المهرجان الكشفي الأضخم: رسالة هوية ومقاومة تتجاوز الحدود

 

في مشهدٍ وطنيٍّ مهيبٍ، احتشد آلاف الفتية والفتيات في المدينة الرياضية في بيروت، ضمن المهرجان الكشفي الأكبر الذي نظمته جمعية كشافة الإمام المهدي، في لوحةٍ بشريةٍ اتسمت بالتنظيم والانضباط والرمزية العالية. لم يكن الحدث مجرّد عرض كشفي أو احتفال داخلي، بل رسالة متعددة الأوجه، موجهة للداخل اللبناني كما للخارج، تحمل في طياتها دلالات سياسية وثقافية تتجاوز الطابع الاحتفالي.

 

تأكيد على الثبات وبناء الأجيال

 

المهرجان حمل عنوانًا غير معلن لكنّه واضح في مضمونه: “جيلًا بعد جيل، الوعي مستمر والمقاومة باقية”. فكلّ تفصيلٍ في العرض -من الانضباط الميداني إلى الشعارات المرفوعة والأناشيد المؤداة- كان يهدف إلى ترسيخ فكرة أن المقاومة لم تعد مجرد فعلٍ عسكري، بل أصبحت منظومة قيمٍ متكاملة تُبنى في الوعي منذ الطفولة.

 

الرسالة الداخلية كانت صريحة: أن بيئة المقاومة ليست محصورة بجبهات القتال، بل تمتد إلى ميادين التربية والتعليم والكشافة والإعلام، حيث يُصاغ وعي الأجيال الجديدة على مفاهيم الانتماء والكرامة والسيادة.

 

رمزية التوقيت والمكان

 

اختيار المدينة الرياضية في بيروت لم يكن صدفة. فالمدينة التي احتضنت محطات مفصلية في التاريخ اللبناني الحديث، تحوّلت ليومٍ كامل إلى فضاء يُعبّر عن وحدة الجيل المقاوم في وجه كلّ مشاريع التفتيت والتطبيع.

 

وفي ظل ما يعيشه لبنان من ضغوط اقتصادية وسياسية، جاء المهرجان كرسالة صمود جماعي تؤكد أن مشروع المقاومة لا يتأثر بالأزمات العابرة، بل يزداد رسوخًا كلما اشتدت الضغوط.

 

الرسالة للخارج: المقاومة مشروع وعي لا يُهزم

 

على المستوى الخارجي، بدا المهرجان أشبه ببيانٍ سياسي موجّه بلغته الكشفية. فالانضباط والتنظيم اللذان شهدهما الحدث عكسا نموذجًا لـ”المجتمع المقاوم” المتماسك، الذي لا ينهار أمام الضغوط أو التهديدات.

 

وللكيان “الإسرائيلي” تحديدًا، حملت الصور واللقطات رسالة مزدوجة: أولًا، أن المقاومة باتت ثقافةً شعبية متجذرة يصعب اقتلاعها، وثانيًا، أن هذا الجيل الذي تربّى في الكشافة لن يكون جيلًا تائهًا أو متأمركًا، بل جيلًا مدركًا لتاريخه وعدوه وحدود وطنه.

 

كيف قرأ الإعلام “الإسرائيلي” المشهد؟

 

تناولت وسائل إعلام ومراكز استخبارات العدوّ “الإسرائيلي” المهرجان بقلقٍ واضح، معتبرةً أن أنشطة مثل تلك التي ظهرت في “أجيال السيد” تمثل خطرًا إستراتيجيًا طويل الأمد على الكيان، لأنها تساهم في بناء وعي مقاوم متوارث عبر الأجيال.

 

مواقع صهيونية عدّة، بينها تحليلات صادرة عن مراكز دراسات أمنية، وصفت الكشافة بأنها “المعمل الصامت لتنشئة المقاومين”، وأنها تشكّل استثمارًا في الوعي لا يقل خطورة عن الاستثمار في السلاح. فالمقاومة، وفق القراءة الصهيونية، بدأت تنتقل من “الميدان العسكري” إلى “الميدان التربوي”، حيث يتم تشكيل الوجدان الجمعي على قيم التضحية والانتماء والمواجهة.

 

وفي المقابل، تحدثت تقارير صهيونية وغربية عن محاولات للتأثير على وعي أبناء الكشافة عبر الفضاء الرقمي، من خلال الهواتف الذكية والتطبيقات والمنصات الاجتماعية، في إطار ما يسمّى “حرب الوعي”. هذه الحملات -كما تُظهر بعض الوثائق الإعلامية- تهدف إلى تفكيك صورة المقاومة داخل عقول الشباب، عبر بث أفكار تُغريهم بالنزعة الفردية، والانفصال عن الهوية الجماعية، والتقليل من قيمة الالتزام العقائدي أو النضالي.

