من هو كابوس الدولة الصهيونية الذي يتربصون للخلاص منه؟

د. زهرة خدرج

كاتبة وناشطة فلسطينية

وصفته صحيفة لوموند الفرنسية بـأنه” سيد اللعبة”. 

أما نتنياهو فيتوعده بالتصفية واصفاً إياه:” الرجل الذي يمشي ميتاً”.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري: “سوف نستمر، سنلاحقه حتى نعثر عليه”.

إنه الكابوس الذي يؤرق دولة الاحتلال وأمريكا أيضاً، ما دفعهم إلى التفتيش عنه في كل مكان، لعلهم يستطيعون الوصل إليه!

ويتهمه الاحتلال بأنه هو من خطط لهجمات السابع من أكتوبر.

إنه: يحيى السنوار، رئيس الجناح السياسي لحركة حماس في قطاع غزة.. 

ابن المجدل- عسقلان، ولد ونشأ وشبَّ في مخيم خانيونس في غزة. درس اللغة العربية في الجامعة الإسلامية وقاد الكتلة الإسلامية فيها. 

اعتقله الاحتلال عام 1982 لمدة ستة أشهر بتهمة المشاركة في نشاطات أمنية. ثم أُعيد اعتقاله وحُكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة أربع مرات، إضافة إلى 30 سنة أخرى في 20 يناير 1988، بتهم تتعلَّق بتأسيس جهاز أمني والمشاركة في تأسيس الجهاز العسكري الأول لحركة حماس والذي عُرَف باسم “المجاهدون الفلسطينيون” قبل أن يتغير اسمه كتائب عز الدين القسام لاحقاً.

أمضى السنوار 23عاماً في الأسر في سجون الاحتلال، استفاد منها خير استفادة ليتعرف على الاحتلال عن قرب، نفسياتهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للأمور ورؤيتهم المستقبلية، ما يخيفهم، وما يهزهم ويؤثر فيهم.. تعرَّف السنوار على المجتمع الإسرائيلي عبر متابعاته لكل ما يصدر في الإعلام العبري وفي الدراسات العبرية التي تدرس وتفند الوضع الداخلي لدولة الاحتلال.

غادر يحيى السنوار أسوار السجن وقيود السجان في صفقة وفاء الأحرار عام 2011 ليُشكل خروجه مرحلة جديدة للحركة ولقطاع غزة.. ما حدا بدولة الاحتلال لأن تندم ندماً أشبه ما يكون بندم الكسعي على إطلاق سراحه. 

شارك في الانتخابات الداخلية لحركة حماس سنة 2012، وفاز بعضوية المكتب السياسي للحركة، وتسلم مسؤولية الإشراف على الجهاز العسكري لكتائب عز الدين القسام.

وضعته الولايات المتحدة على قائمة الشخصيات الإرهابية الدولية، ووضعته دولة الاحتلال على قائمة المطلوبين للتصفية في قطاع غزة. 

في 2021 انتُخِب السنوار رئيسا للمكتب السياسي في غزة خلفا لإسماعيل هنية.

تعتبر دولة الاحتلال السنوار عدواً خطراً، وتراه خصماً عنيداً ونسخة متطرفة من قيادات حماس.

في الفترات التي سبقت السابع من أكتوبر الماضي، استطاع السنوار إيهام دولة الاحتلال أن حماس تخلت عن المقاومة، وأن ما يهمها الآن تحسين الوضع الاقتصادي لأهالي غزة وتوفير فرص عمل لهم، فإذا به يفاجئ الجميع بل يصدمهم وهو ينهض ليحرق الأخضر واليابس كما قال.

يوم السابع من أكتوبر .. أُسرت أعداد كبيرة من سكان مستوطنات غلاف غزة من المحتلين، لم يستطع أحد تحديد عددهم آنذاك.. نُقل هؤلاء الأسرى إلى أنفاق غزة انتظاراً لتحقيق الهدف الذي دفع الحركة للعمل على أسرهم.. 

في نهاية ذلك اليوم( يوم السابع من أكتوبر)، وبحسب رواية إحدى أسيرات الاحتلال بعد أن أطلقت المقاومة سراحها، ذكرت أنه فُتح الباب، ودخل شخص ملتحي بدا أن له مكانة خاصة، وتقدم ناحيتهم، وحادثهم بعبرية جيدة، وقال:” أنتم في المكان الأكثر حماية، لن يحدث لكم شيء”، قبل أن يعرفهم على نفسه.. لقد كان هذا الشخص هو قائد حركة حماس في قطاع غزة!

الصحفي الصهيوني عميت سيجال قال عن تلك الحادثة:” قصة لا يمكن تصورها، إنها الأكثر إثارة من بين كل ما سمعته، لقد وقع فكي عند سماعها.. بطل القصة يحيى السنوار، المطلوب الأول لدولة الاحتلال، الذي تنتظره 4 أحكام بالسجن المؤبد”!

وفيما يخص صفقات تبادل أسرى الاحتلال لدى المقاومة، يصر كثيرون في دولة الاحتلال ويسيطر عليهم الغيظ والقهر وهم يقولون:” السنوار يتلاعب بأعصابنا عبر التحكم في صفقة تبادل الأسرى ليرغم حكومتنا على الخضوع لشروط المقاومة صاغرين”.

هذا الصقر شديد الجرأة، لم يمنعه القصف الجنوني والمرعب من التجول في أزقة قطاع غزة، وتفقد أحوالها، غير عابئ بتهديدات الاحتلال باغتياله.. 

إنه يحيى السنوار.

 

فلسطين المحتلة: سرايا القدس:استهداف 3 آليات عسكرية إسرائيلية وجرافة بقذائف التاندوم في بيت حانون ومنطقة التوام شمال غرب غزة

كلمة الشيخ نعيم قاسم في الذكرى السادسة والعشرين ‏لتأسيس السرايا اللبنانية في بيروت 2-12-2023

 

الشيخ نعيم قاسم في الذكرى السادسة والعشرين لتأسيس السرايا اللبنانية في بيروت 2-12-2023م،

ومما جاء فيها

المقاومة ستصمد وتستمر وقد أعدت العدة لذلك، وعامل القوة لديها هو حق الشعب الفلسطيني بأرضه والتفاف الشعب حول المقاومة وإرادة القتال حتى آخر نفس.

الآن يوجد سباق مع الزمن: من الذي يصل إلى هدفه؟ إسرائيل بتصفية القضية الفلسطينية أم المقاومة بالصمود وتيئيس العدو من قدرته على ذلك؟

خمسون يوماً لم يحقق الإسرائيلي أي هدف، حتى الأسرى أفرج عنهم بالتبادل وليس في المعركة. الجهوزية كاملة وسيكتشف الإسرائيلي أنَّه يدور حول النقطة نفسها وأنَّ هذه الحرب عبثية وستنقلب نتائجها عليه، كما سيخرج الشعب الفلسطيني من هذه الحرب أشد تمسكاً بأرضه ومقاومته، والإسرائيلي أشد ضعفاً وقلقاً على المستقبل.

نحن مقتنعون أننا سنهزم إسرائيل لكن بالنقاط، ولا تعتقدوا أننا مستعجلون في ذلك. يقول البعض لماذا لا تبدأون الآن حربكم ضد إسرائيل على قاعدة (عليهم يا عرب)، نسألهم ماذا تعملون أنتم؟ أم تكتفون بالتنظير فقط؟ نحن معكم فكونوا أمامنا ونحن وراءكم (وراءهم حتى ندفنهم). نحن في الخندق الواحد المقاوم مع غزة، سنقدم ما يلزم لنساعد على الانتصار، ولن تخيفنا تهديدات أميركا وأسرائيل، ولن ندير آذاننا للمثبِّطين والمشوشين على مشروع المقاومة، فتاريخنا مليء بالتحديات والصعوبات ، لكنه مليء أيضاً بالإنجازات والنصر للمقاومة والله وعدنا بذلك ″إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ″.

