في 3333 كلمة نقف في هذا المقال عند وقائع و حقائق ما يجري و سيجري عالميا . و لفهم حقيقي اعمق ، سنعمد الى عرض تحليلي و مقارنة بسيطة لمضامين أبرز الاستراتيجيات الاميركية ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 25 ديسمبر 1991 و انتهاء الحرب الباردة ، ما يوضح اختلاف استراتيجيات ترمب ( 2017 – 2019 – 2025 ) عن سابقاتها و لاحقاتها مع التوقف عند تلك التي شكلت تغييرا بارزا في السياق ما بين مرحلة و اخرى من 1992 و حتى 2025 .
و لكي نكون أكثر واقعية و قربا من الأحداث العالمية و الأولويات الأميركية الأساس في هذه المراحل تجاه القضابا الدولية ، سنعمد الى تقريب المسافة الزمنية بين الاستراتيجيات توخيا للدقة عبر تقسيم الحقبات التاريخية السياسية الى مراحل بحسب الموضوع الابرز و الااهدف الاستراتيجية التي تجمع بين الاستراتيجيات وفق تسلسل الاسترجاع التاريخي السياسي من الأحدث الى الأقدم وليس العكس ربطا بحداثة الاحداث و ترابطها المرجلي .
من هنا ، سنعمد الى التوقف عند البارز من المفاهيم و النظرة و المبادئ و الأولويات التي بنيت عليها الاستراتيجيات و سنترك للمقال الثالث حيز المقارنة بالاهداف و الاولويات . سوف نعتمد في تقسيم الحقبات على التغيّرات الكبرى التي طبعت السياسة الاميركية التي تقود العالم منذ 1992 لنتخذها عناوين لتلك الحقبات و الاحداث العالمية التي اشعلتها اميركا بناء على رؤية و نظرة و تخطيط و مجريات النظام العالمي :
أولاً : حقبة “أميركا أولا” … ضمٌ بعد الانفلاش الجيوسياسي ( 2017 – 2026 )
لعل أصدق تعبير واقعي لوصف هذه الحقبة هو “البلطجة الاميركية العالمية لنهب الثروات و الامن الاقتصادي ، و لتنفيذ مشروع شرق أوسط جديد ما بعد تغيير الانظمة و الحكام ” و في ذلك خمس استراتيجيات ، ثلاثٌ منها جمهورية ترمبية و ثلاثٌ ديمقراطية تولاها بايدن . وقد بدأت هذه البلطجة التي شكلت تغييرا فاجأ الكثيرين ، بولاية الرئيس دونالد ترمب الاولى لكن ترنحت في عهد الرئيس جو بايدن من دون ان تتراجع او تتبدل و من ثم انطلقت بدفع اقوى و دعم هز استقرار العالم مع ترمب بنسخته الجديدة 2025 .
استراتيجية الامن القومي الاميركي مرحلة 2017- 2019 ( ادارة ترمب – الجمهورية ) :
ليس من السهل على القارئ العادي ، التمييز بين وثيقة الامن القومي الاميركي 2019 أو حتى وثيقة 2017 ، و وثيقة 5 ديسمبر 2025 ، لأن الأمر يحتاج الى قراءة متأنية و عميقة نتيجة التشابه الكبير في المبادئ و الأهداف و الأولويات مع بعض الاضافات المحدثة .
فقد شكلت وثيقة 2025 نسخة مطوّرة عن 2019 بحسب المتغيرات و الحاجات و المصالح القومية الاميركية . فكانت البداية من التركيز على مجموعة قواعد سلوك و مفاهيم و مبادئ مختلفة عن ما سبقها ، سنسلط الضوء على ابرزها :
مبدأ “أمريكا أولاً ” – مبدأ مونرو 1823– و هو مبدأ اساس ، قد أقحمه ترمب في كل عنوان و تفصيل من وثيقة 2025 .
“السلام بالقوة ” لانها المطوّع و الرادع الوحيد بحسب ترمب .
التحول من التحالفات الجماعية الى الثنائية بعد إعادة تقييم التحالفات حسب المصلحة و الحاجة ،
ربط الأمن القومي بالاقتصاد و التكنولوجيا ( الامن الاقتصادي ) ،
ضمان الهيمنة في الطاقة و حماية سلاسل التوريد .
