من سحب الألوية إلى إعادة البوارج: مآزق دولة الاحتلال

يمكن أن تتعدد القراءات السياسية أو العسكرية أو اللوجستية أو حتى الاقتصادية للقرار الأخير الذي اتخذه جيش الاحتلال الإسرائيلي وقضى بتسريح 5 ألوية قتالية وسحبها من ميادين المعارك في قطاع غزة، حيث يتردد في وسائل الإعلام الإسرائيلية أن قرارات تسريح مماثلة سوف تشمل قوات أخرى خلال فترة وشيكة. ومن المنطقي ربط هذه الواقعة بإجراء سابق تضمن سحب مقاتلي لواء «غولاني»، وكان تطوراً دراماتيكياً اتسم بدلالات خاصة استراتيجية ورمزية وليست عسكرية فقط، بالنظر إلى الصيت النخبوي لهذا اللواء.

واختلاف القراءات لا يحجب حقيقة أن قرارات كهذه تدخل مباشرة في سياق تطورات اكتنفت الأيام القليلة الماضية من حروب الإبادة والتطهير العرقي والتدمير الشامل والفظائع ضد قطاع غزة. وإذ كانت تلك التطورات تتعدد طبقاً لمجريات القتال اليومي، وتتحكم المقاومة الفلسطينية في قسط كبير من تفاصيلها، فإن شطراً غير قليل منها إنما يدور في مستويات سياسية وعسكرية وأمنية داخل دولة الاحتلال، وكذلك على أصعدة الحراك الاحتجاجي المتنامي الذي تتولاه العائلات وأسر الرهائن.

على سبيل المثال الأول، ليس مدعاة سخرية فقط ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية من أن رئيس أركان جيش الاحتلال يتفادى حضور جلسات الحكومة تخوفاً من إيقاعه في «فخ» الإهانات والانتقادات اللاذعة، خاصة من جانب الوزراء الأشد تطرفاً في ائتلاف بنيامين نتنياهو الحاكم. والتراشق اللفظي بين الساسة وكبار ضباط الجيش ليس جديداً على المشهد العام في دولة الاحتلال، ولكنه هذه المرة بات يتخذ وجهة من العنف اللفظي والاتهامات المتبادلة لم يسبق لها مثيل أولاً. كما أنها ثانياً لا تنقل إلى العلن الخلافات الداخلية في الحكومة الإسرائيلية الأشد تطرفاً ويمينية في تاريخ الكيان فقط، بل تعكس أيضاً مشكلات مستعصية بين الميدان العسكري والأفق السياسي للعدوان الإسرائيلي إذ يقترب من شهره الثالث.

المثال الثاني، وهو بدوره لا يثير السخرية وحدها، حول ما يتكاثر من تناقضات بين تصريحات نتنياهو أو كبار وزرائه بصدد دحر المقاومة الفلسطينية من جهة، وما تنقله وسائل إعلام إسرائيلية على لسان كبار الضباط العسكريين والأمنيين حول إمكانيات المقاومة وتعذر الإجهاز عليها من جهة ثانية. تُسمع من نتنياهو جعجعة صاخبة تبلغ درجة التلميح إلى بسط السيطرة الإسرائيلية على شريط محور صلاح الدين/ فيلادلفيا الحدودي مع مصر، وفي الآن ذاته تنقل «يديعوت أحرونوت» عن مسؤولين كبار في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن قدرات «حماس» الصاروخية مستمرة حتى سنتين على الأقل.

المثال الثالث لا يقتصر على التباين في الآراء بين وزير الدفاع الأمريكي ونظيره الإسرائيلي بصدد مستقبل العملية البرية والإطار السياسي لما يُسمى بـ»اليوم التالي»، بل يشمل أيضاً قرار البنتاغون إعادة مجموعة حاملة الطائرات جيرالد فورد إلى ميناء فرجينيا في الولايات المتحدة، والقراءة هنا أيضاً يمكن أن تتباين في كثير أو قليل، ولكنها يصعب أن تخرج عن إطار تعديلات جوهرية على مهامّ حاملة هرعت أصلاً لنجدة دولة الاحتلال منذ أيام العدوان الأولى، وها أنها تغادر والمآزق تتكاثر حول المنجِد والمنجَد معاً.

منظومة الاحتياط في 7 تشرين الأول/أكتوبر- تحديات على طريق إدامة الحرب

المصدر : معهد دراسات الأمن القومي
المؤلف : أريئيل هايمن
  • لطالما كانت منظومة الاحتياط مكوّناً أساسياً من مكونات قدرة الجيش الإسرائيلي على الصمود والعمل. لقد تبنى بن غوريون هذا المفهوم عندما أنشأ المنظومة، وبقي المفهوم سارياً، منذ ذلك الحين، وعلى مدار 75 عاماً،  وخصوصاً في أوقات الحروب. بينما على الصعيد نفسه، عانت منظومة الاحتياط طوال سنوات جرّاء قلة الاهتمام، وهو ما أدى إلى استياء مستمر، وأضرّ بكفاءتها.
  • إن جنود التشكيل الاحتياطي ملتزمون تجاه رفاقهم في الوحدة، وتجاه المنظومة، والجيش، والدولة، ويبدو أن المؤسسات المختلفة “استغلت” هذه الحالة بصورة غير مقصودة، حين كانت تعلم (وهو أمر تم إثباته مرات كثيرة) بأن جنود الاحتياط سيمتثلون بعديدهم التام وكامل الجهوزية في حالات الطوارىء. يميل كبار ضباط الجيش الإسرائيلي، وجميعهم جنود نظاميون، إلى التعامل مع رجال الاحتياط على أنهم مورد بديهي ومفروغ منه. وبرز هذا التعامل  بصورة واضحة أكبر في الوقت الراهن، أي في الوقت الذي تعيش الدولة وجيشها في حالة تعبئة كاملة.
  • لقد شهد نطاق تدريبات منظومة الاحتياط ومعداتها الحربية (وكذلك حالة مخازنها الاستراتيجية)، وما يُبنى على ذلك من مستوى كفاءتها، حالات صعود وهبوط على مدار السنوات. ووفقاً لتقديرات دقيقة أجريَت مساء السابع من تشرين الأول/أكتوبر، كانت منظومة الاحتياط في حالة مقبولة ومتوسطة، مقارنةً بالفترات السابقة.
  • هناك موضوع مهم آخر في هذا السياق، يتمثل في انعدام ثقة كبار ضباط الجيش (الذين لم يخدموا في الاحتياط [كونهم جنوداً نظاميين]) بقدرات منظومة الاحتياط. بل إننا سمعنا في فترات معينة مقولات تفيد بانعدام الحاجة إلى منظومة الاحتياط، وخصوصاً سلاح البر، وعدم أهميته في المناورة البرية. إن هذه المقولات، مع ما أثارته من عدم ارتياح في نفوس رجال الاحتياط، أدت إلى تقلّص الثقة المتبادلة بين الاحتياط وقادة الجيش.
  • من القضايا الحاسمة الأُخرى، ازدياد عبء التوظيف التشغيلي على المنظومة العسكرية، مع تدهور الحالة الأمنية. وهكذا، ونتيجة الحاجة إلى نشر أعداد كبيرة من القوات في الضفة الغربية، إلى جانب الحاجة إلى التمرين والتأهيل للقوات النظامية، قرر الجيش، في بداية سنة 2023، استدعاء كتائب الاحتياط لفترتَين تشغيليتَين خلال 3 أعوام. من هنا، نبعت مشاعر الاستياء، وازدادت الشكاوى جرّاء عدم إنصاف توزيع العبء على المجتمع الإسرائيلي، وعدم كفاية المكافآت الممنوحة لرجال الاحتياط.
  • خلال سنة 2023، اندلعت الاحتجاجات ضد مخططات الانقلاب القضائي الذي روّجته الحكومة، وشملت منظومة الاحتياط، وقام بعض المتطوعين في الاحتياط بوقف تطوُّعهم، ونتيجة ذلك، وقعت منظومة الاحتياط في الجدل الساخن الاجتماعي السياسي في البلد، كما أن الشرخ الذي ضرب الشعب، أصاب هو أيضاً النسيج الحساس لمنظومة الاحتياط.
  • هكذا، جاء تاريخ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ومنظومة الاحتياط تتمتع بقدرة متوسطة على الأداء، ونقص في المعدات. لم تكن مخازن الطوارئ التكتيكية الخاصة بهذه المنظومة في المستوى المطلوب. أما رجال الاحتياط، فشاركوا في التدريبات، وخدموا في المهمات العملياتية في الضفة الغربية، من دون تلقّي مساندة كافية من ضباط الجيش والمجتمع الإسرائيلي.

التجنيد في السابع من تشرين

  • صبيحة السابع من تشرين الأول/أكتوبر، صدر قرار تجنيد منظومة الاحتياط بكاملها، إذ صدر القرار الحكومي بشأن تجنيد 360 ألف جندي وجندية، بينما تم، عملياً، تجنيد نحو 220 ألفاً منهم. من المهم الإشارة إلى أنه تم استدعاء جنود الاحتياط فوراً، من دون منحهم فرصة لتنظيم أمورهم على المستوى الشخصي، أو العائلي، أو الدراسي، أو الوظيفي. وانشغلت وحدات الاحتياط المقاتلة، حتى بداية التحرك البري في نهاية تشرين الأول/أكتوبر، بتنظيم نفسها والخضوع للتدريبات، بهدف رفع مستوى كفاءتها المتدنية.
  • جرى تجنيد جنود الاحتياط وهم في أعلى مستوى من الحافزية. لم يتطلب الأمر حاجة إلى إقناعهم. ومع ذلك، شعروا هم أيضاً، كما هي حال سائر المواطنين، بالإحباط وفقدان الثقة بالنظام الحكومي، وبالجيش الإسرائيلي نفسه. وما ساهم في فقدان الثقة هذا، أن العديد منهم فوجئ بانخفاض مستوى المعدات، والنقص الكبير في وسائل الحماية (السترات الواقية من الرصاص، مثلاً)، والمعدات القتالية (الخوذات والبزات العسكرية)، وغيرها مما يلزم للخدمة. إن هبوب المجتمع المدني في إسرائيل والخارج لتوفير النقص في المعدات، إلى جانب الدعم الغذائي من كثير من الجهات التطوعية، خفف الضغط المادي، لكنه لم يخفف الإحباط وخيبة الأمل في نفوس جنود الاحتياط.
  • يخدم كثيرون من الاحتياطيين في القتال منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، ويُسمح لهم بإجازات قصيرة من وقت إلى آخر. في هذا السياق، يجب علينا التمييز بين أولئك الذين يقاتلون في داخل القطاع، أو في الجبهة الشمالية، أو الضفة الغربية، وبين أولئك الذين يخدمون في الخطوط الخلفية، وفي قيادة الجبهة الداخلية، وداخل المقرات المختلفة.

