سلامٌ عليك وعلى صوتك الذي لا يُقه، ونبضك الذي لا يستكين. عليك السلام يا سيّداً بين المجاهدين، يا هيبة الميادين، يا من إن ظهرتَ، ارتجف الشكّ واستقام اليقين!
#ابو_عبيدة
سلامٌ عليك وعلى صوتك الذي لا يُقه، ونبضك الذي لا يستكين. عليك السلام يا سيّداً بين المجاهدين، يا هيبة الميادين، يا من إن ظهرتَ، ارتجف الشكّ واستقام اليقين!
#ابو_عبيدة
كتائب القسام: لقد التزمت المقاومة بما تم الاتفاق عليه، وقامت بتسليم جميع من لديها من الأسرى الأحياء وما بين أيديها من جثثٍ تستطيع الوصول إليها، أما ما تبقى من جثث فتحتاج جهوداً كبيرة ومعداتٍ خاصة للبحث عنها واستخراجها، ونحن نبذل جهداً كبيراً من أجل إغلاق هذا الملف.
المتأصلة، وهذا هو التاريخ الذي يحكي علماءنا الأطهار، وينعكس في مرآة واقعنا مقاومة صادقة في انتمائها بالعلم والادب والشجاعة والتضحية والوعي والوحدة. فمقاومتنا اليوم على صورة العالم الرباني، هي مقاومة العلم والوعي والحكمة، وتحمُّل المسؤولية بوجه المتربصين بالأمة شراً، سواء كانوا صهاينة أو استكبارا غربيا أو ممَّن أعمى الله قلوبهم، وأعشى أبصارهم، وسد نوافذ عقولهم، فجعلهم يداً بأيدي أعدائهم يحركونهم لأهوائهم يشتدون على من أراد بها شراً وتفتيتاً وتقسيماً…
(*) رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله
المصدر: صحيفة السفير
التاريخ: 20 أيلو/ سبتمبر 2014
سماحة السيد هاشم صفي الدين
يختلف الخطاب الثقافيّ المخصّص لمواجهة الحرب الناعمة عن موضوع الخطاب الثقافيّ الإسلاميّ المواكب، وقدرته بالمطلق والعموم، ومدى تقليديّته أو تقدميّته، ويجب التمييز بينهما.
* الخطاب الإسلاميّ بين المواكبة والمواجهة
الخطاب الثقافيّ الذي ينبغي أن يواجه الحرب الناعمة يجب أن يكون خطاباً واعياً يتميّز بالمعرفة والشجاعة، مدعوماً بالقوّة والقدرة، قوّة الدفاع والحقّ. لذا، فإنّ النخب التي تفتقر إلى القوّة، والتي تعبّر عن ثقافتها، يبقى كلامها نخبويّاً، وبعيداً عن التطبيق.
وهذا ما يُدخلنا إلى الاستراتيجيّة المتّبعة لمواجهة الحرب الناعمة وبين ما فعلته المقاومة في إنجازاتها وقضاياها.
* المشروع المقاوم والمواجهة
لقد اعتمدت المقاومة في مواجهة هذه الحرب الناعمة على استراتيجيات عدّة، منها: الوعي، المعرفة، التصدّي، الثقة بالنفس وإدارة هذه المعركة المعرفيّة، والثقافيّة، والإعلاميّة، والسياسيّة بطريقة متوائمة، ومتناسبة مع طبيعة العمل المقاوم الذي يحقّق إنجازات على الأرض.
ولم تكن هذه المواجهة مواجهة الضعيف، بل مواجهة القويّ، الذي يحقّق انتصارات وإنجازات… هناك مجموعة من الأسئلة والتساؤلات إذا جمعناها ووجدنا إجابات كافية وافية لها ستجعل المواجهة والمشروع المقاوم متكاملاً في أبعاده المختلفة.
* البعد العسكريّ الميدانيّ
أحد أبعاد المواجهة الأساسيّة هو البعد العسكريّ الميدانيّ، بل هو رأس الحربة. والأبعاد الأخرى تلتقي حتماً في خدمة رأس الحربة العسكريّ القتاليّ الذي يحقّق الإنجازات، وحين تدعم هذا المشروع المقاوم وتنهض به، تحقّق ذاتها في الثقافة وفي المجتمع.
يحاول الكثير من المحلّلين وعدد كبير من الدراسات والأبحاث في هذا العالم، أن يفتّشوا عن أسباب ونقاط القوة الكامنة في هذه المقاومة، وقد أصاب بعضهم في إدراك اهتمام المقاومة بالبعد الاجتماعيّ، والتربويّ، والثقافيّ، والصحّيّ والإنمائيّ في المجتمع، هذا طبيعيّ.
* الاستراتيجية الإعلامية والدور المطلوب
يجب الاستفادة من الإعلام في إطار التحصين، ويجب الاستفادة من التلفزيون، على وجه الخصوص، لأنّ خطورته تكمن في تلقّي المشاهد وقبوله لثقافة الآخر، وعندها من الطبيعيّ أن تنقلب ثقافته وأولويّاته مع مرور الزمن.. وهذه حقيقة.
1- التلفزيون والإعلام
من هنا، فإنّه ينبغي فَهم خطورة الحرب الناعمة، وأن نعرّف هذا الخطر الذي يحتاج دَفعه إلى جهودٍ مضنية وجبارة. وهذه هي المقاومة الحقيقية التي تُجمع فيها هذه الجهود، ويتمّ التعاطي مع كلّ إمكانية لقَلبها إلى واقع، ومع كلّ طاقة لجعلها استثماراً في مواجهة هذه الحرب، وهذه هي المعركة والمقاومة الحقيقية.
لهذا، في الموضوع الثقافي يلعب التلفزيون، بلا شكّ، دوراً مؤثراً وأساسيّاً في تكوين الثقافة المجتمعيّة والثقافة العامّة. ومن الطبيعيّ، أن نحضر في الساحة لا لنتحدّث عن الثقافة الأخرى التي تريد أن تقتحم بيوتنا ومجتمعنا، بل لنقدّم أنفسنا.
2- وسائل التواصل الاجتماعيّ
إنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ من الأمور المهمّة والضروريّة واليوميّة لجيل الشباب، بغضّ النظر كيف نشأت ولأيّة أهداف ولأيّ غرض…
ما يجب الالتفات إليه، عندما أتحدّث عن واقع موجود لا يعني الاستسلام لكلّ هذا الواقع، بل أن نسأل ونعرف التكليف اتّجاه هذا الواقع الموجود.
شبكات التواصل الاجتماعيّ مهمّة ولها فوائد علميّة وبحثيّة واجتماعية… إلخ، ولكن علينا أن ندخل إلى هذه الشبكات بذكاء؛ لأنّ من مفرداتها، كما في أي عمل دعائيّ آخر، لعبة الأرقام. وهذه مسألة دقيقة وينبغي معرفتها.
إنّنا في المقاومة وفي مجتمع المقاومة ما زالت مساهماتنا متواضعة في هذا المجال، ولكن هناك مشاريع واستراتيجيات تُدرس وتُبحث للدخول إلى هذا العالم ولتحقيق ما ينسجم مع تطلّعاتنا وأهدافنا وقيمنا.
ينبغي أن نعلم أن من الأدوات الفاعلة لتحقيق أهداف الحرب الناعمة وسائل التواصل الاجتماعيّ. وعلى الرغم من إيجابياتها إلّا أنّ لها سلبيّات ومخاطر كبيرة جداً، وهذا ما يتطلّب المعرفة والتمييز بين الاستخدام الصحيح والسقيم، وبين السيّئ والحسن لتكون مواجهتنا لها مواجهة صحيحة وفي محلّها.
* نجاح المواجهة
نجح مجتمع المقاومة في مواجهة الحرب الناعمة، لكنّه كان نجاحاً جزئيّاً. تمّ ذلك حين استطاع المجتمع المقاوم إنتاج فكر مقاوم، وأجيال مقاومة، حين وصلنا إلى مرحلة يفتخر أيّ إنسان منّا بالانتماء للمقاومة، وبالشعور الذي يجعله منسجماً مع تاريخه وثقافته، لا بل تمكّنت المقاومة أن تقلب الأزمة إلى الطرف الآخر أحياناً في بعض العناوين والمفردات. نحن عشنا مع انتصارات المقاومة وفي المقابل نرى الصهيونيّ يعيش حالة التشكيك حتّى في مشروعيّة وجوده…
تمثلّ نجاح مجتمع المقاومة بوجود عشرات الآلاف من الشباب والعائلات المعطاءة والقادرة والحاضرة في الساحة بشكل دائم.
إنّ مجتمعنا المقاوم في لبنان، وفي كلّ محيطنا العربيّ والإسلاميّ، وعلى الرغم من كلّ الأحداث، استطاع أن يبقى متمسّكاً بمقاومته، راسخاً على نهجه ومليئاً بالأمل بالانتصارات.
نحن من جهتنا ليس لدينا مفهوم واستراتيجية شنّ حروب ناعمة، الذي يحتاج إلى الحرب الناعمة هو المتستّر والمتخفّي (من يخفي شيئاً ويظهر غيره). أمّا نحن، فمشروعنا واضح نطرحه بقِيَمه ومفرداته وأهدافه، وما نطرحه في الحرب الصلبة نطرحه في الحرب الناعمة، وما في الباطن هو علنيّ في الظاهر، نحن نمتلك فكراً، ونهجاً يعبّر عن نفسه تارة بالمواجهة العسكرية دفاعاً ومقاومة، وتارة بالموقف الثقافيّ، وتارة أخرى بالموقف السياسي.
* المعادلة الذهبية للانتصار في الحرب الناعمة
لكي نكون على معرفة دقيقة على المستوى العلميّ والمعرفيّ نعتقد أن هناك نتيجة وهناك شرطاً.
في النتيجة، ليس هناك أدنى شك في أنّ هذا النهج المقاوم في كلّ تجلّياته (العسكريّة، والثقافيّة، والسياسيّة، والتربويّة والإعلاميّة) هو مجتمع متكامل، ولا يعيش عقدة التاريخ ولا عقدة النقص ولا عقدة الضعف، بل يعيش زهو الانتماء إلى هذا التاريخ، يفخر بقادته، يفخر بأنبيائه، وأئمته، ومفكّريه وبكلّ ما قدّموه للبشريّة… وهذا المجتمع يعرف أننا ذاهبون إلى نصر مؤكّد وحتميّ، في نهاية المطاف. لقد عرفت المقاومة طريقها منذ البداية، عرفت أهدافها جيّداً، لم تبدّل ولن تغيّر بإذن الله.
النتيجة محسومة ومحسوبة طال الزمن أو قصر المهم بالنسبة إلينا هو القضية والمشروع…
أما على مستوى صياغة معادلة الحرب الناعمة، فالمعادلة من وجهة نظرنا وبشكل مختصر وموجز: أصالة، ثقافة، وعي سياسيّ وشجاعة.
وللتدقيق أعتقد أن كلّ واحدة من هذه الفقرات هي أساس للآخر.
(*) هذا المقال عبارة عن حلقة حواريّة حول الحرب الناعمة أجراها تلفزيون المنار مع سماحة السيّد هاشم صفيّ الدين ضمن برنامج “أحسن الحديث” بتاريخ ت2/2015، نقدّمه للقرّاء الأعزّاء لأهميّته ولإضاءته على العديد من جوانب الحرب الناعمة التي تحيط ببيئتنا المقاومة.
من الأمور الملفتة في هذه الأيام هو التغيرات الهائلة التي تحدث في العالم والتي تتم بسرعة قياسية سواء كان ذلك مرتبطاً بالتطورات العلمية ونتائجها وآثارها على فكر الإنسان وحركته أو كان مرتبطاً بمفاهيم الحياة والمعادلات التي تحكم مسار البشرية في مختلف الاتجاهات مما ولد شعوراً عارماً بأن كل يوم جديد سيحمل معه مفاجآت غير متوقعة.
