بُعد آخر لحرب الإبادة الجماعية

 

طلال عوكل

◼️ حين تتّخذ الحرب أهدافاً، ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، المدفوعة بكراهية الآخر، وبروح الانتقام، تختفي الكثير من المشاهد، لتترك المجال للمشهد العام الذي يتّصل بتقييم لمجريات الحرب ومآلاتها العامّة من وجهة نظر الأطراف التي تخوضها.
تختفي الأهداف الكبرى خلف ادّعاءات كاذبة، حتى أصبح من يطلقون هذه الادّعاءات لا يصدّقونها، بعد أن انفضحت أمام الرأي العام العالمي بأبشع الصور، ووفق أبسط المعايير.
كانت الحرب في أوكرانيا مثالاً فجّاً على سقوط منظومة القيم الكاذبة والفاسدة، التي اختفت وراءها حملات الغزو الاستعمارية، واتّضح أنّ مدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية، لم يعودوا يهتمُّون لانكسار ميزان العدل لصالح سياسات تقوم على ازدواجية المعايير.
يتكرّر الدرس على صورة أشدّ وضوحاً، وأوسع انتشاراً وتأثيراً، خلال الحرب على الشعب الفلسطيني في نسختها الراهنة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل المنصرم.
منذ اللحظة الأولى للحرب، أطلقت الولايات المتحدة، وحلفاؤها «الغربيون»، الذين احتشدوا خلف الحرب في أوكرانيا لتركيع روسيا، شعار حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
في كلّ العدوانات السابقة على قطاع غزة، وعلى القدس والضفة الغربية، كان هذا الشعار يتصدّر الموقف الأميركي و»الغربي»، ولم يذكر هؤلاء ولا مرّة واحدة، شيئاً عن حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه وحقوقه، التي يعترف هؤلاء بها.
يسقط هذا الشعار مرّات ومرّات، ولكن يظلّ الذريعة لإخفاء الأهداف الاستعمارية الحقيقية التي تقف خلف هذه الشراكة بين الاستعمار وأدواته.
يسقط هذا الشعار المضلّل حين يتحوّل مبدأ الدفاع عن النفس إلى حرب إبادة بشعة، مدفوعة بالانتقام، وكراهية الآخر، وقتل كلّ مظاهر وعوامل الحياة البشرية. للحرب الاستعمارية أهدافها التي روّج لها هؤلاء، وفي أصل الأهداف الإجهاز على القضية الفلسطينية وتهجير وتشتيت الشعب الفلسطيني.
ما يتطابق مع الأهداف التي وقفت خلف تأسيس المشروع الصهيوني الأوّل، وصولاً إلى إعادة هيكلة الشرق الأوسط بما ينسجم وضرورة تكريس الانقسامات، وزرع الفتن، من أجل الهيمنة على مقدّرات هذه المنطقة.
مجريات الحرب، بكلّ قسوتها، وبشاعتها وبكل القوة والقوى التي انخرطت فيها إلى جانب دولة الاحتلال، قالت بالفم الملآن، إن هؤلاء فشلوا حتى الآن والأرجح أنّهم سيفشلون في تحقيق هذه الأهداف.
ثمة من يعتقد أنّ الحرب مستمرّة، وأنّ إسرائيل تواصل ما دأبت عليه من أجل تحقيق هدف تهجير سكّان قطاع غزة قسرياً إلى سيناء المصرية، ثمّ «تواضع» هؤلاء، فأصبح الهدف «تهجيراً جزئياً، و»تقليل عدد سكّان القطاع، وتقليل مساحته الجغرافية».
الوقائع على الأرض تقول غير ذلك، فمصر لا تزال عند موقفها من التهجير، والفلسطينيون يتمسّكون بالبقاء في بيوتهم، أو ما تبقّى منها، ومتمسّكون في البقاء في الخِيَم التي أقاموها على عجَل في أماكن يعتقدون أنّها أكثر أمناً بالمعنى النسبي، وسط جحيم لا يترك مساحة صغيرة آمنة.
السلوك الميداني لجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال مجريات الحرب، أثبت أنّ من يديرون الحرب من جو بايدن إلى بنيامين نتنياهو، يتمتعون بغباء شديد، حتى إزاء كيفية التعامل مع الأهداف التي أرادوا تحقيقها.
بعد جولاتٍ طويلة ومتكرّرة من المواقف والقرارات المتبدّلة، والتي تعكس الفشل الذريع، والغباء المطلق، يصبح الهدف الرئيسي مكشوفاً، بالرغم من عمليات التضليل المكثّفة، التي تديرها، أجهزة الحرب.
القضاء على «حماس» يتحوّل إلى تفكيك بنيتها، وتحقيق الأمن لمستوطني «غلاف غزّة»، يتحوّل إلى مجرّد «شريط أمني» على طول الحدود الشرقية والشمالية للقطاع.
تحرير الأسرى الإسرائيليين من الجنود بالقوّة، يتحوّل إلى هدف رئيسي، لا يمكن تحقيقه إلّا عَبر التفاوض بعد الفشل في سحق «حماس» والمقاومة، تفكّر إسرائيل في ضخّ مياه البحر في الأنفاق، كمحاولة أخيرة لتحقيق الهدف، بغضّ النظر عن نتائج وتأثيرات ذلك على الخزّان المائي، بما يلحق الضرر، أيضاً، بإسرائيل.
شخصياً أعتقد أنّ الخطّة الإسرائيلية الأساسية، كانت تقوم على تهجير كلّ سكان مدينة غزّة وشمالها نحو الجنوب، بهدف استخدام أسلحة مُحرّمة دولياً للقضاء على المقاومة في أنفاقها.
فشلت خطّة التهجير والاستفراد بالمقاومة، وفشلت الوسائل، واستبدلت باستخدام قذائف مدمّرة للأنفاق، وحين فشلت في ذلك تحوّلت للتفكير باستخدام مياه البحر، ولكن هذه الوسيلة، أيضاً، غير مضمونة التحقُّق.
يتبقّى لإسرائيل وحلفائها، الذين تجنّدوا، وجنّدوا وسائلهم الاستخبارية، وآخرهم بريطانيا، للكشف عن مكان وجود الأسرى من جيش الاحتلال، وكشف ماهية وخرائط الأنفاق، يتبقّى لهؤلاء مواصلة الحرب على الحياة البشرية.
لا نتحدّث عن المجازر التي يتجاوز عددها الألف وخمسمائة مجزرة، واستهدفت المدارس، والمستشفيات، والأبراج السكنية، والمساجد، وأماكن الإيواء وإنّما نتحدّث عن أبعاد ذلك وتفاصيله.
تعمل القوات الغازية على إعدام كلّ وسائل الحياة حين تتوقّف الحرب، لا بيوت، أو حتى خيام، ولا الحدّ الأدنى من إمكانيات الطبابة، ولا مدارس أو رياض أطفال، ولا زراعة، أو صناعة، ولا الحدّ الأدنى من الغذاء والدواء، ولا كهرباء، أو وسائل التواصل. فقط ما يتبقّى من البشر، بعد إبادة عشرات الآلاف منهم، وبالتالي تعريض حياة أكثر من مليوني إنسان للإبادة عَبر إبادة وسائل الحياة بأبسط متطلّباتها.
ستقف الحرب، بينما البُنية التحتية مدمّرة، والشوارع، وتدمير وسائل إدارة شؤون الناس، بما في ذلك المياه الصالحة للشرب، أو حتى الاستحمام.
إسرائيل تستخدم أسلحة محرّمة دولياً، لتسميم هواء غزة، وأرضها، ما فوقها وما تحتها.. حتى الأسماك، لم تعد متوفّرة، فلقد دمّرت إسرائيل ميناء الصيّادين ومراكبهم وشِباكهم، بعد أن استهدفتهم بالمجازر التي أدّت إلى استشهاد الآلاف منهم.
في التفاصيل، أيضاً، عشرات آلاف القصص الإنسانية المؤلمة، من تشتُّت العائلات، وانقسامها، واستشهاد أفراد منها، وتهديد حياة المتبقّين وأغلبهم من الأطفال، بالضياع والتشتّت.. وفق كلّ ذلك، ما ينجم عن تعفّن آلاف الجثث تحت الركام، دون توفّر الحدّ الأدنى من الآليات والطواقم القادرة على سحبها ودفنها.
تعتقد العصابة المجرمة، التي تدير الحرب، أنّها بذلك، ستضمن الأمن والاستقرار لمستوطنيها في «الغلاف»، وستضمن الأمن لإسرائيل لفترة أطول. لكن هؤلاء يعجزون عن قراءة الإنسان الفلسطيني.
حرب الإبادة التي تشنُّها إسرائيل ومن معها، لا يُدركون أنّ آثارها من شأنها أن تخلق جيلاً فلسطينياً، هو الأشدّ تطرُّفاً في عدائه للاستعمار «الغربي»، وأداته العنصرية الفاشية.
مرّة أخرى يطيح الشعب الفلسطيني بمقولة بن غوريون الذي قال يوماً «إنّ الكبار يموتون والصغار ينسون».. ويفشل هؤلاء في قراءة مميّزات الفلسطيني، المصمّم على البقاء، واسترداد حقوقه، فلقد علّمته تجربة الحرب الجارية كيف يتغلّب على صعوبات الحياة تحت القصف والتدمير، وانعدام وسائل الحياة، في غزة، تغلّب الناس على ندرة كلّ وسائل الحياة من الكهرباء والغاز، والطعام والدواء، والبيت، والماء، حتى أصبحت لديهم مناعة كافية للبقاء ومعاودة بناء الحياة.
لن تنجو إسرائيل بنفسها ولن ينجو داعموها أجانب كانوا أم عرباً، ومسلمين، من غضب الشعب الفلسطيني، فهو قد أثبت مئات المرّات أنّه شعب استثنائي.

