المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيها الجبهات منفصلة عن بعضها، ولا يمكن فهم التصعيد في الجنوب اللبناني بمعزل عن المواجهة مع ايران، او عن التحولات السياسية والاقتصادية التي تضغط على لبنان والمنطقة. فالجبهة اللبنانية تتحرك تحت سقف معادلة دقيقة: عدو يريد توسيع هامش سيطرته الميدانية وفرض وقائع جديدة، ومقاومة تحاول الحفاظ على قدرة الردع ومنع تحويل الضغط العسكري الى تغيير سياسي دائم.
وفي المقابل، تبقى الجبهة الايرانية عاملا مركزيا في حسابات الاحتلال والولايات المتحدة، فيما يتحول مضيق هرمز والطاقة والاسواق الى جبهة اقتصادية موازية. اما لبنان، فهو لا يواجه الخطر العسكري وحده، بل يواجه ايضا تداعيات سياسية واعلامية واجتماعية واقتصادية داخلية قد تكون شديدة الخطورة اذا تحولت الحرب الى عامل انقسام داخلي.
ومن هنا، فان قراءة المشهد تحتاج الى تفكيك الجبهات واحدة تلو الاخرى، مع التركيز خصوصا على الداخل اللبناني، حيث لا تجري المواجهة فقط على الحدود، بل ايضا حول الرواية السياسية، والقرار الوطني، ومستقبل الجنوب، وموقع المقاومة، وشكل الدولة في مرحلة ما بعد التصعيد.
*اولا: الجبهة اللبنانية مع العدو… صراع على الارض والردع وقواعد الاشتباك*
الجبهة اللبنانية هي الاكثر حساسية بالنسبة الى لبنان، لانها الجبهة التي يتحول فيها الصراع الاقليمي الى واقع يومي مباشر. وما يلفت في المعطيات الواردة في التقرير ان تحركات العدو لا تبدو محصورة في تنفيذ ضربات موضعية، بل تتجه نحو محاولة تكريس واقع ميداني يسمح له بتوسيع قدرته على المراقبة والاستهداف والتحرك داخل العمق الحدودي.
فالحديث عن التحضير لعملية عسكرية بهدف السيطرة على التلال، وخصوصا المواقع المرتفعة، لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلا جغرافيا. فالمرتفعات في اي مواجهة عسكرية تمنح الطرف المسيطر عليها ميزة استراتيجية في الرصد والمراقبة وتوجيه النيران والتحكم بممرات الحركة. ولذلك فان محاولة السيطرة على التلال تعني عمليا محاولة بناء منظومة امنية متقدمة تستطيع من خلالها قوات الاحتلال مراقبة مساحة اوسع من الجنوب، وفرض مستوى اعلى من التهديد على المناطق المحيطة.
لكن هنا تحديدا تظهر المعضلة الاسرائيلية. فالسيطرة على نقطة جغرافية شيء، والقدرة على الاحتفاظ بها وتحويلها الى واقع ثابت شيء آخر. وكلما تقدم الجيش داخل منطقة معادية، ازدادت حاجته الى حماية القوات الموجودة فيها، وتأمين طرق الامداد، ومنع استهداف مواقعه، والتعامل مع الكمائن والعمليات النوعية. وبالتالي، فان التقدم الميداني قد يتحول من مكسب سريع الى عبء عسكري مستمر اذا لم يتمكن العدو من تثبيت السيطرة.
وهذا يفسر طبيعة الحذر التي تظهر في السلوك الاسرائيلي. فالاحتلال يريد ان يقول انه قادر على المبادرة وفرض الوقائع، لكنه في الوقت نفسه يدرك ان التوسع في الجنوب قد يفتح عليه معركة اكثر تعقيدا مما يريد. ولذلك يبدو ان الهدف هو اختبار حدود الجبهة، ورفع مستوى الضغط، وتحسين المواقع الميدانية، من دون الذهاب بالضرورة الى حرب شاملة لا يمكن التحكم بنتائجها.