والجديد الغريب هو قدرة أي إنسان الاطلاع عليها من خلال الوسائل المتاحة، وبأشكال متعددة، حتى وصلنا إلى مرحلة من الإحساس المتنامي بعدم قدرة البشر على التحكم بما هو آتٍ وهذا لا يعني أن ما يحصل خارج دائرة الإرادة الإنسانية التي كانت وستبقى في سلسلة العلل لكل التغيرات التي تحصل على هذه الأرض وفق السنن الإلهية وتوسط الإنسان في تحققها. وهذا يفسر بشكل واضح مسؤولية الإنسان عن أعمال ونتائج قد لا يكون حسب لها أي حساب، ومن الأمور التي ينبغي مراقبتها بدقة قدر الإمكان هو ملاحظة التغيرات السياسية التي تحصل في العالم، وفي منطقتنا الإسلامية والعربية تحديداً، لترى أن العقود الثلاثة الماضية حملت معها مجموعة من الأحداث الكبيرة والضخمة وكشفت عن مفاجآت لم تتمكن كل قوى العالم أن تقدرها بشكل جيد ودقيق على الرغم من تراكم التجارب الإنسانية وتوفر الأدوات العلمية.
ونلحظ مع هذه المتغيرات أن عنصراً جديداً دخل إلى قلب المعادلة وبقوة ليفرض نفسه وليتجاوز كل المحاولات المضادة لإنهائه أو إخماد شعلته أو إطفاء نوره وليشق طريقه بثبات ونمو مطرد في سياق أحداث عالمية معاكسة تماماً وهذا العنصر هو الحركة الدينية الأصيلة التي تنتمي إلى الإسلام العزيز والى الفهم القائل بأن قوة الإيمان لا يمكن قهرها أو إلغاؤها فيما إذا كان المؤمنون حاضرين في الساحة ويؤدون واجبهم، إذن نحن أمام حركتين متقابلتين الأولى شقت طريقها في صراعات سياسية وعالمية وهي حركة الاستكبار العالمي الذي تجسد أخيراً بمصداق لا لبس فيه وهو الولايات المتحدة الأميركية والتي تسعى بكل ما أوتيت من قوة مادية واقتصادية وسياسية وعسكرية إلى فرض هيمنتها على كل الواقع السياسي في العالم وهي تمعن في إطلاق مفردات سياسية وفكرية لم تكن معهودة في السابق وتحث الخطى باتجاه الإعلان عن السيطرة الكاملة على كل هذا العالم؛ بل تتعدى ذلك لتقدم نفسها أنها القادرة على فعل أي شيء وعلى التحكم بكل المعادلات ورسمها للمستقبل.
وهذا ما يفسر الكلة التي أطلقها بوش انه (سيد التوقعات في العالم) في الوقت الذي يوجه الرسائل القوية إلى كل الأطراف الدولية ليخرجها من ساحة الشراكة والتأثير وليخضعها لإرادته وقراره، والملفت في هذا الموضوع هو سرعة الأحداث والإصرار الأميركي على المضي في هذا الطريق غير آبه بكل التحذيرات وغير مستفيد من كل التجارب الإنسانية التي مرت حتى يخيل للمتابع والمراقب إن الأمور تساق إلى مصير يبدو وكأنه خارج عن إرادة أمريكا دون أن تعترف الإدارة الأميركية بذلك.
هذا الاتجاه يمثل مفردات الظلم العالمي والاستكبار والطغيان والهيمنة وسلب الحقوق للآخرين والتصرف بكل مقدرات العالم وتسخيرها لمصلحة القوة التي تعتبر أن من حقها أن تخضع كل العالم لإرادتها. والحركة الثانية تتمثل في الجهة المقابلة والمواجهة لهذا الطغيان والتي خاضت صراعاتها في إطار ساحاتها ليتمخض عنها حركة الانتماء إلى الدين والفطرة والأصالة ولتحمل هذه الجهة تعاليم الأنبياء والرسل والأولياء عبر التاريخ في وقفة مبدئية وجريئة تعتمد على الحق والعدل وعدم الرضوخ أو الاستسلام للوقائع التي فرضها الاستكبار وان تطور ونمو هذا الاتجاه في العالم الإسلامي يسير أيضاً بسرعة قياسية ويحمل معه ما قد يبدو أنه مفاجآت غير متوقعة لكنه يتبلور يوماً بعد يوم بنهج إيماني وجهادي يشق طريقه وسط هذا العالم الإسلامي المظلوم الذي يكابد ويعاني من غطرسة المستكبر وأدواته.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل أن كل ما يحصل هو من قبيل الصدفة ؟ من الطبيعي أن يكون الجواب غير ذلك إذ لا مكان للصدفة في حركة الشعوب والأمم بل هي حركة الصراع بين الحق والباطل، حركة التدافع وفق سنن الله تعالى لكن هذه المرة نجد أن ساحة الصراع كبيرة جداً وآفاقها واسعة جداً وبالتالي فإن متغيراتها ستكون كبيرة وفي مجالات مختلفة.
إن ما يحصل يقرب لنا الفكرة التي نعتقد بها وهي فكرة خلاص العالم على يد الإمام المنتظر عجل الله فرجه حيث من الضروري أن تظهر قوى الشر والظلم والغطرسة بكل ما فيها وعلى أوسع ساحة بل على امتداد العالم كله حيث تملأ الأرض ظلماً وجوراً وبالمقابل فإن إمكانية أن تملأ قسطاً وعدلاً تصبح واردة كنتيجة طبيعية للصراع وتجليات أدواته العالمية وليتضح لنا أن الأمل الموعود والذي قد يبدو للبعض انه مجرد فرضيات ومفاجآت غير متوقعة هو في الحقيقة نتيجة طبيعية لأحداث متسارعة وتغيرات غير عادية لكنها في كل الأحوال خاضعة لإرادة الخير والإيمان والعدل الذي يجب أن نسعى بكل ما أوتينا من قوة لإيجادها وحفظها حتى نكون الطرف الجدير بالقيام بهذه المهمة.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
والله ولي التوفيق
ليست الحملة الناعمة التي يشنّها أعداء الإسلام جديدة على عالمنا المعاصر، بل دأبَ هؤلاء ومنذ زمن على العمل لتشويه صورة الإسلام والنيل من قِيَمه وإهانة مقدَّساته. وقد لجأ الأعداء إلى هذه الحرب لاعتقادهم أنّ الوصول إلى الأهداف المرسومة غير ممكن عبر العمليّات العسكريّة. وبما أنّ المقاومة واحدة من أبرز القِيَم التي نحملها لذلك كانت في معرض الهجوم من أعدائها.