نتنياهو على المشرحة: أسوأ رئيس حكومة في إسرائيل!

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي جاءت في أعقاب هجوم حماس على جنوب إسرائيل يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تمّ وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على المشرحة. هذا الأمر آخذ بالتصاعد في الأيام الأخيرة.

من أبرز من تصدّى لذلك، في الأيام القليلة الفائتة، مالك صحيفة “هآرتس“، عاموس شوكن، الذي نشر قبل عدة أيام مقالاً أكّد في مستهله أنه سوف يجري تذكّر بنيامين نتنياهو على أنه أسوأ رئيس حكومة؛ فقد فشل في منع التسلح النووي الإيراني وتصرف بغطرسة ضد الرئيس الأميركي باراك أوباما، بدلاً من مساعدته، وربما التوصل معه إلى اتفاق أفضل. ولقد أقنع دونالد ترامب بإلغاء الاتفاق من دون توفير بديل، وتسبب في تقليص المسافة الفارقة بين إيران والسلاح النووي مما عزّز مكانتها الدولية. بالنسبة لمواطني إسرائيل، فإنه زعيم يدبّ الخلاف والانقسام وليس زعيماً يوحّد المجتمع. وإن “قانون القومية” الفاشي الذي دفع لإقراره العام 2018، يشكل إضراراً خطيراً بخُمس المواطنين. وفي الآونة الأخيرة، اعتمدت إسرائيل على الجنود المقاتلين الدروز والبدو والعرب في مهن المجال الطبي في المستشفيات. لكن لم يخجل نتنياهو من معاملتهم كمواطنين بمستوى متدنٍّ.

وأضاف شوكن أن نتنياهو فشل في سياسته تجاه الفلسطينيين، فدعمه لحركة حماس فقط لتفادي إجراء مفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس حول إقامة دولة فلسطينية، قد أدى إلى كارثة السابع من أكتوبر. ولا يمكنه تحرير نفسه من هذا الفشل. ونتنياهو يعتبر نفسه أيضاً زعيماً للشعب اليهودي، لكنه تسبّب بأضرار لم يسبق أن تسبب بها أحد. ويمكن لكل شاب في العالم أن يشاهد في التيك توك كيف تسوّي إسرائيل غزة بالأرض وتقتل بقصفها الآلاف، بمن في ذلك النساء والأطفال والمسنون. يمكن رؤية النتائج في حرم الجامعات. ولقد أدت سياسة إسرائيل تحت زعامة نتنياهو إلى تقوية اللاسامية في العالم، لكن هذا لا يهمه على ما يبدو.

وأشار شوكن إلى أن نتنياهو قاد هذه السنة انقلاباً هدفه تدمير استقلالية جهاز القضاء الإسرائيلي وقدرته على حماية الجمهور ونقد الحكومة. لقد تعرضت المحكمة العليا للهجوم لأن وجودها ألزم الحكومات بالتصرف بشكل معقول وتقديم الخدمات ليس لنفسها بل للجمهور. ربما لم يعد هذا مقبولاً على نتنياهو. فهو لم يهتم بأن الملايين تظاهروا ضده على امتداد تسعة أشهر، وبأن وزير العدل ياريف ليفين قد أوضح أن خطة الإصلاح ستعود بعد الحرب.

ورأى مالك “هآرتس” أن الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي عارض الانقلاب القضائي، تجنّد بعد 7 أكتوبر بقوة لصالح إسرائيل، وعرّض بذلك قدرته على إعادة انتخابه للخطر وقد يدفع ثمناً انتخابياً بسبب دعمه لإسرائيل، التي بات ينظر إليها ناخبون ديمقراطيون محتملون كدولة يُحظر دعمها بسبب نظام الأبارتهايد والقوة الذي تمارسه ضد الفلسطينيين، ومن المهم بالنسبة لإسرائيل والعالم أن يُعاد انتخاب بايدن.  لذا يوجد تحرّك واحد يجدر بنتنياهو أن يأخذه في الاعتبار، بحسب ما يؤكد شوكن، وهو الإعلان عن قبوله لموقف بايدن وموافقته على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، واتخاذ إجراءات عملية نشطة لتحقيق ذلك مع السلطة الفلسطينية. وبرأيه إذا ما حدث ذلك، ستتحسن صورة إسرائيل على نحو ملحوظ.

بطبيعة الحال سيستمر هذا التوجّه حيال نتنياهو في الفترة المقبلة، وستكون هناك فرص أخرى لتسليط الضوء على هذا الموضوع، خصوصاً أن تناوله غير مقتصر على التحليلات الصحافيّة السريعة بل بدأ يتعدّى ذلك إلى الدرس والتدقيق، مثلما تمثّل على ذلك مقالة نشرها الباحث أفيتار أورن في موقع “تيلم”، الذي يعرّف نفسه بأنه منصة للحوار السياسي، ووصف فيه نتنياهو بأنه “المفكّك الأكبر”،؛ الشخص الذي تشبه شهوته للسلطة “ثقباً أسود ابتلع كل شيء من حوله، حتى كاد أن يبتلع دولة بأكملها”!

وبرأي هذا الباحث، إذا كانت الحرب الحالية في قطاع غزة هي الفصل الأخير في مسيرة نتنياهو السياسية، فإن العديد من الإسرائيلين يشعرون هذه الأيام بالتزام أخلاقي لضمان أن تكون فعلاً كذلك، وسيكون من الممكن كتابة سيرة هذه التجربة حول مبدأ التفكيك المذكور أكثر من أي شيء غيره. وهو يشير إلى أن احتفاظ نتنياهو بالسلطة أعواماً طويلة ـ على الرغم من كثرة الإخفاقات والفضائح وقلة الإنجازات المهمة على مر الأعوام، باستثناء قدرته المدهشة على إعادة انتخابه ـ نجح بواسطة آلية واحدة وبسيطة للغاية، هي آلية نفسيّة، تقوم على زرع الخوف وفي الوقت نفسه بناء صورته كشخصية أب قوية موثوقة، وقادرة بقواها الشخصية الخارقة على حماية الدولة من التهديدات الماثلة أمامها ومن أعدائها.

ويكتب أورن: إن الرسالة التي ظل نتنياهو ينقلها وحدها بمنهجية إلى أنصاره لسنوات هي بإيجاز: أنتم معي في أمان، وبدوني إلى ضياع. إن شعب إسرائيل على بعد خطوة واحدة من هولوكوست ثان، الأخطار الوجودية محدقة به دائما، ووحده نتنياهو الذي يقف سداً في وجه السيل. لهذا الغرض، أبقى على مر الأعوام على أعداء يبثون الرعب في أوساط الجمهور الإسرائيلي العريض، مثل إيران وحماس.

ويعرب أورن عن اعتقاده بأن تحوّل نتنياهو إلى زعيم خطر ومنحلّ كان تدريجياً وليس خاطفاً. كما أن رسائله السياسية – الثيولوجية تعززت بقوة على مر السنوات بفضل سيطرته التي لم يكن مثيل لها على وسائل الإعلام الجماهيرية، ومن خلال القضاء المنهجي على أي شخص وأي شيء قد يهدّد صورته الأبوية المهابة أو يجعلها فائضة عن الحاجة. ولقد قيل وكُتب الكثير عن المنهجية التي قضى بواسطتها نتنياهو سياسياً على خصومه في الداخل والخارج، فقد جزّ رؤوس المعارضين المحتملين في حزب الليكود ودفع إلى عزلهم أو نفيهم من الحزب (ومنهم أفيغدور ليبرمان، وجدعون ساعر، وموشيه كحلون)، وحرص على إحاطة نفسه وملأ قيادة حزبه بشخصيات وضيعة صاغرة ومتملقة لا تهدّد تفوقه الحصري. وبالمثل، قام نتنياهو بالقضاء المنهجي على خصومه السياسيين في الوسط واليسار الصهيوني، بواسطة اغتيال شخصياتهم وعرضهم كجبناء وضعفاء ومهزوزين.

لكن نتنياهو لم يكتف بتصفية المعارضين فقط، كما يكتب أورن، بل قام بتصفية مؤسسات وبنى تحتية وأنظمة وآليات، وأدى إلى تآكل عميق في ثقة الجمهور بكل هذه الأجهزة: جهاز الأمن، وجهاز القضاء، ووسائل الإعلام المستقلة، والمجتمع المدني، وجهاز الرفاه والخدمات الاجتماعية، وقطاع الخدمات العامة، والشرطة، ورقابة الدولة، وجهاز الصحة، وكذلك الكنيست كمؤسسة مستقلة. ويصعب على المرء التفكير في مؤسسة عامة واحدة لم يقم نتنياهو بإضعافها بشكل منهجي في العقود الثلاثة الماضية.

وفي ما يخص المجال الأمني، يكتب أورن أنه كان متعارفاً عليه القول في غالبية السنوات إن نتنياهو محافظ للغاية – يتجنب المغامرات التي من شأنها أن تكلف الجمهور الإسرائيلي ثمناً باهظاً (والأخطر من ذلك، ثمناً سياسياً باهظاً للغاية بالنسبة له)، وأنه يعمل بطريقة محسوبة للحفاظ على الوضع القائم قدر الإمكان – حتى على حساب إيجاد حل أساسي، سياسي أو عسكري للمشاكل الجوهرية، “أما الآن فقد سقط علينا الإدراك بأن أسلوب التعامل الإسرائيلي مع حماس كان على الدوام لعباً بالنار”.

