في خضم الحرب المستمرة على لبنان، يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تسويق بعض الصور والمشاهد على أنها إنجازات ميدانية كبرى، في محاولة لرفع معنويات جمهوره وإظهار صورة المنتصر أمام الرأي العام. ومن بين هذه المشاهد، تداول صور لرفع العلم الإسرائيلي في قلعة الشقيف، التي سارع بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى تقديمها كدليل على التفوق والسيطرة.
إلا أن اللافت هذه المرة لم يكن رد فعل اللبنانيين أو المقاومين، بل ما صدر من داخل الكيان نفسه. فقد انتقد الصحافي الإسرائيلي المخضرم يائير نافو هذا المشهد، معتبرا أن ما جرى ليس أكثر من استعراض إعلامي فارغ من المضمون، وأن رفع العلم لا يغير شيئاً من واقع المعركة ولا من نتائجها الفعلية على الأرض.
بحسب نافو، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بصورة علم مرفوع على تلة أو قلعة، بل بالنتائج الميدانية الفعلية. فهل توقفت الهجمات؟ هل تراجعت الخسائر؟ هل عاد الأمن إلى المستوطنات الشمالية؟ وهل انتهى الخوف الذي يعيشه المستوطنون؟ الإجابة، وفق ما يراه هو نفسه، كانت واضحة: لا.
إن أهمية هذا الكلام لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه صادرا عن صحافي إسرائيلي يعرف المنطقة جيدا ويدرك طبيعة الصراع. وهو بذلك يكشف جانبا من الفجوة بين الخطاب السياسي الدعائي الذي يسعى إلى صناعة انتصارات رمزية، وبين الواقع العسكري الذي تفرضه الميدان.
ومن موقعنا كمقاومين وأبناء لهذا الوطن، فإننا ندرك أن الحروب لا تقاس بالأعلام والصور التذكارية، بل بقدرة كل طرف على تحقيق أهدافه. فالمقاومة لم تبنِ معادلاتها يوماً على الرموز الشكلية، وإنما على الصمود والثبات والقدرة على فرض الوقائع التي يعترف بها العدو قبل الصديق.
إن الوعي اليوم ضرورة وطنية وإعلامية فليس كل ما يُعرض على الشاشات يمثل الحقيقة كاملة، وليس كل صورة تحمل دلالة النصر. لذلك، من واجبنا قراءة الأحداث بعمق، وعدم الانجرار خلف الدعاية التي تهدف إلى التأثير النفسي أكثر مما تعكس واقعاً ميدانياً حقيقيا
لقد أراد الاحتلال أن يجعل من صورة العلم قصة انتصار، لكن أحد صحافييه حوّلها إلى دليل على أزمة أعمق: أزمة البحث عن إنجاز رمزي في وقت تعجز فيه القوة العسكرية عن تحقيق الأهداف التي أعلنتها الحرب.
ويبقى الميدان وحده صاحب الكلمة الفصل، أما الصور والشعارات فسرعان ما تتبدد أمام حقائق الواقع.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية