلك القوة الميدانية في القتال، من ناحية التجهيزات العسكرية واللوجستية والقدرات القتالية العالية لعديد أفراده.

 

هو “الجيش السرّي” في تفاصيله وتركيبته المتماسكة، والتي لا يمكن أن تتداعى، وهنا بيت القصيد…

 

ولأجل أن يدرك الإعلامي ما الذي يحصل لينقل الرؤية بحرف وكلمات حقيقية ومعلومات دقيقة وضمير مرتاح، لنقل حقيقة ما يجري على جبهة جنوب لبنان، المشتعلة منذ اليوم الثاني لحرب غزة اي في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتصل الكلمات إلى كل بيت، ويقرأ المواطن حقيقة الميدان، ويشعر بالإنجازات والبطولات التي تجري في الساحة الجنوبية، كان لا بد من…

 

لقاء غير عادي ارتفع فيه هرمون الأدرينالين، وحالة التوخي الدقيق، بانتظار عقارب الساعة ليكون الموعد قد ابتدأ…

 

تحرك الموكب من بيروت في المكان “اللا معلوم”. لم نكن ندري ما ينتظرنا بالشكل التفصيلي، لكنه لقاء استثنائي …

قاعة كبيرة بترتيب أنيق ومتواضع. طاولة اجتماعات جُهّزت عليها أقلام وأوراق بيضاء. كرم الضيافة كان جلياً بفواكه تشبه عطر الجنوب، كأنها قطفت الآن من حقلٍ قريبٍ، فيما القهوة كانت سيدة الطاولة، بينما رغب البعض باحتساء الشاي مع برودة الطقس الجنوبي.

 

عند الدخول إلى القاعة، استقبلتنا وجوه تشبه السماء بسماحتها، هدوء، وقار، وابتسامات سخية توزّعت على الجميع وكأنها صدقة جارية لأصدقاء نعرفهم منذ زمن طويل.

 

رجل خمسيني، متوسط الطول، سمِح الوجه، تركزت عليه العيون، لندرك في ثوان أنه القائد العسكري الميداني… “بحر”!

في إسمه تتجلى صفاته المعنوية، فالبحر يحمل أوجهاً متعددة. عند الهدوء، تدرك حاجتك إليه في لحظات الحب والحزن والسكينة، لترمي كل أثقالك واثقال همومك عليه. أما عند اشتداد غضبه، فلا يمكن لأحد أو شيء أن يصمد أمام عواصفه.

 

هو خبر أجيالاً وحروباً متعددة، منذ بداية تأسيس المقاومة، أي من الطلقة الأولى التي كان فيها المقاومون “على عدد الأصابع”، وصولاً إلى الحرب في سوريا والعراق.

 

القائد “بحر” رمى شباكه بداية عما نريده من كنز المعلومات الذي في باطنه، ونحن نعلم جيداً أن المرجان واللؤلؤ المكنون، لا يمكن تقديمه على طاولة الاجتماعات، لأن لكل معلومة وقتها، ولا يمكن البوح بكل “أسرار البحار”!

 

إلى جانب القائد الميداني، جلس شاب ثلاثيني ببشرة حنطاوية وهدوء.

 

تدرك أن للبحر روافد تشبهه حد الطباع: ابتسامة خجولة، وصوت خافت. يعمل، ويجهز عرضاً معلوماتياً، لتظن لوهلة أن القائد هو من سيستعرض المادة، ليُفاجأ الجميع أن هذا الشاب، ورغم صغر سنّه، يشبه قيادته.

 

استعرض “باسل”، بتشريح مفصّل لجيش العدو الإسرائيلي، من أعلى القيادة والأركان، وصولاً إلى أصغر فرقة وفصيل… ربما لم أستطع حفظ الترتيب لهذا الجيش “الذي لا يُقهر”، ولكن الإبداع يبدأ من ناحية تحديد تموضعات هذا الجيش، وتبديلاته، وصولاً إلى أصغر خلية فيه قد تتحرك شمالاً وجنوباً، أو حتى استحداث مهام جديدة. التقسيمات كلها كانت معروضة وكأنك تستعرض هيكل مؤسستك الخاصة.