* الإمام الخامنئيّ استشرف “الحرب الناعمة”
كما هو معلوم فإنّ سماحة الإمام القائد دام ظله هو من الذين استشرفوا المخاطر وأدركوا تماماً سير الأحداث والأدوات التي خبّأها العدو والتي عمل على إبرازها وإظهارها لمواجهة المدّ الإسلاميّ والثوريّ الصاعد في منطقتنا. فالقوة الناعمة ليست جديدة، إلّا أنّ ما أشار إليه السيّد القائد هو إحساسه وشعوره أنّ هذا الخطر قادم، وأحد أهمّ مشاكله أنّه ليس حرباً صلبة أو قاسية يشار إليها بالبنان، فالحرب الناعمة تُقدَّم بعناوين برّاقة وجذّابة لا تستفزّ في مراحلها الأولى. وهذا ما كان يحتاج إلى التوعية والتنبيه، وقد أبرزها السيّد القائد بمصطلح يوحي بذلك عام 2009م.
* لماذا الحرب الناعمة على المقاومة؟
تتعرّض المقاومة للاستهداف في الحرب باتّجاهين: الأوّل: عسكريّ، والثاني: فكريّ تضليلي ناعم.
من المعلوم أنّ الصراع القائم والموجود بين المقاومة وبين قوى الشرّ والاستكبار والاحتلال هو صراع طويل امتدَّ لعقود من الزمن. ونحن الآن في مرحلة دقيقة وحسّاسة ومهمّة، وربما تكون هي المرحلة التي ستليها نتائج حاسمة على مستوى المنطقة كلّها.
استشعرت أميركا الخوف بعد أن فشلت عسكريّاً في القضاء على المقاومة وفي إحباط نتائج انتصاراتها. وهذا هو الأهمّ؛ لأنّ نتائج الانتصارات كرّست المقاومة كفكر وثقافة وكمفهوم وكبديل حقيقيّ وجدّيّ. من أجل أن تحبط هذه الإنجازات كلّها، ومن أجل أن يقف قوس الصعود للعمل المقاوم… ولكي ينحدر، لأجل هذا كلّه استَخدمت ضدّنا القوى الناعمة، الموجودة أساساً في الفكر الاستراتيجيّ لأعدائنا.
هذه القوة كانت موجودة ومستخدمة بعناوين شتّى في السابق، لكن في هذه المرحلة أنفقت أميركا أموالاً كثيرة، ووُجِّهت أدواتها… استخدَمت كلّ ما تملك من طاقات وإمكانات للتوجيه، بشكل مباشر، على المقاومة.
* درسوا أسباب قوّة المقاومة
بعد انتصار عام 2006 قام العدوّ بدراسة المقاومة: ما هي؟ ما هي قوّتها وما هي أسباب قوّتها؟ وكيف يمكن هزيمتها؟
قدّم الباحثون رؤية ركّزت على الموضوع الثقافيّ الاجتماعيّ، التربويّ، والحياتيّ، والعادات والتقاليد… درسوا المقاومة من هذه الجوانب، ولم يذهبوا فقط لدراسة الجانب العسكريّ والأمنيّ.
وتخلص الدراسة إلى إنّ للمقاومة قوّة مستمدّة من التاريخ ومن الانتماء العقائديّ، الفكريّ، والثقافيّ والاجتماعيّ. وبتعبير يوضح المقصود، قالوا -طبعاً هذا كلام العدو- إنّ المقاومة هي طائر يطير بجناحين: الجناح الأوّل: الاستشهاد وكربلاء والارتباط بالإمام الحسين عليه السلام.
والجناح الثاني: البعد العقائديّ الثقافيّ والفكريّ الذي يربطه بمرجعيّاته، وعلمائه وقياداته. والمطلوب قصّ هذه الأجنحة لإسقاط هذا الطائر. وقال لهم الباحثون، من باب النصيحة إنّه لا مجال للتعاطي مع الجناح المرتبط بكربلاء لأنّ هذا الجناح كلما قصّ تاريخيّاً كلما استطال. لذا، يبقى أمامكم أن تذهبوا إلى الثقافة، والفكر والانتماء العقائديّ الثقافيّ فإذا ما أُضعف هذا الجانب فإنّ المقاومة لن تتقدَّم إلى الأمام.
* الحرب الناعمة: استراتيجيّات وأدوات
تمتاز الحرب الناعمة بأنّ القوّة المحرّكة فيها تكون عادة خلف الستار؛ أي أنّها غير مرئيّة وغير مشهودة؛ لأنّها إذا ما عُرفت تَسقُط أهدافها مباشرة، والقوة المحرّكة هذه تملك أدوات كثيرة:
أوّلاً: من خلال إمبراطوريات الإعلام في العالم وفي المنطقة، حيث يتمّ توجيه الإعلام لتحقيق أهداف محدّدة.
ثانياً: استخدام المؤسّسات والمنظّمات الدوليّة في مجلس الأمن لخدمة الحرب الناعمة.
ثالثاً: استخدام نفوذ هذه القوّة في المنطقة: رؤساء، سياسيّون، مفكّرون، نخب، جامعات، كتّاب؛ كتب الفن… إلخ.
رابعاً: ضعفاء النفوس من الذين يطمحون لتحقيق مواقع سياسيّة في منطقتنا أو في بلدنا؛ بعض الجهات السياسيّة الضعيفة -بذاتها-، هم بعض الإعلاميين مثلاً، بعض النخب، بغضّ النظر كيف يُحرّكون، وهنا لا نتحدّث عن عمالة، بل عن تأثير مباشر وغير مباشر. وهذا ليس سرّاً، بل قيل بشكل واضح(1).