تقدير لحجم قوات الاحتياط المطلوب في سنة 2024

  • وفقاً لتصريحات قادة الجيش أنفسهم، من المتوقع في كانون الثاني/يناير 2024 حدوث تحوُّل في سير الحرب، بحيث يتم الانتقال من مرحلة القتال المكثف، بما يشمل المناورات البرية الواسعة النطاق في القطاع، وأقصى مستويات التأهب على الحدود اللبنانية، وفي الضفة الغربية، إلى مرحلة استمرار العمل في القطاع بصورة مخففة تتطلب منسوباً أصغر بكثير من القوات المقاتلة. من المفترض أن تستمر هذه المرحلة ما بين 6 و9 أشهر (وربما حتى نهاية السنة). وبعدها تأتي “مرحلة الترسيم”، التي سيتم في إطارها بناء خطوط دفاعية جديدة في منطقة النقب الغربي، وترسيم التصور الدفاعي الجديد على الجبهة الشمالية. وكل ذلك، بافتراض أن نطاق القتال في الشمال لن يتسع ليصبح حرباً ذات كثافة نارية عالية.
  • لقد تمكن الجيش الإسرائيلي، خلال الفترة الماضية، من ترسيم شكل بياني للعمليات القتالية والتوظيف العملياتي الخاص بمنظومة الاحتياط في سنة 2024. ويبدو أن التقديرات المتعلقة بحجم الاحتياط المطلوب، بناءً على الجداول الزمنية، هي تقديرات متفائلة، (ولعلّي أقول إنها متفائلة أكثر من اللازم). فحتى في ظل الشكل المنخفض الكثافة النارية للحرب في القطاع، فإننا سنظل بحاجة إلى عدد كبير من القوات للدفاع والسيطرة على المواقع التي احتلها الجيش (وخصوصاً في شمال القطاع)؛ سيكون طول خط الدفاع الجديد، بما يشمل المنطقة الأمنية العازلة، عملياً، ضُعف طول الخط الدفاعي السابق، وسيكون معززاً بكثافة أعلى بكثير من الجند؛ وفي موازاة ذلك، سيستمر التوتر في الشمال، وهو ما يتطلب استمرار تكثيف القوات على الحدود. ولو تم التوصل إلى تسوية ما بشأن الحدود الشمالية، فإن نسبة القوات التي ستكون مطلوبة للعمل هناك آنذاك، ستكون أعلى مما كانت عليه في الماضي، كشرط لإعادة الشعور بالأمان إلى سكان المنطقة، وعودتهم إلى منازلهم. يجب الافتراض أيضاً أن التوترات في الضفة الغربية ستستمر، على الأقل بالوتيرة السائدة الآن.
  • كل ما سبق، سيكون له تأثير ملحوظ في مستوى الاحتياط المطلوب، ليس فقط من أجل تشغيل التشكيلات العسكرية، بل أيضاً من أجل إفساح المجال للقوات النظامية، التي خاضت قتالاً شديداً على مدار شهور، لترتاح وتعيد تنظيم نفسها.
  • وفقاً لهذه الطريقة، سيكون العمل غير مسبوق على مدار العقود الماضية، وهو يشكل عبئاً، لا يذكر أحد مثيلاً له، على الأقل، منذ حرب يوم الغفران، وهي الحرب الأخيرة التي جرى فيها استدعاء كامل قوات الاحتياط. (أما في جميع الحروب التي تلت تلك الحرب، أي في حربَي لبنان الأولى والثانية، والعمليات في قطاع غزة والضفة الغربية، فلم يتم سوى استدعاء جزء من منظومة الاحتياط، ولذلك، كان هناك في مثل هذه الحالات دائماً مَن يتقاسم العبء الحربي، ويحل محل الذين تم تجنيدهم أولاً).
  • إن التغيير الكبير الذي طرأ منذ الحروب الماضية، يتمثل في الارتفاع الحاد في العبء النسبي على مجنّدي الاحتياط. إن نسبة الذين يخدمون في منظومة الاحتياط منخفضة (نحو 2 أو 3% من التعداد العام للسكان)، وهو ما من شأنه مراكمة المصاعب على جنود الاحتياط، من حيث التوظيف والأعباء الأسرية.
  • وحتى بعد استقرار الأوضاع على جميع الجبهات، وهو أمر، بحسب تصريحات الجيش والمستوى السياسي، لن يحدث إلا بعد أكثر من سنة (في أقل تقدير)، فإن الجيش سيكون بحاجة إلى عدد كبير من رجال الاحتياط، يفوق المطلوب في الأوقات العادية. إن المجتمع الإسرائيلي، على الأقل في الوقت القريب، لن يكون مستعداً لافتراض أن “المنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية كفوءة، وستُنذره في الوقت المناسب”. إن الشعور بالأمان في المجتمع الإسرائيلي، بعد الهجوم المفاجئ الذي نفّذته “حماس”، والاستعدادات المنخفضة في قيادة الجبهة الداخلية في حماية سكان “غلاف غزة”، سيكون مرتبطاً أيضاً بالحضور المادي الكبير (الأكبر من المعتاد) خلف الحدود، إلى جانب حجم القوات الذي سيكون، من الآن فصاعداً، مطلوباً على حدود الدولة المختلفة. إلى جانب ذلك، سيكون هناك حاجة إلى قوات لحماية البلدات والمدن، داخل الدولة نفسها، من أجل بث الشعور بالأمان في نفوس المواطنين.
  • من أجل ضمان الجهوزية المستقبلية للقتال على جبهتَين متوازيتَين، بكثافة نارية عالية، سيتعين على الجيش الإسرائيلي أن يكون أكبر. وإلى أن يتكيف الجيش النظامي وفق الحال الجديدة، فسيكون مطلوباً من منظومة الاحتياط بأسرها ملء الفراغات في عديد القوات. وسيكون النطاق الواسع للقوات مطلوباً، ليس فقط في سنة 2024، بل في السنوات القادمة أيضاً.

خطورة الواقع الغامض في قطاع غزة

المصدر : يديعوت أحرونوت
المؤلف : ميخائيل ميلشتاين
  • يعلن رؤساء الحكم والجيش في إسرائيل أنه من المتوقع الانتقال قريباً إلى المرحلة ج من الحرب في غزة. بعد السيطرة على شمال القطاع والعمليات المركّزة في خانيونس، يجري التخطيط لمرحلة سيتغير فيها نمط القتال، إذ ستخفّ قوته، وستحلّ محل المناورة البرية عمليات مركّزة، في الأساس توغلات برية وهجمات جوية، من المفترض أن تستغرق وقتاً طويلاً وتؤدي إلى انهيار حُكم “حماس”.
  • لكن الوصف الوارد أعلاه غامض وشديد التعقيد، وهو أمر غير مقبول في الخطاب الشرق الأوسطي الذي يعتمد على وقائع أحادية البعد. يمكن أن تتحول المرحلة الثالثة إلى حرب استنزاف متواصلة، وخصوصاً إذا لم تنجح إسرائيل في ضرب قيادة “حماس”، أو في تحقيق انهيار الحركة التي أثبتت، بعد 86 يوماً من القتال، قدرتها على خوض مواجهة ضارية حتى لو دفع الفلسطينيون ثمناً دموياً باهظاً.
  • بالنسبة إلى “حماس”، المرحلة الثالثة يمكن أن تشكل فرصة. فهي ستسمح لها بالادعاء أنها لم تتنازل، حتى لو تحولت إلى كيان مهزوم يسيطر على جيب صغير. وفي نظرها، إن هذا الأمر يمكن أن يقدم صورة انتصار، على الرغم من القتل والدمار غير المسبوقَين اللذين لحقا بالقطاع، وحقيقة أن نصف القطاع يحتله الجيش الإسرائيلي، لكن حقيقة أنها صمدت وتواصل القتال داخل غزة وخارجها، تحقق مبدأ الصمود.
  • فضلاً عن ذلك، هذا الوضع الغامض يمكن أن يستمر وقتاً طويلاً، ويجعل من الصعب على إسرائيل ترسيخ واقع مختلف في غزة. استمرار القتال في القطاع لن يسمح بإقامة نموذج إيجابي في الشمال، يكون مختلفاً عن الجنوب. وستسعى “حماس” لتقويض أي محاولة لإقامة آليات سيطرة مدنية مستقرة في القطاع، كما أن الجمهور الفلسطيني سيتجنب التعاون معها ما دام القتال مستمراً في القطاع (حتى في الجزء الشمالي، ستحاول “حماس” مواصلة تحرّكها)، وسيمتنع المستثمرون الأجانب من تقديم مشاريع لمنطقة تعاني عدم استقرار دائم.
  • الواقع الغامض يمكن أن يُنظر إليه على أنه مشكلة في الإقليم، سواء من أعداء إسرائيل، أو من أصدقائها الذين سيفسّرون الوضع المعقد بأنه عقبة في وجه أهدافها الاستراتيجية، ومن ناحية ثانية، نجاح “حماس” في تحقيق “عقيدة المقاومة”، أي كسر الجهد الإسرائيلي من خلال إظهار نفَس طويل وقدرة قتالية لا نهاية لها؛ طبعاً، كل هذا سيجعل من الصعب على إسرائيل ترميم صورة الردع، ويمكن أن تزيد في التوترات على الجبهات الأُخرى، وخصوصاً في الشمال.
  • يتعين على إسرائيل إعادة النظر في المرحلة الثالثة. والسبيل الوحيد لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في الحرب، وعلى رأسها القضاء على القدرة العسكرية والسلطوية لـ”حماس”، هو السيطرة على القطاع كله، على الرغم من الوقت والثمن اللذين يتطلبهما تحقيق مثل هذا السيناريو. لكن هذا الأمر سيجعل إسرائيل تتأكد من أنها دمرت كل البنى التحتية العسكرية للحركة، وضربت قيادتها بشدة، وأن نظاماً آخر سيقوم في منطقة الحدود بين غزة ومصر. وبعدها فقط، يمكن محاولة تأسيس نظام آخر في غزة.
  • ضمن هذا الإطار، من المهم جداً أن تُجري إسرائيل حواراً عميقاً مع الولايات المتحدة، حليفتها الاستراتيجية القوية، التي تدفع من أجل الانتقال بسرعة إلى المرحلة الثالثة، في ضوء المخاوف من تراكُم الضرر الذي يلحق بالجمهور الغزّي. وفي هذا الإطار، من المهم أن نشرح لواشنطن التحديات التي تنطوي عليها هذه المرحلة، وفي طليعتها عدم وجود حسم عسكري واضح. وبالإضافة إلى الضرر الذي يمكن أن يلحق بإسرائيل، فإن هذا سينعكس سلبياً على الولايات المتحدة أيضاً، في ضوء ما سيُعتبر إخفاقاً جديداً لحليفتها في مواجهتها مع معسكر المقاومة بقيادة إيران، ونوعاً من استمرار التجربة المُرة للولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.
  • لقد أثبتت نظرية السابع من أكتوبر الحاجة إلى الامتناع من الدخول في أوضاع تنطوي على تناقضات وعدم وضوح. إن الدخول في مرحلة هجينة يمكن أن ينتهي في نهاية المطاف، وبعد إحباط كبير، إلى الوضع الذي تحاول إسرائيل الحؤول دون حدوثه في هذه المرحلة، أي السيطرة على القطاع كله.