تقليل الاعتماد على الخصوم في التكنولوجيا الحساسة.
استخدام القوة العسكرية والاقتصادية لردع الخصوم عبر الحصار و الضغوط
تجنب “الحروب الأبدية” عبر التعامل الواقعي العملي مع المناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا ، في ظل التركيز على المنافسة مع الصين وتحدي النفوذ الروسي.
حاول ترمب تطبيق ما امكن خلال ادارته الاولى من ما خطط له ، من التحول الكبير في السياسة الخارجية و الداخلية فقام بالعديد من المفاجآت و كسر الكثير من المحرمات التي جرت العادة عليها في الادارات السابقة . و من ابرز المبادئ التي ركز عليها هو “السلام من خلال القوة ” . المقصود هو القوة على اختلاف اشكالها لردع التهديدات و تحقيق السلام ، مع الاستعداد للانسحاب من الالتزامات غير المجدية..
استراتيجية الأمن القومي الاميركي لعام 2023 (ادارة بايدن الديمقراطية ) :
رغم تبدل الادارة و تبدل الحزب الحاكم من جمهوري الى ديمقراطي ، جاءت وثيقة الامن القومي الاميركي 2023 مشابهة الى حد كبير لاستراتيجية ترمب 2019 و 2017 لجهة المبادئ ، الاهداف و الاولويات ، إلا ان تنفيذها كان بطيئا و مترنحا . فهي ركزت على مبادئ اساسية مشتركة : “اميركا اولا ” – القوة العسكرية والاقتصادية لتحقيق السلام – الاقتصاد اولا – إعادة التوازن العالمي (الاقتصادي و التجاري لصالح اميركا ) – وضع نصف الكرة الغربي كأولوية قصوى للسيطرة ، و كذلك مبدأ الواقعية المرنة للوصول الى الاهداف و انجاز الاولويات .
استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2022 ( إدارة بايدن الديمقراطية) :
ركزت على ما تقدم من مرتكزات ، لكن كانت قد تجاوزتهم بالتركيز على المواجهة مع تحديين كبيرين الاول متمثل بمن وصفهم بالقوى الاستبدادية ، الصين وروسيا . أما الثاني فهو التحديات العابرة للحدود مثل تغير المناخ و البيئة.
وقد كانت في مبادئها و أولوياتها كلاسيكية جدا و لم تحوِ أي جديد بارز يذكر انما استمرار لمتابعة القضايا الاساسية السنوية كما سبقها و تطوير دعمها لجهة حشد التحالفات الدولية لتوفير اكبر نفوذ.
خلاصة القول : إن وثيقة الامن القومي الاميركي 2022 ، بحسب تقديرات مراكز دراسات استراتيجية متخصصة في واشنطن و لندن و مصر ، كانت اقرب ما يكون الى إعلان سياسي و خطاب منها الى وثيقة استراتيجية شاملة للامن القومي مع كامل مستلزماتها ، وتعكس مواقف واشنطن تجاه الاتجاهات العالمية اذ انها لم تستكمل بالاستراتيجيات الجزئية التنفيذية و الخطط الكفيلة بتحقيق الاهداف .
ثانيا : حقبة ( 2009 – 2016 )… تغيير الانظمة بالثورات الملونة و الحرب الناعمة و نشر الارهاب
تصدر المشهد في هذه الحقبة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما و ادارته منذ بداية 2009 و حتى نهاية 2016 ، وقد طبعت هذه الحقبة بطابع تغيير الانظمة و الانقلابات و الفوضى من الشرق الاوسط الى شمال افريقيا و التدخل الصارخ بشؤون الدول انما وفق رؤية الاحتواء و الحرب الناعمة اقتصاديا و اعلاميا و أمنيا لتحقيق الاهداف وفق قاعدة “العصا و الجزرة ” .
وقد ركزت بشكل لافت على القوة الدبلوماسية والاقتصادية في معالجة القضايا و الابتعاد عن القوة العسكرية المفرطة و التدخلات الكبرى في الدول . و أكدت على بناء التحالفات الكبرى بدلا من الثنائية لتتخذ المواجهة صفة العالمية ، و مبدأ استيعاب و احتواء التهديد لقمعه و لجمه بدلا من التجييش ضده و مهاجمته بالجيوش الجرّارة . و قد كان البارز هو التغيير في الوسائل والأدوات التنفيذية للاستراتيجيات وشكلها و ليس في الاهداف و الأولويات فكان ابرز تجليّات الهجوم لتغيير الانظمة بواسطة المد الكفيري التدميري الأميركي في سوريا و العراق و تأثر بها لبنان ، حيث شهدت المنطقة حروبا طاامتدت ثمن حرب طاحنة التكفيريون ( داعش و النصرة و اخوتهما ) مدعومون من اميركا و معها 80 دولة ضد 3 دول و 3 شعوب هم سوريا ، العراق و لبنان .
ثالثا : حقبة ( 2000 – 2008 ) … الحرب على “الارهاب” و الشرق الاوسط الجديد بنسخة معدلة
عنوانها و مبدءُها الاساس هو الحرب الاستباقية و الحرب الوقائية . وقد بدأ التحضير لها أواخر ولاية الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون لقيادة أميركية أحادية قررت تجاوز السقوف عن سياساتها السابقة و ارساء واقع لنظام عالمي جديد تحت عنوان ” أنا أو لا أحد ” لتحقيق الاهداف و الاولويات الكبرى . فاصطنعت الادارة الاميركية ما سمي ب “الارهاب الاسلامي ” طالبان و خطرهم الذي سيطال كل شعوب الكوكب لاحتلال افغانستان و من بعده العراق بذريعة الدكتاتورية و خطر اسلحة الدمار الشامل و مشروع الشرق الاوسط الاسرائيلي الجديد .
سنتوقف عند ابرز استراتيجيات هذه المرحلة كالتالي :
أ – استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في عام 2000 (استراتيجية كلينتون)
لقد شكلت هذه الاستراتيجية اختلافا واضحا عن سابقاتها منذ انتهاء الحرب الباردة . فرؤية اميركا لحكم العالم وقيادته كانت قد تبلورت وفق نظام عالمي جديد صاغته هي و بعض الحلفاء الغربيين . فركزت على تعزيز الازدهار الأمريكي من خلال القيادة الاقتصادية الاميركية العالمية ، وبناء نظام عالمي جديد يكرس أحادية القطب الاميركي ، مواجهة تهديدات اسلحة الدمار الشامل و انتشارها . و الاهم من ذلك كله هو بَدأ استخدام و تطبيق مبدأ الحرب الاستباقية لأول مرة في الاستراتيجية الاميركية و الذي كرسه بقوة ، الرئيس الاميركي الجمهوري جورج دبليو بوش في ولايتيه ، مع اختلاق تهديدات كبرى غير موجودة و سيناريوهات لشن حروب الاحتلال الجيوسياسي و نهب الثروات لكل من يختلف مع امريكا . و هنا كان التحضير للحرب على افغانستان عام 2001 تحت عنوان مكافحة الارهاب العابر للحدود و الحرب على العراق و احتلاله عام 2003 .
ب – استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2001 -2002 .. الحرب على ” الارهاب” ( بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 )،
بدأ العمل بها فعليا اواخر 2001 عند شن الحرب على افغانستان ، قبل صياغتها و اصدارها رسميا في 2002 . وقد شكلت نقطة تحول و تغييرا جذريا عن الاستراتيجيات السابقة ، لجهة الرؤية و النهج والاولويات و المبادئ . فاعتمدت فعليا التحول نحو مبدأ “الحرب الوقائية ” ضد “الإرهاب” بمفهومه “الاميركي” ، مؤكدة حق أمريكا في استخدام القوة الوقائية لاستباق منع ظهور تهديدات خطيرة، حتى قبل وقوع هجوم وشيك .
كما انها ركزت كثيرا على مبدأ و أولوية نشر الديمقراطية الاميركية وقواعد القيم و السلوك وفق المنطوق الاميركي و تعريفاته . بالاضافة الى تعزيز الاقتصاد و الازدهار و التفوق الاميركي . فحاكت سيناريو أحداث 11 سبتمبر و هجوم برجي التجارة و البيت الابيض لتشن حربا واسعة على ما أسمته الارهاب العابر للحدود لتحقيق المصالح و جني الفوائد و الثروات فكانت الحرب على افغانستان و احتلالها لنهب المعادن و الطاقة و لمحاصرة ايران و روسيا .
ج – استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2003
اتسمت استراتيجية 2003 ” بالتركيز على تحديات ما بعد 11 سبتمبر . فكرست مبدأ الحرب الاستباقية ” و نشر الديمقراطية و الحرية كأداة لتحقيق الاستقرار العالمي، و مواجهة “الإرهاب” . و قد كان الهدف التكتيكي الاول و الاولوية الاولى هي احتلال العراق تحت عنوان “التأكيد على حق الشعب العراقي في تقرير مصيره ” بعد اقتلاع النظام البعثي و تدمير اسلحة الدمار الشامل التي تبين لاحقا ، كذب هذا الادعاء و فبركة السيناريو استنادا الى تقرير بعثة الامم المتحدة و فريق المفتشين الدوليين .
و قد جاء الالتزام بالعراق لجهة تعهد البقاء فيه وبناء نظام جديد وفق المعايير الاميركية . و لعل اهم اهداف هذه الوثيقة كان التحول من مبدأ “احتواء التهديدات” إلى مبدأ “تغيير الأنظمة” ، و على وجه الخصوص في الشرق الأوسط والدول المحيطة بروسيا الاتحادية لاستكمال محاصرتها سياسيا و اقتصاديا و امنيا .
و هذا ما حصل في جورجيا في نوفمبر 2003 عن طريق تغيير النظام عبر ما سمي بثورة الورود او الثورة الملوّنة عبر انقلاب سياسي و أمني كبير حينها أطاح بالرئيس الشرعي المنتخب إدوارد شيفرنادزه المدعوم من موسكو و تركيب نظام جديد موالي للغرب على رأسه ميخائيل ساكا شفيلي وفق معاييره الجديدة .
و قد تميزت هذه الوثيقة عن كل الوثائق الاخرى ما قبلها و ما بعدها بارتباطها الوثيق بثلاث وثائق اساسية اخرى هي :
الاستراتيجية الوطنية للنصر في العراق (National Strategy for Victory in Iraq) : وهي وثيقة توضح خطة الحرب في العراق والتحول الديمقراطي.
تقرير الأممية التقدمية (Progressive Internationalism) : هي بمثاية استراتيجية أمن قومي ثانية صاغها الديمقراطيون كرَدٍ على استراتيجية دبليو بوش معتمدة على الدبلوماسية والتحالفات الدولية.
خارطة طريق عمليات المعلومات (Information Operations Roadmap) : وثيقة وزارة الدفاع الاميركية التي تفصّل جهود الحرب المعلوماتية ( PSYOPs، الحرب الإلكترونية، ..).
د – إستراتيجيات الامن القومي الأميركي ( 2004 -2008 )
سارت على نفس مبادئ و اولويات استراتيجيات 1999 – 2003 مع بروز كبير لأولوية إرساء دعائم “مشروع شرق اوسط جديد ” وفق الرؤية الاميركية – الاسرائيلية ، بعد ان تمت محاصرة ايران عبر احتلال افغانستان و العراق و الاحتلال المقنّع لدول الخليج عن طريق القواعد العسكرية الكبرى و بعد ان ضمتها الى التحالف الدولي لمحاربة الارهاب بالاضافة الى عدد من الدول العربية .
و لتنفيذ هذا المشروع كان لا بد من القضاء على حركات المقاومة و المعارضين للسياسة الاميركية و لاسرائيل” في المنطقة ، فجاءت حرب تموز 2006 على لبنان ضمن هذا السياق و ضغوط كبرى لاحداث فتنة داخلية تعم الفوضى فتستنجد السلطة بالخارج و تتم السيطرة على لبنان و تكسر المقاومة . تلى حرب على غزة ، لكن الحربين و كل الضغوط و التهديدات و الحصار فشلت في تحقيق المشروع . هذا بالاضافة الى التوقف عند أولوية مواجهة سريعة و حاسمة لكل ما أسمته اميركا ” تهديدا للامن القومي العالمي و الاميركي ” .