مضافاً إلى ما تقدَّم، فقد استخدم هؤلاء الجانب الفنيّ والاقتصاديّ لتوجيه السهام وليبيّنوا أنّ هذه المقاومة هي خلاف ما تقول -وهذا هو المقصود في الحرب الناعمة- فهي ليست مقاومة، بل هي التي تسبّب وتؤدّي إلى حصول كلّ النكبات والمآسي التي تحصل في المنطقة.
* التلاعب بالمصطلحات الإعلاميّة
الحرب الناعمة تستخدم المصطلحات، وتتلاعب بها وبالمفاهيم وبالثقافة. ومن حيث لا يشعر الإنسان، فإنّ كثرة تكرار هذه المصطلحات على الملأ، من خلال الإمبراطوريّات الإعلاميّة، أو بيانات المحافل الدوليّة، يؤدّي إلى تكريس هذا المفهوم…
المطلوب، إذاً، التركيز على وصف المقاومة بالإرهاب، من خلال:
أوّلاً: الضغط الاقتصاديّ، واستهداف الشعب (البيئة الحاضنة للمقاومة)، بإظهار أنّ المشكلة الاقتصاديّة هي نتيجة المقاومة، وإظهار أنّ وجود المقاومة عكس مصلحة الاقتصاد الوطنيّ.
ثانياً: استهداف المصالح الاقتصاديّة لبيئة المقاومة ومجتمعها من خلال تشويه الصورة، مثل الترويج الإعلاميّ بأنّ فلاناً يدعم المقاومة، فيضعون عليه علامة استفهام ويوضع في إطار الملاحقة، فإذا ما أراد أن يحفظ مصالحه عليه أن يترك المقاومة.
وبعضهم يتبرّع بمناسبة أو غير مناسبة ليقول: ألا تخاف المقاومة على من هو معها؟ على مجتمعها وعلى أهلها؟
* لعبة القول إنّ الانتصار هزيمة!
شاهدنا في مرحلة من المراحل ولمسنا الآثار الطيّبة والكبيرة لعمل المقاومة، على الناس، لكن، كانت هناك مسارعة من قبل البعض لتجويف انتصارات المقاومة، هذه المسارعة لم تكن صدفة، بل هي حركة، مدروسة.
بعد انتهاء حرب تمّوز حيث كانت هناك انتصارات كبيرة وهائلة، خرج بعض الإعلام العربيّ بشكل فاضح ووقح ليتحدّث حول الخسائر التي حصلت، ليقول: ماذا جنى لبنان من هذه المعركة ومن هذه الحرب؟ هناك شعب اعتزَّ بانتصاره وهو يعود إلى قراه رافعاً شارات النصر عزيزاً كريماً بعد أن أذلّ القوة الصهيونيّة المعتدية. في الوقت نفسه يأتي هذا البعض ليقول إنّ الاقتصاد تدمّر وإنّ كلّ الذي حصل هو خسائر.
هذه إحدى تكتيكات وعقليّات الحرب الناعمة التي تحاول أن تدغدغ مشاعر الناس، التي تعيش في مشكلة وضائقة اقتصاديّة وإشعار الناس أنّ الدولة دون المقاومة هي التي تحقّق لكم مصالحكم وآمالكم، فتخلّوا عن المقاومة.
(*) هذا المقال عبارة عن حلقة حواريّة حول الحرب الناعمة أجراها تلفزيون المنار مع سماحة السيّد هاشم صفيّ الدين ضمن برنامج أحسن الحديث في شهر ت2/2015.
1- حديث فيلتمان حيث قال: إن هناك خمسمائة مليون دولار أميركيّ -نصف مليار دولار – رصدت لدعم الحرب الناعمة على منطقتنا.
السيد هاشم صفي الدين
ها هي الذكرى الثالثة للانتصار العظيم الذي تحقق في أيار تطل علينا في خضم أحداث جسيمة ومهمة تمر على أمتنا، وعلى الرغم من هذا فإن تلك الساعات والأيام لا تنسى وتلك الجموع الزاحفة براياتها الصفراء لا تمحى من ذاكرة أبناء أمتنا وخاصةً أولئك الأبرار من عوائل الشهداء والأسرى والجرحى ومن أبطال المقاومة الإسلامية الذين ما زالوا في مواقع العطاء والتضحية، وإنهم اليوم أكثر قناعةً للمضي في طريق الجهاد وتحمل المسؤولية التي تزداد يوماً بعد يوم وحدثاً بعد حدث.
فالانتصار بحد ذاته لا ينبغي أن يُنظر إليه أنه مناسبة فرح وافتخار واعتزاز فقط، إنما هو نتاجٌ عظيم وعطاءٌ إلهي كبير يُفترض أن يُحمى بفلذات الأكباد وأن يصان بالمهج والأرواح فكيف إذا أضفنا إليه عطاءُ المقاومة الباسلة والشامخة للشعب الفلسطيني القابض على الجمر وهو ينجز ملحمة الفداء لأشرف قضية وتزداد المسؤولية مع الهجمة الشرسة للاستكبار العالمي والشيطان الأمريكي على أمتنا وعلى ديننا ومقدساتنا وكل خيراتنا من خلال الحرب الظالمة على شعب العراق ومن خلال إعداد العدة لاستكمال مشروعه الدموي العالمي.