 

لكن المشهد الميداني الذي رآه العالم في بيروت شكّل، بحد ذاته، ردًّا حيًّا على تلك الحرب الناعمة، إذ أثبت أن الوعي المقاوم ما زال يتجذر رغم كلّ أدوات التشويش الرقمية والإعلامية.

 

أجيال تصنع المستقبل

 

في نهاية المهرجان، وبينما ارتفعت الرايات وتردّدت الأناشيد، بدت الرسالة واضحة: أن مشروع المقاومة في لبنان لم يعد حكرًا على الكبار، بل أصبح إرثًا وطنيًا وثقافيًا تتوارثه الأجيال.

 

لقد نجح المهرجان الكشفي الأكبر في تحويل ساحة بيروت إلى مرآةٍ لمستقبلٍ يُراد له أن يبقى ثابتًا في وجه محاولات الاختراق والتطويع، مؤكّدًا أن بناء الوعي المقاوم هو السلاح الأقوى في معركة الوجود والهوية.

أسرى لبنان.. متى تسأل الدولة عنهم؟

تحت عنوان “أسرانا المنسيّون”، أطلقت الجمعية اللبنانية للأسرى والمُحرّرين حملة إعلامية هدفها تذكير من يهمّه الأمر بـ19 أسيرًا لبنانيًا يقبعون في سجون العدو، حتّى الآن لم يُعرف مصيرهم، ولم تعمل الدولة على مُلاحقة ملفّهم.

 

تحرّك الجمعية لم يأتِ إلّا بعد أن وصلت عائلات الأسرى الـ19 إلى حدّ لم يعد يُطاق، فهي لم تلمس أيّ عناية أو اهتمام خاص من قِبل الدولة والحكومة. لا اتّصالات بذوي الأسرى، لا مجهود يُبذل في سبيل تحرير أبنائهم، لا شيء يُذكر يُفيد قضيّتهم، ولا حتّى بصيص أمل من الصليب الأحمر الدولي الذي لم يستطع هو الآخر إلى الآن طمأنتهم عن أحوال الأسرى في سجون العدو.

 

بحسب معلومات الجمعية، يرفض الكيان وأجهزته التعاون مع الصليب الأحمر الدولي في سبيل معرفة أيّ تفصيل ولو صغير عن الأسرى اللبنانيين.

 

ترفع الجمعية شعارًا وحيدًا لحملتها “من يسأل عنهم في السجون “الإسرائيلية”؟ نحن لسنا أرقامًا.. نحن مواطنون لبنانيون.. أرضنا لبنان.. لن ننسى”، بعد أن تيّقنت أن الدولة لم تقم بما عليها من أجل تحريرهم

 

 

بحسب معلومات الجمعية، يرفض الكيان وأجهزته التعاون مع الصليب الأحمر الدولي في سبيل معرفة أيّ تفصيل ولو صغير عن الأسرى اللبنانيين.

 

ترفع الجمعية شعارًا وحيدًا لحملتها “من يسأل عنهم في السجون “الإسرائيلية”؟ نحن لسنا أرقامًا.. نحن مواطنون لبنانيون.. أرضنا لبنان.. لن ننسى”، بعد أن تيّقنت أن الدولة لم تقم بما عليها من أجل تحريرهم.

 

 

حملة الجمعية التي ستستمرّ على ما يبدو لفترة علّها توصل مطلبها الإنساني والوطني إلى دوائر القرار في الدولة اللبنانية، تورد بيانات تُعرّف الشعب اللبناني بالأسرى الـ19 وكيف نُفّذت عملية أسرهم.

 

1. الأسير حسن أحمد حمود مواليد 1985 من بلدة الطيبة الجنوبية. بعد صدور قرار وقف إطلاق النار بتاريخ 26 كانون الثاني 2025، عاد بتاريخ 27 كانون الثاني إلى منزله في الطيبة لتفقّده. عند الساعة الخامسة عصرًا، أقدمت قوة من جيش الاحتلال على مداهمة منزله ومحاصرته، ثمّ اعتقاله وبعدها أحرقت منزله بالكامل.

 

2. الأسير علي حسان ترحيني، أصغر الأسرى اللبنانيين في سجون الاحتلال. مواليد 2006 من بلدة جبشيت. طالب مهني BT3 تربية مدنية، وكان من المفترض أن يخضع لامتحانات رسمية، لكن اعتقاله حال دون ذلك. أُسر في 28 كانون الثاني 2025، أثناء محاولته المشاركة في تحرير بلدة العديسة الجنوبية من قوات الاحتلال بعد سريان وقف إطلاق النار. أصيب برصاصة متفجّرة في ظهره خرجت من بطنه، ما أدّى إلى إصابته بجراح خطيرة. لم تسمح قوات الاحتلال لفرق الإسعاف بالوصول إليه، واقتادته جريحًا إلى سجن الرملة. وفق الأخبار الواردة من المحرّرين الخمسة في شهر آذار، فإن علي يعاني من صعوبة في المشي والوقوف بسبب إصابته.

 

3. الأسير حسين أمين كركي مواليد خربة سلم 1989. في 26 كانون الثاني 2025 يوم العودة للقرى وانتهاء مهلة الانسحاب “الإسرائيلي” منها، توجه حسين مع والدته الشهيدة تمارا الشحيمي وأخته نحو مركبا سيرًا على الأقدام ليكونوا أول الواصلين إليها، فاستقبلهم العدوّ بوابلٍ من الرصاص. أصيب حسين في يده، فاحتمى خلف ساتر ترابي حتّى يتوقف الرصاص، لكن ما إن توقف حاول الرجوع إلى الخلف، غير أن جنود العدوّ كانوا قد وصلوا إلى الساتر وأطلقوا النار بشكل مباشر نحوه وعائلته، فاستشهدت والدته على الفور أمام عينيه، دون أن يستطيع الحراك لمساعدتها، ثمّ تلقّى رصاصة ثانية في ظهره، فوقع على الأرض، وحُمل أسيرًا. لا أخبار عن الأسير الجريح حسين كركي أو وضعه الصحي، وحتّى لم يره المحررون اللبنانيون الخمسة في شهر آذار.

 

4. الأسير علي محمد فنيش مواليد 1990 معروب. أُسر، في 4 حزيران 2025 من بحر الناقورة خلال الصيد، من أمام أعين الأجهزة الأمنية اللبنانية.

 

5. الأسير يوسف موسى عبد الله مواليد 1986 البابلية. أُسر في تشرين الأول 2024 في عيتا الشعب، وهو يدافع عن أرضه ووطنه.

 

6. الأسير محمد عبد الكريم جواد مواليد 1994 عيتا. يعمل ممرّضًا في مستشفى جويا الرعائي، لازم عمله الإنساني في بلدته عيتا ورفض الخروج منها خلال معركة أولي البأس، وفضّل خدمة من يحتاج من المجاهدين للمساعدة، فوقع أسيرًا في تشرين الأول 2024.

 

7. الأسير ماهر فارس حمدان مواليد 1994 شبعا. خطفه العدوّ وهو يرعى قطيعه على أرض جبل الشيخ، في 7 حزيران 2025.

 

8. الأسير محمد علي جهير مواليد 1991 الناقورة. أُسر من بحر الناقورة في 2 شباط من العام 2025.

 

9. الأسير إبراهيم منيف الخليل مواليد 1990 عيتا الشعب. أُسر في 15 تشرين الأول 2025 وهو يدافع عن الأرض والوطن.

 

10. الأسير حسن عقيل جواد مواليد 1987. أُسر في عيتا الشعب بتاريخ 15 تشرين الأول 2025 وهو يدافع عن الأرض والوطن.

 

 

11. القبطان عماد فاضل أمهز مواليد الكواخ البقاعية 1986. كان قد تبقى أمامه سنة دراسية في أكاديمية العلوم البحرية التي تقع في البترون حيث كان يخضع فيها لدورة. أُسر منها في تشرين الثاني 2024 عبر إنزال نفّذته قوة كومندوس “إسرائيلية” أمام قوات اليونيفل التي كانت متمركزة في البحر.

 

12. الأسير هادي مصطفي عساف مواليد 1990 الديابية، سكان مشاريع القاع. أُسر في بلدة عيتا الشعب وهو يدافع عن الأرض والوطن.

 

13. الأسير مرتضى حسن مهنا مواليد 1983 مارون الراس. موظف في بلدية مارون الراس، عاد لمنزله الموجود على أطراف بلدة بنت جبيل من جهة مارون الراس، ليتفاجأ بدخول دورية مشاة من العدوّ الصهيوني تقتحم منزله وتأسره في 16 شباط 2025. وُجدت آثار دماء داخل المنزل، وبقي مصيره مجهولًا إلى الآن.

 

14. الأسير حسين علي شريف مواليد 1990 اليمونة. أُسر في عيتا الشعب في تشرين الأول 2024 وهو يدافع عن الأرض والوطن.

 

15. الأسير عبد الله خضر فهدة مواليد 2002 القصر. أُسر في 9 تشرين الأول 2024 وهو يدافع عن الأرض والوطن.