وبموجب ما يشير الباحث، فإن السياسة التي انتهجها نتنياهو في الساحتين الفلسطينية والإيرانية طوال فترة ولايته تندرج تماماً في هذا القالب المطروح. فلقد حاول نتنياهو طوال حياته منع التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، لأنه في غياب صراع أو تهديد أمني دائم، ستقلّ الحاجة إليه كزعيم قوي. وإن التوجه المتمثل في تعزيز حماس وإضعاف السلطة الفلسطينية، الذي روّج له نتنياهو بمنهجية على امتداد العقد الماضي، هو التعبير الواضح عن ذلك. كذلك فإن معارضة نتنياهو للاتفاق النووي مع إيران تهدف إلى الإبقاء على المواجهة معها، هذا على النقيض من موقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي اعتقدت أن الاتفاق سيبعد التهديد الإيراني سنواتٍ طويلة وسيحرر موارد لصالح التعاطي مع مشاكل أخرى.

وختم أورن قائلاً إنه في أحداث “غلاف غزة” يوم 7 أكتوبر وصلت نزعة إضعاف الأجهزة والمؤسسات إلى مستويات مروعة، لدرجة أنه لم يستطع حتى أشد منتقدي نتنياهو تخيّلها، فالقيادة قادت إسرائيل بعيون مفتوحة إلى هذه “الكارثة”، والجيش الإسرائيلي خيّب الظن والأمل – سواء من ناحية استخباراتية (توقع هجوم حماس المفاجئ ومدى قوته) ومن ناحية عملياتية (في الاستعداد والوصول سريعاً إلى حلبات الأحداث). كما أن المنظومات العامة، التي من المفترض أن تعمل في أوقات الطوارئ، فشلت فشلاً ذريعاً في الأيام الأولى على الأقل، إذ فشلت في تلبية احتياجات الناجين، والتواصل مع أهالي المفقودين والمختطفين والقتلى، وتقديم تعويضات سريعة لمن يحتاجون إليها. كما أن الوزارات الحكومية تفشل في عملها. وهذه الفوضى، من أولها إلى آخرها، هي صنيعة يدي نتنياهو، الذي كان دائماً يبني على أن يكون الوضع مخيفاً بدرجة كافية لجعل الجمهور في حاجة إليه، لكن ليس سيئاً لدرجة أن يضطر إلى إثبات قواه الخارقة وأن يُنظر إليه كمسؤول عن الكارثة. والآن فات الأوان بالفعل.

ويخلص الباحث إلى الاستنتاج الآتي: “إن الكارثة الحالية هي أولاً وقبل كل شيء أمنية، لكن انعدام أداء كافة الأجهزة في إدارة الدولة في أزمة تصرخ إلى السماء، يزيد من الضائقة والعجز. هذا التفكك ليس نتاجاً ثانوياً مرافقاً غير مرغوب فيه أو ضرراً جانبياً لعمل نتنياهو، بل هو العمل نفسه. ومن الصعب أن نفكر في الأجهزة التي تمت رعايتها في عهده، فيما عدا اليمين المتطرف في إسرائيل وحماس. هذا هو إرثه، وهكذا تمكن من أن يُنتخب عدداً من المرات أكثر من أي رئيس حكومة آخر وأن يحكم فترةً أطول من أي رئيس حكومة آخر. أن يُنتخب لكي يُنتخب، وأن يحكم لكي يحكم”.

حادثة مقتل محام إسرائيلي برصاص جندي احتياط تعيد النقاش حول “سياسات إطلاق النار”

 وليد حباس

يوفال كاستلمان، محام إسرائيلي خدم سابقا في شرطة حرس الحدود. مع بداية الحرب على قطاع غزة انضم إلى قوات الاحتياط الإسرائيلي للمشاركة في الحرب، وبعد فترة قصيرة تم تسريحه ليعود ويزاول مهنته. في تاريخ 30 تشرين الثاني 2023، وقعت عملية إطلاق نار نفذها شابان من قرية صور باهر في القدس. كان كاستلمان متواجدا في موقع العملية واقترب من سيارة المنفذين، وأطلق النار على الشابين مما أدى إلى استشهادهما. في اللحظة نفسها، وصل أفيعاد فريجا، وهو مستوطن وجندي احتياط مسلح، وظنّ بأن كاستلمان (الذي قتل المنفذين الفلسطينيين) هو واحد من منفذي العملية. رفع فريجا السلاح في اتجاه كاستلمان وأطلق عليه رصاصة ما أدى إلى سقوطه على ركبتيه. وألقى كاستلمان سلاحه، ورفع يديه أمام الجندي فريجا، وخلع سترته ليظهر أنه غير مسلح، وألقى محفظته على الأرض حتى يتمكن فريجا من رؤية بطاقة هويته الإسرائيلية. لكن فريجا اقترب منه، وأطلق عليه عدة رصاصات إضافية أسفرت عن مقتله.

في إسرائيل كان هناك عدد من الحالات التي قتل فيها إسرائيلي إسرائيلياً آخر عن طريق الخطأ بعدما ظن أنه “مقاوم فلسطيني”… فمثلاً في العام 2015، بعد هجوم فلسطيني على محطة الحافلات المركزية فيبئر السبع، تم إطلاق النار على حبتوم زرهوم، وهو عامل أجنبي، وجرى إعدامه بدون تفكير أو تفحص. وفي العام 2022، قتل إسرائيلي بالرصاص عند مفترق رعنانا (وسط إسرائيل) على يدي جندي اشتبه بهبأنه فلسطيني. لكن في هذه المرة، تأتي قضية فريجا في سياق مختلف كليا. فقبل أقل من عام واحد، دخل إيتمار بن غفير، رئيس حزب “عوتسما يهوديت” (“قوة يهودية”) الفاشي، إلى الحكومة الإسرائيلية التي يترأسها بنيامين نتنياهو، وفي جعبته أجندة متطرفة في كل ما يخص محاربة الفلسطينيين. من جهة، دعا بن غفير إلى تسليح العدد الأكبر من الإسرائيليين، كما دعا إلى تشكيل ميليشيات مدنية تحت اسم “الحرس القومي”. والفكرة من وراء هذه المجموعات تكمن في خلق واقع جديد من خلاله يتحول كل إسرائيلي إلى “مسلح متجول” ويكون قادراً على التعامل مع أي عملية فلسطينية قبل وصول الشرطة.

وقد رفد بن غفير هذه الفكرة بجملة من التسهيلات، انطلاقا من موقعه كوزير للأمن القومي ومسؤول عن الشرطة وحرس الحدود. أحد أهم هذه التسهيلات سعيه لتقديم تشريعات من شأنها أن تسهل قواعد إطلاق النار. وهذه القواعد تحدّد متى يُسمح لحاملي الأسلحة النارية، وخاصة الجنود، بإطلاق النار من أسلحتهم،من دون تلقي أمر مباشر بإطلاق النار في الوقت الحقيقي، وتحدّد الخطوات التي يجب اتخاذها قبل إطلاقالنار. واعتبر المعارضون الإسرائيليون لهذه التشريعات اليمينية المتطرفة بأنها قد تشكل تهديداَ لدور جهاز القضاء الإسرائيلي، حيث أن الحرس القومي قادر على توقيف هدف يعتبره خطراً والحكم عليه بالإعدام من دون الحاجة إلى وضعه أمام سياق قضائي قانوني.

التسهيل الثاني الذي دفع بن غفير إلى إدخاله يتعلق بتسهيل تراخيص حمل السلاح. وقبل أسبوع قدم يسرائيل أفيسار استقالته من منصبه كمسؤول عن قسم توزيع الأسلحة النارية في وزارة الأمن القومي مدعيا بأن الوزير، أي بن غفير، يتجاوز الإجراءات المهنية المعمول بها في منح أسلحة نارية ويقوم بتقديم أجندته الرامية إلى زيادة عدد القطع النارية في أيدي المتطرفين والمستوطنين خاصة.

هذا النقاش كان في خلفية الحادثة التي قام بها فريجا بإطلاق النار على “شخص” (قبل أن يعرف أنه إسرائيلي)، حتى بعد أن استسلم ورمى سلاحه على الأرض. وفريجا هو مستوطن كان سابقاً عضواً في جماعة “شبيبة التلال”، ويحمل رؤية توراتية متطرفة. بعد الحادث، تم نشر مقاطع فيديو يظهر فيهاكاستلمان يتوسل من أجل حياته ويبين بشكل واضح أنه لم يكن فلسطينياً.  وعلى الرغم من كل هذا، استمرالجندي فريجا في إطلاق النار عليه حتى أصيب بجروح قاتلة توفي متأثراً بها. ومن المتوقع أن يستمر النقاش في هذا الموضوع وقد يستلزم أن نعود إليه على نحو أوسع.

الاقتصاد الإسرائيلي يغوص في ركود يزحف نحو انكماش، والبنوك تستعد لموجة من حالات الإفلاس

 برهوم جرايسي

تشير كل التقديرات بشأن الاقتصاد الإسرائيلي – سواء أكانت صادرة عن مؤسسات رسمية أم عالمية- إلى أن الاقتصاد بات يغوص في حالة ركود، في العامين الجاري والمقبل 2024، إلا أن تقارير عالمية تؤكد أن هذا الاقتصاد يزحف نحو حالة انكماش محدود، ومستوى المعيشة في حالة تردٍ، في حين أن البنوك التجارية الإسرائيلية باتت تستعد لموجة حالات إفلاس، بسبب اتساع ظاهرة عدم القدرة على تسديد الديون والاعتمادات المالية. كل هذا هو بمثابة انعكاس مباشر للحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وانعكست في شل قطاعات اقتصادية حيوية، وضربت الاستهلاك الفردي والعام في السوق الإسرائيلية.

ففي التقرير الدوري، الصادر في الأسبوع الماضي، خفّض بنك إسرائيل المركزي تقديراته للنمو الاقتصادي، لتصبح بنسبة 2% في كل واحد من العامين الجاري والمقبل 2024، وهذه تعد نسبة ركود، نظرا لتساويها مع نسبة التكاثر السكاني، لكن في قراءة أخرى يظهر أن الربع الأخير الحالي من العام الجاري 2023، سيغرق الاقتصاد في حالة انكماش واضح، يختزل نسب النمو الاقتصادي التي تحققت في الأرباع الثلاثة الأولى من هذا العام. غير أن تقديرات بنك إسرائيل المركزي ترتكز على فرضية أن الحرب ستنتهي في الربع الأول من العام المقبل، وفي هذه الحالة، فإن النمو سيرتفع في الربع الأول من العام المقبل بنسبة 1.6%، وهذا أيضا يعد انكماشا فعليا، لكن إذا ما امتدت الحرب إلى نهاية العام، فإن النمو سيكون في محيط صفر بالمئة، ولأكثر دقة 0.2% مع نهاية العام المقبل.

وهذه التقديرات الرسمية، القابلة للتعديل في كلا الاتجاهين، تزامنت مع صدور تقديرات عن منظمة التعاون والتنمية للدول المتطورة OECD، رأتها الصحافة الإسرائيلية سيئة للغاية، إذ بحسبها فإن النمو الاقتصادي سيرتفع في العام الجاري بنسبة 2.3%، وفي العام المقبل 1.5%، في حين أن تقديرات OECD للاقتصاد الإسرائيلي قبل الحرب، كانت نموا اقتصاديا بنسبة 2.9% في العام الجاري، و3.3% في العام المقبل 2024.

وتقول OECD إن أساس الضرر الاقتصادي سيتركز في الربع الأخير من العام الجاري، وأن الاقتصاد الإسرائيلي سيشهد نمواً متسارعاً بنسبة 4.5% في العام 2025، ويبدو أن المنظمة الدولية ترتكز على تجارب سابقة للاقتصاد الإسرائيلي، في جانب أنه بعد انتهاء حالة التوتر، فإن الجمهور سيُقبل على صرف زائد، تعويضا عما سبق، بعد أن حرص على عدم الصرف الزائد في حالة عدم الاستقرار.

وبحسب تقرير OECD نفسه، فإن إجمالي الدين الإسرائيلي العام سيقفز من حجم 60% من إجمالي الناتج العام حاليا، إلى 65% مع نهاية العام 2024، وهذا يتلاءم مع تقديرات بنك إسرائيل المركزي، ووزارة المالية الإسرائيلية. و5% زيادة تعادل 100 مليار شيكل (ما يقارب 27 مليار دولار)، هي الزيادة المتوقعة في الصرف الرسمي، بسبب العدوان على قطاع غزة، موزعة على العامين الجاري والمقبل، إذ إن الكنيست كان قد أقر بأصوات الائتلاف زيادة 30 مليار شيكل على ميزانية العام الجاري، من خلال زيادة نسبة العجز في الموازنة العامة.

وكانت شركة التقييم والتقديرات الاقتصادية العالمية، “موديس”، قد توقعت انهيار معدل الفرد من الناتج الإسرائيلي، من 54.3 ألف دولار في العام 2022، إلى 46 ألف دولار مع نهاية العام المقبل 2024، وهذا تراجع بنسبة 15%.

وترى الشركة نفسها أن التراجع الاقتصادي سيطاول الكثير من المؤشرات الاقتصادية، لكنها زادت وقالت إن قيمة الشيكل أمام الدولار ستتدهور إلى مستوى 4.3 شيكل للدولار، رغم أن تدهور قيمة الشيكل كانت فقط في الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب، ثم تحسنت بنسبة عالية، وعادت إلى المستوى الذي كانت عليه في منتصف شهر آب الماضي، وساهم في هذا أن بنك إسرائيل باع قبل 3 أسابيع 8.2 مليار دولار، وهذا 25% فقط مما أعلن سابقا عن بيعه كي يحافظ على قيمة الشيكل، كما تداخلت عوامل عالمية ومحلية أخرى رفعت من قيمة الشيكل حتى الآن.

ما سيقلق الاقتصاد الإسرائيلي هو أنه في تقديرات “موديس” أن الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الإسرائيلي ستنهار بنسبة 75% في العام المقبل، من حوالى 12 مليار دولار في بحر العام الجاري، إلى أقل من 3 مليارات دولار بالمعدل، في العام المقبل 2024.

ويقول المحلل الاقتصادي إيتان أفريئيل، في مقال له في صحيفة “ذي ماركر” التابعة لصحيفة “هآرتس“، إنه في الأسبوعين الأخيرين، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب، “تلقينا التقديرات الأولى للوضع الاقتصادي لإسرائيل في العام المقبل 2024، وبحسب كل التوقعات، ستكون هذه سنة قاتمة ومعظمنا كذلك. سيكون الناس أكثر فقرا (أو أقل ثراء، كل حسب حالته)، ليستهلكوا أقل، وسيمارسون نشاطا تجاريا بدرجة أقل. وهذا ليس توقعا مفاجئا، لأننا في حالة حرب، لكن السؤال هو: إلى أي مدى؟”.

وأضاف: “أولئك الذين لديهم وظيفة ومنزل، سوف يستهلكون أقل في العام المقبل، وسيوفرون أيضا أقل… وفقا لوكالة موديس، ستنخفض المدخرات الخاصة في إسرائيل في العام 2024 بأكثر من 5%. وإذا لم تنته الحرب بسرعة بانتصار إسرائيلي لا لبس فيه، فستكون هذه سنة اقتصادية صعبة. وحتى الواردات، وهي غالبية السلع الاستهلاكية، والتي انخفضت بالفعل بالقيمة الدولارية بنحو 15% في العام 2023، من المتوقع أن تنخفض في العام 2024 بنحو 14% أكثر. وهذا هو أوضح مثال على الضرر الذي لحق بالاستهلاك الشخصي ومستويات المعيشة”.

ويتابع: “لقد كانت التكنولوجيا الفائقة (الهايتك) هي المحرك للاقتصاد الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، خاصة خلال سنوات الكورونا، بل إنها كانت تسير في اتجاه الانتعاش في الخارج بفضل المكاسب التي حققتها سوق الأسهم الأميركية، لكن الأجواء في الصناعة صعبة”.

ويشير أفريئيل أيضاً إلى أن قطاع السياحة الوافدة كذلك، وهو قطاع تصديري يدر الدولارات “أصبح مشلولا تماماً، وكذلك السياحة الخارجية، في ظل غياب الحالة المزاجية. وشركات الطيران الأجنبية التي تسافر إلى إسرائيل تعاني من ركود حاد. ولقد انخفض نشاط قطاعات الترفيه بنسبة عشرات بالمئة، وأفاد اتحاد سائقي سيارات الأجرة عن انخفاض دخلهم بنسبة 50% أو أكثر”.

قطاع البناء على حافة انهيار

تؤكد كافة التقارير الإسرائيلية على أن قطاع البناء، الذي يشكل قطاعا أساسيا في حسابات النمو الاقتصادي، يشهد حالة انهيار، ويدور الحديث حول انخفاض بنسبة 70% من الإقبال على شراء البيوت، وهذا الانخفاض بدأ قبل الحرب، بفعل الأوضاع الاقتصادية التي بدأت تتردى في إسرائيل، لكن الحرب أدت إلى استفحال التراجع وبات في وضع انهيار.

وعوامل الانهيار تبدأ في انقطاع 85% من العاملين عن العمل، إذ إن 60% من العاملين كانوا فلسطينيين من الضفة الغربية أساساً، من بينهم نسبة قليلة من قطاع غزة، وحوالى 25% عمال أجانب، ففي حين تم سحب تصاريح العمال الفلسطينيين، فإن الغالبية العظمى جداً من العمال الأجانب غادرت البلاد. وتريد إسرائيل استقدام عشرات آلاف العمال الأجانب، إلا أن هؤلاء ليسوا متشجعين للوصول، في حين أن دولاً حظرت على مواطنيها السفر إلى إسرائيل.

وعلى الرغم من الدعوات الدائمة للاستغناء عن العمال الفلسطينيين، فإنه وفق تقارير حالات سابقة فإن العامل الفلسطيني مفضل أكثر على المقاولين، وأيضا على الاقتصاد، فمن ناحية هو أكثر مهنية وإنتاجية، ومن ناحية أخرى فإن المردود المالي الذي يتقاضاه سيتم صرفه في البلاد، حتى لو أن الصرف في الضفة أو في قطاع غزة، ففي هذا أيضاً استفادة للاقتصاد الإسرائيلي، بينما العامل الأجنبي يحوّل الغالبية العظمى من راتبه إلى وطنه الأصليّ. والتخوف الأكبر من قطاع البناء هو بسبب حجم الاعتمادات البنكية فيه، الذي يصل إلى مستوى 500 مليار شيكل (134 مليار دولار)، وإن أي خلل في القدرة على التسديد سيضرب أجهزة ومؤسسات مالية عديدة.

كما يُثقل على قطاع البناء الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام لعدة أسباب، منها ارتفاعها في الأسواق العالمية، وأيضا التراجع في حركة نقلها إلى إسرائيل.

البنوك تستعد لموجة حالات إفلاس ضخمة

أمام الأوضاع الاقتصادية التي تزداد سوءاً، فقد أعلنت البنوك الإسرائيلية الخمسة الأكبر، في الأسبوع الماضي، عن مضاعفة احتياطي الخسائر الافتراضية، من جراء احتمالات حالات الإفلاس، بسبع مرات، وذلك من حوالى 488 مليون شيكل، كاحتياطي عادي قبل الحرب، إلى 3.1 مليار شيكل حالياً، إذ إن التخوف الأكبر لدى البنوك هو من تزايد حالات إفلاس المصالح الاقتصادية الصغيرة، بصفتها المتضرر الأسرع من الأوضاع الاقتصادية القائمة.

وبحسب التقديرات، فإن حالة العجز عن تسديد الالتزامات ستتضاعف لدى المصالح الصغيرة أكثر من غيرها، لكن هذا لا يعني أن ظاهرة الإفلاس لن تطاول مصالح اقتصادية وسطى من حيث حجمها.

وطالبت البنوك الحكومة الإسرائيلية بوضع برنامج دعم حقيقي وملموس يحمي هذه المصالح الصغيرة، ويعوّضها عن خسائرها، ما يجعلها قادرة على تسديد التزاماتها، نحو البنوك والمؤسسات المالية الرسمية.

وبالرغم من هذا، فإن الخسائر مهما استفحلت فإنها لن تصل إلى البنوك نفسها، فإن أقصى ما سيكون لدى البنوك هو تراجع حجم أرباحها، التي سجلت في العامين الأخيرين ذروة غير مسبوقة، وفي الأشهر التسعة الأولى سجلت البنوك الخمسة الأكبر أرباحاً صافية بقيمة إجمالية بلغت 19.6 مليار شيكل، ما يعني أن البنوك كانت مرشحة لتسجيل ذروة جديدة هذا العام، مقارنة مع حجم أرباحها في العامين 2021، حينما بلغت 18.3 مليار شيكل، وفي العام الماضي 2022 حينما قاربت 24 مليار شيكل.

بايدن يريد السماح للجيش الإسرائيلي باستنفاد العملية ضد “حماس”، لكنه يضع ثمناً واضحاً

المصدر : هآرتس
المؤلف : عاموس هرئيل
  • بعد مرور شهرين على الحرب ضد “حماس”، يبدو أن القتال في غزة وصل إلى مرحلة حساسة أُخرى. ففي الأيام الأخيرة، كثّف الجيش الإسرائيلي هجماته، جواً وبراً، ودفع بقواته إلى داخل مدينة خانيونس، وفي الموازاة، تدور معارك في شمال القطاع، في جباليا والشجاعية وحي الزيتون. وتحدث تقرير من مخيم اللاجئين في خانيونس عن تقدُّم قوات الجيش من منزل عائلة زعيم “حماس” يحيى السنوار. ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تباهى بذلك. السنوار غير موجود هناك، لكن من الواضح ان إسرائيل تحاول زيادة الضغط على قيادة الحركة، التي يمكننا الافتراض أنها تختبىء في أنفاق في جنوب القطاع.
  • تقود العملية في منطقة خانيونس الفرقة 98 التي تضم ألوية مشاة نظامية واحتياطية، معززة بألوية مدرعة. وفي مواجهتها، تنتشر ألوية مناطقية لـ”حماس” في المدينة، مع كتائبها الأربع التي لم تتضرر بصورة كبيرة في القتال حتى الهجوم على المدينة. يتحدثون في الجيش عن قتال صعب، لكنهم يدّعون أنه حتى في هذا الإطار، لا تتحرك “حماس” ضمن أطر عسكرية كبيرة، وتفضل تشغيل خلايا صغيرة نسبياً، تعتمد على الخروج من الأنفاق من تحت الأرض.
  • تتركز مقاومة “حماس” على إطلاق كثيف لصواريخ الآر بي جي من مسافة قريبة، وإطلاق نيران القناصة، وتفجير عبوات ناسفة، يحاول “المخربون” لصقها بالدبابات ومركبات عسكرية أُخرى. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل أن تكون حذرة، والامتناع من إلحاق الأذى بالمواطنين الفلسطينيين، فإن هذه المرحلة، لا تشهد أي تغيير مهم في طريقة القتال في جنوب القطاع، مقارنةً بالمعارك التي خاضها الجيش في شماله.
  • من المتوقع أن يصل مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي جايك سوليفان إلى المنطقة في الأسبوع المقبل. وهو رجل الاتصال الأساسي ما بين الإدارة الأميركية وإسرائيل بشأن كل ما له علاقة بمواصلة القتال. وهذا الأسبوع، زار البلد مستشاران رفيعا المستوى لنائبة الرئيس كامالا هاريس. وعلى الرغم من اهتمام الإدارة الأميركية الكبير بإنهاء القتال، فإن المستويَين السياسي والعسكري في البلد لا يشعران بأن الأميركيين ينوون توجيه إنذار إلى إسرائيل في وقت قريب. ويبدو أن الرئيس بايدن يعتقد أنه يجب السماح للجيش الإسرائيلي بالاستمرار واستنفاد العملية العسكرية في خانيونس، والضغط الكبير على “حماس”، على أمل أن يؤثر ذلك في إصرار الحركة على الاستمرار في القتال.
  • التقدير المعقول هو أن الولايات المتحدة ستسمح لإسرائيل بالقتال شهراً، وربما أكثر، إذا لم تتعقد المعارك، ولم تؤدّ إلى مقتل أعداد كبيرة من المواطنين الفلسطينيين، وإذا لم تخرج الأزمة الإنسانية في غزة عن السيطرة، ويبدو أن المعادلة الأميركية حالياً، هي خطوات إنسانية في مقابل الوقت. وما دامت إسرائيل تسمح بدخول مزيد من العتاد والغذاء والوقود والدواء في الشاحنات من أجل السكان في القطاع، سيعطي الأميركيون إسرائيل مزيداً من الوقت للعملية.
  • بعد بضعة أيام، من المفترض أن يُنهي الجيش الإسرائيلي الجزء الأكبر من تحرُّكه في شمال القطاع. التحرك في خانيونس بحاجة إلى عدة أسابيع أُخرى. وهنا يُطرح السؤال: هل سيكون هناك تحرُّك برّي أيضاً في اتجاه رفح، المدينة التي تقع في أقصى جنوب القطاع. ولهذه المنطقة حساسية خاصة، نظراً إلى قربها من الحدود المصرية وتخوُّف النظام المصري في القاهرة من تدفُّق كبير للسكان الفلسطينيين، عبر الحدود، إلى سيناء.
  • يتوقع الأميركيون من إسرائيل خطوات أُخرى، بينها محاولات لتهدئة الوضع في الضفة الغربية الذي يقلقهم كثيراً. وضمن هذا الإطار، جرى البحث في إمكان إعطاء التصاريح ضمن نطاق محدود، بعد الفحص الأمني من الشاباك لعمال فلسطينيين من الضفة، سيعودون إلى العمل في إسرائيل. الوضع الاقتصادي في الضفة سيئ للغاية، بسبب حسم أموال الضرائب [التي تجبيها إسرائيل على المعابر لمصلحة السلطة الفلسطينية]، وبعد توقُّف عمل الفلسطينيين من الضفة الغربية في إسرائيل، بعد “المجزرة” التي نفّذتها “حماس” في “غلاف غزة” في 7 تشرين الأول/أكتوبر.
  • لكن هذه الخطوة، وكذلك المطالبة الأميركية بزيادة كميات الوقود التي تدخل إلى القطاع، هما موضع خلاف في الائتلاف الحكومي. على ما يبدو، سيطلب نتنياهو الحصول على موافقة المجلس السياسي المصغر، ومن المنتظر أن يُواجَه بمعارضة من وزراء الجناح اليميني – المتطرف.

ولاية بايدن الثانية

بعدما عرفنا ما كان مشروع بايدن في الولاية الأولى/ الولاية الحالية، التي مضى منها زهاء ثلاث سنوات، بقي علينا أن نعرف ما مشروع الرئيس الأميركي جو بايدن، ليس في السنة الباقية له من الولاية الحالية، وإنما ما تريد منه الإدارة الأميركية في الولاية الثانية بعد عام أو أقلّه، لعلمنا أن العام الباقي له في الحكم، ليس إلّا لتوقيع خواتيم أعمال الحروب، إلّا لحصد جوائز الحروب التي خوض فيها، والتي شملت كافة أصقاع الأرض، وكانت خاتمتها الأعظم فداحة، هي الحرب على غزة.
حقيقة كنت من بين الملايين المتفاجئين بمشروع الإدارة الأميركية، الذي نفّذ على يدي الرئيس بايدن، طيلة ولايته الممتدة لأربع سنوات، والتي لم يتبقَّ منها إلّا بعض الأشهر. فاجأنا الرئيس جو بايدن، إبن الثمانين، أن يكون على رأس الحروب في أوكرانيا، وفي السودان، وفي مالي، وفي الصومال، وفي ليبيا، وفي العراق، وفي سوريا، ثم نراه يتوّج تلك الأعمال الحربية التي ذكرناها أو نسيناها، بالحرب على غزة.

كنت فيما مضى، منذ أربع سنوات، أتابع حملة بايدن الإنتخابية. وكنت كل ليلة، أنام على حلم فوزه على الرئيس ترامب، لما كنت أشعر من قسوة هذه الولاية على الناس. كنت، كما الملايين غيري، لا أطيق جشع الرئيس ترامب المالي، ولا أطيق شركاته المتشعبة، ولا أطيق شركائه. كنت أقارن كل هنيهة، بينه وبين منافسه جو بايدن، الآتي من قلب الجيش، من قلب الإدارة. كنت أتوسّم في منافسه: أعني الرئيس بايدن، هدوء وجهه الذي يبعث على الإطمئنان. وكنت أطمئن إلى نظافة كفّه. وكنت أرى في تقدّم سنه، علامة فارقة لصالح الرجل الحكيم، لعلمي أن إبن الثمانين كثير التأنّي، يخشى العثار إذا ما مشى، ويكره المغامرات لكثرة ما خاضت قدماه فيها، ويحب السكينة والهدوء والنوم الباكر، وفي ذلك ما يطمئن الشعب، الذي لا يحلم إلّا برغد العيش، في ظلال الرايات البيضاء الداعية إلى السلم والسلام والمسالمة، لا الرايات الحمراء، المتعطّشة إلى الدماء.