أمام كل هذا نجد اليوم أننا بحاجة ماسة للتعمق في بعض أسباب الانتصار الذي تجلى في أيار سنة 2000، وليس خافياً أن الفكر الأصيل والروحية العالية وما يترتب على هذا المعنى من أهم الأسباب التي ينبغي أن تشغلنا، ومن المعلوم أن فكرة الارتباط الوثيق على المستوى القلبي والاعتقادي والإيماني بمشروع الانتظار الصحيح لبقية اللَّه الأعظم (أرواحنا فداه) كانت من المؤثرات الهامة في التكوين الإيماني والروحي لأبناء المقاومة الإسلامية حيث اعتادوا على الاعتقاد الجازم بالحضور المبارك لعناية ولطف الإمام المهدي عجل الله فرجه في المعركة التي اكتسبوا شرف التواجد فيها كما اعتبروا أن وظيفتهم في طريق التمهيد هي أن يختبروا إخلاصهم في ساحة الوغى وعلى مشارف الاستشهاد ليكون نداء (العجل، العجل…) نابعاً من القلب الصادق والروح المتأججة والموقف الحق، كما أنهم عرفوا أن الانتظار الواقعي إنما يكون بالقيام بالواجب والوظيفة الشرعية على أكمل وجه ومن أهم مصاديقها هو شحذ السيف والهمة لمحاربة الباطل وأعوانه والعمل من أجل إبادته ومحوه، كما أن يقينهم ازداد بعد الانتصار أن الممهدين الحقيقيين هم الذين لا يقفون عند أعتاب انجاز ليأنسوا ببعض ثماره أو يفخروا به حتى ولو كان نصراً إلهياً كالذي حصل في لبنان بل هم يلقون كل ما عندهم ويدفعون به في ساحة العشق والشوق الذي قضّ مضاجعهم وأرّق حياتهم من أجل أن يشيدوا مشروع التمهيد الحقيقي وليأخذوا من نور الانتصار وضيائه فقط ما ينفعهم في اهتداء السبيل وشفاء بعض الغليل وفي تسريع الخطى لأجل اللقاء الموعود، ومن الطبيعي أن نظرةً من هذا النوع سوف تجعل هؤلاء المقاومين أكثر حماسةً ورغبةً وانشداداً إلى ساحات الجهاد التي كلما اشتدت كلما ازداد خفقان قلوبهم (طبعاً ليس خوفاً من العدو) وخفّت أبدانهم وسمت أرواحهم لأن لحظة الوصول أصبحت أقرب إليهم ف(هل إليك يا ابن أحمد سبيلٌ فتُلقى…).
2024-06-04
أكد رئيس المجلس التتفيذي في حزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين أن ما حصل في النصيرات في فلسطين يؤكد أن الجيش “الإسرائيلي” لا يقاتل كجيش، إنما يقاتل كمجرم، جزّار يتعمّد قتل الناس ويتعمّد إلحاق الأذى بالناس ودمار البيوت ورمي الناس في الشوارع نساء وأطفالا، ضحايا مقتولين دون أيّة مساعدة ودون أن يرّف له جفن.
وخلال كلمة له اليوم الاثنين 10حزيران/يونيو في افتتاح مركز الهيئة الصحية الإسلامية في مجمع السيدة خديجة – المصيطبة، قال السيد صفي الدين: “إذا كان هناك من يزال مقتنعًا أو يخدع نفسه بأنّه يراهن على ما يسمّى بالضمير العالمي والمؤسسات الدولية والإنسانيّة، رسالة مجزرة النصيرات تقول إن عليكم أن تعتمدوا على أنفسكم”، وسأل: “كيف يمكن لنا أن نفكر بالتخلي عن هذه المقاومة وعن هذا السلاح ونحن نرى التهديد الدائم واليومي لهذا العدو؟”.
وأضاف السيد صفي الدين: ”ليس فقط في أيام معركة غزّة، وإنما قبل ذلك هم دائًما يهدّدوننا، يهدّدون بلدنا، وخيراتنا، مياهنا، وحدودنا، وما زالت أرضنا في جزء منها ما زال محتلًا”، موضحًا أنَّ رسالة مجزرة النصيرات تؤكّد هذه الحقيقة، الذي يدافع عن الأوطان وعن الحق هو نفس الشعب ونفس الناس بقوّتهم، بعزائمهم، بإراداتهم، وقد أثبتت التجربة أن هذه الإرادات تحقّق إنجازات كبيرة وكثيرة.
وتابع رئيس المجلس التتفيذي في حزب الله: “أمام ما يحصل في غزّة، نحن أمام متغيّرات كبيرة على مستوى المنطقة”، مبينًا أنَّ معظم السياسيين والقيادات السياسيّة في لبنان يتحدّثون عن وضع مختلف على مستوى المنطقة نتيجة ما يحصل في غزّة أو ما يحصل في كلّ المنطقة، وهذا أمر أصبح متسالمًا عليه.
وأكَّد السيد صفي الدين أنَّ ”اليوم لا أحد يتحدث في لبنان عن مستقبل على مستوى المعادلات، على مستوى الحسابات، كما كان الأمر في السابق أو في سنوات مضت، يعني المنطقة قادمة على متغيّرات، هذا متسالم عليه عند الجميع”.
وأردف أنَّ “السؤال إذا كنّا نعتقد أن المنطقة قادمة على متغيّرات كبيرة أين موقعنا في هذه المتغيّرات؟ هذا السؤال البديهي، فهل ننتظر أن يأتي أحد من الخارج ليحدد لنا موقعنا، ليحدد لنا ما الذي يجب أن نكون عليه؟”.
وتابع: “الإجابة عن هذا السؤال، أنا أعلم أنّها صعبة، ومعقّدة، وبعض الناس يهرب من الإجابة عن هذا السؤال لأنّه يهرب من الحقيقة التي بتنا نعرفها جميعًا، الهروب من الحقائق الصارخة والصادمة لا يبني وطنًا على الإطلاق، الهروب إلى أسئلة في غير محلّها وفي غير موقعها لا يخدم ولا يبني وطنًا، خاصةً إذا كنّا في وطن أصبح متهالكًا، وضعيفًا، وهزيلًا في كثير من بنيانه إذا كنّا نتحدث عن مستقبل لوطننا يجب أن نلحّ في السؤال لنصل إلى الإجابة”.
وختم السيد هاشم صفي الدين كلمته بالقول: “الأسئلة الحقيقيّة بعد كلّ الذي يحصل في غزّة وفي المنطقة، ما هو مستقبل لبنان؟ السياسي، ما هو موقعه؟ ما الذي يمكن أن يفعله لبنان أمام كلّ المتغيّرات التي تحصل في العالم وفي الإقليم والتي ستحمل لبلدنا متغيّرات كبيرة وكثيرة”.
أكد رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين أنه كلما أصرّ رئيس حكومة العدوّ “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو على الحرب سرّع من نهاية الكيان.
كلام السيد صفي الدين جاء خلال الحفل التكريمي الذي أقامه حزب الله للشهيد سمير عيد قباني (أبو سمرا) في مجمع الإمام الكاظم عليه السلام في حيّ ماضي بالضاحية الجنوبية لبيروت.