 

16. الأسير علي قاسم عساف مواليد 1999 الهرمل. أُسر في عيتا الشعب في تشرين الأول 2024 وهو يدافع عن الأرض والوطن.

 

17 و18. الأسير علي ناصر يونس مواليد 1992 الهرمل، سكان بيروت، يعمل في مجال الألمنيوم. الأسير فؤاد حبيب قطايا مواليد 1982 الهرمل يعمل في مجال الألمنيوم والخشب. بعد صدور قرار وقف إطلاق النار، بدأ علي ناصر وخاله فؤاد قطايا بتسلم ورش لتركيب الألمنيوم في المنازل المتضررة من القصف الصهيوني في الجنوب. وفي 19 كانون الأول 2024 توجّها إلى تسلم ورشة عمل في بلدة شقرا الجنوبية، حيث أقدمت قوة من جيش الاحتلال على اعتراض طريقهما في وادي الحجير، وأسرتهما على الفور.

 

19. الأسير وضاح كامل يونس مواليد 1971 حولا. أُسر في 13 تشرين الأول 2024 في بلدة بليدا وهو يدافع عن الأرض والوطن.

 

القيادة الكاريزمية.. كيف تحوّل السيد نصر الله إلى رمز أبدي للقضية الفلسطينية

 

في عالمٍ يتقاطع فيه الوعي السياسي مع الإعلام الموجّه، وتُعاد فيه صياغة التاريخ من منظور المنتصر، يبرز اسم سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله بوصفه استثناءً يرفض الزوال من الذاكرة العربية والإسلامية. لم يكن السيد نصر الله قائدًا محليًا محصورًا في حدود الجغرافيا اللبنانية، بل تحوّل إلى رمزٍ أمميٍّ للقضية الفلسطينية، تجسّدَ فيه المزيج النادر بين الكاريزما الفردية والرؤية الإستراتيجية والقدرة على إعادة تعريف مفهوم المقاومة في القرن الحادي والعشرين.

 

إن ما جعل السيد نصر الله أكثر من مجرد قائد سياسي هو أنه لم يسعَ إلى السلطة بمعناها التقليدي، بل إلى تأسيس وعيٍ جماهيري يتحدى منظومة السيطرة الصهيونية الغربية على الوجدان العربي والعالمي. في زمنٍ تحوّلت فيه القضايا الكبرى إلى شعارات مستهلكة، أعاد نصر الله للقضية الفلسطينية معناها الأخلاقي والوجودي، وربطها بمسألة الكرامة الإنسانية في مواجهة الظلم والهيمنة.

 

من الأيديولوجيا إلى الوعي التحرري

 

لم يقدّم السيد نصر الله الأيديولوجيا كعقيدة مغلقة، بل كمنظومة فكرية مفتوحة تربط بين المحلي والإقليمي والعالمي. كان يدرك أن الصراع مع “إسرائيل” ليس مجرد نزاع حدودي، بل معركة ضدّ نموذجٍ من الاستعمار المتجدد المدعوم من الإمبراطورية الأميركية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والعسكرية مع السيطرة الثقافية والإعلامية.

 

في هذا السياق، تجاوز السيد نصر الله الخطاب الطائفي الضيق ليقدّم نموذجًا أمميًا للمقاومة. لقد خاطب الفلسطيني قبل اللبناني، والمظلوم قبل المؤمن، والإنسان قبل الأتباع. بهذا المعنى، كانت كاريزمية السيد نصر الله نتاجًا لوعيٍ جمعي أكثر منها سحرًا فرديًا؛ إذ أعاد تعريف القيادة بوصفها عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الفكرة والمجتمع، بين المعنى والفعل.

 

كان خطابه يشبه القادة الثوريين الحقيقيين، “لغة الوعي الأخلاقي في زمن الفساد السياسي”. لقد كان السيد نصر الله يربط بين التحرير والمقاومة من جهة، وبين العدالة الاجتماعية والسيادة من جهة أخرى، ما جعله صوتًا نادرًا في زمن التواطؤ الإقليمي. في كلّ خطابٍ له، كانت فلسطين حاضرة لا كرمزٍ تقليدي، بل كاختبارٍ للإنسانية، وكمرآة لقياس مدى انتماء الأمة إلى قيمها الأصلية.

 

تفكيك الهيمنة “الإسرائيلية”: من بيت العنكبوت إلى الحرب النفسية

 

حين قال السيد نصر الله عبارته الشهيرة: “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”، لم يكن يطلق شعارًا دعائيًا، بل يزرع قنبلة معرفية في بنية الوعي “الإسرائيلي” والعالمي. في نظرنا، السيطرة تبدأ من اللغة، ومن احتكار تعريف الذات والآخر. والسيد نصر الله فهم ذلك بعمق استثنائي؛ إذ أدرك أن تحطيم صورة “الجيش الذي لا يُقهر” هو شرطٌ ضروري لتحرير العقل العربي من عقدة الهزيمة، ولزعزعة الأسطورة الصهيونية داخل المجتمع “الإسرائيلي” نفسه.

 

لقد حوّل السيد نصر الله الإعلام إلى ساحة معركة بحد ذاتها، مستفيدًا من كلّ ظهور إعلامي ليحوّل الخطاب إلى سلاح إستراتيجي. لم يكن يتحدث لجمهوره فحسب، بل كان يخاطب الجنود “الإسرائيليين”، وعائلاتهم، والرأي العام العالمي. في لحظات الحرب، كانت كلماته توازي الصواريخ في تأثيرها النفسي.

 

هذا التفكيك المنهجي لصورة العدوّ هو ما جعل المقاومة اللبنانية، ثمّ الفلسطينية لاحقًا، قادرة على الانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم. لم تعد “إسرائيل” قادرة على الاحتفاظ بهيبتها الردعية، ولا على فرض روايتها للعالم. لقد نجح السيد نصر الله في تحويل “الخوف” من سلاحٍ بيد “إسرائيل” إلى سلاحٍ ضدّها.

 

المقاومة كمنظومة إستراتيجية

 

لم يكن السيد نصر الله مجرّد قائد عسكري أو زعيم ميداني، بل مهندسًا لإستراتيجية مقاومة متكاملة تربط بين العمل العسكري والسياسي والإعلامي. فمنذ التسعينيات، أدرك أن أي مواجهة ناجحة مع “إسرائيل” تحتاج إلى تكامل بين الأيديولوجيا والواقعية، بين الصلابة المبدئية والمرونة التكتيكية.

 

لهذا، نسج شبكة معقّدة من التحالفات الإقليمية التي جمعت إيران وسورية واليمن والعراق والفصائل الفلسطينية. غير أن فرادته كانت في حفاظه على استقلالية القرار المقاوم ضمن هذا المحور، بحيث بقي صوت فلسطين حاضرًا في كلّ مفصل من قراراته وخطاباته.

 

إن دعمه للمقاومة الفلسطينية لم يكن عملًا عاطفيًا أو شعارًا تضامنيًا، بل جزءًا من رؤية أوسع لبناء “جبهة موحدة” قادرة على كسر احتكار “إسرائيل” للمبادرة. فبعد “اتفاق أوسلو”، حين تراجعت بعض الفصائل نحو التسويات السياسية، ملأ السيد نصر الله الفراغ الأيديولوجي بتأكيده أن المقاومة ليست خيارًا سياسيًا بل قدرًا تاريخيًا للشعوب المقهورة.

 

لقد نقل خبراته الميدانية من الجنوب اللبناني إلى غزّة، وأسّس لما يمكن تسميته “مدرسة المقاومة الذكية”، مقاومة تعتمد على المرونة، والمفاجأة، والقدرة على تحويل نقاط الضعف إلى عناصر قوة. ولعلّ عملية طوفان الأقصى عام 2023 كانت التطبيق الأقصى لهذه المدرسة، إذ جسدت فكرة الحرب المتعددة الجبهات التي طالما دعا إليها السيد نصر الله كشرطٍ لإرباك المنظومة “الإسرائيلية”.

 

الكاريزما كأداة تعبئة وإدارة وعي

 

الكاريزما لدى السيد نصر الله لم تكن نتاج صناعة إعلامية، بل نتيجة تطابقٍ بين القول والفعل، بين ما يَعِد به وما يُنجزه. لقد اكتسب ثقة جماهيرية غير مسبوقة لأنه خاطب الناس بلغة الصدق والمكاشفة، لا بلغة التهويل والتضليل.

 

في أوج حرب تموز 2006، حين كانت الضاحية الجنوبية تحت القصف، خرج السيد نصر الله ليعترف بخسارة بعض المواقع، مؤكّدًا أن “الدمار ليس هزيمة، بل هو ثمن للكرامة”. هذه الصراحة عزّزت صورته كقائد حقيقي لا يخشى مواجهة الحقيقة، في وقت كانت فيه الأنظمة العربية تُدار عبر الأكاذيب.

 

كما كان السيد نصر الله يستخدم أسلوب السرد القصصي في خطاباته، مزيجًا من التاريخ والدين والسياسة، ليخلق تواصلًا نفسيًا عميقًا مع جمهوره. كان جمهوره لا يرى فيه زعيمًا فحسب، بل رمزًا للأب والحامي والمعلّم في آنٍ واحد.