و من أبرز ما ركزت عليه من مفاهيم استراتيجية هو : توسيع مفهوم الأمن ليشمل المنظمات الإجرامية العابرة للحدود و التهديدات غير المتماثلة و الأمن السيبراني و تحديات الطاقة والمناخ . أما المفهوم الامني الثاني فتمثل ب بناء “بحيرة استراتيجية للمعلومات” ، حيث دعت إلى انشاء هياكل استخباراتية متكاملة لجمع وتحليل المعلومات لمواجهة التهديدات غير المتوقعة.
و من اهم المبادئ التي تم اعتمادها نصا و تطبيقها أرضاً هو “استخدام القوة الشاملة” لجميع أدوات القوة الأمريكية (الدبلوماسية، الاقتصادية، الاستخباراتية، العسكرية) لتحقيق الأهداف الأمنية.
رابعا : مرحلة تشكل نظام عالمي جديد ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي (1992 – 1999)
بدأت هذه المرحلة بالتشكل متأثرة بما فرضه الحدث الأبرز في تاريخ العلاقات الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية ، المتمثل بانهيار الاتحاد السوفياتي على يد بوريس يلتسن في ديسمبر 1991 ، و معه أُعلن انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي الاشتراكي و الغربي الرأسمالي . وبذلك خلى الملعب لأميركا العظمى لإطلاق العنان لشهيتها المفتوحة لاستباحة العالم ، تحت عناوين و مسميات تقتضيها المراحل و المصالح الاميركية . و بذلك بدأت ملامح نظام عالمي جديد بالتبلور و التطور سياسيا ، اقتصاديا ، عسكريا ، فكريا وثقافيا لصالح الولايات المتحدة و الدول الغربية الاستعمارية .
أ- استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 1992 :
لم ينشر وثيقة استراتيجية أمن قومي غير سرية في عام 1992 ، وهو أمر نادر الحدوث ، الا ان الاسباب ربما تعود الى التحول العالمي الكبير الذي قلب موازين القوى و المفاهيم و سيطر على مجريات الاحداث ، و هو المتمثل ب انهيار الاتحاد السوفياتي إيذانا بانتهاء الحرب الباردة مرجحا كفة الولايات المتحدة فاسحا المجال لها لتقود العالم و المجتمع الدولي بأحادية قطبية . امام هكذا مشهد من عدم الوضوح لجهة التداعيات و الانعكاسات ، يبدو من الصعب صياغة رؤية و اهداف و اولويات واضحة و محددة . لكن السياسة الاميركية لم تتوقف فاستمرت في التطور تماشيا مع المستجدات و انعكاساتها ، و كان ذلك من خلال وثائق سياسية أخرى وخطابات رئاسية و تصريحات لمستشار الامن القومي و وزير الدفاع .
وقد شكلت سياسات 1992 مرحلة انتقالية ، و أبرز ما ارتكزت عليه من مبادئ :
الواقعية المرنة في التعامل مع التهديدات المتغيّرة .
وحدانية القيادة العالمية و التطلع لنظالم عالمي جديد من دون الاشتراكية العالمية بقيادة أميركية بعد أن تلاشت الثنائية القطبية و انهار ميزان القوى لصالح اميركا
بناء نظام دولي أكثر تعاونًا وأمانًا
تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية و الاقتصادية على تلك العسكرية المكلفة .
ب – استراتيجيات 1993 – 1996 ( ادارة كلينتون الديمقراطي ):
سارت على نفس سلوك و مبادئ و توجيهات الجمهوريين السابقة ، انما بفاعلية أكبر نحو عالم جديد بتوازنات مغايرة تماما و تحولات في الإقليم العربي عُدت من المحرمات لفترة طويلة و كلفت عشرات آلاف الشهداء و الجرحى و الدمار في دول عربية محيطة بالكيان الاسرائيلي . فبدأت تجليات مشروع الشرق الاوسط الجديد تأخذ حيزا بارزا لجهة اتفاقيات ما سمي بالسلام الفلسطيني-الاسرائيلي عبر اتفاق أوسلو 1993 عرفات – رابين ، بين السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات و الكيان الإسرائيلي بقيادة اسحاق رابين و برعاية خاصة من الرئيس الاميركي بيل كلينتون .