نقترب من منعطف حاسم: اليوم التالي بات هنا

المصدر : معاريف
المؤلف : طال ليف رام
  • اليوم مع بداية سنة 2024، الحديث في إسرائيل عن اليوم التالي يجب أن يبدأ الآن. حالياً، يوشك الجيش الإسرائيلي على الانتقال إلى المرحلة التالية من القتال في  قطاع غزة، بينما لا يزال هناك مسائل غير محلولة، وبصورة خاصة فيما يتعلق بالجبهة الشمالية في مواجهة حزب الله. الجيش بحاجة إلى مجموعة من القرارات من المستوى السياسي وتحديد الهدف، من أجل السماح له بالتخطيط بصورة تفصيلية للمراحل المقبلة في الحرب في غزة، وفي الساحة الشمالية. إن وضع آلية لليوم التالي الذي تصح تسميته، من عدة جوانب، بـ”اليوم الحالي”،  ليس حاجة سياسية فقط، وخصوصاً في الجنوب، وفيما يتعلق بالعلاقات الثلاثية بين إسرائيل والولايات المتحدة ومصر، بل هو أيضاً بالنسبة إلى الجيش، حاجة عملانية عميقة إلى وضع هدف المعركة في قيادة المنطقة الجنوبية.
  • وفيما يتعلق بالترابط بين مناطق القتال المختلفة، فإن الجدول الزمني للتقدم في منطقة خانيونس يقرّبنا من الانتقال إلى المرحلة التالية من الحرب في الجنوب، التي من المتوقع أن تعمل خلالها فرق أقل من الجيش الإسرائيلي في وقت واحد في القطاع. وهذه المرحلة تقرّب المستوى السياسي من اتخاذ القرارات المطلوبة في الساحة الشمالية في مواجهة حزب الله.
  • في الأمس، قال نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، إن سكان المستوطنات الشمالية يستطيعون العودة إلى منازلهم، فقط بعد أن توقف إسرائيل تماماً الحرب في غزة. على الرغم من أنه من الواضح أن الحرب في غزة قد تستمر شهوراً طويلة. يلمّح حزب الله إلى أنه حتى بعد انتقال إسرائيل إلى المرحلة المقبلة من الحرب في جنوب غزة، فإنه يخطط لمواصلة الإبقاء على جبهة قتال فعالة في مواجهة إسرائيل، إلى أن يجري التوصل إلى حل سياسي لا يظهر في الأفق في هذه المرحلة .
  • بالنسبة إلى المستوى السياسي في إسرائيل، إن المغزى هو الاقتراب من منعطف حاسم، بحيث لا يمكن الاستمرار في قبول الوضع الأمني في شمال البلد كوضع دائم شهوراً طويلة، ومن هنا يأتي احتمال اتخاذ قرار بشأن رفع درجة وقوة الردود على حزب الله بصورة كبيرة، الأمر الذي سيؤدي إلى تصعيد، ويتسبب باضطرابات كبيرة في الساحة الشمالية التي يمكن أن تتحول إلى الساحة المركزية للحرب، ما دام حزب الله يواصل إطلاق النار على إسرائيل، وما دامت قواته لم تنسحب إلى الوراء. ويدّعون في الجيش أن حزب الله يدفع أثماناً، بينها مقتل أكثر من 130 مقاتلاً وتضرُّر بناه العسكرية، وهي أكبر بكثير من الضرر الذي يتسبب به لإسرائيل.
  • وحتى لو كان هناك شيء من الصحة في هذا الكلام، فإنه غير كافٍ لتغيير التعقيد الاستراتيجي الذي فرضه حزب الله على إسرائيل، بعد الهجوم “الإرهابي” لـ”حماس في السابع من أكتوبر.

انتقادات سياسية من اليمين، ومن المعارضة

  • يمكننا أن نفهم منطق اتخاذ القرارات في الحكومة، القاضي بالتركيز على الحرب في مواجهة “حماس”، لكن في المقابل، من الواضح أن الوضع الناشىء في الشمال جرّاء القتال المتواصل، هو وضع غير محتمل، على الرغم من أنه حتى الآن، ما  بين استخدام القوة العسكرية، أو استخدام الوسائل السياسية، لا توجد معادلة في إمكانها إعادة الهدوء إلى الحدود الشمالية مع لبنان، وفي الوقت عينه، تأمين الحماية والإحساس بالأمان للسكان. من هنا، إن ابتعاد قوات الرضوان في حزب الله هو شرط ضروري.
  • لقد أوضحت إسرائيل في عدة مناسبات أنها تفضل محاولة حل الوضع سياسياً، لكن عندما يتحدثون عن العودة إلى القرار 1701، فإن هذا القرار يتضمن أثماناً مستقبلية قد تضطر إسرائيل إلى دفعها. كما أن اتخاذ قرارات معينة يمكن أن يؤدي إلى انتقادات سياسية لرئيس الحكومة من طرف اليمين والمعارضة اللذين سيدّعيان أن إسرائيل خضعت لابتزاز حزب الله.
  • حتى الآن، لا يظهر حل سياسي قريب في الأفق، وأسلوب استخدام القوة العسكرية لا يؤدي إلى استعادة الردع على الحدود الشمالية، والصحيح الآن، أن حزب الله، على الأقل على صعيد التصريحات، يدّعي أنه لن يوقف إطلاق النار ما دام الجيش الإسرائيلي مستمراً في حربه على غزة. انتقال الجيش الإسرائيلي إلى المرحلة التالية من القتال في غزة يجري بالتدريج، ويؤثر في الواقع في الميدان. وننصح كل الذين تابعوا خلال الأشهر الثلاثة من القتال في الجنوب وأساليب المناورة ومكان وجود فرق الجيش الإسرائيلي في كل مرحلة، ألّا يتوقعوا احتفالات  بانتهاء المرحلة الثانية من القتال والبدء بالمرحلة الثالثة.

…..

  • في سنة 2024 التي تبدأ اليوم، من المتوقع أن تحمل خلال الأشهر المقبلة تساؤلات بشأن استمرار الحرب في غزة، مع احتمال كبير للتدهور إلى حرب، أو تصعيد كبير في مواجهة حزب الله في الشمال. الجهد المركزي الذي يبذله الجيش الإسرائيلي هو في خانيونس، ومن خلال الفرقة 98 التي تعمل فيها 7 ألوية. هذا الجهد هو الذي سيؤدي إلى زيادة الضغط العسكري على كبار المسؤولين في “حماس” فوق الأرض، وخصوصاً تحت الأرض، ومحاولة الوصول إلى كبار قادة الحركة. كما من المفترض أن يؤدي الجهد العسكري المكثف، وفق عقيدة الجيش، إلى التقدم أيضاً في موضوع إطلاق مزيد من المخطوفين.

منطقة عازلة في القطاع

  • برزت في الأيام الأخيرة مؤشرات أولى، لكن من المبكر جداً رؤية أكثر من ذلك. في مقابل الجهد المركزي الذي يقوم به الجيش من خلال الاستمرارفي “تطهير” شمال القطاع، وباستثناء حيّ درج التفاح الذي لم تتم السيطرة العملانية عليه، وما زال يشهد معارك. إن ازدياد الحوادث في الأيام الأخيرة في مواجهة “المخربين” في مناطق واقعة تحت سيطرة الجيش منذ فترة طويلة، مثل بيت لاهيا، أو أحياء في قلب مدينة غزة، يدل جيداً على حرب العصابات التي من المتوقع أن يواجهها الجيش الإسرائيلي في كل مكان تبقى فيه قواته بصورة دائمة.
  • وجود قوات ثابتة من أجل حماية محور الإمداد اللوجستي الذي يربط، عملياً، شمال القطاع بجنوبه، سيستمر في المرحلة المقبلة من القتال، وكذلك في الخطط المتعلقة ببقاء قوات تؤمّن الممر الشمالي، من منطقة إيرز، مروراً بالشاطىء، وحتى أقصى منطقة الجنوب في مدينة غزة. هذا الوجود في الميدان هو الذي يجب أن يؤمّن المرونة للجيش للقيام بعمليات أُخرى في الأشهر المقبلة في شمال القطاع…
  • من بين القرارات التي يجب أن يتخذها المستوى السياسي في الأيام المقبلة هي المتعلقة بشمال القطاع تحديداً. مَن هي الجهة التي ستهتم بالسكان المدنيين الذين بقوا في مدينة غزة؟ وهل في استطاعة السكان في الجنوب العودة إلى الشمال؟ قضية من المنتظر أن يضغط الأميركيون من أجل حلّها، أم يجب الإبقاء على الوضع الحالي وزيادة الضغط على “حماس” من طرف السكان الغزيين.
  • بالإضافة إلى الجهد المركزي الذي يبذله الجيش في خانيونس وفي وسط القطاع وجنوبه، فهو يعمل حالياً على إقامة منطقة عازلة، من هنا تأتي أهمية العمليات التي تجري في مخيمات البريج والمغازي وخربة خزعا وغيرها.
  • في هذه المناطق المحاذية للسياج الحدودي، وفي مقابل المستوطنات الإسرائيلية، والتي استُخدمت كقواعد لانطلاق “المخربين” في هجومهم “الإرهابي” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، يوظف الجيش الإسرائيلي جهداً مضاعفاً في هدم البنى التحتية “الإرهابية”، وتدمير الأنفاق وكشف الميدان نحو مسافة كيلومتر من أجل السماح للجيش بسيطرة أفضل، وللمراقبة وتحسين القدرة الدفاعية عن المستوطنات.
  • في هذا النمط من القتال، يتقدم الجيش، مرحلة تلو مرحلة، في تفكيك القدرات العسكرية للعدو الذي لا يريد الاستسلام، حتى لو كانت الكارثة التي يتسبب بها لغزة واضحة أمامه، وحتى الآن، وبعد 3 أشهر من القتال، من الصعب جداً  رؤية نهاية الحرب.
  • الأمر الأكيد هو أنه من دون هدف سياسي، سيكون من الصعب جداً مواصلة القتال وقتاً طويلاً بنجاح، في الوقت التي تتعمق الخلافات بين رئيس الحكومة وأعضاء الكابينيت الآخرين، ويجري تفضيل الاعتبارات السياسية التي تتدخل اليوم في اتخاذ القرارات، كل هذه مؤشرات لا تشجع، في مواجهة أشهر القتال الطويل التي تنتظرنا.

نيرانٌ إسرائيليةٌ صديقة…!

محمد هلسة

ستستمر “إسرائيل” في الحديث عن الوضع المعقّد في ساحة المعركة، لتقول إن النيران الصديقة “وضحاياها” من الإسرائيليين أمر لا مفرّ منه؛ لكن الواقع أن هذه “اللعنة” التي تصاحب السلوك الإسرائيلي ليست في جزء كبير من نتائجها إلا نتاج إرث مَرَضي.

تُعرف “النيران الصديقة”، وكما يوحي الاسم، بأنها رمي بالأسلحة بين جند الجيش الواحد في خضم عمليات حربية بقصد إلحاق الأذى بالعدو، مما يتسبّب في سقوط عدد من الجرحى والقتلى في صفوف الجيش ذاته. منذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين إلى اليوم لم تَخلُ مواجهة مع الاحتلال أو في إطار الأنشطة العسكرية الاعتيادية لقوات الاحتلال في المناطق الفلسطينية، من القتل أو الإصابة بنيرانٍ صديقة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، قُتل، وفق الرواية الإسرائيلية، في 11 حزيران/يونيو 1948، أثناء الحرب، اللواء ديفيد ماركوس بالقرب من بلدة أبو غوش في القدس، بنيران زميلٍ له أخطأ في تشخيصه. وفي 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1956، في حرب سيناء، أطلقت كتيبتان مدرّعتان من “جيش” الاحتلال الإسرائيلي النار على بعضهما البعض، فسقط العديد من القتلى من الكتيبتين.

كما قُتل في حرب تموز 2006 على لبنان أربعة جنود إسرائيليين وأصيب آخرون في سلسلة حوادث إطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية. وفي 15 آب/أغسطس 2022، قُتل الرقيب ناتان فيتوسي، وهو مقاتل في كتيبة نحشون كان في مهمة أمنية بالقرب من قرية شويكة في مدينة طولكرم، برصاص زميله في الوحدة، ظناً منه أنه فدائي فلسطيني… والقائمة تطول.

في الـ 12 من كانون الأول/ديسمبر الماضي، وفي أول إعلان رسمي إسرائيلي منذ بداية الحرب الحالية الإسرائيلية على غزة، أعلن “الجيش” الإسرائيلي مقتل 20 جندياً من جنوده بنيران صديقة من إجمالي 105 قتلى، أي أنّ خُمس القتلى في حينه، وفق البيان المذكور، سقطوا بنيران زملائهم. 

وبحسب “جيش” الاحتلال، فإن “حجم الضحايا مرتبط بكونه مسرح عمليات صغيراً ومزدحماً، حيث تعمل قوات كبيرة أمام عدو يهاجمهم فوق الأرض ومن تحتها، ومن الأمام والخلف، إضافة إلى الإرهاق ومشاكل القيادة والسيطرة والانضباط”. وبحسب معطيات “الجيش” كما نُشرت صباح يوم 12 كانون الأول/ديسمبر، “قُتل 13 جندياً إسرائيلياً بنيران صديقة نتيجة تشخيصهم خطأً على أنهم إرهابيون، كما قُتل البقية بغارات جوية ونيران دبابات وقوات مشاة أخرى”. 

لا شكّ بأنّ ظاهرة “النيران الصديقة” تعتبر جزءاً لا يتجزّأ من الحرب، وهي تحدث في كل الحملات العسكرية في العالم وليست حكراً على “الجيش” الإسرائيلي. ورغم محاولات قيادات “جيش” الاحتلال على مرّ السنين مكافحة حوادث من هذا النوع، بالاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة، إلا أنها لم تحقّق نجاحاً كبيراً يذكر، خاصة في خضمّ الحرب الحالية الدائرة على غزة.

قد يرى البعض في إعلان “الجيش” الإسرائيلي المذكور عن العدد الكبير من قتلاه بنيران صديقة، محاولة للتخفيف من مكاسب المقاومة الفلسطينية، لكن حديث النيران الصديقة لم يتوقّف بل تصاعد، وكانت ذروته مقتل الأسرى الإسرائيليين الثلاثة لدى المقاومة بنيران “الجيش” الإسرائيلي. وباعتقادنا فإن قتل الإسرائيلي للإسرائيلي حدث تاريخياً، ويحدث، في المواجهة العسكرية وفي غيرها، لثلاثة أسباب:

أولها، مرتبطٌ باستسهال القتل أو ما نسميه “اليد الرخوة على الزناد” حينما يتعلّق الأمر بحياة الفلسطينيين، خاصة في ظل سلوك الاستعلاء ومشاعر الغضب ورغبة الانتقام التي تُحرّك الشارع و”الجيش” الإسرائيلي في سلوكه المُنكّل بالفلسطينيين يومياً، أضف إلى ذلك الحماية والتغطية المطلقة التي يحظى بها مطلقو النار من مستويات سياسية، قضائية، وحاخامية دينية. لكن استسهال القتل هذا هو سيفٌ ذو حدين في واقع متداخل ومعقّد كالواقع الفلسطيني، خاصة في ذروة الأحداث الساخنة حيث الخوف والارباك هما سيّدا الموقف، وفي ظل عسكرة وتسليح المجتمع الإسرائيلي بشكل جنوني كما يفعل بن غفير حالياً. 

ففي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وأثناء تنفيذ فلسطينيين هجوماً فدائياً ضد عددٍ من المستوطنين في محطة للحافلات في مدينة القدس، أطلق جنديان النار على المستوطن يوفال كاستلمان، 38 عاماً، الذي قام بإطلاق النار على الفدائيين، معتقدين أنه أحد المنفّذين رغم أنه ألقى سلاحه ورفع يديه وجثى على الأرض وصاح باللغة العبرية. وأحدثت القضية جدلاً واسعاً، وما زالت، في المجتمع الإسرائيلي حول المسؤولية عن هذا “القتل السهل” رغم كل ما فعله المستوطن ليثبت أنه ليس عربياً…! 

أما السبب الثاني الذي يقف خلف تزايد أعداد الجنود والإسرائيليين الذين يقتلون بنيران صديقة، فهو الخوف والإرباك وارتعاد اليد الناتج عن ضغط المعركة وهولها، فلا أقلّ، والجنود يحسبون كل صيحة عليهم، من أن يطلقوا النار على كل ما يتحرّك وفي كل الاتجاهات لحماية أنفسهم، التي باتت في مرمى نار المقاومة حيث لا يدرون من أن يأتيهم الموت، كما حدث في واقعة مقتل الأسرى الثلاثة في غزة بنيران زملائهم من الجنود الإسرائيليين، مع أنهم لم يشكّلوا خطراً على حياة الجنود وأظهروا إشارات الاستسلام، كما بيّنت تحقيقات “جيش” الاحتلال في الحادثة المذكورة.

وهذا يقودنا إلى الدافع الثالث، والأهم، الذي يقف خلف مقتل إسرائيليين بنيرانٍ إسرائيلية، والذي تحاول السلطات الإسرائيلية التستر عليه نظراً لما يسبّبه لها من حرج أمام جمهورها والعالم، وهو القتل المقصود أو الموجّه. تشير تقديرات “الجيش” الإسرائيلي إلى أن نسبةً كبيرة من الذين قتلوا يوم السبت 7 أكتوبر، من جنود ومدنيين، قتلوا بنيران القوات الإسرائيلية “بسبب خطأ في تحديد الهوية وسط الفوضى التي عمّت البلاد”. 

إلا أن هذا القتل، بخلاف ما أوردت المصادر العسكرية الإسرائيلية، أتى تنفيذاً لما بات يعرف في “إسرائيل” بنظام هنيبعل، الذي تقوم فلسفته على أنّ “جندياً ميتاً أفضل من جندي مأسور”. وهو إجراء عسكري يُطبّقُه “جيش” الاحتلال الإسرائيلي ميدانياً في حال تَعرُّضِ أحد جنوده أو مواطنيه للأسر من قبل قواتٍ مُعادية، ويسمح باستخدام الأسلحة الثقيلة والقوة التدميرية لمنع الآسرين من مغادرة موقع الحدث حتى لو شكّل ذلك خطراً على حياة الجندي أو المواطن المخطوف ذاته. 

فقد ورد ضمناً في التقارير عن المعارك التي دارت في مستوطنات غلاف غزة يوم 7 أكتوبر أن دبابة تابعة “للجيش” الإسرائيلي أطلقت النار على مبنى كان يوجد فيه، إضافة إلى المقاومين، مدنيون إسرائيليون، وهو ما وثّقته كاميرا طائرة شُرطية إسرائيلية كانت تُحلّق في سماء المنطقة لحظة إطلاق الدبابة نيرانها على المنزل المذكور. كما تضمّن مقال نشره جوش برينر في صحيفة “هآرتس” بتاريخ 18/11/2023 حقيقة مفادها “أن تحقيقات أمنية في أحداث الـ 7 من أكتوبر أظهرت أن مروحية قتالية تابعة “للجيش” الإسرائيلي وصلت إلى مكان الحادث من قاعدة رمات دافيد أطلقت النار على الإرهابيين وأصابت أيضاً، على ما يبدو، بعضاً من المحتفلين الذين كانوا هناك”…

كما أشار المقال إلى “أن مروحيات قتالية أطلقت النار على سيارات جيب تابعة لحماس كانت تنطلق في ذلك اليوم من أراضي “إسرائيل” باتجاه قطاع غزة، وكان فيها مختطفون، ثم عثر في اليوم التالي على جثث المختطفين في المنطقة المحيطة”، وتابع مؤكداً: “لقد ضربوا بشكل رئيسي إرهابيي حماس، وكذلك الرهائن الإسرائيليين”. 

وقد سبق “للجيش” الإسرائيلي أن استخدم هذا الإجراء في محاولة إحباط عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي هادار غولدين خلال علمية “الجُرف الصامد” في آب/أغسطس 2014، أو معركة رفح المعروفة بـ “الجمعة السوداء”، حيث أدى القصف المدفعي ونيران القوات الجوية الإسرائيلية إلى مقتل غولدن إضافة إلى ارتقاء عشرات الفلسطينيين شهداء في الحادث.

ولم يقتصر سلوك هذا “العقل المريض” الذي يُجيزُ قتل “النفس اليهودية” ليحرِمَ عدوه صورة النصر، وليمنعه لذة الانتصار وشعور التفوّق عليه، على إجراء هنيبعل، بل لعل شواهد التاريخ القريب تحمل ما هو أفظع تجاه الإسرائيليين لتحقيق مآرب سياسية ولو على حساب “الدم الإسرائيلي”. 

فقد أثبت الأرشيف الإسرائيلي المفرج عنه أن بن غوريون تخلّى عن المهاجرين اليهود من المرضى وكبار السن في أوروبا، وفضّل عليهم الصغار المُنتجين مع بداية إقامة “الدولة” وتُرك الكبار والمرضى لمصيرهم في أوروبا. 

وأكدت الأبحاث والتحقيقات أن الحركة الصهيونية زرعت قنابل وعبوات في متجار المواطنين اليهود في البلاد العربية وقتلت عدداً منهم لإقناعهم بأنهم غير آمنين في هذه البلاد لإرغامهم على الهجرة إلى فلسطين. الأمر ذاته فعله بن غوريون مع سفينة ألتيلينا، حين رست على سواحل فلسطين في الشهور الأولى من إقامة “دولة إسرائيل”، محمّلة بالأسلحة بخلاف رغبته، فقصفها وأغرقها وقتل من فيها من اليهود من عصابة الأتسل التي تزعّمها بيغن في حينه.

ستستمر “إسرائيل” في الحديث عن الوضع المعقّد في ساحة المعركة والفوضى العارمة، لتقول إن النيران الصديقة “وضحاياها” من الإسرائيليين أمر لا مفرّ منه؛ لكن الواقع أن هذه “اللعنة” التي تصاحب السلوك العسكري والسياسي الإسرائيلي ليست في جزء كبير من نتائجها إلا نتاج إرث مَرَضيّ متأصل في الوعي الإسرائيلي الأسطوري الذي ينطلق من قاعدة التفوّق العرقي والديني، وهو مذهبٌ يقلل من القيمة العليا لمبدأ الحياة ويذهب إلى التعامل مع النفس الإنسانية إلى أقصى حدود الجنون والاستعلاء، فليُقتل الإسرائيلي والفلسطيني في آن واحد، المهم أن تدحض “إسرائيل” بطولة الفلسطيني وتحرِمه لذة النصر.

مطالب بـ”تشميسهم” عشائريا.. وزير زراعة الأردن لتجار خضار يصدرون لإسرائيل: “استحوا على حالكم شوي”

أبلغت الحكومة الأردنية رسميا وإعلاميا بأن صلاحياتها القانونية لا تسمح بالتدخل لـ”منع” تجار الخضراوات والفاكهة من تصدير بضائعهم إلى الكيان الإسرائيلي.

واستبدلت الحكومة الموقف الذي يطالب به الشارع بالتدخل بعبارة “شعبية رائجة” وردت على لسان وزير الزراعة المهندس خالد حنيفات وقال فيها لتجار الخضار: “في ظل هذه الظروف حيث لا توجد آلية قانونية تمنع من جهتنا.. استحوا على حالكم شوي”.

بسرعة وباسم نشطاء مقاومة التطبيع علق الناشط النقابي البارز ميسرة ملص على تصريح الوزير حينفات قائلا: “حسنا.. ما دمتم لا تملكون الوسيلة القانونية فهذا تصريح لا نقبله وإذا أردتم منا قبوله أعطونا الحرية التي يملكها المواطن السويسري”.

وطالب ملص من الحكومة أن “لا تقمع” نشطاء لجان مقاومة التطبيع وأن يترك لها المجال بدون اعتقال لزيارة عائلات وعشائر تجار الخضراوات هؤلاء حتى يتم تشميسهم وبعد ذلك نقبل تصريحات الحكومة”.

و”التشميس” مفردة تستخدم في الإطار العشائري لفضح بعض الأشخاص المنحرفين بمعنى عزلهم اجتماعيا.

وقبل ذلك كان وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة مهند مبيضين قد صرح بأن الحكومة لا تتدخل بآليات التصدير في الأسواق فيما قال نظيره وزير الزراعة: لا توجد آلية قانونية تمنع تجار الخضار من التصدير إلى إسرائيل لكن نقول لهم في ظل هذه الظروف “استحوا على حالكم شوي”.

واعتبر حنيفات في ظهور له على شاشة المملكة أن القطاع الزراعي المحلي لا يتأثر بشكل كبير بالتداعيات الإقليمية والعالمية.

وجاء رد وزير الزراعة في ظل حملة شعبية شعواء تطالبه بالتدخل لمنع تصدير كميات من الخضار والفاكهة من منطقة الأغوار لصالح تجار إسرائيليين على الأقل في مرحلة تجويع أهالي قطاع غزة.

وأثارت المسألة جدلا واسع النطاق في ظل المقاطعة والإضراب الاقتصادي خصوصا بعد نشر فيديوهات لشاحنات أردنية محملة بمادتي الخيار والبندورة شوهدت ورصدت تعبر الجسور باتجاه الكيان الإسرائيلي، الأمر الذي استفز الإطار الشعبي برته.

ونشرت تقارير عن أربعة تجار وسماسرة فقط مصرون على ممارسة نشاطهم التصديري للجانب الإسرائيلي في ظل الحرب على قطاع غزة.

ما هو محور فيلادلفيا الذي يريد نتنياهو السيطرة عليه مجدداً؟.. اختراق يتطلب رداً مصرياً

(وكالات)

عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحديث مجدداً عن رغبته بالسيطرة على محور فيلادلفيا الحدودي بين غزة ومصر، في تصريحات يكررها للمرة الثالثة على التوالي، في ظل عدم تحقيقه أي هدف من أهداف حربه على القطاع.
وتزامناً مع هذه التصريحات، تجري توغلات عسكرية محدودة لقوات بجيش الاحتلال الإسرائيلي على الأرض داخل الحدود الشرقية لمدينة رفح بالقرب من الحدود مع مصر أقصى جنوبي القطاع.

*تصريحات متتالية*

وقال نتنياهو، في مؤتمر صحفي، إنّه “يجب أن تسيطر إسرائيل على منطقة محور فيلادلفيا الحدودي بين قطاع غزة ومصر”.
وشدد على أن “محور فيلادلفيا يجب أن يكون بأيدينا وتحت سيطرتنا، وأي ترتيب غير ذلك لن تقبل به إسرائيل”.
وإضافة إلى تصريحاته، كان نتنياهو قد كشف، في تصريحات بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، خلال حديثه عن “خطته لمستقبل غزة” بعد الحرب، عن نيته “السيطرة على محور فيلادلفيا”، وكرر نتنياهو ذلك، في تصريحات أخرى في 15 من الشهر نفسه.
وبالتزامن مع هذه التصريحات تقدمت قوات برية إسرائيلية بشكل محدود، منذ عدة أيام، في المنطقة الشرقية لمدينة رفح، على مقربة من خط الحدود بين القطاع ومصر.

وأفاد شهود عيان بأن نحو 20 آلية مدرعة إسرائيلية ما بين دبابة وناقلة جند، إضافة لنحو 4 جرافات، تقدمت لعدة أمتار داخل المنطقة الحدودية الشرقية لمدينة رفح خلال الأيام القليلة الماضية.
وكان موقع “والا” العبري قد قال، في 23 ديسمبر الجاري: إن “الجيش الإسرائيلي قام بإدخال عديد من القوات إلى المنطقة الواقعة بين معبري كرم أبو سالم (تجاري على الحدود بين غزة وإسرائيل) ورفح (للأفراد والبضائع على الحدود بين مصر وغزة) ومحور فيلادلفيا، وقام بمناورة قصيرة”.
وأضاف الموقع العبري، نقلاً عن مصادر عسكرية: “تصرف جيش الاحتلال الإسرائيلي بطريقة غير عادية بين معبر كرم أبو سالم إلى رفح ومحور فيلادلفيا”.

*توغل محدود*

وفي الأيام الأخيرة، اشتدت وتيرة الاشتباكات بين فصائل المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي المتوغلة شرق رفح، وفق مصادر محلية وشهود عيان.
وذكرت المصادر أن الاشتباكات وقعت قرب معبر “كرم أبو سالم” وإلى الشرق من معبر رفح، واستخدمت خلالها القوات الإسرائيلية القذائف المدفعية بشكل كثيف.

وقالت “كتائب عز الدين القسام”، الذراع المسلح لحركة “حماس”، إنها “قصفت تجمعات جنود وآليات إسرائيلية شرق مدينة رفح بقذائف هاون من العيار الثقيل”.
كما نفذت الطائرات الحربية والآليات المدفعية الإسرائيلية قصفاً عدة مرات للشريط الحدودي بين غزة ومصر.
وكانت أعنف هذه الغارات يوم 13 ديسمبر، عندما شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية هجوماً غير مسبوق على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة.
وتبقى وتيرة الاشتباكات بين فصائل المقاومة والقوات الإسرائيلية المتوغلة شرق رفح منخفضة نسبياً، مقارنة مع ما يحدث في مدينة خان يونس المجاورة، نظراً لأن عدد الآليات العسكرية المتوغلة قليل، ومنطقة التوغل محدودة تحصى بعشرات الأمتار.