كان جو بايدن، منافسا لترامب في ترشحه السابق، أوقع في القلب، أكثر حظا بحصد عواطف الشعب المسالم. تحوطت حملاته الإنتخابية، الوفرة الوافرة من الناس الأنقياء الحالمين بغدٍ ينبلج على الصباحات الحلوة الجميلة، لا على المزعجات من الأحلام، التي تكثر فيها التعديات على الحقوق، ولا التعديات على الكرامات، ولا التعديات برئاسة الحروب التي تعكّر الصفاء الذي تنشده الشعوب!
فاجأنا الرئيس بايدن بعد تسلّمه البيت الأبيض. فما مضت على ولايته بعض الشهور، إلّا وكرّت النكبات والحروب. وكنا نأمل منه أن يبادر فورا إلى إطفاء النيران مثلما تفعل حمائم السلام، لا مثلما تفعل الغربان. كنا نقول في نفوسنا:
«ويك بايدن أقدم»!..
وكان الصوت يذهب سدى، ولا يرجع لنا منه إلّا الصدى، صدى حروب تستيقظ فجأة هنا وهناك وهنالك، وفي كل مكان من الأرض. كنا نرجي منه الإقدام لإطفاء اللظى، فما كنا نجد إلّا الروغان والزوغان، إلّا الشبهات.. لا نجد إلّا التلبسات، لا نجد إلّا العودة إلى جحور الإدارة، ودفع الثعابين منها للإعتداء على الناس، على الآمنين من الناس.
ترأس جو بايدن الرئيس،  جميع العمليات العسكرية، على جميع الجبهات. أخرج من بين ثوبيه النمر الغافي بين عينيه. فراحت الجبهات تشتعل، وراحت البلدان تحترق، وراحت أموال الناس، وأموال الضرائب، تصبّ لصالح المعسكرات، وخربت بيوت الناس.. فقدوا أبنائهم، وفقدوا أرزاقهم، وفقدوا مدخراتهم، بهذه الطريقة أو تلك، من الدعوة للحرب، هنا وهناك وهنالك، بلا إستثناء.
كانت الشعوب لا ترجي من الحاكم إلّا السلم، وإلا المسالمة، تتطلع إلى وجه بايدن، تستمد منه الرجاء، تستمد منه الأمل، ترجي فيه الخير العميم، والإنقلاب على الشركات والشركاء وسرقة ونهب الناس، في أميركا وخارجها. وإذا بهم يرونه، يتفوّق على الرئيس ترامب بالإبتزاز. يتفوّق على الرئيس ترامب بالشركات الحربية لا المدنية وحسب، وبالصفقات المشبوهة التي يعقدها، وبالإتفاقيات الساخنة التي يبرمها. وهذا ما أيقظ جميع شعوب العالم المسالم، على حلم مزعج: الرئيس بايدن، لا رجل إعمار، بل هو رجل حرب.
هذه القناعات المؤلمة حقا، والتي توصّلت إليها الشعوب، بالمحسوس الملموس، جسّدتها في الربع الأخير من ولاية بايدن، الحرب على غزة. خرجت جميع الثعابين من جحورها دفعة واحدة، وهاجمت غزة. إنفلت الأفعوان الأكبر من وكره، وأخذ يعمل في غزة قتلا وتدميرا، كما لم يشهده التاريخ نفسه. قاد الرئيس جو بايدن بنفسه، الغواصات وحاملات الطائرات وشحنات الأعتدة الحربية الحديثة. جاء بكل ما أنتجته المصانع الحربية في سنوات ولايته، ليضعها قبالة هذا الشعب الآمن والمسكين والمغلوب على أمره: شعب غزة. جعل المدينة التي يسكنها ثلاثة ملايين نسمة، أنقاض مدينة، كما هيروشيما، غير صالحة للسكن، ولو بعد عشرين عاما.
جميع شعوب الأرض، إرتاعت طيلة السنوات الثلاث التي مرّت، من عهد بايدن. نحاول ألا نقرن غزة بمدن أوكرانية دُمّرت و أبيدت أيضا عن بكرة أبيها، ولكن هذا هو الواقع. الأصح أن نقرن غزة، بهيروشيما ونكازاكي. والصحيح أيضا أن نقرن الرئيس جو بايدن، بالرئيس هاري ترومان، فهما من المدرسة العسكرية نفسها، وهما يتمتعان بالأخلاق الحربية نفسها، وهما متشابهان بالعمر والسن، وهما أذاقا الشعوب، ما لم تذقه من لظى طعم الحروب.
ولاية الرئيس بايدن الحالية شارفت على الإنتهاء، ولو بعد عام! وهو يتحضّر الآن، لولاية ثانية.فهل ينقلب الرئيس على نفسه، على تاريخه، على أخلاقه، على توجهات الإدارة التي يرأسها. تلك التوجهات الماضية في تذخير الجيوش وتجديدها وتنضديها، وتأجيج النيران على جبهات العالم أجمع؟ أم أنه سيغيّر الطريق التي سلكها بنا، إلى عالم أكثر أمنا وسلاما، إلى عالم خالٍ من الحروب؟ كل ذلك رهن النتائج التي سوف نراها في العام الأخير من ولايته، أقلّه في غزة وأوكرانيا. وإن غدا لناظره قريب!

العدو يفتح معركتَي الشجاعية وخانيونس: غرق متسارع في وحول غزة

مع انقضاء نحو شهرين على اندلاع الحرب على قطاع غزة، يتابع جيش العدو الإسرائيلي عمليّته البرّية في القطاع، في شقّيه الشمالي والجنوبي على السواء، مع تركيز أكبر على العمليات جنوباً. ففي الجزء الشمالي، يضغط العدو كفكّي كمّاشة، من الاتجاه الشمالي من محور بيت لاهيا ومحور الشاطئ شمال غرب غزة؛ ومن الاتجاه الجنوبي من وادي غزة، من محاور جحر الديك والزيتون والشيخ عجلين. ويشنّ جيش الاحتلال محاولات للتقدّم في محورين أساسيّين، أولهما شرق مدينة غزة، في اتجاه حيّ الشجاعية، حيث يجري تقدّم الدبابات من اتجاهي الشمال الشرقي والجنوب الشرقي، في مناطق زراعية مفتوحة، إلى حدّ الوصول إلى أطراف الشجاعية، من دون أن ينجح العدو في تحقيق تقدّم حقيقي بعد. ويدرك الاحتلال أن معركة الشجاعية، ستكون معركة فارقة في الشمال، حيث إن في الحيّ أقوى الكتائب لدى «القسام»، والتي خاضت في حرب عام 2014 اشتباكات دامية صدّ فيها المقاومون تقدّم العدو.وبالنسبة إلى محور التقدم الثاني، فهو يمتدّ من الشمال الغربي في اتجاه الوسط نحو مدينة جباليا، ويجري التقدّم فيه على اتجاهين: من بيت لاهيا في اتجاه مخيم جباليا؛ ومن الصفطاوي والشيخ رضوان في اتجاه المخيم. وتركّزت معارك أمس، في حيَّي الشيخ رضوان والشجاعية، وفي أحياء الفلوجة والفاخورة، غربي مخيم جباليا. أما في الجزء الجنوبي من قطاع غزة، فدشّن جيش العدو محور تقدّم من مستوطنة «كيسوفيم» شرقي القطاع، مروراً بمنطقة القرارة داخل حدود القطاع، وصولاً إلى مفترق المطاحن (تقاطع شارع المطاحن مع شارع صلاح الدين)، حيث تمركزت الدبابات الإسرائيلية مساء أمس. ومن المتوقّع متابعة التقدم في اتجاه الشاطئ وصولاً إلى شارع الرشيد، لعزل دير البلح عن خانيونس، حيث ستكون الأخيرة الهدف الأساسي للهجوم، بينما يجري استهداف مدينة حمد السكنية، ومنطقتَي القرارة ودير البلح، بأحزمة نارية مكثّفة.
ومساء أمس، قال المتحدث العسكري باسم الجيش إن الأخير «يوسّع العملية البرية، ونستهدف حماس في كامل قطاع غزة»، مضيفاً: «نقاتل في مناطق مأهولة، وهذا يؤكّد التصميم على تحقيق الأهداف في كل الأماكن». وفي حين أشار المتحدث إلى أن «المعارك توقع إصابات، ومهمّتنا الانتصار في كل الأماكن ومنها جباليا والشجاعية (شمال القطاع)»، أشار في الوقت عينه، إلى أنه «لا معلومات أكيدة لدينا عن قتل قادة من حماس في خانيونس»، التي أصبحت هدف العمليات جنوبي القطاع.وفي السياق نفسه، قال وزير الحرب الإسرائيلي، يوآف غالانت، إن جيشه «لن يترك حيّ الشجاعية في غزة، إلا بعد تدمير كل أصول حركة «حماس» هناك»، مضيفاً خلال تقييم عملياتي على حدود القطاع، أمس، إن «جنود لواء غولاني عادوا إلى الشجاعية لإحكام الطوق هذه المرة، ولن يغادروا إلا بعد تدمير كل البنى التحتية التابعة لحماس هناك». وادّعى غالانت، بعد تلقّيه إيجازات عن المعارك الدائرة في جباليا والشجاعية، أن «العملية الجارية ستقود إلى انهيار مدينة غزة بالكامل والمنطقة الشمالية من القطاع»، مضيفاً أن «الجيش بدأ عمليات في جنوب القطاع، وسيكون مصير الإرهابيين هناك مشابهاً وأكثر قسوة مما كان عليه مصير أولئك الذين كانوا في الشمال». كما قال وزير الحرب، في مقابلة مع «شبكة ABC» الأميركية إنه يتوقع أن «تستمرّ الحرب في شدتها الحالية شهرين آخرين على الأقل»، متابعاً أن «أهداف إسرائيل منها هي قتل زعيم حماس في غزة ومهندس 7 أكتوبر يحيى السنوار، وكسر التسلسل القيادي لحماس، والتأكد من أن الحركة لم تعد تعمل كمنظمة عسكرية يمكنها شن هجمات ضد إسرائيل».
وفي المقابل، «تمكّن مجاهدو القسام خلال الـ24 ساعةً الأخيرة، من تدمير 28 آليةً عسكرية كلياً أو جزئياً في كلّ محاور القتال في قطاع غزة»، وفق الناطق العسكري باسم الكتائب، «أبو عبيدة». الذي أضاف أن المقاومين «استهدفوا القوات الصهيونية المتوغّلة في أماكن التمركز والتموضع بالقذائف المضادة للتحصينات والعبوات المضادة للأفراد، واشتبكوا معها من مسافة صفر، وأوقعوا فيها قتلى بشكل محقّق». كما دكّت «القسام» التحشّدات العسكرية بقذائف الهاون، و«وجّه مجاهدوها رشقات صاروخية مكثّفة نحو أهداف متنوعة وبمديات مختلفة إلى داخل الكيان». وخلال النهار أمس، أعلنت الكتائب عن عدد من العمليات، أبرزها «إغارة المقاومين من أحد الأنفاق القسّامية على قوة صهيونية متموضعة في عزبة بيت حانون بالقنابل والأسلحة الرشاشة، وإيقاعهم أفراد القوة بين قتيل وجريح». كذلك، استهدف مقاتلو «القسام» «قوة صهيونية خاصة راجلة بعبوة أفراد «رعدية»، وأجهزوا على من تبقّى من أفرادها بالأسلحة الرشاشة من مسافة صفر في منطقة الفالوجا شمال قطاع غزة».
بدورهم، خاض مقاومو «سرايا القدس»، «اشتباكات ضارية من مسافة صفر مع جنود العدو في محور التوغل في حيّ الشيخ رضوان، واستهدفوا عدداً من الآليات العسكرية بقذائف «التاندوم» وعبوات «العمل الفدائي»». كما نفّذوا «عملية مركّبة فجّروا خلالها آلية عسكرية بعبوة «ثاقب»، واستهدفوا آليتين أخريين بقذائف «التاندوم» في محور التقدّم شرق مدينة غزة». ومساء، اعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل اثنين من جنوده في الاشتباكات مع المقاومة أمس، في محاور القتال شمال قطاع غزة، فيما سُجّل إطلاق صواريخ من القطاع غزة على مستوطنات «الغلاف» ومدن الوسط ومنطقة تلّ أبيب الكبرى.