 

أما على المستوى النفسي، فقد أدرك أن “الهزيمة تبدأ في الوعي”، لذلك جعل من الخطاب أداة لتحرير هذا الوعي من الخوف. لقد جعل جمهوره يعيش إحساس القوّة لا كترفٍ معنوي، بل كإيمانٍ واقعي بقدرة المقاومة على الانتصار. وهنا تتقاطع تجربته مع تحليل تشومسكي عن “صناعة الوعي”، لكن في الاتّجاه المعاكس: إذ حوّل السيد نصر الله الإعلام من أداة للهيمنة إلى أداة للتحرر.

 

التحالفات بوصفها عقلًا إستراتيجيًا

 

من الناحية الجيوسياسية، كان السيد نصر الله أحد القلائل الذين فهموا أن معركة فلسطين لا يمكن أن تُخاض داخل حدودها فقط. بنى تحالفات إقليمية متشابكة، لكن دون أن يقع في فخ التبعية. لقد عرف كيف يستخدم الدعم الإيراني دون أن يسمح له بأن يتحوّل إلى وصاية.

 

كان يؤمن بما يمكن وصفه بـ”الاستقلال ضمن التحالف”، أي أن تتكامل القوى في مواجهة العدوّ المشترك، من دون أن تُلغى خصوصياتها السياسية أو الثقافية. هذه المقاربة جعلت من محور المقاومة منظومة متعددة المستويات، تمتلك خطابًا سياسيًا موحدًا لكن بآليات عمل محلية مستقلة.

 

وقد كانت علاقته بحماس مثالًا على ذلك: دعمها حين كانت محاصَرة، وانتقدها حين انجرفت نحو مشاريع التسوية، لكنّه لم يتخلَّ عنها يومًا، لأنه كان يرى في وحدة المقاومة شرطًا إستراتيجيًا لا يُمسّ.

 

تفكيك الإعلام الصهيوني وصناعة الذاكرة الجديدة

 

في عالمٍ يسيطر عليه الإعلام الغربي الموجّه، كان السيد نصر الله يدرك أن السيطرة على الرواية توازي السيطرة على الأرض. لذلك أسّس لمنظومة إعلامية مضادة -من قناة المنار إلى الخطاب الشعبي- هدفها ليس فقط مواجهة الأكاذيب، بل إعادة تعريف الحقيقة من منظور المقهورين.

 

لقد نجح في تحويل القضية الفلسطينية من ملف سياسي جامد إلى حكاية إنسانية متحركة؛ من مأساة تُروى إلى وعدٍ بالتحرر. أعاد توزيع الأدوار في السردية: لم تعد “إسرائيل” هي الضحية بل الجلاد، ولم يعد الفلسطيني رمزًا للهزيمة بل عنوانًا للكرامة.

 

بهذا الفعل، أعاد صياغة الذاكرة الجماعية العربية، وأدخل فلسطين إلى قلب الوجدان اليومي. صار اسم السيد نصر الله مرادفًا لفلسطين، تمامًا كما كان اسم غيفارا مرادفًا للحرية. وبهذا، تجاوز البُعد المحلي إلى الرمزية العالمية.

 

الإرث والاستمرارية: من القائد إلى الفكرة

 

بعد استشهاد السيد حسن نصر الله، لم تمت الفكرة. بل إن رمزيته أخذت بعدًا أكثر عمقًا، كما يحدث مع القادة الذين يتحولون من شخصيات سياسية إلى رموزٍ تاريخية. فالقائد الحقيقي هو من يترك بعد رحيله شبكة من الوعي قادرة على العمل من دونه.

 

لقد بنى السيد نصر الله مؤسسات مقاومة، لا تعتمد على كاريزمية الفرد وحدها، بل على منظومة فكرية وتنظيمية تستمر حتّى بعد غيابه. هذا الإدراك بأن “الفكرة أهم من القائد” هو ما جعله مختلفًا عن كثير من الزعماء العرب الذين انهارت مشاريعهم بموتهم.

 

واليوم، يواجه محور المقاومة تحديات كبرى: تطبيع عربي متسارع، هيمنة إعلامية غربية، وتفكك داخلي في الساحات الفلسطينية والعربية. غير أن إرث السيد نصر الله يقدّم نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه الوعي المقاوم في القرن الجديد، وعيٌ يدمج بين الإيمان والعقل، بين الأيديولوجيا والواقعية، بين الصمود العسكري والتحرر المعرفي.

 

نصر الله كذاكرةٍ متجددة

 

تحوّل السيد نصر الله في الوجدان العربي إلى ما يشبه “الذاكرة المقاومة”، تلك التي لا تموت بغياب الجسد، لأنها تعيش في اللغة والرمز والفعل. لقد نجح في إعادة تعريف القيادة بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة سياسية، وبوصف المقاومة فعلًا معرفيًا قبل أن تكون معركة ميدانية.