شهادة عباس محمد رعد: «البيعة الثانية

 

الدكتور بلال اللقيس

دأبت مسيرة حزب الله، منذ تأسيسها، لتميّز نفسها عن كثير من التجارب التي شغلت الساحتين اللبنانية والإقليمية، ونجحت في ذلك. أصرّت أن تعرّف نفسها كمسيرة «شهادة» و«حجة». شهادة أنّ الحق والباطل لا يتعايشان في قلب واحد، وأنّ الحضارة لا تقوم إلا بالحقّ وفقط الحق وإلّا تبقى في اصطراع لا ينتهي مع الطبيعة الأولى للناس. شهادة أنّ الأوطان هي حاجة تاريخية للإنسان باعتبارها محلّ تجلّي إنسانيّته وكمالاته، والأخيرة لا يمكن بلوغها بعيداً عن التزام الحق ومجابهة تمييعه، وأنّ الأوطان لا تقوم وتستمرّ بالحياد، فالشهادة قيمة مرجعية أخلاقية عليا تحتاجها المجتمعات والبشرية. ولذلك، كان ممّا بعث الأنبياء ومعهم الكتب السماوية به هو تنبيه المسيرة البشرية لمخاطر الانحراف وتغيير خلق الله وتقويم ذلك بقتل الشهادة إذا اقتضى المقتضى. شهادة أنّ العلم ليس في انتصار الإنسان على الطبيعة وتطويعها له فقط، بل أيضاً لإثبات فعلية التغيير الاجتماعي وواقعيته كأبرز الحقائق العلمية والتاريخية، وأنّه أوسع ممّا حاصره الغرب حين اختزله بالعلم التجريبي. شهادة أنّ الأطروحة الغربية، رغم ظاهرها، تعاني انفصاماً نظرياً وعملياً، وسرعان ما ستكون في مواجهة السواد الأعظم من البشرية بما يتنافى مع ادّعائها الليبرالي – الديموقراطي. شهادة أنّ الدين ليس حاجة فردية ومعنوية فقط، بل حاجة وضرورة اجتماعية واقعية. شهادة أنّ المقاومة اليوم هي السبيل الأوّل والأساس لحياة كريمة ولإنتاج هوية مشتركة في الحاضر قادرة على صناعة المستقبل. بهذه الخلفية المعرفية، رأى حزب الله ذاته وسعى إلى تقديمها، وعلى هذا الفهم مضى شهداؤه وصفوته. التفّت الناس حوله، ورَدُوه عطاشى في صحراء مقفرة، أسبغوا عليه حبّهم وتأييداً غير مسبوق. شكّل بالنسبة إليهم «فكرة حق» ناجحة ألفتها نفوسهم وضمائرهم النقية. رأوه يعبّد لهم الطريق ويوسّع الآفاق، لا يستّغلهم ولا يمتطيهم لمنصب ولا شهوة سلطة ولا شهرة، بل يجعل أجساد شهدائه وقادته معبراً لهم نحو الأمل الذي يستحقّون. كان خادماً أميناً خاطب العقل أوّلاً والوجدان، وامتنع عن استثارة الغرائز والغيريات. تعشّقوه حتّى أصبحت أحلامهم وأمانيهم وتطلّعاتهم وأولويّاتهم من خلاله، ربّما كونه جاءهم بمقاومة بنّاءة احترمت من قبلها وراكمت عليه ولم تنسفه، وربّما لأنّه كان جامعاً لا مفّرقاً، وربّما لما رأوه من تجارب غرقت بأفكار مستوردة وبحثاً عن سلطان واقتتالاً من أجل الحطام واستئساداً على شريك وهزالة أمام عدو. ربّما لأنّهم سئموا تجارب حرّكها القلق والعنصرية والاستغراق بالتاريخ وسرديّاته المفتعلة، أو أنّهم سئموا الانغلاق والتقوقع والعجز والتهرّب من النقد وتحمّل المسؤولية. ربّما لأنّهم سئموا دين أفيون الشعوب وديناً لا يميّز بين الحق والباطل، وثالثاً جعل الدين مطية وبيدقاً في مواجهة «الكفر»، أي الاتحاد السوفياتي حينها. وربّما لأنّه كان يتيماً في التجارب التي أعطت ولم تأخذ وحمت ولم تُشكر وجادت ولم تبخل وبادرت ولم تنتظر وانفتحت ولم تتقوقع وحملت الناس إلى القضايا بدل إغراقهم في متاهات لبنان والعرب الضيّقة (ندعو إلى البحث عن صلة نفترض وجودها بين حالة الاستقرار الأمني الداخلي في لبنان وعدم انفجاره رغم هول الزلازل التي أصابت الإقليم وعظيم التحدّيات وبين وجود حزب الله بثقله وحضوره).