*ما محور فيلادلفيا؟*

يقع محور فيلادلفيا، والذي يسمى أيضاً “محور صلاح الدين”، على امتداد الحدود بين غزة ومصر، وهو ضمن منطقة عازلة بموجب اتفاقية السلام “كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل عام 1979، ولا يتجاوز عرضه مئات الأمتار، بينما يمتد بطول 14.5 كيلومتر من البحر المتوسط حتى معبر “كرم أبو سالم”.
ووفقاً لاتفاقية “كامب ديفيد”، فإن المنطقة الحدودية التي تقع على الأراضي الفلسطينية، والتي أطلق عليها (د) (محور فيلادلفيا)، تخضع لسيطرة القوات الإسرائيلية التي حددت بحسب الاتفاقية بكتائب مشاة، تصل إلى 180 مركبة مدرعة من الأنواع كافة، وطاقم مكون من 4 آلاف عنصر، إضافة إلى منشآت عسكرية وتحصينات ميدانية.
ومنعت الاتفاقية وجود أي قوات مسلحة مصرية على الأراضي المصرية المتاخمة للحدود الفلسطينية التي أطلق عليها (ج)، وسمحت فقط للشرطة المدنية المصرية بأداء مهام الشرطة الاعتيادية بأسلحة خفيفة.

وظلت القوات الإسرائيلية مسيطرة على المنطقة إلى حين انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، منتصف أغسطس/آب 2005، وتسليمه للسلطة الفلسطينية التي منحت الإشراف على المناطق الحدودية والمعابر، بوجود مراقبين من الاتحاد الأوروبي.
ونصت خطة “فك الارتباط” (الانسحاب الإسرائيلي من غزة) على احتفاظ إسرائيل “بوجود عسكري لها على طول الخط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر (محور فيلادلفيا)” في المرحلة الأولى، وذلك لتوفير الحماية الأمنية، التي قد تتطلب توسيع المنطقة التي تتم فيها النشاطات العسكرية، وجعلت الاتفاقية إخلاء المنطقة مشروطاً بالواقع الأمني والتعاون المصري في التوصل إلى اتفاق موثوق.
وفي سبتمبر/ أيلول 2005، تم توقيع “اتفاق فيلادلفيا” بين إسرائيل ومصر، الذي تعتبره إسرائيل ملحقاً أمنياً لمعاهدة السلام 1979، وتقول إنه محكوم بمبادئها العامة وأحكامها.
ويتضمن اتفاق فيلادلفيا نشر قوات مصرية على الحدود الفاصلة مع قطاع غزة، وتُقدّر تلك القوات بنحو 750 جندياً من حرس الحدود المصري، ومهمتهم تتمحور فقط في مكافحة ما يسمى الإرهاب والتسلل عبر الحدود والتهريب والكشف عن الأنفاق.
وبموجب هذا الاتفاق انسحبت إسرائيل من محور فيلادلفيا وسلّمته مع معبر رفح إلى السلطة الفلسطينية.
وعام 2007، سيطرت حركة “حماس” على قطاع غزة، وخضع محور فيلادلفيا لهيمنتها، وفرضت إسرائيل حصاراً خانقاً على القطاع، الأمر الذي دفع الفلسطينيين لعبور الشريط الحدودي باتجاه مصر للتزود بالطعام والشراب والمواد الأساسية لحياتهم، وعلى إثر ذلك فرضت القوات المصرية الأمن بفيلادلفيا، ثم تراجعت لأماكنها.

ومع إحكام الحصار لسنوات على القطاع، حفر الفلسطينيون في غزة مئات الأنفاق أسفل محور فيلادلفيا، وصولاً إلى مصر، لتشكل الأنفاق طريقاً رئيسياً لاستيراد احتياجاتهم الأساسية من الجانب المصري، قبل أن تنتهي هذه الظاهرة في عام 2014، وليتبعها بعد سنوات قليلة دخول البضائع من مصر إلى غزة عبر معبر رفح بشكل رسمي.
ولم تعد منطقة محور فيلادلفيا خالية من السكان الفلسطينيين، كما كانت خلال فترة الوجود الإسرائيلي بتلك المنطقة، فالمنازل الفلسطينية امتدت مقتربة بشكل كبير من السياج الحدودي وفي بعض النقاط تكون ملاصقة له تماماً باستثناء المناطق الشرقية لمعبر رفح والمنطقة القريبة من شاطئ البحر.

*حسابات مكلفة*

تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي لم تقدم الكثير من التفاصيل حول سبب إصراره على فكرة السيطرة على محور فيلادلفيا، لكن يبدو أن الهدف مرتبط بإحكام الحصار على غزة بشكل كامل وفصلها عن الأراضي المصرية.
وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسين الشيخ، في تغريدة عبر منصة “إكس”، معلقاً على ذلك، إن “تصريح نتنياهو بالعودة الإسرائيلية للسيطرة على محور فيلادلفيا ومعبر رفح في الجانب الفلسطيني، وخلق مناطق عازلة وترتيبات أمنية جديدة دليل واضح على قرار عودة الاحتلال بالكامل، وتدمير للاتفاقيات مع مصر، وكما قلنا سابقاً؛ إنهاء كل الاتفاقيات مع منظمة التحرير الفلسطينية”.
وأضاف الشيخ: “هذا يستوجب قراراً فلسطينياً عربياً موحداً لمواجهة تداعيات هذه الحرب العدوانية ومحاولات نتنياهو فرض وقائع جديدة جراء هذه الحرب”.

وفي هذا السياق، نقل تحليل نشرته قناة “I24NEWS” الإسرائيلية عن خبراء عسكريين، أن تحرك “الجيش الإسرائيلي باتجاه محور فيلادلفيا يهدف إلى فصل قطاع غزة عن صحراء سيناء ومصر”.
وأضاف التحليل أن “إسرائيل ترغب في تأمين أكبر لحدودها الجنوبية، كي لا تصبح معبراً لإمداد الفصائل الفلسطينية بالسلاح”.
وفي ظل هذه التطورات، لم يرد حتى اللحظة أي تعليق رسمي من الجانب المصري حول الخطة الإسرائيلية للسيطرة على محور فيلادلفيا، التي ستوجب على الطرفين، وفق مراقبين، توقيع اتفاق جديد يتيح للقوات الإسرائيلية للعودة إلى الحدود بعد انسحابها منها في 2005.

لكن عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان المصري، مصطفى بكري، علق على تصريحات نتنياهو بالقول إنها تمثل “اعتداءً سافرًا على اتفاقية السلام بين البلدين”.

وطالب بكري بالرد، قائلًا إن “التهديد باحتلال محور فيلادلفيا يجب أن يقابله احتجاج رسمي وتحذير مُعلن، لأن ذلك يمثل اختراقًا لاتفاقية السلام الموقعة بين البلدين”، مرجعاً ذلك إلى كونه يمثل اعتداءً على السيادة المصرية، وخنقاً لقطاع غزة، ويفتح الطريق أمام تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.

كما أوضح الخبير العسكري المصري محمود محيي الدين، لمواقع إخبارية، أن إسرائيل لم تهدد بقصف وتنفيذ عمليات عسكرية واسعة في منطقة محور فيلادلفيا، لكنها تستهدف إعادة احتلاله في إطار إجراءاتها لفرض السيطرة على قطاع غزة.

 وأشار محيي الدين إلى أن الخطط الإسرائيلية تتضمن كذلك إنشاء سياج (جدار) تحت الأرض لمنع التهريب عبر الأنفاق.

وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية كشفت أن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت طرح على نظيره الأمريكي لويد أوستن إقامة جدار تحت الأرض، في الجانب المصري، لفصلها عن قطاع غزة، بتمويل أمريكي.

وأوضحت الصحيفة أن الجدار المقترح قد يصل طوله إلى 13 كيلومتراً، ويتضمن مجسات وتقنيات للكشف على احتمال وجود حفر وشيك بالقرب منه.

هناك مسار واحد يمكنه إنقاذنا من الغرق في وحل غزة

المصدر : قناة N12
المؤلف : إيهود باراك
  • أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر هي الأخطر في تاريخ الدولة. 1300 قتيل و250 مخطوفاً، فضلاً عن الإذلال والتقصير والخلل في أداء عمل المنظومة السياسية، كل ذلك خلق أزمة ثقة كبيرة، ومتعددة الأبعاد، وغير مسبوقة. المنظومة الأمنية عادت إلى رشدها بسرعة، وانتقلت فوراً إلى شن حرب ضد “حماس”، من خلال إظهار الوحدة والتكاتف المثير للإعجاب مع المقاتلين، من كل أطياف الجمهور الإسرائيلي، وعلى الرغم من الخلافات التي قسّمتنا في العام الماضي، دعماً للذين يخاطرون  بحياتهم من أجلنا، كتفاً بكتف.  لقد انكشف تقصير المنظومة السياسية والاقتصادية. أما المنظومة المدنية فقد حلت محلها المساهمة الكبيرة من المجتمع الإسرائيلي، ومن المتطوعين، وعلى رأسهم “أخوة في السلاح”.

 

*ماذا تحقق حتى الآن؟*

  1. لا تزال “حماس” تسيطر على منطقتَي رفح والمواسي، اللتين يوجد فيهما أكثر من مليون ونصف مليون شخص، أغلبيتهم الساحقة من المدنيين في القطاع.
  2.  لقد تضررت القدرة العسكرية لـ”حماس” بشدة داخل المناطق التي يتحرك فيها الجيش الإسرائيلي، لكن حتى هناك، لا تزال “حماس” قادرة على شن هجمات من الخلف، والمضايقة،  ولا تزال تحافظ على قدرة عملانية كبيرة في الأجزاء الأُخرى من القطاع، التي لم تهاجَم بعد.
  3. يوجد 129 مخطوفاً في حيازة “حماس”، نحو 20 منهم لم يعودوا في قيد الحياة، وجزء منهم يُستخدَمون دروعاً بشرية للسنوار وقيادة الحركة. لا توجد صفقة ملموسة مطروحة، وتطالب “حماس” “بإنهاء القتال”، ويجب عدم الموافقة على ذلك كشرط للصفقة.
  4. تستمر المواجهة مع حزب الله، في ظل تكبُّد الطرفين أضراراً كبيرة. ومن المحتمل أن تتوسع إلى مواجهة واسعة تضطر فيها إسرائيل إلى استخدام قوة أكبر لإبعاد حزب الله عن الحدود، إذا فشلت محاولات التوصل إلى اتفاق سياسي لتطبيق القرار 1701.

 

*اليوم التالي*

  • في مواجهة هذه الظروف، ومن أجل تحقيق أهدافها، كان يجب على إسرائيل، منذ اليوم الأول للحرب، البحث في مخطط “اليوم التالي” مع الأميركيين، ومع مصر والأردن والإمارات والسعودية، وهذه الدول هي جزء من محور الدول المعتدلة  الذي بلورته الولايات المتحدة، في مقابل “محور الدول المارقة”، الذي يشمل إيران وسورية وحزب الله و”حماس” والجهاد الإسلامي، بتأييد من روسيا. هناك مثل روماني قديم يقول: “إذا كنت لا تعرف إلى أي مرفأ تريد الوصول، لا توجد رياح تحملك إلى هناك”، وهذا ينطبق على حكومة إسرائيل في هذه الأيام.