 

إن إرثه الفكري لا يُقاس بعدد المعارك التي خاضها، بل بعدد العقول التي حررها من الخوف واليأس. وبذلك، صار السيد حسن نصر الله -الشهيد القائد-رمزًا أبديًا للقضية الفلسطينية، لا بوصفه زعيمًا دينيًا أو عسكريًا، بل كضميرٍ جمعيٍّ للأمة التي لم تعد ترى في فلسطين مجرد أرضٍ محتلة، بل مرآةً لكرامتها ووجودها الإنساني.

يوميات معركة أولي البأس 2024.. اليوم الحادي والعشرون

سلسلة “أُولي البأس”… ليست مجرد عرضٍ للأحداث، بل هي وثيقة تاريخية، عبر حلقات يومية، تسطّر بطولات رجالٍ كتبوا بدمهم وصمودهم فصولًا ساطعة من تاريخ المقاومة. “أُولي البأس”… حكاية الذين لم يُهزَموا، بل صنعوا بدمائهم ذاكرة المجد والخلود التي ستبقى حيّة.

 

معركة أولي البأس – الأحد 13/10/2024

 

في إطارِ الرَّدِّ على العدوانِ الإسرائيليِّ، ودفاعًا عن لبنانَ وشعبِه، نفَّذت المقاومةُ الإسلاميَّةُ، يومَ الأحدِ الواقعِ فيه الثالثَ عشرَ من تشرينَ الأوَّل 2024، ثمانٍ وثلاثينَ عمليَّةً عسكريَّةً، استهدفت في معظمِها مستوطَناتٍ، ومواقعَ، وثكناتٍ، وتجمُّعاتٍ تابعةً لقوّاتِ العدوِّ الإسرائيليِّ عندَ الحدودِ اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة، باستخدامِ الصواريخِ والقذائفِ المدفعيَّة.

 

وعلى صعيدِ المواجهاتِ البرِّيَّةِ، وبنداءِ “لبيك يا نصرالله“، سطَّر مجاهدو المقاومةِ الإسلاميَّةِ في هذا اليوم ملاحمَ كربلائيَّةً، التحموا خلالها بجنودِ العدوِّ الإسرائيليِّ على بُعدِ مئاتِ الأمتارِ من الحدودِ اللبنانيَّة – الفلسطينيَّة. فقد حاولت قوّاتُ العدوِّ التسلُّلَ إلى بلداتِ راميا، بليدا، القوزح، وميس الجبل، فتصدّى لها المجاهدونَ بالعبوّاتِ الناسفةِ، واشتبكوا معها من مسافةِ صفرٍ باستخدامِ الأسلحةِ الرشّاشةِ والمتوسّطةِ، ما أسفرَ عن سقوطِ عددٍ من القتلى والجرحى في صفوفِ القوّاتِ المعاديةِ وانسحابِها من المنطقة. كما دمَّر المجاهدون، بالصواريخِ الموجَّهةِ، دبّابةَ “ميركافا” وآليَّةً مدرَّعةً.

 

وفي الحارةِ الغربيَّةِ لبلدةِ عيتا الشعب، لم ينتظرِ المجاهدونَ وصولَ القوَّةِ المعاديةِ المتسلّلةِ، بل بادروا بكلِّ بسالةٍ وشجاعةٍ إلى مهاجمتِها، حيثُ دارت اشتباكاتٌ عنيفةٌ وجهًا لوجهٍ، تكبَّد خلالها العدوُّ الإسرائيليُّ عددًا من القتلى والجرحى في صفوفِ جنودِه.

 

وفي إطارِ سلسلةِ عمليَّات “خيبر“، وردًّا على استهدافِ المدنيّينَ، أطلقت القوّةُ الصاروخيَّةُ في المقاومةِ صليّاتٍ صاروخيَّةً نوعيَّةً، استهدفت قاعدةَ “طيرة الكرمل” وقاعدةَ التأهيلِ والصيانةِ (7200) جنوبيَّ حيفا المحتلَّة.

 

بدورِها، وردًّا على العدوانِ الإسرائيليِّ على أحياءِ النويري والبسطة في بيروت، شنَّت القوّةُ الجويَّةُ في المقاومةِ هجومًا جوّيًا نوعيًّا، بسِربٍ من المسيَّراتِ الانقضاضيَّةِ، على معسكرِ تدريبٍ للواء “غولاني” في “بنيامينا” جنوبيَّ حيفا المحتلَّة، وأصابت مطعمَ المعسكرِ أثناءَ احتشادِ جنودِ العدوِّ الإسرائيليِّ بداخله، ما أسفر عن مقتلِ وجرحِ العشرات.