هم، أي الناس، صاروا يبحثون عن خطاب آخر ولغةٍ أُخرى ومنطق مختلف، فكان حزب الله استجابةً لذلك. فكان ممّا رآه أنّ أحوج ما نحتاج إليه ليس تعديلاً قانونياً أو تطويراً دستورياً هنا وهناك في لبنان أو غير، إنّ ما نحتاج إليه هو نموذج ثقافي وقيمي يعيد تقويمنا ونظرتنا إلى الأشياء وتعريفها. نريد تغييراً في المثال الأعلى لدينا وفي ثقافتنا السياسية بما يؤدي إلى تطوير نظامنا ومؤسسات السلطة ومعادلاتها، فالأخيرة وما بها من أعراض وليدة الأولى واعتواراتها.
خلاصة القول إنّ حزب الله ليس تجربةً حزبية بمعناها التقليدي، ولا مقاومته مقاومة تحرير أرض أو إثبات ذات، بل هي مدخل لبثّ روح اليقظة والتحرّر النفسي فالسياسي والفكري في الأمّة وعبرها إلى العالم. منافس قويّ وواعد مقارنةً ببقية الطروحات في الإقليم وحتّى أوسع منه.
بهذه الشاكلة، وفي هذا الخط والمنهج، سعى حزب الله، فامتلأت مسيرته بمحطات خالدة، من 11-11 إلى شهادة أمينه العام السيد عباس الموسوي وزوجته وطفلهما، إلى استشهاد نجل أمينه العام التي عبّرت عن البيعة الوطنية الأولى (قد يصنّفها البعض البيعة الثانية بعد مبايعة الناس للإمام السيد موسى الصدر على الجهاد بوجه إسرائيل ورفع الحرمان) لحزب الله على طريق تحرير الأرض والوطن وإنسانه وإضاءة المشكاة لأوّل مرّة في العتمة. أدّت هذه الشهادة بتوقيتها وظروفها المعقّدة حينها (كانت ضغوط مدريد أشدّ بكثير من ضغوط أبراهام وكانت الهيمنة الأميركية على لبنان أقوى بكثير مما هي اليوم وكانت القناعة بجدوائية المقاومة أقّل بكثير ممّا هي عليه اليوم) إلى تثبيت شرعية وطنية واعتراف بها كان قد كرُه على كثيرين في لبنان القبول بها. لكن ما بعد شهادة هادي نصرالله فعلاً كانت غير ما قبلها. اتّضح معها أنّ الشرعية لا تتأتّى من مال يغدق لشراء الذمم، ولا من إعلام التحريض وتجاوز الحقيقة، ولا من خطاب التفاهة واستثارة الغرائز، ولا من الإطناب في الحديث عن الوطنية بقصد احتكارها، ولا من وراثة سياسية واقتصادية وزعامة، ولا من تبعية للغرب أو الشرق. تأتي الشرعية من الداخل، أولاً من الهدف الحق ومنهج الصدق وتلازم القول والفعل، من محاكاة العقل والكرامة والالتزام وحسن انتخاب الأولوية وحب الناس والفناء بهم والتفاني من أجلهم. ففرضت شرعية حزب الله الوطنية نفسها وبُويِع بيعةً وطنية مشهودة.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين ونيّف، وفي ظل تحوّلات كبرى وتاريخية ضربت العالم والإقليم، كان آخرها «طوفان الأقصى» الذي اقتحم كل عقل وقلب وجماعة ومجتمع وفرز البشرية أيّما فرز، شاءت المشيئة أن يكون لحزب الله أيضاً مدخلية إلى اعتراف كثيرين شقّ عليهم ذلك من قبل وبالغوا في الحؤول دونها، إلى اعترافهم بشرعية إقليمية معتدّة له. لقد تجاوز حزب الله شِركهم ومكائدهم باعتماده على الوقائع الثابتة والخطاب المسؤول، لا بالجري وراء الفقاعات والادّعاءات والكذب والصوت العالي، فالأباطيل لا تُغني عن الحقيقة شيئاً في نهاية المطاف.

لقد كانت غزّة اختباراً لكشف الإنسان في كل جماعة ودين، وكشف لياقاتنا نحن البشر في حفظ أوطاننا ومقدّساتنا وقيمنا الأولى وجبلتنا وتضامننا على حقنا ورجاحة عقلنا وتحسّس مستقبلنا، هل سيكون عالمنا المقبل عالم فلسطين أم عالم «إسرائيل»! فهذان تعبيران عن نظرتين للحياة وعلينا أن نحدّد.
أتت شهادة الشهيد عباس محمد رعد اليوم ربطاً – وإسناداً ودعماً وتكميلاً – بالجهد الثوري الفلسطيني المقاوم المخلص بعد أن سدّد ضربته المزلزلة لإسرائيل. أتت شهادته في لحظة تضامن غربي غير مسبوق مع الكيان الصهيوني لمواجهة نهج المقاومة وحلقاتها وقواها. أتت في لحظة بدأت فلسطين وأبطالها وشعبها ومظلوميته تجوب العواصم وتحاصر الأنظمة وتستحثّ الشعوب وتثير الأسئلة على مصراعيها حول رهان الاقتراب من الغرب والتّقوّي بـ«إسرائيل». أتت لتقول إنّ التزامنا بفلسطين عميق وأصيل وبكل قضايا التحرر، وإنّنا ادّخرنا وندّخر أبناءنا لهذه اللحظات التاريخية في حياة أمتنا والانتصار لحقها.
أتت هذه الشهادة لتؤكّد عظيم التزام حزب الله بمقتضى وطنيته والانتماء الفعّال لها، الذي لا يتنافى، بل يتعمّق، باجتراح وسائل وإبداع سبل تجمع بين الحق الوطني وحق الأمة وفلسطين. «إسرائيل» اليوم تعيش هاجس تطويق واقعي تدريجي بحراً وبراً ومن كل الحدود، بينما المقاومة الفلسطينية تضرب بالقلب، ولا سبيل أمام الصهاينة إلّا التخبّط. أتت رسالتها بليغةً للعرب الذين لا يرغبون أن يروا حزب الله في دور إقليمي يشيد بناه ويسهم في إعماره، وأنّ «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«حزب الله» و«أنصار الله» و«الحشد الشعبي» ومحور المقاومة قد انتصروا، وهم على أبواب انتصار تاريخي لن يقوى عدّوهم على منعه، وأنّ تلاقي الإرادة المقاومة وانصهارها في جبهة مواجهة الهيمنة هي باب عبور هذه الأمّة إلى مستقبلها. فشهادة عباس محمد رعد، رئيس أكبر تأييد شعبي في البرلمان اللبناني وأحد أهمّ مؤسسي حزب الله والحالة الإيمانية الجهادية في لبنان وأحد قادتها، تؤكّد أنّ ما يجب أن يميّز هذه المنطقة ويرسم رونقها في أي عمارة دولية آتية هو مقدار ما تقدّمه للبشرية من إعلاء قيمة التحرر وبثّها في الأمم.
بهذه الشهادة تترسّخ مكانة حزب الله ونموذجه الإقليمي والحاجة إليه كسند ومؤازِر للمقاومة الفلسطينية الشريفة وكل قوى التحرّر في معركتهم بوجه العدو الصهيوني والهيمنة الأميركية، كما كانت الحاجة إليه ولا تزال في مسار تحرير لبنان وتحرّره. فعندما تسقط دماء كبار قادة حزب الله وأبنائهم، أو بالأحرى عندما ترتقي هذه الدماء في معركة الأمة بجانب إخوة الدم والقضية في فلسطين، فهذا دلالة كافية أنّ المعركة واحدة والغاية واحدة والنصر واحد والمصير، وأنّ كل من سعوا ليحرموا حزب الله منه في الإقليم ودأبوا للحيلولة دونه، يعود ليتثبّت بمعمودية الدم القاني الذي لا يمكن تزويره البتة.

المصاعب في الشجاعية وجباليا، وتسلُّح حزب الله – صورة راهنة لتجدُّد الأعمال القتالية

المصدر : يديعوت أحرونوت

المؤلف : يوآف زيتون

مع انتهاء وقف إطلاق النار صباح اليوم (الجمعة)، والذي استمر مدة أسبوع، وجرى خلاله إطلاق سراح 105 مخطوفين، يستعد الجيش لتجديد الأعمال القتالية البرية على جانبَي الحدود وفي الميدانَين. قام الجيش الإسرائيلي بمهاجمة نحو 200 هدف في أرجاء القطاع، في حين أُطلقت من القطاع رشقات صاروخية في اتجاه وسط البلد، وجنوب الوسط، و”غلاف غزة”.

وفي حين أن المفاوضات لا تزال دائرة مع “التنظيم الإرهابي” في قطر بشأن تنفيذ جولة أُخرى من التبادل خلال اليوم التالي، فقد أتم الجيش الإسرائيلي استعداداته في الميدان لتجديد المناورة البرية. خلال الأسبوع الماضي، حرص الجيش الإسرائيلي، مرتين، على نشر إعلانات بشأن تجديد رئيس هيئة الأركان مخططاته المتعلقة بتجدُّد القتال البري في القطاع. وظهر في أثناء إعلان المخططَين ضابط رفيع لم يتم تشغيله بعد مسؤولاً عن الإطار الفرقوي، وهو المقدم دان غولدفوس، قائد فرقة النخبة النظامية رقم 98 [الفرقة رقم 98 أو “تشكيل النار”، وهي فرقة نظامية عسكرية مكونة من المظليين والكوماندوس، متخصصة في الحصار، والهبوط المظلي، والقتال في العمق]. لقد تم تفعيل وحدات هذه الفرقة، على غرار ألوية المظليين والكوماندوس منذ بداية الحرب، لكن هذه الوحدات لم يتم تشغيلها في إطار فرقة النخبة، حتى الآن. وفي الإمكان الافتراض أن الوحدات العاملة تحت إمرة المقدم غولدفوس، وهي الأفضل على مستوى الذراع البرية، إسرائيلياً، ستعمل في إطار المهمات المعقدة والمناطق المزدحمة في أوساط المناطق المدنية.

أما بشأن شمال قطاع غزة، فالمهمة لم تنتهِ هناك بعد. لقد أعادت حركة “حماس” تنظيم صفوفها أيضاً في المواقع التي أنهى الجيش الإسرائيلي عمله فيها، والتي ما زال يطاردها بالضربات، 3 مرات خلال أيام الهدنة، في حوادث متعددة، كما جرى في بيت حانون وحي الشيخ رضوان. لقد ظلّت كنواة صعبة على الكسر في القطاع في المواقع القريبة من الحدود مع إسرائيل: في بلدة جباليا وحي التفاح والشجاعية.

على مرّ السنوات، قدّرت حركة “حماس” أن الجيش الإسرائيلي سيعمل ضدها في الحرب، وجهاً لوجه، وسينقضّ أولاً على المناطق الحضرية الفلسطينية القريبة من الحدود. هذا ما حدث في حملة “الجرف الصامد”، عندما قام الجيش بـ “معالجة” 30 نفقاً على الأقل تمر عبر الحدود. إن صدمة الشجاعية التي تم فيها تفجير مدرعة تابعة للواء غولاني، لا تزال محفورة في وعي المقاتلين على جانبَي المتراس منذ ذلك الحين. ولذا، قامت حركة “حماس” بنشر أقوى كتائبها بصورة مركزة قبالة الحدود مع إسرائيل، في تلك المعاقل التي لم تطأها بعد أقدام الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، باستثناء ما قام به في أثناء محاصرة جباليا.

في هذا الأسبوع، انتشرت مقاطع فيديو مزعجة، مصدرها الشجاعية ومحيطها، يظهر فيها مسلحون تابعون للذراع العسكرية لحركة “حماس”، يقومون بتسليم بعض المخطوفين للصليب الأحمر في وضح النهار.

السلاح يتدفق إلى قطاع غزة من سيناء

هناك مسألة أُخرى سيتعين على الجيش الإسرائيلي التعامل معها، مصدرها المنطقة الجنوبية من قطاع غزة، التي تشكل نحو 70% من المساحة الجغرافية للقطاع: محور فيلاديلفي الفاصل بين مصر، وإسرائيل وقطاع غزة، ابتداء من كرم أبي سالم ووصولاً إلى رفح (وهي مدينة مكتظة ومشطورة [بين مصر وغزة]. في رفح يوجد لواء كبير تابع لحركة “حماس”، كما تسيطر على المدينة عائلات إجرامية كسبت ثروتها من التهريب عبر سيناء. تُعتبر المدينة جبهة قاسية بحد ذاتها، والجيش الإسرائيلي لا يزال بعيداً عن التعامل معها.

خلال الحرب، اتضح أحد المعطيات المذهلة: العديد من آلاف الوسائل القتالية، وغنائم الحرب الأهلية في سورية، التي استخدمتها قوات النخبة في اقتحامها القاتل لإسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، دخلت إلى القطاع عبر الحدود مع سيناء من فوق الأرض. لا عبر أنفاق التهريب التي كان الجيش الإسرائيلي متأكداً من أن الجيش المصري دمرها، ولا بصورة خفية، ولا عبر البحر أيضاً، بل في شاحنات قطعت معبر رفح، وهي تحمل صناديق ذخيرة، والكثير من صواريخ RPG، ورشاشات وافرة، وهذا السلاح تم الانتهاء من استخدامه للتو في كلٍّ من العراق وسورية. كل ذلك حدث حين كان الجيش الإسرائيلي، بحسب وسائل الإعلام الأجنبية، يبذل كل طاقته في هجمات صغيرة وجراحية في سورية، في محاولة منه للحؤول دون تعاظم القوة العسكرية لحزب الله.

لقد استغل الجيش الإسرائيلي وقف إطلاق النار، ليس فقط من أجل إتمام استعداداته اللوجستية والمصادقة على المخططات العسكرية، بل أيضاً من أجل تجديد نشاط قسم كبير من القوات. إن المقاتلين النظاميين الذين يقاتلون في قطاع غزة، سُمح لهم بالخروج إلى قواعد في الجنوب للقاء عائلاتهم، لكنه لم يسمح لهم بالذهاب إلى منازلهم. لقد اضطر الضباط طوال الأسبوع الماضي إلى إجراء العديد من المحادثات مع الجنود لمواجهة المصاعب النفسية المتمثلة في انخفاض الروح المعنوية في أوساط الجنود الشبان. فالعودة بالذاكرة لمعالجة أحداث القتال، خلال فترة الهدنة، والمشاهد التي رآها المقاتلون في المعارك، ومشاهدة مقاطع الفيديو، وسماع أخبار الدعم الجماهيري لهم، كل تلك عوامل تؤدي إلى انخفاض في الروح المعنوية.

ما الذي يخطط له حزب الله؟

أما على الجبهة الشمالية، التي تم إقصاؤها طوال الأسبوع الماضي إلى هامش الوعي، فقد جرى تطور استثنائي في الأيام الماضية: وقف إطلاق نار هادئ، وغير رسمي، تم خرقه، كما جرى في قطاع غزة من خلال أحداث فردية، تم خلالها إطلاق صواريخ اعتراضية على أهداف مشبوهة، اتضح أن بعضها كان أسراباً من طيور سيئة الحظ، حلّقت كما تحلّق الطائرات المسيّرة، من سماء الجنوب اللبناني نحو مناطق الجليل.

