أخبار عاجلة

زيارة في الظاهر وغياب في الجوهر / احمد حج يوسف

في زيارة رسمية استمرت يومين، جال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على عدد من المناطق الجنوبية، وكان في استقباله نواب من كتلتي “الثنائي الوطني”. زيارةٌ أُنجزت وفق قواعد البروتوكول، لكنها كشفت بهدوء عن فجوة واضحة بين الشكل الرسمي والمشهد الشعبي.

​لم يكن الاستقبال جماهيرياً بالمعنى التقليدي، بل اقتصر على تجمعات متفرقة على الطرقات، حيث وقف الأهالي رافعين أعلام المقاومة وصور أبنائهم الذين ارتقوا في الاعتداءات الإسرائيلية، وبعضهم من فوق أنقاض بيوتهم المهدومة. غير أن اللافت أن رئيس الحكومة لم يتعمد التوقف، ولا النزول من سيارته، ولا حتى توجيه تحية رمزية لهؤلاء الناس؛ لا لدماء شهدائهم، ولا لصبرهم، ولا لذاكرتهم المثقلة بالخسارة. مر الموكب، وبقي الأهالي في أماكنهم، كأن المشهد كله خارج جدول الزيارة، وكأن الوجع الشعبي ليس بنداً في برنامج البروتوكول. كان المشهد أقرب إلى وقفة ذاكرة جماعية من طرف واحد، لا إلى استقبال سياسي متبادل.

​في هذا السياق، جاءت كلمة النائب حسن فضل الله لتعيد وضع النقاش في إطاره التاريخي؛ فهذه الأرض عرفت الاحتلال قبل أن تعرف المقاومة، وإن نشوء المقاومة جاء كنتيجة مباشرة لواقع الاحتلال، لا كسبب له. كما أشار إلى أن الاستقرار الذي عرفه الجنوب لاحقاً، وعودة أهله إليه بعد سنوات طويلة، ارتبطا عملياً بتكامل أدوار أبنائه المقاومين مع الجيش اللبناني.

هذا التذكير لا يحمل طابع المرافعة السياسية بقدر ما يعكس سردية تاريخية يعرفها أبناء المنطقة جيداً؛ فالجنوب لم يُستعد بالبيانات، بل بتراكم التضحيات وبمسار طويل من الصمود.

​واللافت في الزيارة لم يكن ما قيل فقط، بل ما تزامن معها. فخلال جولة رئيس الحكومة في المناطق الجنوبية، كانت تحركاته تُرصد من قبل جنود الاحتلال. وما إن غادر في اليوم الثاني وأنهى جولته، حتى عادت الأعمال العدائية؛ قصفت إسرائيل عدة مناطق، وارتقى شهداء. هؤلاء الشهداء ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار، بل أبناء هذه الأرض وأبناء أولئك الرجال الذين بفضل سواعدهم تحررت القرى، وبفضل دمائهم عاد المزارع إلى حقله وعاد السكان إلى بيوتهم وإلى ذاكرة طفولتهم في تلك الجغرافيا التي دفعت كلفتها مرتين: مرة بالاحتلال، ومرة بالصبر عليه.

​ونحن نعلم أنه يحق لأي حكومة أن تبحث في بسط سلطتها، كما يحق لأي مجتمع متضرر أن يسأل: أين تقف الأولويات عندما يتزامن الحديث عن ترتيبات داخلية مع استمرار الانتهاكات الخارجية؟ وهل تُقاس السيادة بإجراءات أحادية أم بمنظومة متكاملة تبدأ بحماية الأرض والناس؟

وتزداد حساسية هذه الأسئلة حين يُطرح ملف “حصرية السلاح” بدءاً من جنوب الليطاني، في وقت لا تزال فيه نقاط لبنانية تحت الاحتلال وتُسجل خروقات يومية للسيادة. نقاشٌ يُقدم في الإطار السيادي، لكنه يُقرأ جنوباً بوصفه اختزالاً للأزمة وفصلاً بين السبب والنتيجة.

​ولافتٌ أيضاً ما شاهدناه جميعاً من منع فتاة فقدت منزلها من الدخول إلى إحدى محطات الزيارة لأنها كانت تحمل راية المقاومة. تلك الواقعة تختصر الكثير؛ فهنا لا نتحدث عن رمز سياسي، بل عن تعبير صادر من إنسانة خسرت بيتها وتحاول أن تقول شيئاً بلغتها الخاصة. هي لا ترفع الراية كشعار، بل كملاذ أخير، إذ لا ترى في مَن يمكنه حمايتها بالفعل لا بالقول إلا أولئك الذين تمثلهم تلك الراية التي كانت في يدها.

​ولو أن الدولة تتعامل مع هذه الأرض بوصفها أرضاً لبنانية فعلاً لا توصيفاً لفظياً، لكانت قد جعلت تحريرها الكامل أولوية بكل الوسائل المشروعة، بدل الاكتفاء بالبيانات أو الانخراط في مسارات تُقرأ على أنها استجابة لأجندات خارجية، وعلى وجه الخصوص الأمريكية. ولو كانت هذه الدماء دماءهم، وهذه الأرواح أرواحهم، لربما رأينا مقاربة مختلفة وإحساساً أعلى بالمسؤولية، وسلوكاً أقرب إلى منطق الدولة الراعية لا الدولة المراقبة من بعيد.

​هنا نقول إنه لا تُختزل الدولة في قراراتها الإدارية، بل في قدرتها على احتضان ذاكرة مواطنيها، خصوصاً أولئك الذين دفعوا كلفة الصراع مباشرة. الدولة لا تُبنى بإقصاء الرموز التي ولدت من رحم الألم، بل بإدارة هذا الإرث بحكمة ومسؤولية.

الجنوب لم يكن يوماً ملفاً تقنياً؛ هو مساحة مثقلة بالتاريخ وبالدم وبالبيوت التي تهدمت ثم أعيد بناؤها، وبأجيال تعلمت أن الأمن ليس شعاراً، بل تجربة معيشة.

​وفي الختام، يبقى عتب مشروع، فكم نتمنى أن يكون لدينا بالفعل سلطة وحكومة تحمل هم المواطن أولاً، أمنه وكرامته وحقه في الحياة الآمنة، لا أن يكون مجرد رقم في صندوق انتخابي، إن اعُتبر أصلاً مواطناً كامل الحقوق. نتمنى دولة تنظر إلى الداخل قبل الخارج، وإلى الإنسان قبل التوازنات، وإلى الجنوب لا كعبء سياسي، بل كقلب نابض من هذا الوطن.

شاهد أيضاً

فخ 8200 الرقمي: كيف تحوّل الاستخبارات الإسرائيلية ترند الذكاء الاصطناعي إلى غرفة عمليات مفتوحة/ هبه مطر _ الواقع برس

ما يقدم على أنه تسلية عابرة في عالم الذكاء الاصطناعي، هو في جوهره امتداد مباشر …