زلزال نتنياهو يستمر طوال 2024

طوني عيسى – الجمهورية

يدرك بنيامين نتنياهو أنّ مستوى الضغوط التي تمارسها عليه واشنطن لوقف القتال في غزة سيبقى محدوداً. ولذلك، هو أطلق العنان لمشروع يطمح إلى إنجاز مرحلته الأولى في نهايات العام 2024، مع اختتام ولاية الرئيس جو بايدن، ما سيؤدي إلى فرض وقائع جديدة في غزة، وعلى الأرجح في الضفة أيضاً.

الحدود التي يبلغها اعتراض أي إدارة أميركية على قصف المدنيين وتدمير المدن معروفة ومجرّبة، سواءً كان سيد «البيت الأبيض» جمهورياً أو ديموقراطياً. وأبرز النماذج أنّ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بقيت تعترض على سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في الحرب السورية، واتهمت نظام الرئيس بشار الأسد باستخدام أسلحة مواد كيميائية في هذا المجال، لكنها لم تتخذ أي إجراء عملاني يوقف ذلك. وعلى العكس، أطلق أوباما نهج الانسحاب من الشرق الأوسط، وترك سكانه يتدبّرون أمورهم بأنفسهم.
وفي الأراضي الفلسطينية، استخدم الإسرائيليون نهج التدمير والتهجير طوال عقود، لكن الولايات المتحدة لم تمنعهم. وما يقومون به اليوم في غزة هو في الواقع تمادٍ في النهج المعتمد سابقاً، ولا يفاجئ واشنطن في أي حال.

عندما تلقّت إسرائيل صدمة 7 تشرين الأول، بما فيها من خسائر بشرية وصفعة معنوية، أرسلت واشنطن أكبر بوارجها إلى شواطئ الحليف الشرق أوسطي، ثم أطلقت يده للانتقام بالطريقة التي يريدها، ولاستعادة صورة الجيش الإسرائيلي المتفوق، ولو اقتضى ذلك سقوط أرواح كثيرة بين المدنيين في غزة.

لكن الأميركيين لا يستطيعون، وخصوصاً في ظلّ إدارة يقودها الحزب الديموقراطي، أن يباركوا شلال الدم والتدمير والتهجير إلى ما لا نهاية. ولذلك، طالبوا إسرائيل- علناً على الأقل- بوقف المجزرة، لأنّ ما حصل في الأسابيع الأولى كان كافياً لإعادة المعنويات إلى الجيش، ولو بالتدمير.

طبعاً، نتنياهو لم يوقف العملية في غزة، وهو لن يفعل، في غياب أي ضغط حقيقي يجبره على ذلك، بل إنّه سيستفيد من الظرف لتحقيق أهداف عدة:

1- استثمار التعاطف الدولي للحصول على مزيد من المساعدات بالمال والأسلحة وأجهزة الإنذار والدفاعات المبكرة من الولايات المتحدة، تحت عنوان: تجنّب أي صدمة مماثلة في المستقبل.

2- اللعب على عنصر المنافسة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، بين مرشحي الحزبين الديموقراطي والجمهوري، لتحصيل أفضل المكاسب لإسرائيل.

3- تحضير الأرضية المناسبة لتنفيذ المخطط القديم المُعدّ لغزة، وللضفة الغربية أيضاً. ويوماً بعد يوم، يتضح ذلك بعمليات التهجير الممنهجة من شمال القطاع ثم من جنوبه. والمنطقة العازلة التي يلوّح بها نتنياهو هي إحدى الصيغ التي ستقود واقعياً إلى التهجير.

4- ترتيب الوضع على الحدود الشمالية مع لبنان، بضمان أميركي، عنوانها إنعاش القرار 1701 وفتح الباب لتفعيله وتوسيع نطاقه.

فـ»حزب الله» لن يمنح إسرائيل ذريعة لتسديد ضربة مدمّرة إلى لبنان شبيهة بضربة غزة، وهو لن يخطئ بجعل نفسه هدفاً مباشراً للإسرائيليين كما هي «حماس» اليوم، ولن يبادر إلى رفع مستوى السخونة الحالية في الجنوب. وهذا الأمر يمكن أن يتيح المجال لتفعيل الوساطة الأميركية على الخط اللبناني، عبر عاموس هوكشتاين.

والأرجح أنّ نتنياهو هو مَن عطّل الدفعة الثانية من عملية تبادل الأسرى في غزة، وليس «حماس»، لأنّه ليس مستعجلاً للسير في هدنة جديدة تمنعه من استكمال مشروع التدمير والتهجير. وما يريده هو استمرار هذه العملية، ولكن ببطء وبدرجة عالية من الشراسة. فهو يريد إنضاج مخطط التهجير والقضم والخرق والإفراغ في القطاع، وسط مناخ الوساطات، حتى يصبح مجرد مساحة مدمّرة بعد عام. وكان لافتاً أنّ عدد القتلى الفلسطينيين كان مرعباً جداً في جولة القصف الأخيرة، إذ تجاوزوا الـ750 في مدى 36 ساعة فقط. وهذه عينة عمّا يخطّط له نتنياهو ورفاقه في القطاع.

الخطة التي يعتمدها الإسرائيليون هي إطالة مدة القتل والتدمير، بحيث يتيح لهم عامل الوقت أن يحققوا أهدافهم تحت أعين الرأي العام العالمي الصامت، فيما يكون الأميركيون منشغلين بمنافساتهم الرئاسية، ويحتاج كل مرشح إلى تدعيم حظوظه بالصوت اليهودي.

سيضع نتنياهو «رأسه برأس» بايدن. وأساساً، على مستوى السياسة والطباع الشخصية، نتنياهو يفضّل دونالد ترامب. وفي المقابل، يفضّل الرئيس الأميركي عودة اليسار إلى الحكم في إسرائيل، لعلّ التفاهم معه يكون ممكناً. ولذلك، في البيت الأبيض كما في إسرائيل، هناك رغبة متبادلة في اقتلاع الآخر من الحكم. ولكن، هناك عام على الأقل سيضطر خلاله الرجلان إلى التعايش. وليس مضموناً أن ينجح بايدن في اقتلاع نتنياهو لأنّ الصوت الوحيد المرتفع في إسرائيل هو صوت المعركة.

وفي الخلاصة، نتنياهو يستطيع إجبار بايدن على القبول بخياراته تحت وطأة الأمر الواقع المفروض في غزة. ولكن، في المقابل لن يستطيع بايدن أن يفرض شيئاً على نتنياهو، أولاً لأنّه لا يملك الأدوات الكافية لذلك، وثانياً لأنّ غزة ليست أرضاً أميركية تستحق من الأميركيين أن يقاتلوا من أجلها. وأما نتنياهو فينظر إليها استراتيجياً، وفيها يريد الإسرائيليون تصفية القضية الفلسطينية، كما في الضفة الغربية.

 

قلقيلية على خطّ النار: «حرب الضفة» لا تسكن

رام الله | منذ بدء الحرب على قطاع غزة، كان لافتاً دخول مدينة قلقيلية، شمال الضفة الغربية المحتلة، على خطّ الاشتباك المسلّح هناك، مع ظهور مجموعة من المقاومين الذين نجحوا في تنفيذ عمليات إطلاق نار على قوات الاحتلال، والتصدّي لها خلال اقتحاماتها المتكرّرة لأحياء المدينة، علماً أن هذه القوات كثّفت من مداهماتها لقلقيلية، في محاولة للوصول إلى المقاومين، وقد تمكّنت، فجر يوم أمس، من اغتيال مقاومَين، واختطاف جثمانيهما، فضلاً عن اعتقال جريح، بعد اشتباكات مسلّحة عنيفة شهدتها المدينة. وفي هذا الجانب، علّق الصحافي الإسرائيلي المختصّ في الشؤون العربية في إذاعة الجيش، جاكي حوجي، حول ما يجري في قلقيلية، قائلاً إن الأخيرة “انضمّت إلى دائرة النار (…) قُتل فلسطيني يبلغ من العمر 21 عاماً (أول من أمس) برصاص الجيش الإسرائيلي، والليلة (فجر أمس) قَتل الجيش مسلّحيْن أطلقا عليه النار… في الضفة الغربية حرب موازية لتلك التي في غزة، وتتّسع مع مرور الوقت”.ونعت “كتائب شهداء الأقصى” (مجموعات ليوث المجد)، من جهتها، أحد قادة المجموعة ومؤسّسيها، الشهيد علاء نزال، والشهيد أنس قراقع، اللذين وصفتهما بأنهما “أسود الاشتباكات المسلّحة في مدينة قلقيلية”، مضيفةً: “رسالتنا لهذا الاحتلال الجبان الذي لا يَعرف إلا لغة الغدر، هي أن دماء شهدائنا وأبطالنا لن تذهب سدًى، سيكون الدم بالدم بإذن الله”. وعلاء نزال، قائد “كتائب شهداء الأقصى” في قلقيلية، هو المطلوب الرقم واحد في المدينة، والمطارَد منذ ثلاث سنوات، لكنّ قوات الاحتلال أبلغت عائلته، قبل ستة أشهر، بأنها وضعته على لائحة الاغتيال. ويوصف علاء، في مدينته، بأنه “مُجدِّد الاشتباك”، وهو كان يقود عمليات التصدّي لجيش العدو في المدينة مع مجموعة من أصدقائه، بعدما نجح في تأسيس تشكيل عسكري فيها، شرع في تنفيذ عمليات ضدّ الجيش الإسرائيلي أثناء حملات الأخير شبه اليومية في قلقيلية.
وفي تفاصيل عملية الاغتيال، قالت مصادر محلّية إن قوات خاصة إسرائيلية وصلت على متن مركبات مدنية إلى وسط المدينة، حيث حاصرت مبنى بعد اقتحام حيّ كفر سابا، قبل أن تندلع اشتباكات مسلّحة في المكان، لاحقت قوات الاحتلال خلالها خلية كانت ترصدها بطائرة مُسيّرة، يقودها علاء، ومعه رفيقه أنس، لينجلي المشهد عن اغتيالهما، ومن ثم سرقة جثمانيهما. ويتّضح ممّا جرى في قلقيلية أن جيش العدو أعدم الشابين عن سابق تصميم؛ إذ كان في مقدوره اعتقالهما، لكنه آثر قتلهما، وهو سيناريو يبدو مشابهاً لِما جرى في مخيم جنين، قبل أيام، بعدما حاصرت قوات الاحتلال حارة الدمج لساعات، واغتالت محمد الزبيدي ووسام حنون، وسرقت جثمانيهما.

 

على أن ما شهدته مدينة قلقيلية، صباح أمس، بات مشهداً مصغّراً لِما يجري في عموم الضفة الغربية على مدار الساعة، حيث أضحت كلّ المدن والبلدات والمخيمات مستباحة، وتتعرّض لاقتحامات شرسة، على غرار ما جرى في مخيم قلنديا، وبلدة كفر عقب بين القدس ورام الله، عصر أمس، من اقتحام واسع تزامن مع مغادرة الطلبة مدارسهم، وتخلّله اشتباك مسلّح عنيف مع مقاومين فتحوا النار على الاحتلال. ورصدت هواتف المواطنين إصابه جندي إسرائيلي ونقْله بدورية عسكرية، بينما استشهد شاب وأصيب 15 آخرون، جروح أربعة منهم خطيرة، في وقت شنّت فيه شرطة العدو حملة مداهمات للمحالّ التجارية، وعاثت فيها تدميراً، كما شنّت حملة اعتقالات في صفوف الشبان.
كذلك، نفّذت قوات الاحتلال سلسلة مداهمات واقتحامات واسعة في مدن الضفة وبلداتها، شملت اقتحام 30 آلية المنطقة الشرقية لمدينة جنين، حيث نشرت فرقاً للقناصة على أسطح عدد من المباني، لتندلع على إثر ذلك اشتباكات، فيما أَطلق مقاومون النار على قوّة إسرائيلية راجلة خلال اقتحامها بلدة سيلة الظهر جنوب مدينة جنين، والتي أغلقها جيش العدو وشرع في حملات تمشيط داخلها بعدما نشر قنّاصته في الشوارع وعلى أسطح المباني. كما اقتحم الجنود مخيم الجلزون، وبلدة جفنا شمال رام الله، وبلدة سلواد شرق رام الله، فضلاً عن عدّة مناطق وبلدات في محافظات الخليل وبيت لحم وأريحا، حيث بلغت حصيلة الاعتقالات 60 مواطناً على الأقلّ، بينهم أسرى سابقون. وتركّزت عمليات الاعتقال في مخيم الدهيشة/ بيت لحم (15 مواطناً)، فيما توزّعت البقية على غالبية محافظات الضفة، ورافقتها عمليات تنكيل واسعة، واعتداءات بالضرب المبرح، وتحقيقات ميدانية، وتهديدات بحق المعتقلين وعائلاتهم، إلى جانب حوادث التخريب والتدمير الواسعة في منازل المواطنين، إضافةً إلى اعتقال بعضهم كرهائن للضغط على أفراد من عائلاتهم لتسليم أنفسهم.
وترافقت اعتداءات جيش الاحتلال مع ارتفاع وتيرة هجمات المستوطنين من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، والتي كان آخرها هجوم عصابات مسلّحة من هؤلاء على قرية قراوة بني حسان غرب سلفيت، يوم السبت الماضي، حيث استشهد الشاب أحمد مصطفى عاصي (38 عاماً، متزوج وأب لستة أطفال)، خلال التصدّي للهجوم على البلدة، ليرتفع عدد الشهداء برصاص المستوطنين في الضفة منذ بداية العدوان على غزة، إلى 11. كما شنّ مستوطنون، يومَي الجمعة والسبت، عدّة هجمات أحرقوا خلالها منازل ومركبات في قرية جالود، وحطّموا مطعماً بالحجارة قرب بلدة الساوية، جنوب نابلس، في وقت تستمرّ فيه حكومة الاحتلال في توزيع الأسلحة على مستوطنيها، وتسهيل إجراءات ترخيصها، والتي باتت تحوّل هؤلاء إلى ميليشيات مسلّحة. وفي ضوء التسهيلات الممنوحة للمستوطنين، قدّم رئيس شعبة الأسلحة النارية في وزارة “الأمن القومي” الإسرائيلية، يسرائيل أفيسار، استقالته من منصبه، في أعقاب مصادقة مساعدين ومقربين من وزير “الأمن القومي”، إيتمار بن غفير، على إصدار رخص حمل سلاح لمواطنين من دون أن يكونوا مخوّلين قانونياً بذلك. ويأتي هذا بعد أسبوع من حديثه، خلال مداولات جرت في “الكنيست” عن دور المقرّبين من بن غفير في إصدار تلك الرخص، وإقامتهم “غرفة عمليات” في مكتب الوزير، إلى جانب أنهم حاولوا منْح أفضلية لقسم من الطلبات على حساب أخرى.
أما على الصعيد السياسي، فلا تزال سيناريوات “غزة ما بعد الحرب” تشغل تفكير القادة السياسيين الإسرائيليين، إذ عارض وزير خارجية الاحتلال، إيلي كوهين، عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، باعتبار أنها “ليست خياراً لتحكم قطاع غزة”. وأضاف: “السلطة فيها تحريض في النظام التعليمي وتمجّد الشهداء وتدفع رواتب للمخرّبين، وتدفع حوافز لمَن يقتل يهوداً”، مشيراً إلى ما قاله الرئيس الأميركي، جو بايدن، في مقال عن ضرورة تجديد السلطة، بالقول: “هذا يعني أنهم فهموا أنها ليست الحلّ”.

رصد طائرة تابعة لسلاح الجو البريطاني تتجه صوب دولة الاحتلال

رصد فريق إيكاد اليوم الثلاثاء 5 ديسمبر، طائرة من طراز Shadow R1 تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وهي متجهة من قاعدة “أكروتيري” البريطانية جنوبي جزيرة قبرص إلى إسرائيل.

 

ووفقًا لموقع “flightradar24” فإن الطائرة اختفت من نظام الرادار مع اقترابها من المجال الجوي الفلسطيني، مما يشير إلى احتمالية قيامها بدور استخباراتي في المنطقة.

 

وبحسب موقع سلاح الجو الملكي البريطاني، فإن الطائرة تحتوي على أجهزة استشعار كهروضوئية وإلكترونية عالية الوضوح، وتقوم بمهام استخباراتية.

 

وتأتي هذه التحركات بعد إعلان وزارة الدفاع البريطانية أوائل ديسمبر الجاري عزمها تسيير رحلات استطلاعية شرق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك فوق غزة، بهدف تقديم معلومات استخباراتية لإسرائيل بدعوى دعم عملية إنقاذ المحتجزين.

 

ومنذ 7 أكتوبر أصبحت قاعدة “أكروتيري”البريطانية جنوب جزيرة قبرص منطقة إستراتيجية للدول الغربية لتقديم دعمها لإسرائيل.