المعركة الإعلامية جزء من الحـ..ـرب أيضا/جلال علي زيد مسؤول منبر الحـ..رب الناعمة

‏بسم الله الرحمن الرحيم

الجزيرة الخطيرة

للوهلة الأولى قد تظن أن هذه القناة نافذة اخبارية تنقل ما يدور من أحداث على الساحة اللبنانية او الفلسطينية اوغيرها..

بمجرد النظر مجددا مع تركيز أقل سيظهر أن قناة الجزيرة القطرية ليست نافذة لنقل الأخبار ..

بل هي أداة لتشكيل الآراء وصناعة التوجهات والأفكار وإعادة تكوين الصور والمحتوى بما يحقق غاية وجودها وسياستها التي تتلائم وتتناغم مع أهداف العدو .

في الصورة المرفقة تقرؤون خبراً ليس عادياً وليس عابراً قد يقرأه المتلقي كمادة أخبارية لا تؤثر عليه ولا تصنع لديه صورة نمطية عن الكيان الصهيوني !

عقل المشاهد وذهنه يعمل وفق برمجة وآلية مستمرة ومحددة وإن لم تَظهر على الواقع فهو يقوم بالتحليل والاستنتاج وفق المدخلات والوقائع والمصادر التي يتلقاها ويبني على اساس ذلك التصورات والمواقف.

وهذه الصورة واحدة من آلاف المدخلات التي تتشكل في ذهن المتابع والتي تصنع صورة مفادها التالي

١ – الكيان الصهيوني يستهدف أهدافاً عسكرية محددة ويقوم بتحييدها ..

٢ – المقاومون في فلسطين ” فعلا يستخدمون المدنيين” دروعا بشرية ولذلك يقوم العدو بهذه المجازر -وهذا ما يروج له المطبعين طبعا-

٣ – القدرة العالية والدقيقة التي يمتلكها العدو الصهيوني في تحديد الاهداف وقصفها

٤ – الرواية الصهيونية هي رواية صادقة بخصوص الأحداث ولذلك على الجميع تصديقها خصوصا بعد هذا العرض الذي تطرحه الجزيرة ” من نقل الخبر عن جيش العدو وارفاق الدليل على صحته من المقاومة “

٥ – عدم جدوائية المقاومة إذ يملك جيش العدو من القدرة والقوة ما تمكنه من تحييد المقاومين وتصفيتهم ..!!

٦ – اعتبار الذين يسقطون بسلاح الصهاينة في سوريا والعراق ولبنان “ضحايا وقتلى وليسو شهداء” وهذا الفارق يؤكد محاولة الجزيرة تجزئة المعركة وبث الفوارق المناطقية والمذهبية وتثبيت الصراعات بمختلف انواعها السياسية ..

وغيرها من الرسائل الذهنية والسياسية التي تصنعها الجزيرة والتي بدورها تقوم بتشويش الصورة وتعتيم الرؤية عند المتلقي ؛ علماً أنه لا يمكن صناعة مثل هذا المحتوى والرسائل التي يحملها بكل سهولة إذ لا بد من وجود خبراء ومتخصصين ” نفسيين و استخباراتيين ” وضباط في شنّ الحروب الناعمة وصناعة الرأي العام في الشارع العربي والاسلامي المستهدف !

نحن نخوض مع العدو حرب متكاملة الأركان في كل الساحات والجوانب و بمختلف الادوات والأسلحة ولا بد للمقاومين أن يحددوا كلّ ساحة يستهدفنا فيها العدو ويشخصوا كل سلاح وأداة يستهدفنا به ويقومون بتحييدها .

جلال علي زيد *

الجمعة ٨-١٢-٢٠٢٣م

مسؤول منبر الحرب الناعمة- اليمن

 

هرتسل، الصهيونية والدولة اليهودية

تعريف: صدر حديثاً عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية سلسلة “أوراق إسرائيلية” تحت عنوان “هرتسل، الصهيونية والدولة اليهودية”، أعدها وقدّم لها محرّر السلسلة أنطوان شلحت.

هنا مقتطفات من التقديم:

تضم هذه الورقة الإسرائيلية مقالتين مترجمتين تتناولان مسألتين متصلتين من ناحيتي المبنى والمعنى.

المقالة الأولى ليورام حزوني (هرتسل أراد “دولة يهودية” لا “دولة اليهود”) يحاجج كاتبها بأن مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتسل أراد تأسيس “دولة يهودية” لا “دولة يهود” مع كل ما يعنيه المصطلح الأول من دلالات ترتبط أساساً بعلاقة الصهيونية بالديانة اليهودية. وهو يعني بمحاججته، أكثر من أي شيء آخر، تفنيد رأي يتبناه كثيرون ويحاولون من خلاله تفادي وصف إسرائيل بأنها “دولة يهودية”، ويؤثرون استخدام المصطلح الحيادي “دولة اليهود”. ويوحي هذا التفضيل بأن الوصف الأفضل لإسرائيل، كحقيقة، هو أنها دولة يشكل اليهود فيها الأغلبية.

والخلاصة التي يتوصل إليها هي أن الادعاء بأن هرتسل لم يكن يقصد إقامة دولة يهودية، وإنما “دولة يهود” محايدة فقط، بعيد جداً عن أن يكون مسألة أكاديمية عبثية، بل إنه جزء من جهد أيديولوجي متواصل لنزع الشرعية عن فكرة الدولة اليهودية بكونها الفكرة المؤسِّسة لدولة إسرائيل. وهذا لا يعني، بالطبع، أن كل من يحمل هذا الرأي يقبل، بالضرورة، بكل الإسقاطات الأيديولوجية التي ارتبطت به خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذه الفكرة أصبحت مقبولة ورائجة إلى درجة أنه حتى من يرغبون في استمرار وجود إسرائيل كدولة يهودية غدوا يرددونها، وبذا استحالوا شركاء بغير وعي في معركة ترمي إلى اقتلاع الدولة اليهودية، كمثل أسمى، من قلب الأعراف السياسية الإسرائيلية.

ويتابع قوله: ربما كان هذا الترميم للتاريخ الصهيوني يجري بدوافع سليمة وطاهرة، لكنه يخدم في نهاية المطاف هدفاً واحداً فقط: إنه يقدم مساهمة لا يستهان بها للنضال المستمر الرامي إلى زعزعة الإيمان بفكرة الدولة اليهودية بين الجمهور اليهودي في إسرائيل وخارجها. ومن الواضح أن من حق أولئك الراغبين في إحداث مثل هذا التغيير التعبير عن رغباتهم وأفضلياتهم السياسية. ومع ذلك، لا يدع الفحص الصادق لأفكار هرتسل مكاناً لزجّ اسمه في هذا الجهد. فليس فقط أن مؤسس الصهيونية السياسية صاغ، بنفسه، مصطلح “الدولة اليهودية”، وإنما اختاره أيضاً عنواناً لمؤلَّفه المعروف لنا اليوم باسم “دولة اليهود” ووظف السنوات الأخيرة من حياته في نشاط كان يرمي إلى جعله مصطلحاً مقبولاً في مختلف أنحاء العالم. ولم يكن هذا اختياراً لغوياً فحسب، إذ إن هرتسل كان ملتزماً، بصورة حازمة، بإقامة دولة تكون يهودية في جوهرها: ليست دولة ذات أغلبية يهودية ديمغرافية فقط، وإنما يهودية بدستورها أيضاً، بأهدافها وبمؤسساتها، كما في علاقاتها مع الشعب اليهودي ومع الديانة اليهودية. وبالفعل، حين نتمعن في مؤلفات هرتسل ونشاطه السياسي، يتضح أن الدولة اليهودية، كما فهمها ديفيد بن غوريون والتيار المركزي في الحركة الصهيونية، وكما تجسدت في “وثيقة استقلال دولة إسرائيل”، كانت منسجمة بصورة تامة مع رؤية مؤسس الصهيونية.

والأمر الذي لا يقل أهمية هو أن هرتسل كان يرفض صراحة دولة المواطنين التي تحدث عنها جان جاك روسو (ما يطلق عليه اليوم “دولة جميع مواطنيها”)، بادعاء أن الدولة، أي دولة، لا تكتسب الشرعية السياسية والأخلاقية من عقد اجتماعي يُقام بين جميع مواطنيها.

المقالة الثانية لعينات رامون (الصهيونية ليست منفصلة عن اليهودية وإنما منضفرة فيها) تتطرّق هي أيضاً في مستهلها إلى موقف هرتسل من اليهودية، والذي اتسم بمقاربة تنظر بإيجابية إلى تحالف اليهود من شتى الفئات المختلفة، والمستعدة بالتالي لإيجاد تسويات سياسية يهودية داخلية في قضايا الدين والقومية، لكنها في الوقت عينه تؤكد أن هذه المقاربة لم تكن حكراً على هرتسل وحده، بل إنها تميّز الفكر الصهيوني على اختلاف مشاربه وأجياله. ومن أجل سبر غور دلالتها الكاملة، من المهم التوقف عند التناقض الحادّ ما بين هذا الموقف الصهيوني وبين الفكر اليهودي الحديث الذي سبقه، والذي شكل منجماً روحياً لآباء الصهيونية. وقد اصطبغ هذا الفكر، سواء أكان دينياً أو اشتراكياً، بالتعصب الأيديولوجي وبالعداء تجاه المجموعات اليهودية المختلفة عنه. ثم جاءت الصهيونية لتقول إن ما يوحد اليهود العلمانيين والإصلاحيين والحريديم (المتشددون دينياً) من المذاهب الأخرى أكثر بكثير مما يفرقهم، وإن التسويات المؤلمة من أجل الحياة المشتركة ممكنة ومرغوب فيها، بل وحتى ضرورية.

وبرأيها ثمة من قد يرون في هذا مُجرّد حاجة طارئة مؤقتة، سياسية واجتماعية ـ ديمغرافية، يُبتغى منها بالأساس تجنيد الجماهير اليهودية في صفوف الحركة الصهيونية التي كانت حركة جديدة. غير أن دراسة نتاج كثيرين من المفكرين الصهيونيين تبيّن أن ثمة قاعدة فلسفية وجوهرية لهذا التعاون، وأن القيادات العلمانية أقرّت بحقيقة معينة متوطنة في ذلك المعسكر الأرثوذكسي الذي لم تنتم إليه تلك القيادات، بل وجهت إليه نقداً حاداً في بعض الأحيان. وبناء على ذلك فإن قدرة الإنسان على رؤية قيمة المعسكر الذي لا ينتمي إليه هي التي أنتجت “الرؤية القومية” والتي وُصفت لاحقاً بأنها “الرؤية الوحدوية والرسمية”.

وتشير الكاتبة إلى أن السجالات والدراسات العديدة تقرّ بموقف زعماء ومفكرين من المعسكر الديني المتشدّد، وفي مقدمهم الحاخام أبراهام إسحاق هكوهين كوك، في تأييد الشراكة والتعاون في المشروع الصهيوني، بالرغم من أن يهوداً غير ملتزمين بالشعائر الدينية، بل وغير مؤمنين بقدسية التوراة أيضاً، كانوا ضالعين فيه. ولكن لم يحظ إلا بقليل اهتمام الموقف الموازي، الذي صدر عن زعماء الصهيونية العلمانيين ودعا إلى تفضيل الشراكة مع اليهودية الأرثوذكسية على التمسك بوجهة النظر التي اعتبرت أن خلاص اليهود مرهون بإصلاح ديني شامل أو بالتحرّر التام من الدين.

وهي تركز في المقالة على هذا الحسم التاريخي وإسقاطاته، وهو الحسم الذي اعتمده المبشرون بالصهيونية وتبناه زعماؤها في السنوات اللاحقة. ويعتمد ما تورده من ادعاءات هنا على دراسات في مجال القومية والفكر الصهيوني وتشكل ما يمكن وصفه بأنه خلاصة ـ فكرية أكثر منها بحثية ـ لخمس دراسات أجرتها خلال السنوات الأخيرة على الفكر الجدلي الذي أنتجه مفكرون علمانيون، ومتدينون، وليبراليون أو صهيونيون مؤطرون في معسكر العمال (حركة العمل).

إعادة قراءة توجهات هرتسل

وارتباطاً بهاتين المقالتين، وعلى سبيل توسيع الدائرة، يمكن أن نضيف أنه ما عاد مخفيّاً أنه في إطار سعي اليمين الإسرائيلي الجديد وقواه المتنوعة لتكريس هيمنته تتواتر في العقد الأخير الإجراءات الرامية إلى ضبط الثقافة السياسية للمجتمع الإسرائيلي بصفتها ثقافة استيطانية مرتبطة بالدوافع المسيانية، إلى جانب محاولات ترسيخ نظرته الأيديولوجية حيال الصهيونية، وقمع أي مظهر مُناهض أو حتى مغاير لهذه النظرة.

وفي الآونة الأخيرة وفي سياق صرف الجهد في تقصّي انعكاس هذا السعي فيما يرتبط تحديداً بمؤسس الصهيونية ثيودور هرتسل، تراءى أمامي أن الغاية الرئيسة من وراء ذلك تتمثل بالأساس في إعادة قراءة توجهات هرتسل بخصوص عدة مسائل. مهما تكن هذه المسائل يظل في مقدمها ما يرتبط بموضوعات مثل “الشعب اليهودي”، و”أرض إسرائيل”، والديانة اليهودية.

وتصدرت هذا المسعى حركة “إم ترتسو (إذا شئتم)” اليمينية المتطرفة التي قامت بتعميم كتيب عنوانه “هرتسل- ليس كما رووا لنا”، استهلته بالقول: منذ فترة الدراسة الابتدائية، رووا لنا أن هرتسل كان اختلاطياً علمانياً، تنكر للتقاليد اليهودية وتصرف مثل سياسي ذكي ولم يتردد في التخلي عن أرض إسرائيل لصالح أوغندا (أفريقيا). وفي مسلكه هذا، يمثل هرتسل، ظاهرياً، نموذجاً ما بعد صهيوني وما بعد يهودي ينبغي الاقتداء به.

وأضافت: تعود جذور هذه الرواية التي تزوّر مسيرة هرتسل وشخصيته إلى النقد الذي تعرض له خلال حياته. فبالرغم من إنجازاته العظيمة ـ بل بسببها، إلى حد كبير ـ واجه معارضة شديدة خلال حياته، ثم بعد مماته أيضاً. وكان ثمة أربعة تيارات مركزية في “شعب إسرائيل” عارضت طريقه: الصهيونية الروحانية، والصهيونية العملية ـ الاشتراكية، وحركة البوند المعارضة للصهيونية، وغالبية اليهودية الأرثوذكسية. والهجوم الحاد الذي تعرض له من جانب الأوساط الأرثوذكسية والصهيونية العملية ـ الاشتراكية استهدف، بصورة أساسية، المحافظة على هيمنة هذه التيارات بين أوساط مؤيديها. فالتيار الأرثوذكسي (المعسكر الأكبر والأهمّ في المنظمة الصهيونية آنذاك) أراد كبح انجراف اليهود نحو الصهيونية. أما التيار الاشتراكي، فلم يكن يؤمن بالصهيونية السياسية التي طرحها هرتسل، بل بالنشاط الاستيطاني الموضعي الذي كان يمارسه مريدوه.

وتعتقد هذه الحركة أنه في إطار التوجه الحالي المتمثل في تحطيم الأساطير، تبدو معارضة هرتسل اليوم أكثر حنكة وتمرساً وأكثر ابتعاداً عن الحقيقة، حتى من تلك الرواية التي جرى تداولها أيام المدرسة. فالنقاد ما بعد الصهيونيين والمؤرخون الجدد أعدوا “خديعة ثقافية لتشويه صورته”. وهؤلاء نبشوا في مذكراته وانقضوا على أفكار مبكرة كان بعضها مجرد أفكار غير ناضجة تخلى عنها هرتسل لاحقا، حين تبلورت في عقله وقلبه استراتيجية نشاطه الصهيوني الحقيقي. ومن بين تلك الأفكار، انتقى هؤلاء جملاً تبدو إشكالية، عزلوها عن سياقها وشيدوا عليها تفسيرات وتحليلات مغالية ومنزوعة عن الواقع. وكان مقصدهم زعزعة أسس الصهيونية ونزع شرعية فكرة الدولة اليهودية، من خلال تشويه سمعة مؤسسها وصورته. أما الغاية السياسية المحددة فهي تهيئة الأرضية لـ “دولة جميع مواطنيها” التي عارضها هرتسل نفسه، بصورة واضحة وصريحة. وبالرغم من أن بعض النقاد يعارضون الأرثوذكسية، إلا أنهم لا يرتدعون عن التلون والنفاق اللذين ينطوي عليهما النقد الأرثوذكسي القديم، والذي يبهّرونه بأكاذيب جديدة. وفي إطار الرواية الكاذبة، يتم إخفاء الرابطة القوية والعميقة التي كانت تربط هرتسل بالشعب اليهودي، وبأرض إسرائيل، وبالأساس ـ بالموروث اليهودي. على هذا النحو، شوّه نفر قليل من الما بعد صهيونيين، يعتبر نفسه نخبة، صورة هرتسل، في محاولة منه لإثبات صدق روايته ومسلكه. ثم انضمت إلى النقد الما بعد صهيوني، لاحقاً، أوساط من اليهود الحريديم الذين يحاولون، بذلك، زعزعة القاعدة الصهيونية التي قامت عليها دولة إسرائيل. وهؤلاء يهاجمون هرتسل، ضمن أشياء أخرى، بادعاء أنه كان متحفظاً من الدولة اليهودية ومن اليهودية عموماً. وهو ادعاء لا أساس له من الصحة، كما تؤكد.

وأشارت الحركة إلى أنه فيما يتعلق بظاهرة العرض الكاذب والمشوه لشخصية هرتسل، لأهداف سياسية، كتب حتى بيرل كتسنلسون، أحد قادة حركة العمل، في العام 1934 ما يلي: “إننا نصطدم، غير مرة، بمحاولات لتشويه صورة هرتسل، تشويهاً متعمداً أو غير مقصود نابعاً من عدم المعرفة. ثمة مكان للخوف من أن الأجيال المقبلة لن تعرف هرتسل سوى بمثابة اسم، شعار، راية، أو أسطورة جميلة على الأكثر”. ومن المثير للاهتمام أن هرتسل نفسه كان قد توقع هذا المنحى وكتب لنفسه: “تعوّدت على أن يشوّهوا أقوالي بالطريقة الأقل معقولية”.

ولفتت “إم ترتسو” إلى أن عدة دراسات من السنوات الأخيرة عالجت مسألة تشويه صورة هرتسل وذهبت إلى تفنيد هذه الادعاءات الكاذبة تماماً، ثم قامت بعرض صورة مناقضة لها كلياً، من بينها دراسات كل من البروفسور راحيل ألبويم ـ درور (وكتابها “غد الأمس”)، البروفسور شلومو هرماتي (“هرتسل وجابوتنسكي: ضوء جديد على نتاجهما”)، د. إسحاق فايس (“هرتسل: قراءة جديدة”)، البروفسور شلومو أفينيري (“هرتسل”) ود. يورام حزوني (“هل أراد هرتسل دولة يهودية؟”).

وفي أوّل استحصال، يمكن أن نشير إلى أن الخلاصات التي يتوصل إليها أصحاب هذه القراءات المستجدّة تتطلع لأن تثبت أن إخلاص هرتسل لـ”الشعب اليهودي” تجسّد في شعور الإلحاحية الذي دفعه إلى العمل من أجل إنقاذ اليهود إزاء كارثة مُحدقة كان يتوقعها (الهولوكوست)، وهو الشعور الذي دفعه إلى بلورة “مشروع أوغندا” كملجأ ليلي مؤقت في سبيل إنقاذ يهود أوروبا. أمّا الصلة العميقة والوثيقة التي ربطته بـ”أرض إسرائيل” فقد تجسّدت، فيما تجسّدت، في جهوده الكبيرة للحصول من الدول العظمى على موافقة على إنشاء “بيت قومي في أرض إسرائيل”، وفي تأليف كتاب “ألتنويلاند”. كما أن علاقته مع الديانة اليهودية كانت وثيقة وعميقة، سواء على الصعيد الشخصي أو كمركّب أساس وعضوي من سياسته ونبوءته، وهي ناجمة- بحسب القراءة المستجدّة- عن التربية اليهودية التي حصل عليها.

وقد لوحظ أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو سارع إلى اقتباس ما خلصت إليه إحدى هذه الدراسات، وهي دراسة إسحاق فايس، وخصوصاً قولها إن هرتسل اكتسب في حياته تربية يهودية وتذوتها، وإن كفاحه ضد معاداة السامية بدأ قبل أن يغطي محاكمة درايفوس، كصحافي شاب، بفترة طويلة. فمثلاً حين كان في الثالثة والعشرين من عمره، استقال من عضويته في “رابطة الطلاب” على خلفية أن أحد قادة هذه الرابطة ألقى خطاباً مُعادياً للساميّة. وفي خريف 1884، خطّط هرتسل لإعداد تقرير مُطوّل “عن وضع اليهود في العالم”، وقبل نشر أول خبر عن اعتقال درايفوس بعشرة أيام شرع في كتابة مسرحية “الغيتو الجديد” التي توضح أن الحياة الليبرالية في فيينا أيضاً هي مجرد نوع آخر من الغيتو. كما أنه في الخطاب الذي ألقاه في افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل (سويسرا) عام 1897 أكد هرتسل أن “الصهيونية هي بمنزلة عودة إلى اليهودية (الديانة)، قبل العودة إلى أرض اليهود”.

ووفقاً لما كتب فايس فإنه بينما كان يقضي إجازة خاصة شرع في قراءة كتاب هرتسل “ألتنويلاند” (الأرض القديمة – الجديدة). وحين عاد إلى منزله، أعاد قراءة الكتاب مرة ثانية وثالثة ورابعة، ثم انقض على سائر مؤلفات هرتسل وقرأها. وأوضح أنه بفضل قراءاته هذه تغيرت الصورة المألوفة لديه عن هرتسل ومؤداها أنه “يهودي مختلِط” (مع الأغيار) أعادته محاكمة درايفوس إلى التعاطف مع اليهود وتأسيس الحركة الصهيونية، وأكد أن هرتسل، بالتأكيد، بعيد عن عالم الشعائر والفروض الدينية، لكن شؤون الشعب اليهودي أشغلته على الدوام.

ولا ينفي البروفسور شلومو أفينيري، وهو من رموز حركة العمل الصهيونية، أن هرتسل كان علمانياً، لكنه في الوقت عينه يؤكد أنه في جميع مؤلفاته ونشاطاته يعبّر ليس فقط عن احترامه للدين كما يترتب على مواقف “إنسان ليبرالي” بحسب ما وصفه، إنما أيضاً يعبّر هذا الاحترام للدين عن وعي عميق حيال مكانة الدين ودوره في تصميم الهوية اليهودية بصورة تاريخية، وحيال حضوره في الواقع اليهودي الحديث أيضاً.

ويسند أفينيري هذه الخلاصة بفحوى خطاب هرتسل الذي طرح من خلاله مشروعاً في افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول، مشيراً إلى أنه بهذه الروح كان حريصاً أيضاً على التأكد، قبل اتخاذ قرار عقد المؤتمر في بازل تحديداً، من توفر مطعم “كوشير” (حلال) في المدينة. وتضمن نصّ الدعوة التي صدرت بتوقيعه الشخصي تعهداً بأن “في بازل نُزُلاً حلالاً”! ووفقاً لأفينيري، فالقول إنه “لا يهودية في نبوءة هرتسل” يفتقر إلى أي سند في الواقع.

كما كان هرتسل يتحدث بعدائية ظاهرة عن اليهود الذين تخلوا عن ديانتهم اليهودية. وفي رأيه حتى لو كان اليهودي غير متدين أو غير ملتزم بالتقاليد والأعراف أو بنمط حياة يهودي، يبقى ولاؤه لدين آبائه في صلب قوميته. ومن هنا الأهمية التي أولاها لهذا الموضوع، إذ كتب في يومياته: “لم يخطر في بالي بجدّية، يوماً، أن أبدّل ديانتي أو أن أغيّر اسمي”.

أخيراً لا بُدّ من أن أشير إلى أن هاتين المقالتين نشرتا قبل قيام الكنيست الإسرائيلي يوم 19 تموز 2018، بسنّ “قانون القومية الإسرائيلي” بصورة نهائية، والذي يعرّف إسرائيل بأنها “الوطن القومي للشعب اليهودي، الذي يمارس فيه حقوقه الطبيعية والثقافية والدينية والتاريخية لتقرير المصير”. وينصّ على أن فلسطين التاريخية، التي تسميها الصهيونية “أرض إسرائيل”، هي “الوطن التاريخي للشعب اليهودي”، وعلى أن “حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل خاص بالشعب اليهودي”، ويقضي بأن اللغة العبرية هي اللغة الرسمية لإسرائيل، فيما لم تعد اللغة العربية رسمية بل ذات مكانة خاصة. وجاء في القانون بخصوص الاستيطان اليهودي، أن الدولة تعتبر تطوير الاستيطان اليهودي “من القيم الوطنية” وستعمل على تشجيعه.

وليس بغير دلالة أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قال، عقب المصادقة على القانون، إنه بعد 122 عاماً من نشر هرتسل رؤيته، تحدّد في القانون مبدأ أساس لوجود إسرائيل، هو كونها الدولة القومية للشعب اليهودي، حسبما كان يريد.

من تداعيات أحداث 7 أكتوبر: انهيار مفهوم أن “اليمين قويّ في الأمن” وأن “الاستعداء والتحريض لا يمسّان بالأمن”!

سليم سلامة

 في هذه المقالة (الخامسة في هذه السلسلة) نواصل عرض المفاهيم المركزية الأبرز التي شكلت قاعدة الرؤية الأمنية ـ السياسية الإسرائيلية التي تُجمع قطاعات واسعة جداً في المجتمع الإسرائيلي على حقيقة أنها مُنيت بالفشل الذريع، بل بالانهيار التام، ويوماً بعد يوم تتسع وتتعالى دائرة الأصوات الداعية إلى إعادة النظر فيها، بعد الاجتهاد بداية في تحديدها بصورة عينية ودقيقة، انطلاقاً من القناعة بأن تحديد تلك المفاهيم هو الخطوة الأولى التي لا مناص منها في مسيرة إعادة ترميم ما ينبغي ترميمه في العقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية، ثم في إعادة هيكلة الأجهزة، المنظومات والأذرع المكلفة بتطبيق هذه العقيدة في المستقبل.

هذا العرض، الذي توقف في الحلقة الأخيرة (3 كانون الأول الجاري) عند مفهوم “الجيش كافٍ لكلّ المهمّات”!، مبنيٌّ على الرصد والتوثيق اللذين يقدمهما مشروع مشترك أطلقته مؤخراً “مؤسسة بيرل كتسنلسون”، التي يقول شعارها المركزي: “نبني أسساً طويلة الأمد لمعسكر المساواة في إسرائيل”، و”مركز مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل”، تحت عنوان “انهيار المفاهيم ـ الطريق إلى إخفاق 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023”. وقد رسم هذا المشروع خارطة تفصيلية بالمفاهيم التي انهارت، فقادت بنفسها وبانهيارها إلى الإخفاق، وحدّد ضمنها 11 مفهوماً مركزياً. وكنا قد عرضنا في الحلقات السابقة لخمسة من هذه المفاهيم المركزية ونعرض، في هذه الحلقة، لمفهومين مركزيين إضافيين هما السادس والسابع في “وثيقة المفاهيم” هذه، تحت العنوانين التاليين: المفهوم السادس ـ اليمين قويّ في الأمن؛ المفهوم السابع ـ الاستعداء والتحريض لا يمسّان الأمن.

“حضيض أمنيّ غير مسبوق”

منذ سنوات عديدة، نسبياً، تتردد في إسرائيل مقولة أن اليمين، بأحزابه وحكوماته وقادته، هو في القضايا الأمنية أقوى، أكثر صلابةً وتشدداً وحزماً من “اليسار” و”الوسط” بأحزابهما وحكوماتهما وقادتهما. وقد أضيفت إلى هذه المقولة لاحقاً مقولة أخرى مكملة لها هي “نتنياهو سيد الأمن”. لكنّ “حكومات اليمين، في الواقع”، كما يجزم معدّو “وثيقة المفاهيم” التي نستعرضها، قد “قادت إسرائيل إلى حضيض أمني غير مسبوق” وأن هذه النتيجة التي آل إليها الوضع الأمني “لم تكن عفوية ولا محض صدفة”، مثلما أن “الفجوة بين التصريحات الطنّانة التي يطلقها قادة اليمين وبين انجازاتهم على أرض الواقع ليست وليدة الصدفة”، بل إن كلتيهما “من بين النتائج الحتمية لأداء اليمين وقياداته والممتد منذ سنوات عديدة ويعتمد، أساساً، على الخطابة “الصارمة” كوسيلة للتغطية على سياسات ضعيفة وخطيرة”.

ويحدد “معدّو الوثيقة” بداية هذا الأداء، الذي يختارون توصيفه بعبارة “بالكلام، اليمين كان قوياً دائماً”، في الانتخابات الإسرائيلية العامة التي جرت في العام 1999، حين اختار حزب الليكود، وبنيامين نتنياهو شخصياً، شعاراً مركزياً لتسويق نفسه بوصفه “قائداً قوياً لشعب قوي”، ثم استُبدل هذا الشعار في انتخابات العام 2006 بشعار آخر يقول إن “نتنياهو قوي في مقابل حماس”، ثم استبدله في انتخابات العام 2009 بشعار آخر تعهد فيه بـ “القضاء على سلطة حماس”. ولم يقتصر الأمر على حزب الليكود، أكبر أحزاب اليمين، وزعيمه نتنياهو، بل ميّز أيضاً جميع الأحزاب اليمينية الأخرى وقادتها: أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” ادعى بأنه “وحده يفهم العربية”، بينما تعهد زعيم حزب “البيت اليهودي” ورئيس الحكومة السابق، نفتالي بينت، بـ “الانتصار على حماس”، ثم جاء رئيس حزب “عوتسما يهوديت”، إيتمار بن غفير، ليعلن أنه هو الذي سيُثبت للجميع “من هو صاحب البيت هنا” وأنه “مقابل كل صاروخ من عندهم، سيتلقى الفلسطينيون 50 صاروخاً من عندنا”.

وعشية الانتخابات الإسرائيلية العامة التي جرت في العام 2015، نشر حزب الليكود في إطار حملته الانتخابية شريطاً يظهر فيه مقاتلون من تنظيم “داعش” يستقلون سيارة “تندر” بيضاء اللون ويلوّحون بأعلام هذا التنظيم، ثم يتوقفون بجانب سائق إسرائيلي ويسألونه، بلكنة عربية: “كيف نصل إلى القدس، يا أخ؟” ويردّ السائق: “اتجهوا يساراً”. ثم يُختتم الشريط بشعار: “اليسار سوف يخنع أمام الإرهاب”، على خلفية سوداء وأصوات قرع طبول الحرب، تليها العبارة التالية: “إمّا نحن وإمّا هُم. فقط الليكود برئاسة نتنياهو”.

بعد ذلك بسبع سنوات، يكتب معدّو الوثيقة، “في عهد الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، وخلال أقل من سنة على تشكيلها، تتحول حملة الليكود الكابوسية إلى واقع، هو الكابوس بعينه”، حين “اقتحمت سيارات التندر البيضاء اللون الأراضي الإسرائيلية يوم 7 تشرين الأول وخلقت الأزمة الأمنية الأكبر والأخطر في تاريخ دولة إسرائيل”.

لكن، في امتحان النتيجة وحصاد 14 سنة متتالية من السيطرة على مقاليد الحكم وما تخللها من تهديدات وتصريحات حربجية نارية، لم يطرح اليمين أي بديل لأي مخرج من حالة الصراع التي تمسك بخناق إسرائيل وتقودها من سيء إلى أسوأ. وفي غياب مثل هذه البدائل المبنية على رؤية سياسية وأمنية متماسكة قادرة على مواجهة الواقع المعقد ومعالجته، فقد “أدمن اليمين”، كما تقول الوثيقة، “المقترحات السخيفة والرمزية التي لا علاقة، البتة، بينها وبين حماية الأمن”.

أما “العقيدة الأمنية” الوحيدة والمثابرة التي عرضها اليمين على مدار سنوات حكمه فهي: توسيع الاستيطان والمستوطنات، بزعم أن “بناء البيوت ورياض الأطفال في قلب مجتمع سكاني معادٍ هو الضمانة الأكيدة لأمن إسرائيل”. وتورد “وثيقة المفاهيم” نماذج كثيرة جداً للتدليل على هذه “العقيدة”، ثم تقول: “لكن، مع مرور السنوات اتضح بشكل جلي أن المستوطنات في المناطق ليست ذخراً أمنياً وإنما هي عبء”، بل إن “الحقيقة هي أن إيديولوجية اليمين الاستيطاني تقوم على التضحية بأمن إسرائيل، لا حمايته، وتعتبر موت أعداد كبيرة من الإسرائيليين ثمناً معقولاً في الطريق نحو تخليص أرض إسرائيل”.

وتخلص الوثيقة إلى أن تصريحات اليمين وقياداته الرّنانة حول الأمن لم تأت إلا بنتائج عكسية. أما وقد تحطم وهم “نتنياهو سيد الأمن” و”اليمين قوي في الأمن”، فقد حان الوقت للحسم: هل تطمح دولة إسرائيل لتبني سياسات أمنية جدية ومهنية أم ستواصل الاكتفاء بزعران تتلخص سياساتهم الأمنية بشعارات من قبيل “إلقاء قنبلة نووية على غزة”؟

“التحريض ضد نصف الشعب يُقوّض جيش الشعب”!

يحاول معدّو “وثيقة المفاهيم” هذه، في الحديث عن مفهوم “التحريض والاستعداء لا يمسّان بالأمن”، إبراز مدى الضرر الذي ألحقه اليمين وتحريضه ضد “اليسار” و”الوسط” بالنسيج الاجتماعي في المجتمع الإسرائيلي ـ اليهودي، ثم انعكاس ذلك على الجيش الإسرائيلي ومدى الضرر الذي يلحق به من جراء ذلك بما يشكل مساً كبيراً به من حيث كونه “جيش الشعب” كله! ويؤكدون، في هذا السياق، أنه “ليس بإمكان الدولة التي يشكل جيش الشعب ضمانة بقائها ووجودها أن تسمح لنفسها بأن تكون قيادتها مصدراً وبوقاً للتحريض ضد نصف الشعب”.

وتستعرض الوثيقة سلسلة طويلة، تمتد على سنوات عديدة، من التصريحات والممارسات التحريضية التي صدرت وبدرت عن اليمين الإسرائيلي وقياداته المختلفة، وكان بنيامين نتنياهو بشكل خاص في مقدمتها وعلى نحو أبرز، ضد “اليسار” و”الوسط” وقياداتهما، متوقفة بصورة خاصة عند حملة التحريض التي أدت إلى اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إسحق رابين، في تشرين الثاني 1995، مروراً بالعديد العديد من المحطات التحريضية والاستعدائية هذه، حتى مؤخراً فقط حين اتهم نتنياهو المنظمات التي تولت تنظيم وتنسيق الحملات الاحتجاجية ضد برنامج “الإصلاح القضائي” الذي طرحته حكومته وائتلافها ـ بينما أسماه معارضوه “خطة الانقلاب القضائي” أو “خطة الانقلاب على الحكم” ـ بأنها “قد التقت وتحالفت مع م. ت. ف. ومع إيران”، ثم انتهاءً بما تلا هجوم حركة حماس المباغت على بلدات ومعسكرات الجيش في منطقة “غلاف غزة” حين خرج نتنياهو ليتهم، بصورة صريحة وعلنية، أجهزة الأمن الإسرائيلية بالمسؤولية عن هذا الإخفاق التاريخي، إضافة إلى ما سبق ذلك وما تبعه من اتهام عناصر مختلفة بـ”الخيانة من الداخل”.

وتقول الوثيقة إن دراسات عديدة أجريت في العالم قد أثبتت، على نحو مستمر ومتتابع، أن الحكومات الشعبوية هي أقل أهلية وكفاءة في إدارة الأزمات الوطنية وأن المجتمعات التي تتميز بالتقطب الحاد هي أكثر عرضة للتأثر بالحروب النفسية وبالإعلام المغالِط والمضلِّل. وهي تعتبر في هذا السياق أن المجتمع الإسرائيلي أصبح اليوم أكثر تقاطباً بكثير، بعد سنوات عديدة من حكم اليمين ونتنياهو منذ العام 2009 تحديداً أقام خلالها “جهازاً دعائياً خاصاً ومتطوراً أنيطت به مهمة بث وترسيخ رسائل مشبعة بالكراهية تجاه كل في بيت في إسرائيل”.

درس 7 أكتوبر الأهـم: الـعـودة إلى “حـروب الخَيار”

اللواء احتياط يعقوب عميدرور

«معاريف»

السؤال الذي يطرح في أحاديث كثيرة هو الأهم: لماذا لم تعمل إسرائيل قبل الهجوم البربري لـ»حماس» رغم أن الاستعدادات كانت واضحة ومعروفة، حتى لو لم يكن موعد الهجوم معروفا؟ الجواب هو انه في العالم الغربي الذي إسرائيل هي جزء منه، يوجد موقف سلبي جدا من الحروب المبادر إليها. في عشرات السنين الأخيرة، أصبحت غير شرعية وغير أخلاقية. الفكر الذي ادعى بأنه «لا توجد حروب جيدة» نزعت عن الديمقراطيات القدرة على الانطلاق إلى «حروب الخيار».

في إسرائيل أيضا، تعزز هذا الفهم. والتعبير عنه كان في القول الذي ساد في الجمهور وفي الإعلام بأن إسرائيل لا تخرج إلا إلى «حروب اللاخيار». حروب لا تعتبر كهذه نالت مواقف جماهيرية قاسية للغاية مثل حرب لبنان الثانية، التي تعزز بها هذا النهج بقوة اكبر. فضلا عن ذلك، في أوساط زعماء في إسرائيل ساد الفهم في أن الدور الأساس في الحكومة في مجال الأمن القومي هو كسب الوقت بين الحروب، أي الهدوء المتواصل هو حيوي للاقتصاد الإسرائيلي ولبناء المجتمع ولهذا فيجب الامتناع عن الحروب. في أعقاب هذا اصبح «الاحتواء» جزءاً من مفهوم الأمن. «قدسية الحياة» واعتبار الجنود كـ»أبنائنا» لدرجة التعاطي مع الجنود القتلى مثل المدنيين القتلى صعّب هو أيضا تبرير حروب الخيار.

لأجل تجسيد هذا سيحاول القارئ التفكير بما كان يمكن له أن يرد لو كانت إسرائيل فتحت حربا ضد «حماس» قبل نصف سنة. بعد دقائق من نشوب الحرب، كان رئيس الوزراء سيخرج بإعلان أن تقويم الوضع والتهديد الحماسي المتزايد أديا بإسرائيل أن تقتنع بأن من واجبها أن تمنع إمكانية المفاجأة في المستقبل التي في أعقابها يصاب جنود ومدنيون كثيرون في غلاف غزة. وعليه فقد قررت إسرائيل على حد قول رئيس الوزراء أن تخرج إلى «حرب وقائية» غايتها إزالة تهديد «حماس» وفقا لتوصية كل محافل الأمن. كانت الحرب ستبدو إلى هذا الحد أو ذاك كالحرب الحالية، لكن على ما يبدو بدون دعم أميركا بل وحتى بمعارضتها. فليفكر كل واحد كيف كانت ستكون العناوين الرئيسة في وسائل الإعلام في البلاد وفي العالم. فهل كانت حكومة إسرائيل تنجو من مثل هذا الحدث؟ أو حتى قبل أن تنتهي الحرب كانت ستصعد صرخة بأن ليس للحكومة شرعية وان «رئيس الوزراء الذي يعرض حياة الجنود للخطر لأغراضه السياسية يجب أن يطير على الفور».

هذا ليس سيناريو متطرفا على الإطلاق. فبعض من ردود الفعل يمكن أن نسمعها، اليوم، أيضا رغم أننا نوجد في حرب دفاعية صرفة جاءت بعد قتل فظائعي لنحو ألف مواطنة ومواطن واختطاف 240 رجلا، وامرأة وطفلا ومسنا.

عمليا، إسرائيل عشية 7 أكتوبر 2023 ما كان يمكنها أن تخرج إلى «حرب وقائية». كنتيجة لذلك، إسرائيل، كدولة صغيرة حولها أعداء يهتمون بكثافة ببناء قوتهم كي يمسوا بها توجد في مثابة «عجز استراتيجي».

وعليه فإن الاستنتاج الأهم للأمن القومي الإسرائيلي من أحداث 7 أكتوبر هو الحاجة إلى أن تعاد إلى صندوق الأدوات القدرة على قتال «حروب الخيار»، أي إبادة التهديد وهو في مهده أو عشية تفعيل العدو له، دون انتظار تجسده. «الحرب الوقائية» و»الحرب المسبقة» هما اضطرار استراتيجي في وضع إسرائيل وينبغي التفكير باستخدامهما فور انتهاء الحرب في غزة في سياق «حزب الله». هذا مثابة توسيع لـ»عقيدة بيغن» إلى عالم سلاح الحروب التقليدية – وعلى خلفية 7 أكتوبر فإن هذا هو توسيع ضروري.

 تقرير جديد لـ«معهد أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي: التهديد الجوي المستجد يُلزِم تعاملاً جادّاً!

 

عبد القادر بدوي

◼️ مع بداية هجوم “طوفان الأقصى” صبيحة 7 تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، وجدت إسرائيل نفسها أمام تهديدات عديدة، كان من أبرزها تهديد الأسلحة الصاروخية والطائرات بدون طيار التي تم استخدامها في الهجوم، وكذلك خلال عمليات “المناورة البرية” في قطاع غزة، ناهيك عن التهديدات الناشئة عن الهجمات التي نفذها “حزب الله” على الجبهة الشمالية والحوثيون من اليمن. هذا الأمر يُنظر إليه في إسرائيل كخطر حقيقي حتى وإن لم تتعرّض إسرائيل لغاية اللحظة لهجمات صاروخية (بما في ذلك الطائرات بدون طيار) واسعة تفوق قدرات دفاعاتها الجوية على التصدّي. وفي هذا السياق، أصدر “معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي” التابع لجامعة تل أبيب دراسة بعنوان “التهديد الجوي الذي ترعاه إيران ليس مشكلة إسرائيلية فقط” من إعداد متان ينكو أبيكسيس وليران عنتابي، يُسلّط الضوء على هذا التهديد وأبرز ما يُمكن فعله إسرائيلياً. في هذه المساهمة، نستعرض أبرز ما ورد في هذا التقرير، مع أهمية الإشارة إلى أن المصطلحات والأفكار الواردة أدناه مصدرها التقرير ولا تُعبّر عن كاتب المساهمة أو مركز “مدار”.
يُشير التقرير في البداية إلى أن هجوم صبيحة السابع من أكتوبر الماضي والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة – “حرب السيوف الحديدية” – وضعا إسرائيل أمام أسئلة عديدة حول طبيعة التهديدات المستجدّة نتيجة استخدام أسلحة جديدة ضد إسرائيل بما فيها تلك المستخدمة جوياً؛ الصواريخ الباليستية؛ صواريخ كروز؛ الصواريخ؛ قذائف الهاون؛ الصواريخ المضادّة للدبابات؛ الطائرات بدون طيار الهجومية أو التي تستخدم لجمع المعلومات الاستخبارية، و”المسيرات” التي تستخدم لأغراض الاستخبارات وإلقاء الأسلحة وكذلك النوع الهجومي منها. هذه الأسلحة هي إيرانية الصنع، أو أنها تعتمد على تكنولوجيا إيرانية، أو تم تجميعها وتركيبها بفضل “التدريب الإيراني”، وهو ما يُنذر – بحسب التقرير – بضرورة أن تتعامل إسرائيل بجدّية مُطلقة مع هذه التهديدات، كون أن هذا التهديد ظهر بالفعل خلال الحرب الدائرة حالياً في القطاع، والتي قد تكون مفتوحة على انضمام جبهات جديدة للقتال كالجبهة الشمالية مع “حزب الله”، الذي استخدم بالفعل هذه الأسلحة في المواجهة على الحدود (طائرات بدون طيار، ومسيّرات ومضادات للدبابات) بالإضافة إلى سورية التي أُطلقت من أراضيها “مسيرة انتحارية” وصلت إلى إيلات، ناهيك عن توجيه الحوثيين صواريخهم باتجاه إسرائيل وكلّ هؤلاء بالفعل هم حلفاء إيران في المنطقة.
إن الهجمات المذكورة التي يتصدّى إليها الجيش بـ”نجاح كبير” بحسب التقرير أشارت من ناحية أخرى إلى عدم جهوزية الجيش للتعامل مع التهديدات الجوية قصيرة المدى بسبب طبيعة الطبقات الدفاعية المخصصة للدفاع ضد التهديدات بعيدة المدى والتي تتصدّى بنجاح للتهديدات، وقد كان أبرزها مضادات الدبابات التي تم إطلاقها من قطاع غزة وجنوب لبنان باتجاه الآليات والدبابات الإسرائيلية التي تم تحصينها بمنظومة “معطف الريح” الدفاعية. إن هذه الحرب هي المواجهة الأولى التي تعمل فيها أنظمة الدفاع الجوي المختلفة “القبة الحديدية”؛ “مقلاع داود”؛ “يهلوم”؛ بالإضافة إلى منظومتي “السهم 2″ و”السهم 3” التي نجحت بشكلٍ كبير في “إحباط” التهديدات الجوية لأول مرة في اختبار عملياتي فعلي، لكن على الرغم هذا “النجاح”؛ فإن إطلاق صاروخ باليستي باتجاه إسرائيل من قِبَل الحوثيين يجب أن يُثير بالفعل قلق إسرائيل وكذلك دول أخرى في الإقليم، وقد تصدّت الإمارات في السابق لمثل هذه الصواريخ، كما لوحظ تعاون – يؤكّد التقرير على ضرورة تعزيزه – بين إسرائيل وبعض الدول في التصدّي لمثل هذه التهديدات (المدمرة الأميركية USS كارني التي كانت متمركزة في البحر الأحمر واعترضت جزءاً كبيراً من التهديدات)، بالإضافة إلى السفن الحربية الإسرائيلية المزودة بمنظومة “باراك” للدفاعات الجوية، وأخيراً الاعتراض الذي نفذته السعودية التي تشترك في الرادار مع إسرائيل من خلال الولايات المتحدة، وهو ما أبرز فعالية “تحالف الدفاع الجوي” (MEAD) الذي انضمت إليه إسرائيل في حزيران الماضي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن إطلاق الصواريخ الباليستية من قِبَل منظمات (أقل من دول) يُشير – بحسب التقرير – إلى تغيير في توزيع التقنيات المتقدمة والأسلحة الفتّاكة وبعيدة المدى التي لم تعد بذلك حِكراً على الدول فقط. إن المسؤولية المباشرة لهذه الإشكالية تقع على عاتق إيران التي عملت على مدار السنوات الماضية على تزويد “حزب الله” (على وجه التحديد) والمليشيات الشيعية في العراق وسورية و”حماس” بطائرات بدون طيار والصواريخ والقذائف، إلى جانب نقل المعرفة والخبرات بكيفية تصنيعها وتطويرها إلى هذه المنظمات بحسب التقرير.

إيران كدولة مصدّرة للتقنيات المتقدّمة
يُشير التقرير إلى أن صناعة المسيرات والطائرات بدون طيار شهدت ازدهاراً كبيراً في السنوات الأخيرة في إيران التي تفاخرت بقدراتها على إنتاج هذا السلاح الذي بدأت في تصنيعه منتصف ثمانينيات القرن الماضي إبان الحرب الإيرانية العراقية، حيث تم إنتاج “أبابيل 1″ و”مهاجر 1” كأسلحة للمراقبة والاستطلاع، وتطورت هذه الصناعة وتقدمت باستمرار، إلى أن توسّعت في إنتاجها بشكلٍ كبير منذ العام 2014، عندما بدأ الإنتاج التسلسلي لنموذج “شاهد 129” وهي الطائرة بدون طيار الأكثر شيوعاً في البحرية الإيرانية. يؤكّد التقرير أن تنوع الطائرات بدون طيار الإيرانية يعتمد بشكلٍ أساس على قدرات “الهندسة العكسية” للطائرات بدون طيار الإسرائيلية والأميركية؛ فمثلاً طراز “شاهد 129″ هو بمثابة نسخة لـ”هيرمس 450” التابعة لشركة “إلبيت” الإسرائيلية؛ طراز “شاهد 171” بمثابة نسخة عن “RQ-170” الأميركية التي سقطت في الأراضي الإيرانية في العام 2011. إن هذا الأمر يُدلل على نجاح إيران في توسيع هذا الإنتاج من حيث الحجم والإمكانيات، حيث استطاعت التغلّب على العقوبات المفروضة عليها بالتحايل عليها، كما أن توفر “التقنيات الجاهزة” في عالم المحتويات التجارية والمدنية بما في ذلك أجهزة الملاحة ووسائل التشفير والمحركات وغيرها، إلى جانب الاستثمار المحلي الضخم في المجال الهندسي، سمح لها بتقليص الفجوات التكنولوجية، وإنتاج وتصدير كميات كبيرة من الطائرات بدون طيار وبأسعار مغرية جداً لمجموعة من الدول واللاعبين الذين يعملون ضد إسرائيل، وكذلك ضد القوات الأميركية في الشرق الأوسط.
يُشير التقرير إلى أن عملية توزيع الأسلحة الإيرانية شهدت تحولاً كبيراً في أعقاب الحرب في أوكرانيا، حيث تحولت إيران إلى مصدر عالمي مهيمن في مجال تصدير الطائرات بدون طيار وأكبر مورّد للجيش الروسي في هذا المجال، فقد زودت الجيش الروسي بثلاثة نماذج من هذه الطائرات: “شاهد 131″، “شاهد 136″، والطائرة بدون طيار الهجومية “مهاجر 6” التي يتم استخدامها لجمع المعلومات الاستخبارية وحمل الذخائر، وتمتاز هذه النماذج بسعرها الرخيص مقارنة بنظيراتها حول العالم، وقد استطاعت بالفعل أن تساعد روسيا على سد الثغرات العملياتية لصالحها خلال الحرب، ونتيجة للخبرة التي اكتسبتها الطائرات الإيرانية في الحرب في أوكرانيا أبدت دول عدّة اهتماماً بشرائها، وقد نقلت تقارير عدّة أن إيران تواجه صعوبة في تلبية الطلب المتزايد على شرائها خلال العام المنصرم، ناهيك عن بعض التقارير التي تشير إلى مساعدة روسيا لإيران في إقامة مصانع خاصة في روسيا نفسها من أجل إنتاج 6000 أداة من هذا السلاح، يُضاف إلى ذلك أنه في شهر تشرين الأول المنصرم انتهت القيود التي فرضها مجلس الأمن على قدرة إيران على التجارة بالصواريخ المتقدمة، بما في ذلك الطائرات بدون طيار، ما سيسهّل على إيران تصدير هذا السلاح ليس فقط لروسيا، وإنما أيضاً لدول أخرى ربما كانت تخشى حتى الآن من التورط في التعامل مع إيران في هذا المجال بسبب القيود الدولية ومنها فنزويلا والسودان وأثيوبيا التي قامت بالشراء من إيران بالفعل وتحديداً نموذج “أبابيل”.
إن هذا التطور بحسب التقرير يُشكّل تحدياً بالنسبة لإسرائيل التي تعمل على منع انتشار الأسلحة الإيرانية والحد من وصولها إلى الجهات والمنظمات الفاعلة على حدودها في السنوات الأخيرة، إذ عملت إسرائيل من خلال الغارات الجوية، أو ما يُعرف بـ”الحملة بين الحرب”، على الحيلولة دون ذلك. لكن الطائرات والأسلحة الإيرانية التي سيتم تصنيعها في روسيا ستتطلب إعداداً مختلفاً وإجراءات جديدة بالنسبة للنظام الأمني في إسرائيل بما في ذلك تغيير المفاهيم والرؤى الإسرائيلية. وهذا الأمر ربّما لن يكون كافياً، فحتى لو تمكّنت إسرائيل من منع وصول وسائل قتالية معينة إلى أيدي “أعداء إسرائيل” فذلك لا يُعدّ استجابة مرضية نظرا لتنوع الوسائل والعوامل التي تواجهها إسرائيل بالفعل، خاصة فيما يتعلّق بتهديد الجبهة الشمالية (“حزب الله” على وجه الخصوص). فلغاية الآن، لم تتعرّض إسرائيل لهجوم صاروخي واسع من الجبهات المختلفة يفوق قدراتها الدفاعية، لكن لا يُمكن ضمان بقاء الوضع على ما هو عليه في حالة اتساع المواجهة لتشمل الجبهة الشمالية لإسرائيل ودخول “حزب الله” بشكلٍ كامل. لذلك، يؤكّد التقرير أن إسرائيل مُلزمة بالتعامل بجدية مع هذه التهديدات الأمنية المستجدّة التي ستضاف إليها قدرات جديدة وعلى نطاق متعدد الجوانب في المستقبل، بما في ذلك ضرورة إحداث تغيير في الرؤى والتصورات حول التهديدات الجوية، والتعاون مع الدول الأخرى التي تشارك إسرائيل التهديدات نفسها في الإقليم كالسعودية (التي تعرّضت لهجمات مشابهة ضربت “أرامكو” في السنوات الماضية)، ودول خارج الإقليم كالولايات المتحدة التي حشدت قوتها العسكرية لمساعدة إسرائيل في الحرب الحالية على القطاع، والتي تعاني أيضاً من هجمات تشنّها المنظمات التابعة لإيران في العراق وسورية خلال السنوات الماضية وتصاعدت خلال الحرب الحالية.
ختاماً، يؤكد التقرير على أن أكثر من 9500 صاروخ أُطلق باتجاه إسرائيل من قطاع غزة منذ بداية هجوم السابع من أكتوبر، بالإضافة إلى عشرات الطائرات المسيرة والطائرات بدون طيار، منها 3000 صاروخ في الساعات الأولى للهجوم، اعترضت الدفاعات الجوية الإسرائيلية حوالى 2000 منها (فشلت بعض عمليات الإطلاق أو كانت موجهة نحو ما تحدده أنظمة الدفاع على أنها مناطق مفتوحة). وهذا النجاح النسبي في التصدّي، يُقابله فشل في اكتشاف التهديد كما حدث في حالة الطائرة بدون طيار التي وصلت إلى إيلات من سورية وتسبّبت بأضرار في المباني المدنية. لذلك، سيكون من الضروري التركيز على هذه التهديدات (وتحديداً قصيرة المدى والطائرات بدون طيار بمختلف أنواعها)؛ إذ إن الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار من قطاع غزة ولبنان، والهجمات من اليمن وسورية والعراق تشير إلى أن إيران تذهب باتجاه تقليل “خطر الصراع المباشر” مع إسرائيل من خلال الانخراط في “صراع لا مركزي” من خلال فواعل غير دولانية (منظمات أقل من دول)، وهذا الأمر يفرض على إسرائيل – وفق التقرير – أن توسّع من دائرة التعاون الإقليمي والدولي وكذلك التحالفات لمواجهة هذه التحديات وفي مقدمتها التعاون مع الولايات المتحدة التي تزود إسرائيل بالأسلحة الاعتراضية ومن ضمنها صواريخ “القبة الحديدية”، وكذلك كل من السعودية والإمارات خاصة في مجالات الاستخبارات وتكنولوجيا الاعتراض، وهي دول تتقاسم جزءاً من المصالح القليلة مع إسرائيل على الأقل فيما يتعلّق بالتهديد الإيراني.

ماذا ستفعل إسرائيل إذا فشلت «معركة الجنوب»؟

عبد المجيد سويلم

 أصبح هذا السؤال هو سؤال المجتمع الإسرائيلي كلّه، وسؤال القيادة السياسية والأمنية في إسرائيل، وهو قبل ذلك كلّه سؤال الإدارة الأميركية، وحلفائها «الغربيين» دون استثناء.

السؤال بالفعل مُحيِّر حتى بالنسبة لفصائل المقاومة، ومُحيِّر، أيضاً، لبلدان الإقليم، ويكاد كلّ هؤلاء يعجزون عن إجابات تحمل في طيّاتها الحدّ الأدنى من المنطق المتماسك، ومن أرجحية التفكير العلمي الفعّال والمتوازن.

هل ستعود القوات الإسرائيلية الغازية مثلاً للتوغّل في منطقة الشمال والوسط بعد أن غادرتها، ولم تُبقِ إلّا على أقلّ من 30% من القوات التي كانت قد دخلتها ـــ كما تقول بعض المصادر ـــ أو بعد أن «أكملت» إسرائيل مهمّتها في هذه المناطق حسب تصريحات رسمية إسرائيلية؟

وماذا ستفعل بالعودة إلى هذه المناطق بعد أن دمّرت كلّ شيء، وبعد أن هجّرت مئات آلاف الفلسطينيين منها؟ وبعد أن قتلت منهم الآلاف المؤلّفة، وأبادت ومسحت المساكن والبيوت وكلّ البُنى التحتية، وأخرجت كل المرافق الصحية فيها عن الخدمة؟

وهل تخطّط إسرائيل مثلاً من خلال الاستمرار في الحرب حتى بعد «الفشل» في معركة خان يونس ورفح إلى فرض «التهجير» إلى مصر لأسباب ودوافع «إنسانية»، بحيث لن تتمكّن مصر من «التهرُّب» منها أو تجنُّبها لكي «تدّعي» إسرائيل أنّها «فرضت» شروطها، وأنّها حقّقت انتصارات كبيرة في ضوئها؟

أم تراهن يا ترى أنّ تفاقم الوضع الصحي لعشرات، وربّما لمئات آلاف الفلسطينيين، وانتشار الأوبئة والأمراض في عموم القطاع سيؤدّي إلى وضعٍ دولي وإقليمي «ضاغط» على إسرائيل لوقف الحرب لدواعٍ «إنسانية» خطيرة على كلّ الإقليم، ما يُحتّم «التدخُّل» العاجل، و»التوسُّل» لدى إسرائيل لوقف الحرب، وبذلك ستبدو إسرائيل وكأنّها المنتصرة، وربّما التي «تستجيب» لهذه الدواعي «الإنسانية» بما يخفّف من صورتها التي لحق بها العار من كلّ جانب، وتلطّخت أياديها بدماء عشرات آلاف من الرضّع والأطفال والنساء في قطاع غزة؟

أقصد، وأجتهد هنا، أنّ فشل إسرائيل العسكري حتى الآن، وفشلها فيما تبقّى من الوقت المُعطَى لها من الإدارة الأميركية، وفشلها فيما تبقّى لها من وقتٍ مُعطى من المؤسسة العسكرية حسب آخر إعلانٍ رسمي إسرائيلي (من شهرين إلى ثلاثة أشهر).. إن فشل إسرائيل على هذا الصعيد سيحوّل اتجاه الحرب من وجهة إلى وجهة جديدة، ومن المجال العسكري إلى المجال الإنساني الذي «ضمِنت» إسرائيل لنفسها حتى الآن من خلال «الاحتياط الاستراتيجي» للتعويض عن فشلها العسكري، وحيث تستطيع استخدام العامل الإنساني ـــ وهو العامل الوحيد الذي بقي لديها ـــ بهدف إعادة طرح، وإعادة فرض شروطها وأهدافها التي فشلت في تحقيقها من خلال أعمالها العسكرية.

وأقصد من خلال اجتهادي هنا، أيضاً، أن تكون الفترة المتبقّية لها، سواءً المهلة الأميركية «الغربية»، أو المهلة المحدّدة من قبل القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية نفسها كافية لإحداث هذا التغيير في وجهة الحرب ومجالها.

وإذا أمعنّا النظر في هكذا توجّه فسنجد أنّه يستجيب لعدّة اعتبارات إسرائيلية ربّما تكون «مواتية».

ليس هناك على الإطلاق أيّ خلافات أو حتى تعارضات حول الذهاب في هذا المجال، وهذه الوجهة إلى أبعد الحدود الممكنة، لا داخل الحكومة، ولا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، ولا بين كلّ هؤلاء وأحزاب «المعارضة».

كما لا يوجد حتى الآن ما يوحي بأنّ هناك خلافات أو تعارضات بين كلّ هؤلاء، من جهة، وبين الغالبية الساحقة من المجتمع اليهودي في إسرائيل من جهة أخرى.

على العكس من ذلك كلّه، فإنّ هذا المجتمع الذي يجهل أو يتجاهل كلّ ما قامت به إسرائيل في القطاع، وتستمر بالقيام به بأشكال أخرى في الضفة الغربية، وحتى في «الداخل» الفلسطيني ليس له من همّ سوى همّ استعادة الأسرى، بل الحرب كلّها بالنسبة لهذا المجتمع هي الحرب من أجل استعادتهم، إما بإبادة الفلسطينيين، أو بالتوقُّف قليلاً في هذه الحرب لاستعادتهم، ولتذهب إسرائيل في حربها بعد ذلك إلى أيّ خيار حتى لو تمّ قتل كلّ فلسطيني على وجه الأرض.

وباستثناء بعض الفئات في إطار هذا المجتمع، وبعض الشخصيات الشجاعة، والتي تمتلك قدراً عالياً من الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية [لأنّ من الشجاعة حقّاً، ومن الإنسانية والأخلاقية العالية أن توجد مثل هذه الفئات، وهذه الشخصيات وسط هذه الحالة الطاغية من العنصرية المتجذّرة بأبشع صورها].. باستثناء هؤلاء فإنّ الظروف مواتية تماماً للذهاب إلى تلك الوجهة.

كما لا يوجد أيّ مانع حقيقي لدى «الغرب»، ولدى الولايات المتحدة الذهاب إلى ذلك الخيار، خصوصاً وأنّ الحلول العسكرية تكون قد فشلت، واستنفدت، وبذلك فإنّ وقف الحرب تحت هذه الحجّة والذريعة ربّما يشكّل المَخرَج الذي تبحث عنه الولايات المتحدة و»الغرب» لظهور أنّ دعمهم لدولة الاحتلال «أدّى» إلى هذه النتيجة، والتي أصبحت الآن حسب المصطلحات الأميركية، عدم تمكين «حماس» من الانتصار، وليس انتصار إسرائيل كما كان عليه الأمر في الأيّام، والأسابيع الأولى للحرب. وهو تحوّل يُذكّرنا ويُذكّر الجميع، وخصوصاً من أصحاب الذاكرة المثقوبة بالتحوُّل في شعارات الولايات المتحدة و»الغرب» كلّه إزاء الحرب «الأطلسية» على روسيا، حيث كان الهدف هو الانتصار الكامل على روسيا، ثمّ أصبح عدم تمكين روسيا من الانتصار الحاسم في أوكرانيا.

وقد يكون هذا المَخرَج هو فرصة النظام العربي للظهور بمظهر من استجاب «أخيراً»، ولبّى نداء «الواجب»، ورمى بكلّ «ثقله» لوقف الحرب، و»الضغط» على إسرائيل لإنهاء المأساة الإنسانية التي يكون قد تعرّض لها القطاع، وفرضت نفسها على الواقع العسكري فيه.

أمّا إسرائيل فستكون في وضعٍ يُخرج قادتها السياسيين، وكذلك العسكريين من الأزمة الخانقة التي باتوا يتمرّغُون في وحلها، وبحيث يخرجون بأقلّ الخسائر الممكنة، قبل أن تبدأ مرحلة الحساب والعقاب، وقبل أن تدبّ الأزمات الجديدة في صفوف الأحزاب والجيش والمجتمع، وقبل مرحلة الخراب الأكبر، ومرحلة التطاحن القادمة.

هذا كلّه مرهون بالنتائج التي ستترتّب على «معركة الجنوب»، والتي إن نجح الإسرائيليون في اختطاف صورة هنا، وصورة هناك منها فإنّها ستحسّن قليلاً من صورتهم التي تحطّمت، وإلّا فإنّ خيارهم الوحيد هو تحويل القطاع من منطقة منكوبة وكارثية، إلى مأساة لم يشهد لها التاريخ الحديث والمُعاصر مثيلاً لها، ما سيجعل الاستمرار بالحرب عليه أمراً مستحيلاً بسبب هول هذه المأساة، وبسبب الأخطار التي لن تظلّ في حدود القطاع نفسه، وستهدّد من زاويةٍ الأوبئة والأمراض، ومن زاوية اخرى التشريد وانعدام فرص حياة وبقاء الإقليم كلّه بما في ذلك إسرائيل نفسها.

استشهاد الفلسطينية المُسنة هادية نصار صاحبة مقولة “أنا أقدم من إسرائيل”

أعلن المصور والناشط الفلسطيني صالح الجعفراوي، يوم الخميس، استشهاد الفلسطينية المُسنة هادية نصار التي عُرفت خلال الحرب على غزة بمقولة، “أنا أقدم من إسرائيل”.

وقال الجعفراوي عبر حسابه على منصة “إكس”: “استشهدت يا حبيبتي يا حجتي الله يرحمك ويجعل مثواك الجنة أنت حكيتيلي اسمك صالح وأنت صالح”.

وكانت السيدة المسنة قد أصيبت في قصف إسرائيلي على منزلها ودخلت المستشفى للعلاج من كسور في يديها وإصابة في وجهها.

ملاحظات على هامش الحرب على غزة

سنية الحسيني

ظهرت خلافات واضحة بين أقطاب في مؤسسة الحكم في دولة الاحتلال، خلال فترة العدوان على غزة، كما ثار غضب شعبي على حكومة الحرب التي تشكلت في أعقاب ذلك الهجوم، رغم حظر التظاهرات والاحتجاجات خلال هذه الفترة. ويبدو التناقض جلياً بين مواقف الحكومتين الأميركية والإسرائيلية تجاه حيثيات العدوان الحالي على غزة وتفاصيله والرؤى تجاه اليوم التالي على انتهائه، رغم عدم اختلافهما حول الهدف. فإلى أي مدى ستؤثر تلك الخلافات، بين أقطاب صنع القرار في حكومة الاحتلال والتناقضات بينها وبين الإدارة الأميركية، على توجهات انتهاء الحرب على غزة، في ظل وصول أعداد الضحايا من الأبرياء الفلسطينيين وحالة الدمار للقطاع ومرافقه مستوى غير مشهود، وعلى مستقبل عملية السلام مع الفلسطينيين بشكل عام؟
تظهر الخلافات جليه بين أقطاب حكومة الطوارئ، التي تشكلت من قبل الأنداد، في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر. فلم تختف تماماً الأزمة بين نتنياهو ويوآف غالانت وزير الحرب، التي نشبت بينهما قبل أشهر، على خلفية الاحتجاجات على التعديلات القضائية، والتراجع عن قرار الإقالة بعد ذلك. كما تبقى خلافات نتنياهو وغانتس غير خفية، فبرزت قبيل اقرار موازنة الحكومة، وفي هجوم غانتس على نتنياهو عندما حمل رئيس أركان الجيش ورئيس المخابرات العسكرية ورئيس الشاباك مسؤولية الفشل في صد هجوم حركة حماس في السابع من اكتوبر. وغضب هيرتسي هاليفي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يوم الإثنين الماضي بعد تعرضه للتفتيش من قبل حراس من مكتب نتنياهو قبيل اجتماع مجلس الوزراء الحربي. واستقال رئيس شعبة ترخيص الاسلحة النارية، على خلفية أوامر بن غفير بتوزيع السلاح، معتبراً أنها توزع دون معايير. واتهم يائير لابيد زعيم المعارضة الإسرائيلية نتنياهو، بالمسؤولية عما حصل في غلاف غزة، ويطالبه بالتنحي.
كما استمرت التوترات في الشارع الإسرائيلي، خلال الشهرين الماضيين، والتي قادها أهالي المحتجزين الإسرائيليين لدى حركة حماس للمطالبة باستعادة أبنائهم، وباستقالة نتنياهو. كما يوجه المستوطنون في غلاف غزة والشمال، بعد نقلهم من المستوطنات، اللوم لحكومة نتنياهو ويتهمونها بالتقصير في حمايتهم، وعدم توفير الأمان لهم. ورغم ذلك، يتحد الأنداد في هذا الهجوم، رغم الخلافات، كما لم يتراجع الدعم الشعبي للهجوم على غزة الذي يطالب بالقضاء على حركة حماس، على الرغم من ضغطه لإطلاق سراح المحتجزين.
ويميل المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، خصوصاً فيما يتعلق بالحل السلمي مع الفلسطينيين. في العام ١٩٨١ دعم ٣٦% من الإسرائيليين أحزاباً يمينية، وبعد عشر سنوات صنف نصف اليهود في إسرائيل انفسهم كيمينيين، ولم تتبدل هذه النسبة بعد توقيع الحكومة الاسرائيلية بقيادة اسحاق رابين اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير. وجاء المجتمع الإسرائيلي بـنتنياهو رئيساً للوزراء، بعد اغتيال رابين. ورغم وصول ايهود باراك الذي يوصف كيساري في نهاية التسعينيات من القرن الماضي إلى سدة الحكم، حيث ارتفعت شعبية اليسار قليلا في ذلك الوقت، في ظل بقاء ميل المجتمع الإسرائيلي عموماً نحو اليمين. ورفض باراك الانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق أوسلو، للتفاوض حول قضايا الحل النهائي مع الفلسطينيين، واضعاً بذلك ارهاصات لانفجار الانتفاضة الثانية. ومنذ تلك الانتفاضة وينجرف المجتمع الإسرائيلي انزلاقاً بشدة نحو اليمين، فيعرف ثلثا الاسرائيليين أنفسهم اليوم كيمينيين، وأخرج المجتمع الانتخابي الإسرائيلي العام الماضي الحكومة الأشد يمينية وتطرفاً في تاريخه.
ورغم تراجع شعبية الائتلاف اليميني الحاكم بقيادة نتنياهو بشكل متدرج، بدأ مع صعوده للحكم أواخر العام الماضي، بعد إعلانه مباشرة عن الإصلاحات القضائية التي أججت الاحتجاجات الشعبية على مدار ٤٠ أسبوعاً متتالياً اعتُبرت الأطول في تاريخ إسرائيل، وانتهاءً بالهجوم على غزة، حيث توجه لحكومة نتنياهو أصابع الاتهام بالتقصير الأمني والعسكري، وباستثارة غضب الفلسطينيين، نتيجة لسياساتها المتطرفة تجاههم في الضفة الغربية. وتشير استطلاعات الرأي إلى خسارة نتنياهو لشعبيته كرئيس للوزراء، ويعتقد ثلاثة أرباع الإسرائيليين أن على نتنياهو الاستقالة، كما تراجعت مكانة الكتلة الحاكمة وسُجل تراجعٌ في تأييد الليكود، والأحزاب اليمينية المتطرفة. وتعطي الأغلبية اليوم ثقتها لـغانتس، الذي يحصد حزبُه الذي ينتمي ليمين الوسط، ويضم العديد من أعضاء حزب الليكود السابقين، حسب استطلاعات الرأي، أكثر من ضِعف مقاعد الكنيست التي يحصدها الليكود. الا أن غانتس لا يدعم حل الدولتين، ويرفض صراحة فكرة دولتين لشعبين. ويصر نتنياهو على استكمال هجومه على غزة، في ظل تراجع مكانته وحزبه وتحالفه شعبياً، الأمر الذي يجعل مستقبله الانتخابي على المحك، خصوصا وأن العدوان لم يحقق أهدافه، وقد يكلفه التراجع خسارة حلفائه في الحكومة أيضاً.
ورغم التصريحات الأميركية الإسرائيلية المتناقضة حول الهجوم الإسرائيلي على غزة، إلا أن ذلك لا ينفي الشراكة بين البلدين في هذا العدوان. منذ بداية الحرب تبنت الإدارة الأميركية دعوات حكومة الاحتلال بخروج الفلسطينيين إلى سيناء، قبل أن تتراجع عن تصريحاتها المعلنة تحت وطأة الرفض العربي. الا أن هناك مشروعًا متداولًا في الكونغرس الأميركي يبحث عملية التهجير تلك. ولم تلتزم حكومة الاحتلال بنصيحة الولايات المتحدة بتجنب استهداف المدنيين، وبعد انتهاء الهدنة، وبدء الهجوم تجاه خان يونس، باتت الولايات المتحدة تعتبر انه لا يوجد شواهد على تعمد إسرائيل استهداف المدنيين. كما وضعت الولايات المتحدة مطلع الشهر القادم موعداً لنهاية الهجوم، الا أن غالانت يؤكد استمراره لأشهر. ورغم اعتبار  أنتوني بلينكن وزير الخارجية أن السلطة الفلسطينية يجب أن تدير القطاع بعد انتهاء الهجوم على غزة، يرفض نتنياهو ذلك تجنباً لإنشاء دولة فلسطينية. فمن ستسود رؤيته في النهاية؟
ولم تغير الولايات المتحدة من شراكتها ودعمها اللامحدود لإسرائيل في الحروب التي خاضتها، بعد أن انتقلت عملية احتضانها من بريطانيا اليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وساندت الولايات المتحدة إسرائيل في حرب عام ١٩٦٧ و١٩٧٣ و١٩٨٢. كما ساهمت بتقليص خيارات منظمة التحرير وفصائلها، وتوجيهها نحو الخيار السلمي، الذي ترجم من خلال مؤتمر مدريد، ثم اتفاق أوسلو. واصلت الولايات المتحدة في خطاب أجوف التأكيد على ضرورة حل الدولتين، وانتقدت سياسة الاستيطان، في تناقض مع سياسة فعلية دعمت ممارسات الاحتلال في الأراضي المحتلة في المحافل الدولية، ووقفت ضد صدور أي قرار لإدانتها في مجلس الأمن، ولم تحرك ساكناً أمام سياسات اسرائيل الاستيطانية الزاحفة لتغيير بنية الأراضي الفلسطينية المحتلة جغرافيا وديموغرافيا، وواصلت سياسة تقديم المساعدات الاقتصادية للفلسطينيين من ناحية،  واستخدامها في المساومة لتقويض أي انجاز سياسي من ناحية أخرى.
تتعامل الحكومات الإسرائيلية مع الفلسطينيين منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية عام ١٩٦٧ من منظور أمني لا سياسي، وحتى اتفاق أوسلو جاء في مضمونه لاعتبارات أمنية، فهمش الجانب السياسي منه منذ البداية، وتم المحافظة على مكنونه الأمني. وكشفت الأيام أن المضمون السياسي الذي ينشد حل الدولتين لأي اتفاق مع الفلسطيني غير موجود. وتواصل قوات الاحتلال في هجومها على غزة ارتكاب أكبر عدد ممكن من المجازر، وتدمير ضخم للبيوت والمدارس والجامعات والأسواق والبنية التحتية، بدعوى تدمير حركة حماس، في منطقة جغرافية محدودة، ومكتظة جداً بالسكان المدنيين، ودون توفير مناطق آمنة، أو السماح بإدخال المواد الطبية والغذائية الكافية للمدنيين، أو حتى السماح بتدخل منظمات دولية إنسانية لإغاثتهم، الأمر الذي يعكس حقيقة هذه العملية، التي تسعى لقتل أي مظهر للحياة في غزة لمنع عودة المدنيين، الذين ترهبهم بالمجازر المتتالية دون توقف، الأمر الذي يدعم بوضوح مخطط التهجير القسري. وتتناقض تصريحات بايدن بالقضاء على حركة حماس تماماً مع دعواته لحماية المدنيين، في ظل واقع على الأرض يعكس عكس ذلك.
في الختام يبدو جلياً أن الفلسطينيين أمام مجتمع إسرائيلي يميني في توجهاته لا ينشد حلاً سلمياً مع الفلسطينيين ولا يفرز إلا حكومات تتنافس على حرمان الفلسطينيين من حقوقهم التاريخية والقانونية والإنسانية، وأمام نظام أميركي يتبنى مصلحة إسرائيل، بغض النظر عن أية تصريحات سياسية جوفاء فارغة تفيد بغير ذلك. وأثبت هجوم حركة حماس على غلاف غزة أن القوة الوحيدة التي تمتلكها إسرائيل وتسمح لها بالبقاء هي الدعم الاميركي الغربي لها، والذي يعمل منذ عقود على فرضها في المنطقة كقوة سياسية واقتصادية، واقناع الدول ومساومة الحكومات لتحقيق ذاك الهدف. إن ذلك يوجب على الفلسطينيين اليوم التوحد والوقوف صفاً واحداً، بعيدا عن الانتقادات والجدال العقيم، في هذه اللحظات العصيبة، للتصدي لهذا الهجوم غير المسبوق على غزة، لأن خروج غزة من المعادلة السياسية الفلسطينية سيفقدها التوازن. إن سياسة الولايات المتحدة تجاه دول المنطقة تثبت أنها طالما تخلت عن حلفائها دولاً وأنظمة في سبيل مصالحها، ومصالح حليفتها، التي تعد مصدر اضطراب وعدم استقرار في المنطقة. كما أن نوايا ومشاعر إسرائيل تجاه الفلسطينيين، والتي يراها العالم على شاشات التلفزة في غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية، تعكس ذات المشاعر تجاه باقي العرب والمسلمين.