 

*ماذا تريد إسرائيل؟*

  • إسرائيل غير مستعدة، وهي محقة في ذلك، للقبول باستمرار سيطرة “حماس” على غزة، وأن تشكل تهديداً لمواطنيها. وهي تسعى للقضاء على قدراتها العسكرية والسلطوية، واستبدالها بجهة أُخرى. من ناحية ثانية، لا تخطط إسرائيل (باستثناء بن غفير وسموتريتش) للبقاء بصورة دائمة كحاكم مدني في غزة، ولتحمُّل مسؤولية مليونَي فلسطيني، مع كل ما يترتب على ذلك . والفلسطينيون لن يذهبوا إلى أي مكان آخر. ومَن يؤمن بأن في الإمكان تحقيق “الهجرة الطوعية” لمليونَي غزّي ـ وتحقيق “الترانسفير” في سنة 2024، فإن حلمه هو مجرد حلم صيف.

 

*المسار الصحيح*

  • مَن يستطيع تحمُّل المسؤولية؟ لا يوجد حاكم عربي، حتى من بين أصدقاء إسرائيل، يقبل أن يفعل ذلك بصورة دائمة.  الحل المعقول هو قوة عربية من الدول التي وقّعت اتفاق سلام مع إسرائيل، أو اتفاق تطبيع، وحتى السعودية. على سبيل المثال، قوة بقيادة مصر ودعم من الولايات المتحدة والجامعة العربية. قوة تحمُّل من إسرائيل على السيطرة على القطاع حتى الانتهاء من تفكيك سلطة “حماس”، ولفترة زمنية محدودة، تتراوح بين نصف عام وعام، مع إمكان التمديد. خلال هذه الأشهر؛ تعمل هذه القوة، بالتدريج، على استعادة السلطة الفلسطينية “المعززة” السيطرة المدنية على القطاع، وتعمل هذه القوة إلى جانب السلطة الفلسطينية لفترة زمنية أُخرى، تسمح بتفكيك ما تبقى من قدرات عسكرية لـ”حماس”، وخصوصاً الصواريخ والعتاد العسكري.
  • مع مراعاة حاجات إسرائيل الأمنية: إيجاد إطار حرية العمل المضاد، ورقابة أمنية ضد دخول السلاح، وغيرها، ويمكن لدول “محور الاعتدال”، في الأساس السعودية والإمارات، أن تكون الجهة الممولة لمشاريع إعادة بناء البنى التحتية في غزة…

 

*المزيد من التفاصيل عن المخطط*

  • هذا المخطط لحل معقول، والوحيد تقريباً. مَن يحاول إفشاله، سيكون المسؤول عن غرق إسرائيل في الوحل الغزّي أعواماً طويلة، وهذا الوضع، أضراره كبيرة ودموية. أو إعادة “حماس” إلى السلطة، أو الفوضى الخطِرة جرّاء سيطرة العصابات والعشائر. ومن الممكن إنضاج الحلول، مع تغييرات معينة بشأن تفصيلات محددة، ونتيجة المفاوضات والتنسيق المطلوب. من الواضح أن على السلطة القيام بقفزة حقيقية من أجل تحسين قدرتها على العمل، ومن الواضح  أيضاً أن أجهزة السلطة يجب أن تشمل أشخاصاً من غزة، بينهم تكنوقراط، مع خلفية إسلامية، لكنهم لم يشاركوا في العمليات “الإرهابية”. هذا الحل ليس مثالياً، لأن مثل هذا الحل غير موجود. يجب أن نختار البديل العملي الذي يمحو “حماس” ككيان “إرهابي” مع قدرات عسكرية على حدودنا. وهذا المخطط يمكنه أن يواجه هذا الاختبار.

 

*لماذا أميركا؟*

  • إسرائيل دولة ذات سيادة. ونحن مَن يقرر المسائل الحيوية  التي تتعلق بأمننا ومستقبلنا. وحتى أقرب أصدقائنا الذين أثبتت هذه الأيام أنهم لا يستطيعون إجبارنا على العمل ضد مصالحنا. لكن قراراتنا يجب أن تكون مرتبطة جيداً بأرض الواقع. والولايات المتحدة دولة ذات سيادة، وهي من أقوى وأهم الدول في العالم. عندما نطلب منها احترام سيادتنا، يجب أن نحترم سيادتها. وللولايات المتحدة مصالحها الحيوية في المنطقة كلها. وتجاهُل ذلك له ثمن.
  • تعتمد إسرائيل على الولايات المتحدة في مجالات كثيرة. وأميركا تقف إلى جانبنا، من خلال جسر جوي لم نشهد مثيلاً له منذ سنة 1973. ودفعت 14 مليار دولار من أجل السلاح وقطع الغيار لمنظومات سلاح أميركية نستخدمها في القتال. وهي التي تردع حزب الله، حالياً، وتمنع توسُّع نطاق الحرب، وهي التي نشرت فوق إسرائيل شبكة أمان في مجلس الأمن، وتدافع عن إحالة زعماء إسرائيل على محكمة العدل الدولية في لاهاي. وهي التي تضع أمام إسرائيل صورة معقدة تتطلب تنسيقاً وتعاوناً في مواجهة أعداء مشتركين.  تجاهُل الاقتراح المذكور أعلاه، والمصمَّم جيداً كي يلائم حاجاتنا، هو عدم مسؤولية تاريخية.

 

*حائط مسدود؟*

المخطط المذكور أعلاه، الذي امتنعت إسرائيل من انتهاجه فوراً بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، يبتعد عنا بإرادة إسرائيلية، لثلاثة أسباب:

  1. نتنياهو غير قادر على العمل في هذا الاتجاه، ما دام يخضع لابتزاز بن غفير وسموتريتش، اللذَين لا توجد حكومة من دونهما.
  2.  لا ينوي نتنياهو العمل في هذا الاتجاه لأن خطوطه العريضة تسمح بإنهاء هذه المرحلة من القتال خلال شهر، وبالتالي مواجهة الجمهور الذي يريد محاسبته…
  3.  في إطار المخطط، يتعين على الزعماء العرب العمل فوراً في البداية. وهم الذين يجب أن يتخذوا قرارات بناء القوة وكبح التظاهرات في الشوارع ضدهم. وهم الذين عليهم العمل والتنسيق مع الولايات المتحدة من أجل استئناف العملية السياسية، عندما يحين الآوان، في اتجاه “حل الدولتين”. بالنسبة إلى نتنياهو، حتى لو وعد بشيء من هذا القبيل، ما من أحد في البيت الأبيض أو في العالم يصدقه.

 

*ما هو الحل؟*

  • الخلاصة المؤلمة هي أن المخطط المعقول والوحيد الذي يلبّي المصلحة الإسرائيلية والأميركية والإقليمية لـ”محور الدول المعتدلة”، لا يمكن أن يتحقق، ما دام نتنياهو رئيساً لحكومة إسرائيل وبن غفير وسموتريتش وزيرَين.
  • … استمرار حُكم هذه الحكومة سيؤدي إلى ضياع الفرصة في انتهاج المخطط الممكن والجيد، وسنكون أمام أمرَين: “نزول مُهين عن الشجرة”، من دون تحقيق أهداف الحرب في غزة، مع خطر كبير لاندلاع الحرب في الشمال، واحتكاك خطِر بالولايات المتحدة، مع تحميل مسؤولية الوضع المهين للجيش والعناصر الأمنية من جهة، ولبايدن من جهة ثانية. أو مخاطرة مجنونة من خلال جرّ الولايات المتحدة، رغماً عن إرادتها، إلى مواجهة إقليمية مع إيران…
  • لا يمكن لمن يتحمل المسؤولية الأساسية عمّا جرى لنا في السابع من أكتوبر، أن يكون هو الذي سينقذنا منها. حان الوقت للذهاب إلى انتخابات جديدة، وحده الشعب سيقرر مَن سيختار، ولمن يسلّم عجلة القيادة، وما هو المسار الذي يجب أن تسير فيه الحرب من أجل تحقيق أهدافها، وإعادة الاستقرار والأمن الذاتي والثقة بالقيادة. الطريق إلى ذلك ليست قصيرة، وغير سهلة.

الجيش الإسرائيلي قلِق- من دون تحرُّك سياسي، ستتآكل الإنجازات. التقديرات تشير إلى أنه سيكون من الصعب جذب السنوار إلى صفقة