ومن هنا، فان ما يجري في الجنوب يمكن قراءته باعتباره صراعا على قواعد الاشتباك بقدر ما هو صراع على الارض. فكل طرف يريد ان يثبت للآخر ان لديه القدرة على الرد، وان اي محاولة لتغيير المعادلة ستنتج كلفة. والعدو الذي ينجح في تنفيذ ضربة لا يعني بالضرورة انه نجح في تغيير قواعد الاشتباك، كما ان المقاومة التي ترد على اعتداء لا يعني ان هدفها بالضرورة الذهاب الى حرب مفتوحة. بين الضربة والرد، يبقى السؤال الاساسي: من يملك القدرة على فرض سقف التصعيد؟
معركة التلال… محاولة لبناء حزام امني جديد
اذا اتجه العدو الى السيطرة على التلال، فان الامر قد يعني محاولة اعادة بناء مفهوم “المنطقة الامنية” بصورة جديدة. فالسيطرة على المرتفعات تمنح الاحتلال قدرة اكبر على مراقبة المنطقة الحدودية، وتسمح له بتحديد مسارات الحركة ومراقبة اي نشاط ميداني.
لكن المشكلة ان الجنوب اللبناني ليس مساحة مفتوحة بلا مقاومة. فالطبيعة الجغرافية المعقدة، والقرى والمرتفعات والوديان، تجعل اي تقدم بري بحاجة الى حماية مستمرة. ولذلك فان كل موقع جديد تتم السيطرة عليه يحتاج الى قوة لحمايته، وكل قوة ثابتة تصبح هدفا محتملا للاستنزاف.
ومن هنا، فان محاولة توسيع السيطرة قد تنتج مفارقة: كلما توسع الاحتلال جغرافيا، توسعت ايضا حاجته الى الانتشار، وكلما زاد انتشاره، ارتفعت نقاط ضعفه. وهذه المعادلة هي التي تجعل السيطرة على الارض عملية اكثر تعقيدا من مجرد الوصول اليها.
المسييرات الموجهة بالالياف البصرية… تطور يفرض معادلة جديدة
تكتسب الاشارة الى المسييرات الموجهة بالالياف البصرية اهمية خاصة، لانها تكشف عن جانب من التطور التقني في طبيعة المواجهة.
فالوسائل التقليدية للحرب الالكترونية تقوم بدرجة كبيرة على التشويش على الاتصال بين المسييرة ومشغلها. اما عندما يتم توجيه المسييرة عبر الالياف البصرية، فان جزءا اساسيا من فعالية التشويش التقليدي يصبح اقل تاثيرا، ما يفرض على العدو البحث عن حلول اخرى تقوم على الكشف البصري والراداري والاعتراض المباشر.
وهنا لا تكمن اهمية هذه المسييرات في قدرتها على تنفيذ هجوم فقط، بل في قدرتها على اجبار العدو على تطوير منظومة دفاع كاملة لمواجهتها.
وهذا يدخل في صلب معادلة الاستنزاف. فاذا كانت الوسيلة الهجومية منخفضة الكلفة نسبيا، بينما يحتاج الطرف المقابل الى منظومات باهظة لاكتشافها واعتراضها، فان مجرد استمرار استخدامها يفرض كلفة متزايدة على الجيش المدافع.
وهكذا تتحول التكنولوجيا الى جزء من معركة الاقتصاد العسكري: كم ينفق العدو ليمنع وسيلة قد تكون اقل كلفة بكثير؟
الجبهة اللبنانية كامتداد للحسابات الاسرائيلية مع ايران
لا يمكن فهم السلوك الاسرائيلي في الجنوب بمعزل عن ايران. فالاحتلال ينظر الى المقاومة اللبنانية باعتبارها جزءا من معادلة الردع الاقليمية، ولذلك فان الضغط على الجبهة الشمالية يرتبط بصورة مباشرة بحسابات الحرب الاوسع.
كلما ارتفع احتمال تجدد المواجهة بين ايران والولايات المتحدة او اسرائيل، ازدادت اهمية الجنوب في الحسابات الاسرائيلية. فالاحتلال يريد تقليل المخاطر على جبهته الشمالية، ومنع اي تطور يمكن ان يجعلها اكثر فاعلية في حال اتساع الحرب.
وفي المقابل، فان محاولة الضغط على المقاومة تحمل مخاطرها ايضا، لان رفع مستوى الضغط قد ينتج ردا، والرد قد يؤدي الى تصعيد، والتصعيد قد يعيد فتح الجبهة على نطاق اوسع.
وهكذا يصبح الجنوب امام معادلة شديدة الحساسية: الاحتلال يريد تقليص خطر الجبهة، لكن الوسيلة التي يستخدمها لتقليص الخطر قد تكون نفسها سببا في اشعالها.
*ثانيا: الجبهة الايرانية… معركة القدرة على فرض الكلفة*
الجبهة الايرانية تختلف عن الجبهة اللبنانية من حيث الحجم والادوات، لكنها ترتبط بها بصورة مباشرة في الحسابات الاستراتيجية.
فالمواجهة مع ايران لا تقوم فقط على الضربات العسكرية، بل على محاولة كل طرف اثبات قدرته على جعل الحرب مكلفة بالنسبة الى الطرف الآخر. والاشارة في التقرير الى الصواريخ والمسيرات، والى احتمال استهداف مصالح وقواعد وبنى تحتية، تعكس طبيعة الحرب الحديثة التي لم تعد تعتمد على ساحة واحدة.
ايران، بحكم موقعها وقدراتها، تملك اوراقا تتجاوز حدودها. فمضيق هرمز، وشبكة المصالح الاقليمية، والقدرة الصاروخية والمسيرات، كلها تجعل من الصعب اختزال المواجهة بضربة عسكرية واحدة.
وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة قدرة عسكرية هائلة، لكنها تواجه مشكلة مختلفة: كيف يمكن استخدام هذه القوة من دون الدخول في حرب استنزاف طويلة؟ وكيف يمكن حماية القواعد والمصالح المنتشرة في المنطقة؟ وكيف يمكن منع انتقال التصعيد الى الخليج واليمن ولبنان والعراق؟
لذلك فان المعركة الايرانية الاميركية لا تقاس فقط بعدد الضربات، بل بقدرة كل طرف على تحمل المرحلة التالية.
والاهم ان عدم التوصل الى اتفاق نووي واضح، وعدم تحويل وقف اطلاق النار الى تسوية سياسية شاملة، يعني ان اسباب الصراع الاساسية لم تختف. وبالتالي، يبقى خطر عودة التصعيد قائما، حتى لو شهدت الجبهات فترات من الهدوء.
*ثالثا: التأثيرات الداخلية في لبنان… المعركة الاكثر خطورة بعد الميدان*.
الداخل اللبناني هو الجبهة التي تستحق القراءة الاوسع، لان الخطر على لبنان لا يأتي فقط من القصف الاسرائيلي، بل من احتمال انتقال نتائج المواجهة الى السياسة والمجتمع والاقتصاد.
ففي كل مرة يرتفع فيها التصعيد في الجنوب، تبدأ معركة داخلية موازية حول سؤال: من يملك قرار الحرب؟ وما دور الدولة؟ وما موقع المقاومة؟ وهل المطلوب مواجهة الاحتلال ام التركيز على تثبيت مؤسسات الدولة؟
هذه الاسئلة مشروعة في ذاتها، لكن خطورتها تظهر عندما تتحول الى ادوات لتصفية الحسابات الداخلية تحت ضغط الحرب.
وهنا يدخل العامل الاعلامي بقوة. فالتقرير يشير الى محاولة اعلام العدو الترويج لفكرة ان تصعيد حزب الله في الجنوب يهدف الى اضعاف الدولة في المفاوضات. وهذه الرواية، اذا جرى تداولها لبنانيا من دون تفكيك، يمكن ان تنقل مركز النقاش من الاعتداء الاسرائيلي الى المقاومة نفسها.
وهذا تحديدا ما يجعل الحرب الاعلامية شديدة الخطورة.
فالعدو لا يحتاج دائما الى تحقيق هدف عسكري كامل حتى يحقق مكسبا سياسيا. قد يكفي ان ينجح في دفع الداخل اللبناني الى الانقسام حول من يتحمل المسؤولية، ومن يملك القرار، ومن يجب ان يقدم التنازلات.
تحويل الجبهة من صراع مع العدو الى صراع لبناني داخلي
اخطر ما يمكن ان يحدث في هذه المرحلة هو ان يتحول السؤال من “كيف نواجه الاحتلال؟” الى “كيف نواجه بعضنا؟”.
عندها يصبح الانقسام الداخلي جزءا من نتائج الحرب.
فالضغط العسكري الاسرائيلي يمكن ان يترافق مع ضغط سياسي واعلامي يدفع باتجاه اعتبار المقاومة هي المشكلة، بينما يجري تهميش حقيقة ان الجنوب ما زال امام تهديد اسرائيلي مباشر.
وهنا تصبح المعركة على تعريف المشكلة نفسها.
هل المشكلة هي الاحتلال واعتداءاته؟
ام المشكلة هي السلاح؟
هل المطلوب تثبيت الدولة في مواجهة الاحتلال؟
ام استخدام الاحتلال كذريعة لاعادة ترتيب التوازنات الداخلية؟
هذه الاسئلة ستصبح اكثر حضورا كلما طال التصعيد، ولهذا فان ادارة الداخل اللبناني قد تكون اصعب من ادارة الجبهة نفسها.
*المفاوضات اللبنانية… الضغط الميداني في خدمة الضغط السياسي*
لا يمكن فصل العمليات العسكرية عن المفاوضات. فالضغط على الارض غالبا ما يستخدم لتحسين الموقع السياسي على طاولة التفاوض.
عندما يرفع العدو مستوى القصف او يحاول السيطرة على نقطة جغرافية، فهو لا يرسل رسالة عسكرية فقط، بل يرسل ايضا رسالة تفاوضية: يريد ان يقول انه قادر على تغيير الواقع بالقوة اذا لم يحصل على ما يريد سياسيا.
وفي المقابل، فان المقاومة عندما تحافظ على قدرتها على الرد، تحاول منع العدو من الدخول الى المفاوضات من موقع المنتصر الذي فرض وقائع جديدة.
ولهذا فان الجنوب يتحول الى امتداد مباشر لطاولة التفاوض.
ما يجري في الميدان يدخل الى المفاوضات، وما يجري في المفاوضات يعود الى الميدان.
وهذه الحلقة تجعل اي خطأ في التقدير شديد الخطورة.
الدولة اللبنانية امام اختبار صعب
الدولة اللبنانية تجد نفسها امام معادلة معقدة للغاية.
فهي مطالبة بحماية السيادة ومنع الاعتداءات، وفي الوقت نفسه تواجه ضغوطا دولية واقليمية حول سلاح المقاومة، بينما تعاني اصلا من ازمات اقتصادية ومؤسساتية عميقة.
وهذا يضع الدولة امام خطرين متوازيين:
الاول هو ان تظهر عاجزة عن حماية الجنوب.
والثاني هو ان يتحول النقاش حول حماية الجنوب الى صراع داخلي حول المقاومة.
وفي الحالتين، يكون لبنان هو الخاسر اذا لم يتمكن من بناء موقف سياسي يحافظ على وحدة الداخل ويمنع تحويل الحرب الى اداة تفكيك داخلي.
العامل الاجتماعي والنزوح
التصعيد في الجنوب لا ينتج فقط خسائر عسكرية، بل يخلق ضغطا اجتماعيا مباشرا.
كل موجة تصعيد تعني احتمال نزوح عائلات جديدة، وارتفاع الطلب على السكن، وزيادة الضغط على المدارس والمستشفيات والخدمات، وتعطيل الحركة الاقتصادية في المناطق المتضررة.
ومع استمرار الازمة الاقتصادية اللبنانية، تصبح قدرة الدولة على استيعاب تداعيات اي موجة نزوح جديدة محدودة.
وهنا يتحول البعد الانساني الى عنصر سياسي ايضا.
فاذا شعر المواطن ان الدولة عاجزة عن تأمين احتياجاته، تزداد الضغوط السياسية والاجتماعية، ويصبح اي طرف قادرا على استثمار هذا الغضب في اتجاهات مختلفة.
ولهذا فان حماية الداخل ليست مسألة عسكرية فقط، بل تحتاج الى ادارة اجتماعية واقتصادية واعلامية متكاملة.
الحرب على الرواية داخل لبنان
في هذه المرحلة، يمكن ان تكون الرواية الاعلامية اخطر من الخبر نفسه.
من يحدد سبب الحرب؟
من يحدد المسؤولية؟
من يحدد معنى الرد؟
ومن يحدد معنى التفاوض؟
هذه الاسئلة كلها تدخل في معركة الرأي العام.
وعندما يحاول طرف ما تقديم المقاومة باعتبارها سبب المشكلة، او تقديم الاحتلال باعتباره مجرد رد فعل، فانه لا ينقل خبرا، بل يصنع اطارا تفسيريا يمكن ان يؤثر في الموقف السياسي اللبناني.
ولهذا فان الجبهة الداخلية تحتاج الى وعي اعلامي يمنع تحويل الحرب الى سلسلة من الروايات المجتزأة التي تخدم اهدافا سياسية خارجية.
*رابعا: التأثيرات الدولية… الجنوب لا يتحرك خارج الحسابات الكبرى*
الجبهة اللبنانية، رغم جغرافيتها المحدودة، ترتبط مباشرة بمصالح دولية واسعة.
فالولايات المتحدة تراقب الجنوب من زاوية علاقتها باسرائيل وبملف ايران، والدول الاوروبية تنظر اليه من زاوية الاستقرار والهجرة والامن، فيما ترى اسرائيل في الجبهة الشمالية جزءا من منظومة التهديد الاقليمي.
وبالتالي فان اي تصعيد كبير في لبنان يمكن ان يغير حسابات دولية اوسع.
اذا توسعت الحرب، سيصبح السؤال ليس فقط عن لبنان، بل عن مدى تدخل الولايات المتحدة، وموقف الدول الاوروبية، ومستقبل قوات حفظ السلام، وحركة النزوح، والاقتصاد اللبناني، وامن شرق المتوسط.
وهذا يعني ان القرار العسكري على الحدود قد ينتج تداعيات سياسية خارجية اكبر بكثير من حجم الجبهة نفسها.
*خامسا: الجبهة الاقتصادية… النفط والملاحة والغذاء في قلب المعركة*
الحرب لا تجري في الميدان فقط.
فمضيق هرمز يحول الصراع الايراني الى ازمة اقتصادية عالمية، بينما يؤدي ارتفاع المخاطر الى زيادة اسعار النفط والشحن والتأمين.
وكلما ارتفعت كلفة نقل الطاقة، انتقلت الكلفة الى الاقتصاد العالمي، ثم الى الاسواق والمستهلكين.
وفي المقابل، فان استمرار اضطراب سلاسل توريد الحبوب والاسمدة يفتح الباب امام ازمة غذائية اكبر، خصوصا للدول التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد.
وهكذا يصبح الاقتصاد جزءا من معادلة الضغط.
القوة العسكرية تستطيع استهداف منشأة، لكن الاثر الاقتصادي قد يصل الى دول لا علاقة مباشرة لها بالحرب.
ولهذا فان الجبهة الاقتصادية قد تكون احدى اهم ساحات الصراع في المرحلة المقبلة، لانها تسمح بتوسيع دائرة الكلفة من دون الدخول بالضرورة في مواجهة عسكرية مباشرة.
*سادسا: الجبهة السعودية والخليجية… بين الخطر الامني والحساب الاقتصادي*
السعودية تقع في قلب المعادلة الخليجية.
فاي مواجهة بين ايران والولايات المتحدة تضع المنشآت النفطية والممرات البحرية والقواعد العسكرية في الخليج ضمن دائرة المخاطر.
والرياض لا تستطيع تجاهل هذه التطورات، لان امن الطاقة يمثل جزءا اساسيا من امنها الاقتصادي.
لكن السعودية في الوقت نفسه لا تريد بالضرورة ان تتحول المنطقة الى حرب مفتوحة طويلة، لان الحرب تهدد الاستقرار الاقتصادي والاستثماري الذي تحتاجه في المرحلة المقبلة.
ومن هنا تتحرك الرياض ضمن معادلة دقيقة: حماية المصالح، تعزيز القدرات الدفاعية، وتوسيع شبكة العلاقات والتحالفات، مع تجنب الانجرار الى مواجهة شاملة.
