في قلب الدمار الذي خلفته الغارات الأخيرة على منطقة “قناريت” في الغازية، لم تكن الرائحة المنبعثة من بين الركام رائحة بارود فحسب، بل كانت رائحة التحدي التي تفوح من صدور أهلها. هناك، حيث تهاوت الجدران وتناثرت الذكريات تحت وطأة الصواريخ الإسرائيلية، وثّقت عدستنا مشهداً يتجاوز حدود الصورة؛ مشهداً يختصر حكاية شعبٍ لا يعرف الانكسار.
بين الركام، وقف أبناء الجنوب، يمسحون غبار الغدر عن وجوههم، ويرددون بلسان واحد وقلب ثابت: “الحجر فدا الأرض.. الحجر منعمّره”. لم تكن هذه الكلمات مجرد شعارات عابرة، بل كانت ميثاقاً غليظاً مع الأرض. لقد أدرك الجميع أن العدو، في محاولته لهدم البيوت، كان يسعى لكسر الروح، لكنه اصطدم بجدار من الإرادة لا تخترقه الصواريخ.
أجمع الأهالي في أحاديثهم على أن الفقد الحقيقي هو فقد الأرواح التي لا تُعوض، إلا أن هذه الدماء الطاهرة باتت هي العهد الذي يربطهم بالأرض. فمن الوفاء لتلك الأرواح ألا يسقط الخيار، وألا ترفرف راية الاستسلام. لقد أثبت أهل الغازية، ومن خلفهم كل الجنوب، أن الإنسان هو الأساس، وأن إرادة “أولاد الجنوب” المتجذرة في ترابهم هي السلاح الأقوى الذي يواجهون به أعتى الترسانات العسكرية.
إن ما جرى في “قناريت” ليس مجرد غارة دمرت حياً سكنياً، بل هو اختبار جديد للقوة الكامنة في الإنسان الجنوبي، الذي يخرج من تحت الأنقاض أقوى عزيمة وأكثر إصراراً على البقاء. هي رسالة واضحة لكل من يعتقد أن القوة العسكرية قادرة على انتزاع شعب من هويته: نحن هنا، باقون ما بقي الزيتون، وصامدون لأننا أصحاب الحق.
وختاماً، تبقى عدسة “واقع بريس” حاضرة في قلب الميدان، توثق هذه المشاهد بعين الحقيقة، وتنقل للعالم صوت الصمود الذي لا ينطفئ، لتظل شاهدةً على أن إرادة الناس أقوى من كل دمار.

الواقع برس اخبار محلية وعالمية