المصدر : قناة N12
المؤلف : نير دفوري / أوهاد حمو
  • هذا هو اليوم الخامس والثمانين من الحرب، والجيش منزعج لأن دوائر صُنع القرار لم تقُم بعد، بتعريف أهداف استمرار القتال. وبحسب مصادر عسكرية، فإن الإنجازات الميدانية ستتآكل بمرور الزمن، من دون وجود تحرُّك سياسي. يجب ترسيم أهداف جديدة للحرب، وهذا ليس مقصوراً فحسب، على “اليوم التالي” فيما يتعلق بغزة والتصعيد على الحدود الشمالية.
  • لقد تحققت، عسكرياً، حتى الآن، إنجازات حقيقية: إذ تم القضاء على أغلبية الأنفاق الاستراتيجية في شمال القطاع، كما قُتل 8500 “مخرباً” في غزة منذ بدء الحرب. في هذه المرحلة، تقوم قوات الجيش الإسرائيلي بتركيز جهدها الحربي في خان يونس بطريقة فريدة، فوق الأرض وتحتها، بهدف الوصول إلى قائد “حماس” في غزة، يحيى السنوار، وسائر قادة التنظيم. يمكن الافتراض أن الجيش سيبقى في خان يونس، المعروفة بأنها مركز لحركة “حماس”، إلى أن تتم تصفية قيادة التنظيم في غزة.
  • إلى ذلك، تشير التقديرات في إسرائيل إلى أنه سيكون من الصعب دفع السنوار إلى الموافقة على خطوط عريضة لصفقة إطلاق مخطوفين جديدة، منذ انهيار وقف إطلاق النار. هذه التقديرات تعود، من ضمن أمور أُخرى، إلى أن السنوار يفترض، على ما يبدو، أن إسرائيل ستبدأ بالانسحاب من أراضي القطاع خلال أسابيع قليلة، وهذا ما يدعوه إلى التصلب في مواقفه. بعد أن رفضت “حماس” المقترح المصري، قال مصدر في “حماس” إن جميع الفصائل الفلسطينية تُجري مشاورات بشأن تأليف حكومة وحدة وطنية فلسطينية. وبحسب مصدر عربي، فإن السلطة الفلسطينية رفضت المقترح المصري بشأن إقامة حكومة تكنوقراط، في حين صرّح مصدر فلسطيني لأخبار 12 بأن “حماس هي التي ستصادق على هوية مَن يرثها في غزة، بشرط وجود تسوية إقليمية”.
  • لم يدخل إلى قطاع غزة أي وقود منذ أكثر من أسبوع، بسبب المصاعب التي تواجهها المنظمات الدولية في نقل الوقود داخل القطاع. لا ينظر الجيش الإسرائيلي إلى الأمر على أنه عائق، ويُحتمل أن يحاول إطالة أمد تلك المصاعب على مدار عدة أيام إضافية، في إطار ممارسة الضغط على “حماس”. ومع ذلك، فهناك من يقول إن المساعدات الإنسانية يجب أن تستمر، لأنها تضمن استمرار الموافقة الأميركية على نشاط الجيش في غزة.
  • ونشرت وسائل إعلام فلسطينية أخباراً عن ارتفاع ملموس في الاحتكاك، على مدار اليوم الماضي، بين قوات الجيش وناشطي “حماس” في القطاع، الذين يحاولون ملاحقة القوات الإسرائيلية بالضربات، والوصول إلى مواقع قريبة منها. وفي موازاة ذلك، تحاول “حماس” توثيق كل ما يحدث، وهكذا، فإن كثيراً من مقاطع الفيديو يصدر من القطاع، وتحاول إظهار الخسائر الإسرائيلية، بقدر الإمكان.
  • أما بشأن الأوضاع في جنوب القطاع، فلا تزال صعبة: إذ يعتمد الآلاف من سكان غزة على الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية، بهدف الحصول على غذاء من المصادر الشحيحة الموجودة. إن أغلبية المساعدات، التي مصدرها التبرعات، وصلت إلى القطاع، ثم تم نهبها، أو قامت “حماس” ببيعها. هناك عدد كبير من السكان لا يوجد مكان يعودون إليه في “اليوم التالي للحرب”، إذ إن 70% من مساحة القطاع مدمرة بالكامل.
  • حالياً، تقاتل إسرائيل في أصعب ميدان معارك في العالم. يقوم الجيش الإسرائيلي بتدمير الأنفاق وتحقيق الإنجازات التي مكّنت، حتى اللحظة، من القضاء على نحو ثلث قدرات “حماس”، لكن إسرائيل، بحسب التصور الفلسطيني، لم تحقق بعد أي إنجاز ذي قيمة، في ضوء مقاطع الفيديو التي تنشرها “حماس” بشأن خسائر الجيش الإسرائيلي. من وجهة النظر الفلسطينية، ما دام الجيش الإسرائيلي لم يتمكن من القضاء على القيادة العليا للحركة، والتي تشمل السنوار، ومحمد الضيف، رئيس الذراع العسكرية لـ”حماس”، ونائبه مروان عيسى، وغيرهم، فلن يحقق الجيش الإسرائيلي إنجازات حقيقية.

من دون استراتيجيا، تخوض إسرائيل حرباً متعددة الجبهات، وتأمل بأن تسير الأمور لمصلحتها

المصدر : يسرائيل هيوم
المؤلف : يوآف ليمور
  • مع بداية الأسبوع الـ13 للحرب، تخوض إسرائيل معركة متعددة الجبهات وشديدة التعقيد والتفجر بأيادٍ مكبلة، طوعاً. بدلاً من تسخير كل مواردها من أجل المعركة ووضع أي اعتبار آخر جانباً،  تغرق إسرائيل من جديد  في مستنقع سياسي كان يهدد بإغراقها قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر. والدلائل على ذلك كثيرة، لكن أحدثها وأكثرها إثارةً للغضب، هو تأجيل النقاش  بشأن “اليوم التالي” للحرب في غزة. لأن معنى هذا أن سلامة البلد ومستقبلها أقل أهميةً من سلامة ومستقبل الائتلاف الحكومي.
  • هذا النقاش مهم لثلاثة أسباب. الأول، من المهم أن تبلور إسرائيل مستقبلها بنفسها، وألاّ تنتظر حدوث أمور، أو أن يأتي مَن يقودها في اتجاه لا ترغب فيه. الثاني، لأن هذا النقاش مهم بالنسبة إلى شركائها، وفي طليعتهم الولايات المتحدة، وكذلك هو مهم بالنسبة إلى دول أوروبية، وفي المنطقة، تقدم لنا دعماً مهماً في المعركة. والسبب الثالث، لأن الجيش لا يمكنه خوض معركة من دون أن يوضحوا له إلى أين يجب أن يصل في نهايتها.
  • وهذه كلها أمور بديهية. وفي الواقع، يمكننا أن نستنتج من عدم وجود نقاش كهذا، أن مَن لا يريده لا يفهم شيئاً في الاستراتيجيا، أو لا يهمه ماذا سيجري في إسرائيل في المستقبل. ونظراً إلى أن نتنياهو يفهم في الاستراتيجيا، ومن المعقول أن يكون مستقبلنا مهماً بالنسبة إليه، يمكننا فقط القول إنه أسير بين أيادي المسيانيين المتطرفين الذين يقودون الدولة ومستقبلها نحو طريق خطِر.
  • كعادته، يأمل نتنياهو بأن تسير الأمور لمصلحته في هذه الأثناء. لكن ثمة شك في أن هذا سيحدث هذه المرة  في مواجهة متعددة  الساحات والتهديدات. وفي الواقع، إن هذا لم يغيّر شيئاً. لقد كان يتعين على نتنياهو الرد  بصورة واضحة على  التهديد الوقح من بن غفير وسموتريتش بحل الحكومة في أثناء الحرب، وأن يقول لهما: لا أحد يهدد دولة إسرائيل خلال الحرب. وبالتأكيد ليس وزراؤها. يمكن الحديث عن كل شيء، لكن من الممنوع توجيه مسدس إلى صدغ الدولة، بينما يحاربها أعداؤها.
  • من سوء الحظ أن نتيناهو يخاف من شركائه، ولا يتعامل معهم كما يجب. وهو بذلك يزيد في ابتزازهم له. والأسوأ أنه يُضعف إسرائيل. لا يمكن خوض معركة معقدة ودموية في الجنوب، من دون استراتيجيا واضحة بشأن كل موضوع محتمل: المخطوفون، اللاجئون، المساعدة الإنسانية، أيام القتال والعتاد العسكري، وكذلك مسألة “اليوم التالي للحرب”. لا يمكن خوض معركة بالتوازي في الشمال، من دون استراتيجيا توضح إلى أين نحن ذاهبون من هنا، وما هو الثمن الذي نحن مستعدون لدفعه إلى كل الأطراف- من حزب الله، مروراً بسورية، ووصولاً إلى إيران.
  • في غياب الاستراتيجيا، تتصرف إسرائيل على المستوى العملاني التكتيكي. وسجلت عدداً لا بأس به من الإنجازات في غزة والشمال: الهجوم المنسوب إلى إسرائيل في الأمس، قبل الفجر، على الحدود العراقية- السورية، أحبط عملية تهريب السلاح من إيران إلى حزب الله، وجاء تتمةً لمجموعة من الهجمات التي شُنت في الأيام الأخيرة ضد شحنات السلاح في دمشق. يبدو أنه بعد تعطُّل الخط الجوي، تحاول إيران استخدام الممر البري من جديد. ومع ذلك، لم تنجح إسرائيل في ضرب الحوافز الإيرانية، والضربات المحدودة التي توجهها إلى التنظيمات الدائرة في فلكها محدودة، ولا تغيّر الواقع في الشمال.
  • واستمراراً لجبنها إزاء إجراء نقاش عميق، تتخوف الحكومة من أن تقول الحقيقة للجمهور. مثلاً، هي تخاف من أن تقول له إن الجيش الإسرائيلي لن يبقى في غزة مدة طويلة، وفق الشكل الحالي، وأنه سيغيّر تموضُعه كجزء من استمرار المعركة. أو أن أغلبية سكان الجنوب يستطيعون العودة إلى منازلهم لأن التهديد أصبح ضئيلاً، وأنه حتى في المستقبل المنظور، من المحتمل أن يستمر إطلاق الصواريخ المتقطع، ولا يجب الاستمرار، من أجله، في وقف العمل في جزء كبير من الاقتصاد.
  • وهي لا تجرؤ على أن تقول لهم إنه لا يوجد الآن حل ناجح لوجود حزب الله على السياج الحدودي في الشمال، من دون الدخول في حرب واسعة النطاق، لذا، من المحتمل أن يجري التوصل إلى حل سياسي- مرحلي موقت، وإلى جانبه، سيبقى الجيش بقوات كبيرة على طول الحدود من أجل السماح بعودة سكان الشمال إلى منازلهم. أو أن الوضع الاقتصادي الصعب يفرض علينا تقليصات واسعة النطاق، هدفها منع الانهيار.
  • لقد امتنعت الحكومة من قول كل هذه الأمور. وبدلاً من ذلك، هي تزرع الأوهام وتواصل الانشغال بالسياسة.  الرئيس الأميركي جو بايدن قال هذا الكلام بوضوح لنتنياهو: بينما يدفع بايدن ثمناً باهظاً، داخلياً، بسبب موقفه من إسرائيل في سنة انتخابات، فإن نتنياهو يرفض أن يدفع ثمناً سياسياً هنا في إسرائيل.
  • المشكلة هي أن هذا الكلام يمكن أن يتحول إلى أفعال، وستضطر إسرائيل إلى إطفاء الحرائق، أو تصل إلى نقطة بشروط أقل ملاءمةً لها. وهذا يمكن أن يحدث، تحديداً، في مسألة المخطوفين، فإذا تحقق المخطط الذي يجري الحديث عنه الآن، فستدفع إسرائيل ثمناً أغلى من الثمن التي كانت ستدفعه قبل شهرين، في مقابل إطلاق المخطوفين.
  • ذات مرة، قال هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي السابق، إن إسرائيل ليس لديها سياسة خارجية، بل سياسة داخلية فقط. لقد كان هذا صحيحاً، آنذاك، وللأسف الشديد، لا يزال صحيحاً اليوم أيضاً، لا بل تضاعف. إسرائيل غير منشغلة فقط بسياسة صغيرة، بل ليس لديها استراتيجيا،  لديها فقط تكتيك، ولقاء هذا، هي ستدفع ثمناً باهظاً.