ليست تلة علي الطاهر بالنسبة إلينا مجرّد موقعٍ على الخريطة. فيها اليوم حكاية رجال، وصمودُ مقاومين، وقلوبُ محبّين تتابع ما يجري عليها لحظةً بلحظة. لذلك، من الطبيعي أن نحمل كل هذا القلق عليها، وأن نتمسّك بصمودها، وأن نرى في بقائها عصيّةً على الاحتلال إنجازًا كبيرًا.
فالعدو يحاول احتلالها، والمجاهدون فيها يواجهون ما يواجهون، وصمودهم حتى الآن يُعدّ استثنائيًا. وكل يومٍ تبقى فيه علي الطاهر صامدةً هو صفحةٌ جديدة من البطولة. لكن، إلى جانب المعركة على الأرض، يحاول العدو أن يخوض معركةً أخرى: أن يقنعنا بأن مصير هذه التلة وحده هو الذي سيحسم معنى انتصارنا أو هزيمتنا.
وهنا، يجب ألّا نسمح له بأن يكتب لنا معنى المعركة.
إن استمرّ صمود المقاومين في علي الطاهر، فهم أبطال، وإن بقيت التلة عصيّةً على الاحتلال، فهذا إنجازٌ أسطوري لا يمكن لأحد أن ينكر قيمته. ليس فقط لأن موقعًا بقي خارج يد العدو، بل لأن رجالًا واجهوا كل ما حُشد ضدّهم ورفضوا أن يُنتزعوا بسهولة من أرضهم.
لكن الحرب لا تُقاس دائمًا بما نحبّ أن تكون عليه نهاياتها. فإن استشهد المقاومون فيها، فهم أبطال أيضًا. الشهادة ليست أمرًا نمرّ عليه بلا وجع، فكل شهيدٍ هو خسارةٌ لقلبٍ أحبه وأهلٍ ينتظرونه وبيئةٍ تعرف قيمة دمه. لكن العدو لا يستطيع أن يحوّل من قاتل حتى استشهد إلى مهزوم. ومن ارتقى مدافعًا عن أرضه وعقيدته لا يُكتب في سجلّ الهزيمة.
وإن اضطرّ المقاومون إلى مغادرتها، فهم أبطال كذلك. لأن مغادرة موقعٍ في الحرب لا تعني مغادرة القضية، ولا تعني نهاية المعركة. فالحرب جولات، وفيها مواقع تتبدّل وظروف تُفرض وخططٌ تُرسم، لكن الثابت هو أن المقاوم لا يقيس المعركة بلحظة واحدة ولا بموقع واحد.
لذلك، إن بقيت علي الطاهر عصيّةً على الاحتلال، فنحن أمام إنجازٍ عظيم. وإن تمكّن العدو، بعد كل ما حشد من قوةٍ ونار، من احتلالها، فلن يستطيع أن يمحو صمودها كل هذا الوقت، ولن يستطيع أن يلغي بطولة من قاتلوا فيها أو أن يجعل منها معيارًا لهزيمةٍ كاملة.
نُقَدِّرُ كل ذرة ترابٍ فيها، ونفخر برجالها. ولهذا تحديدًا نرفض أن نختزل كل الحكاية فيها. لا لأنّها قليلة الأهمية، بل لأنها أكبر من أن تتحوّل إلى أداةٍ بيد العدو يفرض من خلالها علينا شعور الهزيمة.
فالانتصار الحقيقي لهذه الحرب أكبر. غايته أن يأتي اليوم الذي تتحرر فيه كامل الأراضي اللبنانية من الاحتلال. وعندها فقط تُقرأ هذه الجولات كلّها في سياقها الحقيقي.
علي الطاهر اليوم عنوانٌ للصمود، وستبقى كذلك. فإن صمد المقاومون فيها، فهم منتصرون. وإن استشهدوا فيها، فهم منتصرون. وإن اضطرّوا إلى مغادرتها بعد كل ما قدّموه من صمودٍ وبطولة، فهم أبطالٌ أيضًا. لأننا لا ننتظر من العدو أن يعرّف لنا انتصارنا، ولا نسمح له بأن يختار لنا معنى هزيمتنا. نحن نعرف رجالنا، ونعرف طريقنا، ونعرف أن هذه الحرب ليست جولةً واحدة ولا أن نتيجتها تُحسم عند تلة واحدة، مهما كانت عزيزةً وغالية. نثق بالله أولًا، ومن بعده بالمقاومين الشرفاء. ونؤمن أن النصر لا يُقاس بما يريده العدو من لحظةٍ عابرة، بل بما تنتهي إليه المسيرة كلها. علي الطاهر ستبقى رمزًا للصمود، ورجالها سيبقون أبطالًا في كل الاحتمالات. أمّا النصر، فآتٍ لا محالة… ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية