ليس غريبا على من اختار درب المقاومة ان يختم حياته بالشهادة، ولكن للشهادة بعد جراح طويلة طعما مختلفا، طعم الصبر المر الذي يستحيل في النهاية شهدا وعزة. اليوم، يزف لبنان والجنوب المقاوم الشهيد الجريح علي محمد بزي، الذي ارتقى بعد رحلة مضنية مع الألم، قضاها صابرا محتسبا، يحمل جراحه كأوسمة فخر على جسده النحيل.
لقد كانت جراح علي بزي، التي أصيب بها في يوم “البيجر” المشهود، حكاية بحد ذاتها. لم تكن مجرد إصابة جسدية عابرة، بل كانت اختبارا للارادة واليقين. طوال تلك المدة، كان علي يعيش شهادة مستمرة؛ فكل أنين صامت، وكل لحظة وجع، وكل ليلة قضاها بين الأجهزة والمستشفيات، كانت ترفعه درجات عند الله. لقد جاهد بجسده وهو جريح، تماما كما جاهد بسلاحه وهو صحيح.
ومن بين أزقة بلدته الجنوبية التي تنفست العزة، يخرج علي اليوم محمولا على أكتاف المحبين. هذه الأرض التي اعتادت تقديم فلذات أكبادها، تودع اليوم ابنا بارا لم يبخل عليها بدمه ولا بصبره. إن انتماء علي لهذه الأرض العاملية ليس مجرد هوية، بل هو فعل إيمان تجسد في تحمله لعناء جراحه التي كانت تنزف بصمت الكبرياء، تماما كما تنزف قرى الجنوب صمودا في وجه كل العواصف.
وفي رحيله، يترك علي رسالة تضامن عميقة لرفاقه الجرحى الذين ما زالوا يصارعون الأوجاع في غرف المستشفيات وبيوت الصبر. هو يسبقهم اليوم ليخبر العالم أن الجراح ليست عائقا، بل هي مسار مواز للجهاد. إن معاناة رفاقه هي تذكار حي بأن المعركة لم تنته بانتهاء دوي الانفجار، بل هي مستمرة في كل لحظة علاج، وفي كل محاولة للنهوض من جديد. علي اليوم هو صوتهم الذي ارتقى، وهو الشاهد على تضحيات جيل كامل دفع من جسده ثمن ثباته.
رحل علي اليوم ليضع حدا لأوجاع الجسد، وليبدأ حياة الخلود حيث لا نصب ولا تعب. غادرنا تاركا خلفه إرثا من الصبر لرفاقه وعائلته، مذكرا الجميع بأن ضريبة الحرية غالية، وأن الجراح التي تسيل في سبيل الأرض لا تذهب هباء، بل هي البذرة التي تنبت نصرا وكرامة.
بأمان الله يا شهيدنا المظلوم والصابر. جراحك اليوم برئت، وروحك التي عانت طويلا تحلق الآن في ملكوت الله، ملتحقة بقافلة النور التي سبقت، شاهدة على زمن التضحيات الكبرى.
الواقع برس اخبار محلية وعالمية