 

وزَّع الإعلامُ الحربيُّ في المقاومةِ الإسلاميَّةِ رسالةً لم تُنشَر سابقًا، يتوجَّهُ من خلالها سماحةُ الشهيدِ الأقدس السيّد حسن نصرالله (رضوانُ اللهِ عليه) إلى مجاهدي المقاومةِ الإسلاميَّة، سائلًا اللهَ تعالى أن يُبارك بجهودِهم وعملِهم وسهرِهم وتعبِهم.

 

وختمت المقاومةُ الإسلاميَّةُ بياناتِها النوعيَّةَ في هذا اليوم الحافلِ بالتأكيدِ على أنَّها ستبقى حاضرةً وجاهزةً للدفاعِ عن بلدِها وشعبِها الأبيِّ والمظلومِ، ولن تتوانى عن القيامِ بواجبِها في ردعِ العدوِّ.

 

في المقابلِ، تحدَّثت وسائلُ الإعلامِ العبريَّةُ عن مقتلِ أربعةِ جنودٍ إسرائيليّينَ، وإصابةِ سبعينَ آخرينَ، نتيجةَ انفجارِ طائرةٍ مُسيَّرةٍ لحزبِ الله في قاعدةٍ عسكريَّةٍ جنوبَ حيفا المحتلَّة، من دون أن يتمَّ اكتشافُها مسبقًا. بالإضافةِ إلى نقلِ اثنينِ وعشرينَ جنديًا من المناطقِ الحدوديَّةِ إلى المستشفياتِ، أُصيبوا نتيجةَ المواجهاتِ مع حزبِ الله، بينهم أربعةٌ في حالةٍ حرجةٍ.

 

سُجِّلَ في هذا اليوم إطلاقُ صفّاراتِ الإنذارِ اثنتينِ وأربعينَ مرّةً في مختلفِ مناطقِ شمالِ فلسطينَ المحتلَّةِ، تركزت في مستوطَناتِ الجليلِ الأعلى والجولانِ السُّوريِّ المحتلِّ، وعلى الخطِّ الساحليِّ من رأسِ الناقورةِ شمالًا حتّى “عتليت” جنوبًا.

خلال كمين محكم لأمن المقاومة.. مقتل اثنين من المتعاونين مع الاحتلال واعتقال ثالث، في شارع الشابورة شرق حي الشجاعية بغزة.

خلال كمين محكم لأمن المقاومة.. مقتل اثنين من المتعاونين مع الاحتلال واعتقال ثالث، في شارع الشابورة شرق حي الشجاعية بغزة.

بدأت حركة حماس إعدامات ميدانية لمئات العملاء الذين ثبت تورطهم بدم نساء ورجال وأطفال غزة على مدى سنتين من الحرب الوحشية .

برنامج على منصات التواصل الإجتماعي ، يروي تاريخ الجماعة الشيعية أعلاماً وأحداثاّ في الجغرافيا اللبنانية منذ 1400 عام ، يخرج تاريخي إلى الفضاء الإفتراضي بـ 3 هويات إنتاجية مختلفة 

*تاريخي ..*

 

برنامج على منصات التواصل الإجتماعي ، يروي تاريخ الجماعة الشيعية أعلاماً وأحداثاّ في الجغرافيا اللبنانية منذ 1400 عام ، يخرج تاريخي إلى الفضاء الإفتراضي بـ 3 هويات إنتاجية مختلفة

 

*1. TALKING HEAD :* حلقات ذو بُنية وثائقيّة غزيرة معلوماتياً مدعّمة بمادة أرشيفيّة تتضمّن صور فوتوغرافية ، أرشيف فيديو ، وثائق ومخطوطات .

 

*2. Podcast :* يستضيف نخبة من المؤرخين الذين اغنوا المكتبة الشيعية بمؤلفات تؤرخ للجماعة الشيعية اللبنانية منذ 1400 عام

 

*3. Outdoor shooting :* وثائقي ميداني قصير يجول على أهم المعالم والمواقع الاثرية المرتبطة بتاريخ الشيعة اللبنانيين

بطاقة اسير… من يسأل عنهم في السجون الإسرائيلية.. نحن لسنا ارقاماً نحن مواطنون لبنانيون. ارضنا لبنان. .. لن ننسى

*مـحـرر الـشـؤون الـعـبـريـة فـي قـنـاة الـمـنـار حـسـن حـجـازي:‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‏*

في الصورة ترامب وعن يمينه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو وزوجته وعن يساره رئيس الكنيست امير اوحانا وزوجه.