وقال السيد صفي الدين إن “لبنان معني بالحرب مع العدوّ “الإسرائيلي” بلا أسقف محدودة”، لافتًا إلى أن “”الإسرائيلي” يعادينا بلا حدود والأميركي يعادينا بلا حدود فلماذا علينا أن نتصرف معهم على أنهم عدو مع حدود؟”، وأضاف “العدوّ يسعى لسحقنا في كلّ زمان، ويسعى لإنهاء وجودنا في كلّ ظرف، فلماذا نريد أن نجعل معاركنا معه محدودة؟”، مشددًا على أن “معركتنا مع العدوّ “الإسرائيلي” لا حد لها ولا نهاية لها، إلّا بالانتصار الكامل، بإذن الله تعالى”.
وأشار إلى أن “الوضع الجديد الذي أُخذت المنطقة إليه من خلال طوفان الأقصى ومجازر غزة وصمود أهل غزة وبطولات المقاومة في غزة والجبهات المساندة لمحور المقاومة، هذه الوقائع الجديدة هي المشهد الذي سيكون طاغيًا على كل مستقبل آتٍ”.
2024-07-18
الأمين العام لحزب الله الشهيد سماحة السيّد هاشم صفيّ الدين
ما واجهه شعب الجمهوريّة الإسلاميّة، لم يواجهه شعب في عصرنا الحاضر الذي عشناه كلّه، وفي القرنين الماضيَين، في الحدّ الأدنى، من حصار وضغط، وتشويه، واستهداف، وعلى الرغم من ذلك بقيت هذه الجمهوريّة الإسلاميّة صامدة على مبادئها وأصالتها.
السؤال الذي يُطرح دائماً: كيف تمكّنت هذه الجمهوريّة من الصمود؟ وهذا يجب أن يعيدنا إلى الأصول، والمبادئ، والثقافة التي اعتمدت عليها.
جمهوريّة عالميّة
نشأت هذه الجمهوريّة الإسلاميّة من رَحِم ثورة، وعقيدة، وحركة شعبيّة عارمة، وفي ظلّ قيادة مميَّزة جدّاً… اكتملت جوانبها في مختلف الأبعاد: الفكريّة، والنظريّة، والعمليّة، وحملت أهدافاً إنسانيّة خارقةً للجغرافيا، والحدود، والهويّات الخاصّة، وترفّعت عن المصالح الضيّقة الذاتيّة، ما جعلها بحقّ ثورةً عالميّة، وجعل جمهوريّتها جمهوريّةً عالميّة.
ثقافة متجذّرة
فثقافة الثورة، وإن وُجدت بشكلٍ متراكم، ونَمَت في ظلّ الشعب الإيرانيّ، إلّا أنّها أصبحــــت ثقافةً مستحكمةً، ومقتدرةً، ومتجــــذّرةً، وعكست نفسها في الدستــــور الإيرانيّ، دستور الجمهوريّــــة الإسلاميّة؛ في الانتخابات، وتداول السلطة، والتعاطي مع الشؤون الاجتماعيّة والحياتيّة كلّها، وفي النموّ، وصولاً إلى مرحلة الاقتدار الكبير الذي تعيشه اليوم الجمهوريّة الإسلاميّة.
مفجّر الثورة وباعثها
إذا أردنا أن نعرف الأسباب في استقامة هذه الجمهوريّة، يجب أن نعرف الركائز التي قامت عليها، وهي ركائز بلا شكّ كبيرة وكثيرة، لكن في البداية، يجب أن نتحدّث عن مفجّر هذه الثورة وباعثها الإمام الخمينيّ قدس سره ؛ لأنّ الإمام هو الذي صنع هذا التغيّر بعلمه، ومعرفته، وعرفانه، وإخلاصه، وشجاعته، ووضوح رؤيته، معتمداً على مبادئ زرع من خلالها ثقافةً أصيلة في الشعب الإيرانيّ، مستعيناً -طبعاً- بعددٍ كبير من تلامذته، والعلماء، والمخلصين، والمجاهدين، والمضحّين، وبشكلٍ أساس على الشعب الإيرانيّ الذي استجاب بكلّ إخلاص لكلمته، ومبادئه، ونهجه.
الإمام الخمينيّ قدس سره، بفهمه، ومبادئه، وثقافته، نفذ إلى القلوب، كما صبغ الفكرُ النيِّر الذي حمله بصبغته، ونفذ به إلى العقل، فجمع بين قوّة العقل وقوّة القلب، مستفيداً من الإسلام المحمّدي الأصيل، ليبني هذه الجمهوريّة القويّة والمتينة، والتي نراها اليوم جبلاً راسخاً عصيّاً على التحدّيات كلّها.
ولذا، إذا أردنا أن نفهم هذه الأسباب، لا بدّ من العودة إلى هذا الفكر، الذي اعتمده الإمام، والذي يستند إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).
إذاً، نحن أمام تجربة فيها الجهاد في سبيل الله، جهاد النفس فيها البناء، فيها العزم، فيها الاقتدار، فيها هذه المعاني والقيم كلّها.
فما هي الركائز التي قامت عليها هذه الجمهوريّة؟
ركائز الجمهوريّة الإسلاميّة
1- ثقافة البناء
الركيزة الأولى هي ثقافة البناء في نهج وفكر الإمام، وهي ثقافة متأصّلة؛ بدءاً من بناء الذات ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وصولاً إلى بناء المجتمع، والقيم، والمنظومات الحاكمة، فبناء الثورة وقيمها، إلى بناء الدولة، واستقرارها، وعدالتها، وإلى ما أنجزته وتنجزه إلى يومنا هذا من علمٍ، وتقدّم، ومعرفة. فالبناء يحتاج إلى العقل والعلم، والإمام من موقع العلم، والعقل، والمعرفة هو المرجع، والفقيه، والعارف. والبناء يحتاج إلى أن يفتح الإنسان قلبه على العلوم والمعارف كلّها ليستفيد منها، فيتطوّر وتنمو شخصيته. وفي الإطار نفسه، بإمكاننا أن نتحدّث عن قيم بناء المجتمع، والحياة، وبناء الدولة واستمرارها إلى يومنا هذا.
وعناصر هذا البناء:
أوّلاً: الإيمان واليقين بأنّك تسعى نحو تحقيق هدف محدّد؛ إذ أيّ إنسان يريد أن يبني ذاته، إن لم يُحدّد هدفه ويكن متيقّناً من الوصول إلى هذا الهدف، لا يمكنه أن يُقدِم على تغيير وبناء ذاته بالشكل الذي يوصله إلى الهدف.
ثانياً: العزم، والصدق، والعمل؛ ينقل الإمام قدس سره كثيراً عن أستاذه الشاه آبادي (رضوان الله تعالى عليه) أنّه كان يقول: العزم هو جوهر الإنسانيّة.
ثالثاً: الرؤية الواضحة: فإذا امتلكت إيماناً، ثمّ عزماً، ثمّ رؤيةً واضحةً، تحدّدت لك الأهداف والمسار
رابعاً: الإبداع، والابتكار، والخلّاقيّة.
هذه عناصر أربعة مهمّة جدّاً في عمليّة أيّ بناء؛ بناء الذات، والمجتمع، والأسرة، والدولة؛ أي جوانب الحياة كلّها. ولطالما كان الإمام يدعو الشباب في خطاباته المتكرّرة ليأخذوا بعناصر البناء؛ لأنّهم قادرون على ذلك. فالمؤمن، والعازم، والصادق، وصاحب الفكر، والمبدع، والمبتكر كلّهم قادرون.
في كلّ عنصرٍ من هذه العناصر نجد تأثيراً مهمّاً جدّاً على مستوى بعدين:
الأوّل: يُحقّق الذات المستقلة والواثقة.
الثاني: يحقّق البُعد الذاتي والاجتماعي.
2- الاقتدار
الركيزة الثانية هي الاقتدار. فحينما يعتقد الإنسان أنّه قادر، فسيتحرّك، وأمّا من يعتقد أنّه عاجز، فلن يفعل شيئاً. فالذي يسعى إلى امتلاك القدرة، سيكون فاعلاً ومؤثّراً، ومن لا يسعى إلى امتلاكها، فلن يكون مؤثّراً، سواء كان شاباً، أو كهلاً، أو خبيراً في هذه الحياة الدنيا.
وهذه الركيزة تصلح لأيّ عمر، ومكان، ومرحلة، دعا إليها إسلامنا العزيز حينما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ (سبأ: 46). فالقيام يعطيك القدرة، أمّا السكون والكسل، لا يقدّمان شيئاً إلّا المزيد من الضعف والوهن.
فالجمهوريّة الإسلاميّة آمنت بمبدأ الاقتدار، والشباب والشابّات، والرجال والنساء كلّهم أخذوا هذه الثقافة من الإمام، لكي يحصلوا على القدرة؛ قدرة الإيمان، والوعي، والمعرفة، والعلم، والطموح نحو الوصول إلى مقامات عالية.
تمكّن الإمام باقتداره وفهمه أن يضخّ في المجتمع الإيرانيّ هذه الثقافة، لكي يكون الإنسان الإيرانيّ المسلم إنساناً مقتدراً وقويّاً، وهذا يبني له شخصيّة قويّة، ويبني مجتمعاً قويّاً، يعتمد على نفسه وعلى ثقافته، لا أن يكون ضعيفاً أمام ثقافة الآخرين.
3- الانتماء الوطني
الركيزة الثالثة هي الانتماء الوطنيّ القويّ، انتماء إنسانٍ يغار على وطنه، وسيادته، وتاريخه، وثقافته، ولغته، وهذا ليس عيباً، وهذا الانتماء الوطنيّ خاصّة هو الذي كان يُشعرهم دائماً بالفخر والاعتزاز، فكيف وأنّ هذا الاقتدار الوطني فتح لهم أبواباً شاسعة للعلم والمعرفة؟! حتّى في أيام الحصار والحرب، سعت إيران إلى تطوير جامعاتها والعلوم فيها، وأصبح معلوماً اليوم، في العالم كلّه، مستوى التطوّر العلميّ والمعرفيّ الذي وصلت إليه، والقدرة في الأبعاد كلّها؛ الذاتيّة، والاجتماعيّة، والفكريّة. فإيران اليوم مستقلّة فكريّاً، ولا تحتاج إلى أفكار الآخرين، وإن كانت تستفيد منها، وهي مقتدرة أيضاً عسكريّاً، تبني أسلحتها بعقول شبابها..
تجربة المقاومة الإسلاميّة
ونحن في لبنان، بحمد الله عزّ وجلّ، تعرّفنا إلى ثقافة الإمام الخمينيّ، وآمنّا بالإمام وبثقافته، وبولاية الفقيه، وبالوليّ الفقيه، وآمنّا بالاقتداء بالإمام الخامنئيّ دام ظله، وبمبادئ الثورة الإسلاميّة، وأهمّها عنصرا البناء والاقتدار؛ فمن خلالهما، بنَت المقاومة الإسلامية هويّتها، وذاتها، وشخصيّتها، ودافعت عن وطنها، وقيمها، وسعت إلى الاقتدار بالبناء والقوّة، وبهزمها للعدوّ الإسرائيلي، فنحن اليوم نشكّل قلقاً وأرقاً حقيقيّين للعدوّ الإسرائيليّ، وهذا بالنسبة إلينا فخر، نحن نفخر أنّنا ننتمي إلى ثقافة وفكر الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه).
سُبل الاستفادة من الثورة
ولذا، ما يهمّنا على مستوى حاضرنا ومستقبلنا، لشبابنا، ولإخواننا، ولأخواتنا، ولكلّ إنسان مسلم، ولكلّ إنسان في هذا العالم، إذا أراد أن يستفيد من هذه الثورة، ومن فكر الإمام، وتجربة بناء الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة المستقلّة، لا بدّ من أن يعود إلى هذين العنصرَين: البناء والاقتدار؛ فدون بناء لا نتيجة، ودون اقتدار لا يمكن أن تواجه التحدّيات الصعبة، التي تواجهها في حياتك بمختلف الأبعاد.