تبع ذلك اتفاق “وادي عربة” للسلام بين الاردن و الكيان عام 1995 . ثم أتى الدور على لبنان لتطويعه تحت ضغوط و اغراءات مالية اقتصادية أو تركيعه بالقوة العسكرية . فكانت حرب عناقيد الغضب عام 1996 على لبنان و المجازر المتنقلة و كانت أبرزها مجزرة قانا في 18 نيسان 1996 وقد تصدت فيها المقاومة للعدوان بقوة و حكمة ، فأفشلت اهدافه و خرج لبنان منها منتصرا و مُرسيا لأول اتفاق عربي و اسلامي رادع لعدوانية الكيان و هو ما عرف ب ” اتفاق نيسان 1996 ” لتكبيل يد العدو الاسرائيلي من ان تطال المدنيين بعدوانيتها فتم تحييدهم من الاعمال الحربية و تلك المضرّة . وبذلك ترنح و تكسر مشروع الشرق الاوسط الجديد على صخرة جنوب لبنان الى حين و تعاظمت المقاومة الفلسطينية ضد العدو.
بعد مرور خمس سنوات على الواقع الدولي الجديد ، كانت قد تبلورت رؤية اميركية لقيادة العالم فجاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي أواخر العام 1996 (إدارة كلينتون الثانية) مرتكزة على دراسات و معلومات و استشراف مستقبلي ، بما يحقق مصالحها لتمثل معتَمَدا لما بعدها من استراتيجيات و سياسات و أهداف . و التي يمكن وصفها بالتالي:
أعادت تعريف دور الولايات المتحدة في عالم أحادي القطب ولكنه يواجه تهديدات جديدة غير تقليدية و شكلت مرتكزا لواقع جديد من العلاقات الدولية .
رسمت ملامح مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ..فكانت استراتيجية “عالمية” و”شاملة” تركز على التحديات الجديدة التي فرضها عالم ما بعد الحرب الباردة،
أكدت على ضرورة القيادة الأمريكية في عالم متغير تتلاشى فيه الحدود بين السياسة الداخلية والخارجية ، مع الاعتماد على المبادئ الأساسية التالية :
الاستجابة المتكاملة لمواجهة التحديات عابرة للحدود بين الداخل و الخارج لمواجهة الإرهاب ، وتغير المناخ، والهجرة.
تكامل السياسات عبر دمج السياسات الاقتصادية والأمنية و السياسية . وحدانية القيادة الأمريكية . الاستجابة المتنوعة بغية الحفاظ على قدرات عسكرية وتكنولوجية و دبلوماسية و إقتصادية متفوقة استجابة للتحديات .
ج – استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 1997 ( ادارة كلينتون الثانية ):
أكدت على ما أتت به وثيقة 1996 ، مع فارق انها أعطت العولمة على اختلاف أوجهها حيزا مهما ، محاولة التوفيق بين فوائد العولمة و حماية الاستقرار العالمي من القوى المزعزعة له، مع الارتكاز على ثلاثة مبادئ اساسية : القيادة الاميركية للعالم … القوة المتكاملة و مبدأ ” الانخراط و التوسع” ( Engagement and Enlargement) في العالم حيث لم تعد التهديدات مقتصرة على الدول القومية مع تنامي دور الجماعات و المنظمات عابرة للحدود .
د – استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 1999، ( ادارة كلينتون الثانية )
ادارة كلينتون ، ركزت على متغيرات عالم ما بعد الحرب الباردة ، وحدانية القيادة الأمريكية للعالم وفق مفهوم الأمن الشامل لعوامل سياسية واقتصادية وبيئية لمواجهة التحديات العالمية . و قد أكدت على مبادئ تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان ، والتعاون الدولي ، واستخدام القوة لأجل السلام من خلال العسكريتاريا والاقتصاد و التكنولوجيا و ردع التهديدات ، مع ربط الأمن بالاقتصاد والتكنولوجيا. و كذلك التركيز البارز على مواجهة التحديات الجديدة مثل “مكافحة الإرهاب” والانتشار النووي وحماية سلاسل التوريد حول العالم .
خلاصة … الثابت و المتغير في الاستراتيجية الاميركية على مدى 34 عاما :
ان وثيقة 2025 و النسخة التي سبقتها 2019 و كذلك تلك التي صدرت عام 2017 ، تعبر عن تفكير عميق و تخطيط و دراسة للخيارات و التداعيات ، و ليست مجرد اعلان سياسي لادارة اميركية تحكم و تتصرف وفق رغبات و تطلعات . انما هي تعبير عن ماذا تريد الدولة الأميركية العميقة بأجهزتها و شخصياتها و مؤسساتها . و من الخطأ بمكان ، قراءتها على انها تعبير عن هوس و جنون ترمب المتهور و عن ما يدور في مخيلته من افكار حماسية و فوضوية تهز العالم .
هي خطة عمل مدروسة و قد وضع لتنفيذها خطط عسكرية و امنية و اقتصادية و سياسية . و ما جرى و يجري و سيجري خلال هذا العقد سيكون وفق هذه الرؤية و تحديثاتها المتلاحقة ، الا اذا حدث ما لم يكن بالحسبان و قلب الموازين .
كما نستخلص من تحليل الاستراتيجيات السابقة ، انها لا تتأثر كثيرا بمن بحكم في سدة الرئاسة و انتمائه الحزبي ، انما يأتي تأثرها الاساس بالمصالح الحقيقية للدولة العميقة ،التي تحكم فعليا أميركا ، و بمستقبلها . فمثلا سياسات التسلط و التسيّد على العالم و وحدانية القيادة الاميركية ، أسَّسَ لها بوش الاب الجمهوري المتطرف ( 1989 -1992 ) ، و نفذه وبلوره وطوّره كلينتون الديمقراطي على مدار ولايتين ( 1993 -2000 ) . و تابع المسيرة بنفس الاتجاه انما بجلاء أوضح و خشونة جورج دبليو بوش الجمهوري . و كذلك مبدأ الحرب الاستباقية مثلا أقره كلينتون عام 1999 و روج له عام 2000 ، في حين نفذه بقوة جورج دبليو بوش ضد افغانستان و العراق و غيرهما .و كذلك الخديعة الكبرى و شمّاعة اسلحة الدمار الشامل و الحرب على الارهاب .
أما مفهوم “نشر الديمقراطية و الفوضى الخلاقة لتغيير الانظمة” بدأه كلينتون بوسائل دبلوماسية اقتصادية مع تهديد بالقوة فكان بداية مشروع الشرق الاوسط الجديد عام 1993 في أوسلو تبعه وداي عربة . ثم ترنح ، ليعاد إحياؤه مع جورج دبليو بوش 2001 – 2008 بوسائل خشنة عسكرية و غير عسكرية ثم حمله أوباما بين يديه ليطبقه بوسائل الحرب الناعمة ( دبلوماسية – ثقافية – اقتصادية – اجتماعية – انقلابات ).
القاسم المشترك كان هو المصالح العليا الاميركية على مختلف الصعد : اقتصادية ( معادن – طاقة – سلاسل توريد ) – امنية – أمن اقتصادي – أمن اجتماعي – مكافحة الهجرة – اصطناع الاعداء للسيطرة على الثروات و المناطق الاستراتيجية – تضليل اعلامي – تحالفات – حروب تحت عناوين مختلفة – التفوق الاميركي الشامل .
من هنا ، ان ما يميز وثيقة 2025 هو ابتعادها عن العموميات السياسية الواسعة و قربها من تشكيل خطة عمل متعددة الاوجه لتحقيق المصالح الاميركية القصوى عمليا و بأسرع مدى زمني ممكن . و في هذا السياق يأتي كلام ترمب الذي وصفها بقوله إنها ” خريطة طريق لضمان بقاء الولايات المتحدة أعظم وأنجح دولة في تاريخ البشرية و ليس في العالم فحسب ” . ما يعني انها خطة شاملة و سياسة عامة وضعت وفق رؤية ذات خلفيات و أبعاد و أهداف إستراتيجية كبرى و أخرى صغرى لتخدم الاهداف الكبرى و تعزيزها بعوامل إنجاح و دعم لضمان التنفيذ باستمرارية .
ونختم بقول توماس فريدمان في نيويورك تايمز ، واصفا الوثيقة ” إن ورقة إستراتيجية ترامب للأمن القومي ليست مصادفة ولا عمل بضعة أيديولوجيين ذوي مستوى متدني ، بل إنها “الحجر الرشيد” الذي يفسّر ما يحرك هذه الإدارة حقا في الداخل والخارج ” .
الواقع برس اخبار محلية وعالمية