 

استطاع “باسل”، بجمل سريعة ودقيقة، أن يسرق انتباهنا لشخصية تمتلك الخبرة والمعلومات الأمنية التفصيلية للعقيدة الإسرائيلية، وجيشها الهجين الذي يتكيّف مع الحاجات على الرغم من أنه يجنّ، ويفقد السيطرة على غريزته المدمرة، عندما يتلقى أي ضربة، فيتهور حيناً بردات فعله اللامنطقية والوحشية، كما يفعل بغزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.

 

ضربات العدو الإسرائيلي المجنونة تجعل المقاومة تتأكد أنها اوجعته في الميدان، لذلك تقوم القيادة باحتساب كل تحركاتها، وتقدّرها على “ميزان الذهب والزعفران”، فكل شيء أمامهم واضح في الجبهة: العديد، الآليات، التجهيزات، التموضع، التحركات…. على الرغم من أنهم لا يمتلكون التجهيزات التقنية التي زرعتها وأقامها العدو الإسرائيلي عند الحدود.

 

الحرب المعلوماتية تسابق حرب الأسلحة والصواريخ، يتكاملان يتقاطعان لتصل الدقة في المعطيات، فيكون الميدان هو سيد الانتصارات.

 

حرب الجيوش المنظمة فاق توقعات العدو الصهيوني الذي ما زال يبحث عن أي معلومة وصلت، إلى حد التواصل مع أصغر عميل للاستفادة منه لتوصيف المقاومين وأماكن ترددهم.

 

التكتيك العسكري في طور تجديد نفسه كل فترة، حيث أن الحرب الميدانية تمر بمراحل عدة، منها المبادرة.. التلقي.. استيعاب الضربة.. البحث عن نقاط القوة والضعف.. إعادة التموضع.. وامتلاك القوة في الميدان بالبدء بمراحل أقوى.

القائد “بحر” غاص في تفاصيل ويوميات الحرب “جنوبية الهوى”.

 

هي المرة الأولى لجيل جديد لم يخبر القتال مع العدو الصهيوني. امتلك الخبرة في الحرب السورية، لكنها اختلفت بالأداء والجغرافيا والمعلومات عما هي عليه في الجبهة الجنوبية. لها نكهة خاصة مليئة “بتكنولوجيا متطورة” وقدرات عسكرية تفوق قتال الشوارع.

 

ما رآه البعض من أعداد شهداء عالية، مرده إلى الروح الثورية، والحماس الذي جرى في شرايين “مقاومي الجيل الجديد”.. وهو طبيعي. واستطاع القادة الميدانيون الإمساك بالميدان الجغرافي مجدداً، وتغيير التكتيكات، إذ أن المرحلة الأولى أنجزت بنجاح تام، بعد أن استهدف المقاومون 98 % من التكنولوجيا التنصتية، وعواميد الإرسال، والرادارات التي يمكن اعتبارها أبراجاً تجسسية فائقة القدرات كانت تسيطر على جنوب لبنان وعلى أبنائه الموجودين والمتنقلين على طول الحدود.

 

هذه الرادارات والكاميرات وأجهزة التنصت، كلّفت العدو الإسرائيلي مليارات الدولارات، فضلاً عن الوقت الطويل الذي أخذته لنصبها عند الحدود.

 

ثلاثون يوماً، دمرت فيه المقاومة القدرات التكنولوجية التجسسية، وأجهزة التشويش، والرادارات، ليصبح العدو “أعمى وأطرش” في جنوب لبنان.

 

حاول عندها الإسرائيلي استبدال “عظمته” التي تحطمت، بكاميرات تعتبر بدائية، نسبة لما خسره بسبب صواريخ واستهدافات المقاومة، فحيناً يستخدم منطاداً، وأحياناً يُحضر “رافعة” للتجسس على أي تحركات ورصد المقاومة.

 

مرحلة جديدة بدأتها المقاومة، بعد الخسارة الكبيرة التي مني بها الجيش الصهيوني، من إعادة تموضع واختبار هفوات العدو ونقاط ضعفه.

 

في المقابل يعمل العدو على محاولة جر المقاومة لإظهار كل قدراتها العسكرية، وغوص غمار البحار، لكن المقاومة بالمرصاد… هي حبات لآلئ استعرضتها المقاومة في الميدان، لكن “متحف المجوهرات” لم يحن وقت استعراضه، فلكل ساحة وباحة “مجوهراتها النفيسة”، فلا هي الحرب ولا اللا حرب، هي بين إثنين، محدودة المكان إلى حد ما، فيما المقاومون موجودون في القرى.

 

لم تستخدم المقاومة، حتى الآن، سوى بعضاً من خبرتها وقوتها في الميدان لا تتجاوز أصابع اليد بالمئة.. تركوا العدو في حيرة من أمره: أين هي تلك القدرات وما هي؟! هي حرب المفاجآت المكنونة، تنتظر عند الحدود أي تفصيل قد يحدث.

ربما هنا الصعوبة تكمن لرجال الله، أن كل شيء مدروس، والأبواب ليست مشرعة لكل الرياح، لذلك يتلقف المقاومون الهواء بصدورهم كرمى لعيون المواطنين اللبنانيين.

 

السيطرة والمبادرة لا تزال بيد المقاومة، لم تظهر كل ما لديها من أسرار.. تركت العدو يتخبط، وجعلته يدرك أن الحرب مع لبنان ستعيده إلى العصر الحجري. فهذا “جل العلام”، الذي يضم أجهزة هوائيات قد تكون إقليمية، بات حطاماً وخردة عند الحدود. وها هي المستوطنات قد أفرغت من محتليها ولم تعد آمنة لهم، بل باتت المقاومة كابوساً يراودهم، لأنهم ببساطة ليسوا أصحاب الأرض.

 

دقة المعلومات التي تملكها المقاومة تفوق الخيال، وكأنهم هناك كانوا بينهم، أخذوا كل تفاصيلهم، أسماءهم، عناوينهم، أرقام هواتفهم، تحركاتهم، وربما ماذا يحبون من الأطعمة وماذا يكرهون… باتت المعلومة أقوى من الصاروخ الموجه. هذه الدقة تجعلك تدرك كنه هذا “البحر” ورفاق دربه، وهذا غيض من فيض مما يمتلكون …

 

هم سيكونون حيثما شاؤوا، كالبحر.. كل الكنوز المخبأة في داخله ربما ستحملها الأمواج لتعطيها للمدن المحيطة، وتبتلع ما تشاء من بيوت العنكبوت …

 

غادرنا المكان وفي جعبتنا قطرات من ندى “البحر” وعطر مجاهدين، وضعناها في قارورة أحلامنا القادمة، خُلِط من أنفاس مجاهدين رابطوا عند الثغور، ومن بوح الليالي التي سهروا فيها ولم تغمض عيونهم لأجل كل لبناني نام في بيته بأمان… عطر سنحمله في ذاكرتنا لنقول لأولادنا يوماً، في لبنان وفلسطين، هذا العطر هو أنفاس بلادنا التي تحررت.

قدّسنا التكنولوجيا ونسينا السنوار”…هكذا انهار خط “ماجينو” أمام حماس في 7 أكتوبر

يديعوت : ميخائيل ميلشتاين

 

هجوم السابع من أكتوبر، مثل حرب يوم الغفران، هو صدمة تأسيسية وفي حبلها السري قصور استخباري، لكنها تعكس خسوفاً جماعياً واسعاً. يدور الحديث عن سوء فهم متطرف للواقع، تبلور في إطاره “مفهوم” يستند إلى عشرة أسس متهالكة:

1- فهم عليل لحماس

سادت في إسرائيل فرضية بموجبها شهدت منظمة حماس ارتقاء لطف حدة قطبها الأيديولوجي، وركزت على تثبيت حكمها. كان في هذا تجاهل لحقيقة أن منظمة متزمتة ترى في الحكم وسيلة لتحقيق رؤياها، وليس مرحلة تستوجب الاعتدال.كما انطوى الأمر أيضاً على فجوة بين الفكرة الإسرائيلية (الغربية) التي تستند في معظمها إلى اعتبارات الواقعية السياسية، وبين الثقافة التي تظهر أن للمعتقد الديني المتزمت دوراً مركزياً فيها.

2- تمسك زائد في التسوية الاقتصادية

وهذا سببه فهمنا بأن حماس جسم يركز على تثبيت حكمه، وتعزز تقديراً بأنه يمكن إغراؤها بوسائل الجزر الاقتصادية. لذا، زعم أن إخراج عمال إلى العمل في إسرائيل وتحسين البنى التحتية المدنية سيخلق ثمن خسارة يقلل احتمالات التصعيد. عملياً، في الوقت الذي عملت فيه إسرائيل على بادرات طيبة مدنية، انكبت حماس على هجوم 7 أكتوبر – فجوة تجسد سوء فهم حاد لجوهرها.

3- فكرة أن حماس مردوعة

بعد حملة “حارس الأسوار” في أيار 2021 أصر سياسيون وعسكريون على الاعتقاد بأن حماس تلقت ضربة قاسية، لذا باتت مردوعة. أما عملياً، فقد عملت حماس على دفع الإرهاب والتحريض في الضفة وسمحت لـ “الجهاد الإسلامي” بخوض جولات تصعيد في غزة. وشهدت الأمور على أنها غير مردوعة، لكنها لم تضعضع أسس المفهوم أو تتسبب بإلغاء البادرات الطيبة المدنية.

4- تقدير زائد لوزن الجمهور

كجزء من فكرة التسوية، تثبت التقدير القائل إن تحسين وضع الجمهور الغزي سيعزز الاستقرار، وزعم أنه إذا ما نشأ تصعيد سيثور احتجاج ضد حماس. أما عملياً، فمنذ بداية الحرب لم يبدِ الجمهور الفلسطيني انتقاداً حقيقياً ضد حماس، وكقاعدة يلوح ككيان جماعي يقبل بحكم القدر.

5- التخوف من الموضوع الفلسطيني

ميل نشأ عقب لقاء بين سياسيين يخشون الانشغال بموضوع حساس سيجبي منهم ثمناً سياسياً، وبجمهور يائس من إمكانية التسوية، وبجهاز أمن يحذر من لمس موضوع سياسي مشحون. وما إن طرحت إخطارات استراتيجية في الموضوع الفلسطيني حتى تركز في الضفة ما وصف بتهديد من غزة كـ “محتوى”.

6- الإيمان بالعائق البري

مثل خط ماجينو الذي بنته فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية، فإن العائق البري الذي أقيم في القطاع نجح هو الآخر عملياً، لكنه لم ينجح في اختبار ألاعيب حماس. فالألمان تجاوزوا خط ماجينو من خلال مناورة عبر بلجيكا، وقوات حماس لم تتوغل عبر الأنفاق مثلما فعلت في “الجرف الصامد” بل ببساطة أسقطت السور والأسيجة.

7- تهديد مستهدف مقلص

خطة التسلل إلى إسرائيل بمرافقة حملة قتل جماعية، تبلورت قبل نحو عقد وكانت معروفة للاستخبارات. لكن التهديد الذي تخيلناه كان تسللاً محدوداً وليس معركة تتم من عشرات نقاط التسلل بمشاركة نحو 3 آلاف شخص وبمشاركة وسائل بحرية وجوية.

