خطٌ لا يورّث الا بالدم / بقلم الاخ احمد الحج يوسف

هناك رجال لا يُروَون كسيرة،بل نشعر بهم كنبض يسري في الوجدان وإذا ذُكروا استعاد القلب معنى العزة قبل الأسماء.من هذا المقام كان الشهيد القائد عماد مغنية الحاج رضوان،لا بوصفه قائداً ميدانياً فحسب بل بوصفه سر هذه المقاومة وسر انتصاراتها، والعصب الخفي الذي كان يشد جسدها في اللحظات الفاصلة.كان يعمل حيث لا تُلتقط الصور ويصنع التحولات من العمق،ولم يعرف الراحة قط كأن السكون لم يُخلق له.كانت حياته كلها جهاداً ومقاومة وتوجهاً دائماً إلى الله حتى ختم الله له بما يشبهه شهادةً على قدر الإخلاص.فلسطين لم تغب عنه يوماً ولم تكن شعاراً ولا موسماً بل كانت عهداً مقيماً في القلب حتى صار يُعرف بالحاج فلسطين،لأن القضية كانت تسكنه كما يسكن الإيمان صدر المؤمن.

 

وحين ارتقى،بكاه الشهيد الأقدس،بكى وفاءً لا ضعفاً، لأن الكبار حين يفقدون الكبار يشعرون بثقل الأمانة، ويزدادون التصاقاً بالطريق.ومنذ تلك اللحظة لم يتراجع السيد خطوة واحدة بل حمل دم الحاج عماد كما تُحمل الوصايا الثقيلة ومضى يربي أجيالاً على معنى العزة بصوت هادئ وثبات لا يتزحزح.لم يعش لنفسه بل لمشروع،ولم يتكئ على موقع بل على يقين، وكان يعرف في أعماقه أن الطريق الذي اختاره لا يُفضي إلا إلى الشهادة.وحين جاء دوره لم تكن شهادته مفاجأة لمن فهم منطقه،فالرجل الذي واجه العالم بثبات لا يسلم روحه إلا واقفاً.هكذا اكتملت الدائرة: الحاج عماد سبق والسيد لحق،وكلاهما التقيا في المقام نفسه،مقام الذين عاشوا لله وماتوا لله وبقوا بعد رحيلهم طريقاً مفتوحاً للثابتين.

 

لسنا أمام قصتين منفصلتين،بل أمام مسار واحد ودم واحد وراية واحدة.وفي قلب هذا المسار نعرف بطمأنينة المؤمنين أن القائد الحقيقي لهذه المسيرة ليس اسماً ولا موقعاً،بل مولانا صاحب العصر والزمان عليه السلام وأن الله تعالى لم يغادر ساحتنا يوماً،ولم يتركنا للفراغ أو لليأس.نحن أبناء وعد إلهي لا أبناء صدفة،وما نشهده من فساد وخراب هو مصداق قوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ومع ذلك بقي خط المقاومة شاهداً على أن الحق لا يموت،وأن الدم إذا كان لله يصنع حياة.

 

ومن دم الحاج عماد إلى دم السيد يمتد الخط اليوم حياً في القيادة ولذلك وفي ذكرى ارتقاء القائد الجهادي الكبير،نقف عند الدم لا عند التاريخ وعند العهد لا عند الكلمات ونقولها من عمق القلب ومن صميم العقيدة: نعاهدك يا سماحة الأمين العام الشيخ نعيم نبايعك ونُعاهدك ونقسم لك بدماء القادة،بدماء السيد عباس،وبدماء الشهيد الأقدس سماحة السيد حسن نصر الله،وبدماء الشيخ راغب، وبدماء الحاج عماد،وبدماء كل الشهداء،أن نبقى على هذا الخط وأن لا نتركه وأن أمرنا أمرك وأمرك أمر القيادة.فإن شئت خضنا معك الحرب وخضنا معك البحر،وإن شئت قعدنا في بيوتنا،لأننا لا نتحرك بالأهواء بل بالطاعة ولا نقف بالعاطفة بل بالبصيرة، ولأن الراية واحدة ولأن الدم لا يسلم الأمانة إلا للأمناء.

 

نحزن عليهم بوجع المحب وصدق الوفاء لكن حزننا ليس انكساراً.نشعر بثقل الغياب،غير أننا لا نشعر بالهزيمة،لأن اعتمادنا في الأول والآخر على الله، وقلوبنا معلقة بإمام زماننا،ووعينا متجذر في مدرسة الشهداء.عشنا في زمنهم،وهذا وحده نعمة لا تُقاس، وفي أيامهم لم نتربَّ على الذل،ولم نتعلم لغة الهوان، بل عرفنا كيف نقف،وكيف نصبر وكيف نحمل الحق حتى آخر الدم.

 

نعاهد الشهداء جميعاً أن لا نساوم على الكرامة ولا نُرهق الطريق بالشك ولا نطفئ الذاكرة بالنسيان.هم لم يتركوا لنا حزناً فقط،بل تركوا لنا معنى وبوصلة ويقيناً بأن الرأس لا ينحني إلا لله.رحلوا جسداً،لكنهم بقوا في الوعي وفي الطريق،وفي كل قلب يعرف لماذا يقاوم.

 

ونقولها اليوم بروح المؤمن الصابر القوي صاحب العنفوان والبأس الشديد: نحن قوم إذا اشتد الليل ازددنا يقيناً،وإذا تكاثف العدو ازددنا ثباتاً،وإذا ارتقى الأحبة وقفنا أصلب.في قلوبنا دمعة،وفي قبضاتنا عهد،وفي صدورنا نار الحق التي لا تنطفئ.

 

ولهذا نقولها لا كشعار، بل كعقيدة:

 

نحن عندما ننتصر ننتصر…

وعندما نستشهد ننتصر.

شاهد أيضاً

ملفات إبستين: تقنية تجسس على شكل بعوضة آلية؟

طائرة مسيّرة بحجم البعوضة، مصممة للمراقبة، يُزعم أنها قادرة على حمل كاميرا وميكروفون، وجمع الحمض …