كما ان الحديث عن احتمال اعادة تقييم الوجود العسكري الاميركي في الخليج يكشف ان دول المنطقة بدأت تعيد التفكير في شكل المظلة الامنية التي اعتمدت عليها لعقود.
فالحرب الايرانية الاميركية اظهرت ان وجود القواعد العسكرية الاميركية لا يعني بالضرورة ان دول الخليج ستكون بعيدة عن تداعيات الحرب، بل قد يجعل بعض المنشآت نفسها اهدافا محتملة.
وهذا قد يدفع دول المنطقة الى البحث عن توازنات امنية اكثر تنوعا، تجمع بين التحالفات الدولية والقدرات الذاتية والعلاقات الاقليمية.
*سابعا: المفاوضات… حين يصبح الميدان امتدادا لطاولة التفاوض*
المفاوضات في هذه المرحلة لا يمكن فصلها عن التصعيد.
كل طرف يدخل التفاوض وهو يحاول تحسين موقعه من خلال ما يملكه على الارض.
ولهذا فان الهدوء العسكري لا يعني بالضرورة تراجعا في الصراع، كما ان التصعيد لا يعني بالضرورة ان الحرب الشاملة باتت حتمية.
قد يكون التصعيد نفسه وسيلة تفاوض.
وقد تكون الضربة رسالة.
وقد يكون الرد محاولة لمنع فرض شروط جديدة.
وفي لبنان، تصبح هذه المعادلة اكثر تعقيدا، لان اي اتفاق لا يراعي التوازنات الداخلية، ولا يعالج مسألة الاعتداءات الاسرائيلية، ولا يملك ضمانات حقيقية، سيبقى معرضا للانهيار.
اما على مستوى ايران، فان المفاوضات تبدو مرتبطة بسؤال اكبر: هل يمكن تحويل وقف اطلاق النار الى اتفاق سياسي مستقر، ام ان الهدوء مجرد فترة لاعادة بناء القدرات والاستعداد لجولة جديدة؟
وهذا السؤال نفسه ينعكس على لبنان، لان استمرار الغموض في الجبهة الايرانية يعني استمرار القلق في الجبهة اللبنانية.
______________________________
المشهد الاقليمي اليوم لا يشير الى جبهات منفصلة، بل الى شبكة واحدة من الضغوط.
الجبهة اللبنانية هي نقطة التماس المباشر مع الاحتلال، والجبهة الايرانية هي مركز الصراع الاستراتيجي، والجبهة الاقتصادية تنقل كلفة الحرب الى النفط والملاحة والغذاء، والساحة السعودية والخليجية تعيد حسابات الامن والطاقة، بينما يبقى الداخل اللبناني الساحة الاكثر حساسية، لان الحرب يمكن ان تدخل اليه سياسيا واعلاميا واجتماعيا واقتصاديا حتى عندما لا تصل الصواريخ الى كل مناطقه.
ولهذا فان التحدي الحقيقي امام لبنان لا يقتصر على منع توسع الحرب عسكريا، بل يتمثل ايضا في منع تحويل نتائج الحرب الى انقسام داخلي دائم، ومنع انتقال الصراع من الحدود الى المؤسسات والمجتمع، والحفاظ على قدرة الدولة والمجتمع على التعامل مع الضغط الخارجي من دون تفكك داخلي.
فالعدو قد يسعى الى تغيير الواقع في الجنوب بالقوة، وقد تسعى القوى الدولية الى تغيير التوازنات عبر التفاوض، وقد تستخدم الضغوط الاقتصادية والسياسية لتعديل مواقف الداخل اللبناني. لكن النتيجة النهائية ستتوقف على قدرة الاطراف على منع فرض معادلة جديدة بالقوة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الاكثر وضوحا: المعركة في الجنوب ليست معركة حدود فقط، والمفاوضات ليست منفصلة عن الميدان، والداخل اللبناني ليس خارج الحرب، والاقتصاد ليس بعيدا عن الصراع. انها جبهات متعددة لمعركة واحدة، عنوانها الاساسي من يملك القدرة على فرض قواعد المرحلة المقبلة.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية