الجرحُ الذي صارَ منارة
هذا الرجل ليس مجرد مؤبنٍ يجيد صياغة الكلمات، بل هو “صاحب الدار” في كل بيت عزاء. حين ينعي شهيداً، هو لا يتحدث عن “غريب”، بل يرى في وجه كل شابٍ يرحل ملامح ابنه الشهيد. صوته الذي يصدح في الميادين ليس صوتاً عابراً، بل هو صدى دماء ابنه التي أعطته الشرعية ليتحدث باسم كل قطرة دمٍ سقطت على هذه الأرض.
صلابةُ الواثق.. وحرقةُ الأب
في وقفته سرٌّ عظيم؛ هو يجمع بين “صلابة القائد” الذي يشد أزر عوائل الشهداء، وبين “رقة الأب” الذي يعرف تماماً ماذا يعني أن ينكسر ظهر الرجل بفقد ولده.
يتحدث بقوة: لأنه يعلم أن الشهادة اصطفاء، وأن الدم هو ثمن العزة.
يتحدث بوجدان: لأن الكلمة تخرج من “محروق” جرّب لوعة الانتظار ومرارة الوداع.
”إنه لا ينعي الشهداء بلسانه، بل يقرأ بدموعه سيرة الوفاء التي بدأها ببيته، ويُكملها اليوم في بيوت الناس.”
الأمانة العظمى
عندما يقف “أبو الشهيد” لينعي شهيداً آخر، فإنه يرسل رسالةً خفية لكل الحاضرين: “أنا منكم، وجعي وجعكم، وابني هو رفيق ابنكم في جنان الخلد”. هو لا يبيع الكلام، بل يوزع “الإيمان” في لحظات الانكسار. يتحدث باسم دماء ابنه ليؤكد أن القافلة مستمرة، وأن الوالد الذي قدم فلذة كبده، هو الأحق بأن يقود مسيرة الوفاء لكل الشهداء.
إنه الرجل الذي جعل من حزنه الشخصي “مظلة” يستظل بها المتعبون، ومن صوته “نشيداً” للثبات، ليبقى هو الناعي الذي لا يكل، والأب الذي يرى في كل شهيدٍ ابناً له، وفي كل جنازةٍ عهداً جديداً على الوفاء.

الواقع برس اخبار محلية وعالمية