8- تقديس التكنولوجيا

إن الاستناد إلى المعلومات التي تحققت بوسائل متطورة كان واسعاً، ما غرس إحساساً بالتفوق الاستخباري. لكن تلك المصادر لم تطرح مؤشرات مسبقة للهجوم تم التقاطها باستخبارات بسيطة، مثل الإعلام العلني مثلاً، ووسائل الرقابة والاتصال التكتيكية. في الخلفية كانت فجوة خطيرة من انعدام المعلومات الاستخبارية البشرية.

9- الصعوبة في حل لغز السنوار

على مدى السنين نفذت تحليلات نفسية على زعيم حماس الذي وضع فكرة هجوم 7 أكتوبر ورأى فيه مهمة حياته. في هذا الإطار، تقرر أنه مسيحاني – تشخيص دقيق، كون الحديث يدور عن زعيم يعيش في أجواء “الآخرة” – لكنه طرح ادعاء مغلوطاً بأنه منقطع عن الواقع. لذا نفذ إسقاط المنطق الإسرائيلي عليه.

10- الإخفاف السياسي

الادعاء الذي يقول إن إسرائيل عززت حماس في ضوء رغبتها في إضعاف السلطة صحيح، لكنه يحتاج إلى الدقة. أولاً، حماس مغروسة في عمق الساحة الفلسطينية. وإسرائيل سهلت عليها أحياناً، لكنها كانت ستولد وتتعزز بدونها أيضاً. ثانياً، كل المحافل السياسية في العقدين الأخيرين كانت مشاركة في المفهوم إزاء حماس. تقع على نتنياهو المسؤولية الأكبر، لكن حكومة التغيير ساهمت أيضاً من خلال مشروع العمال من غزة. لم يدفع أحد منهم قدماً بخطوة سياسية في الموضوع الفلسطيني، واكتفوا بالسلام الاقتصادي.

في نهاية الحرب، لن يكون كافياً التحقيق العسكري. واجب أن يجرى نقاشاً وطنياً، في مركزه سؤال: هل يفهم المجتمع الإسرائيلي المجال من حوله بعمق؟ من الحيوي أن يتقيد إدمان الحد الأقصى من التكنولوجيا وتحيا الخبرة التي قلت قيمتها، وعلى رأسها تعلم لغة وثقافة “الآخر”، سواء لحاجة القضاء على التهديدات أم لإدارة الاتصالات.

ريال مدريد يقتل الافيس قي الدقائق الأخيرة ويتصدر الدوري/ الزميل حيدر كرنيب

اتطاع ريال مدريد أن يقتنص فوزا صعبا ومهما للغاية،بعد مباراة صعبة وشاقة أمام ديبورتيفو الافيس.

 

وتمكن لوكاس فاسكيز من منح فريقه المرينغي،الاسبقية،بعد أن سجل هدف التقدم في الثواني الاخيرة.

 

وبفوزه على الافيش،تمكن ريال مدريد من التربع على قمة الدوري الاسباني مستغلا تعادل جيرونا مع ريال بيتيس،حيث سقط الفريق الكتالوني في فخ التعادل بعد أن كان متقدما بهدف مقابل لاشيء،قبل أن يعادل المدافع الأرجنتيني المخضرم جرمان بيزيلا النتيجة لصالح كتيبة مانويل بلغريني.

 

ويتصدر ريال مدريد بطولة الدوري الاسباني حاليا،برصيد 45 نقطة،متساويا مع جيرونا الذي يمتلك نفس الرصيد في المركز الثاني،في حين يبتعد برشلونة الجريح عن الثنائي بفارق سبع نقاط في المركز الثالث

السبب الحقيقي لانسحاب لواء غولاني من غزة:

اللواء خسر أثنين من قادته منذ بدأ العملية البرية، بالإضافة إلى 12 قائد من قادة الكتائب ومساعديهم، و40% من قوته التسليح والآليات العسكرية مما جعله خارج الجاهزية.

إذا كان هذا حال اللواء الأقوى والأميز لجيش الاحتلال.. فكيف باقي الألوية.