لقد جرى تفاهُم صامت بين الطرفين بشأن وقف إطلاق نار غير رسمي، لكن حزب الله خرقه لإعادة التسلح في المنطقة الحدودية، وتعزيز مواقع عسكرية قريبة من خط المواجهة. وفي بعض الحالات، وصلت شاحنات محملة بوسائل قتالية مختلفة، معظمها من المقذوفات، إلى ناشطي فرقة الرضوان (وحدة النخبة التابعة لحزب الله، التي تهدف إلى اجتياح إسرائيل) الكامنة على الحدود. ومع ذلك، وكما هو معروف، فإن حزب الله لم يقم بعد بنقل كامل ألوية الرضوان التابعة له إلى الجنوب اللبناني. في مواجهة إسرائيل، مع العلم بأن لدى الحزب عدة آلاف من ناشطي قوة الرضوان، قُتل نحو 100 من هؤلاء على يد الجيش الإسرائيلي. يُحتمل أن يمثل الأمر دليلاً على التزام حزب الله بسياسة خوض قتال محدود ضد إسرائيل، بدلاً من حرب شاملة، حتى بعد انتهاء الهدنة.

أما الجيش الإسرائيلي، من جانبه، فقد شدد بصورة طفيفة على أوامر فتح النار في هذه الأيام في الشمال، ولم يتم تسجيل أي مبادرات من الجيش إلى شن الهجمات، كما حدث في الشهر الماضي. وبخلاف عدد من الكتائب النظامية، معظمها من لواء كفير، وسلاح المدفعية المحمولة على دبابات ميركافا 4 المجهزة بمنظومة معطف الريح الدفاعية، فإن آلاف المقاتلين في الفرق العرضية التي تحمي منطقة فرقة الجليل، منذ اندلاع الحرب، تتمثل في جنود احتياط. لا أحد من هؤلاء يعلم متى سيعود لممارسة حياته اليومية المدنية، وإلى حضن عائلته. أما في المناورة الدائرة في قطاع غزة، مقارنةً بذلك، فإن أغلبية القوة العاملة هناك هي قوة نظامية مؤلفة من الشبان من فرق النخبة، باستثناء ألوية الفرقة رقم 252 [فرقة سيناء] التي تشارك في المناورة.

يعتزم الجيش الإسرائيلي مواصلة العمل، بحيث يظل ميدان القتال في الشمال ميداناً ثانوياً، على الرغم من أن العدو العامل على تلك الجبهة هو العدو الأكبر لإسرائيل، في حين أن قطاع غزة سيبقى ميدان القتال الأساسي. وكما هي الحال على الحدود مع قطاع غزة، يمكن الافتراض أن حزب الله لديه أنفاق على الحدود اللبنانية، تشبه تلك الأنفاق التي قام الجيش الإسرائيلي ببترها خلال حملة “درع شمالي” في كانون الثاني/يناير 2019. من ناحية قيادة الجبهة الشمالية، فإن استخدام حزب الله هذه الأنفاق للاجتياح، أو استخدام البحر، إلى جانب الاجتياح من فوق الأرض، لا يزال احتمالاً ممكناً. لقد قامت قيادة الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي طوال العام الماضي بالتدرب، في ثلاث مناسبات، على الإمداد السريع بالقوات لتلك المنطقة، في ظل سيناريو يمثل غزو فرقة الرضوان، فضلاً عن مناورات أُخرى أصغر، قامت بها قوات النخبة الإسرائيلية.

حتى الآن، قام حزب الله بإطلاق أكثر من 1000 مقذوف مختلف، إلى جانب مئات الصواريخ المضادة للدروع في المنطقة الحدودية، ووجّه معظمها إلى أهداف تابعة للجيش. أما بخصوص إطلاق الصواريخ إلى مدى أبعد، نحو منطقة الكريوت [المنطقة الواقعة شمالي حيفا] ونهاريا، فالمسؤول عنه هو الذراع العسكرية لـ”حماس” في الجنوب اللبناني، والتي تمت تصفية بعض قياداتها، بحسب مصادر صحافية أجنبية، على يد الجيش الإسرائيلي، قرب مدينة صور، خلال الشهر الماضي. وفي حين أن مجلس الكابينيت لم يحسم بعد مسألة كيفية التعامل مع حزب الله، وإعادة ثقة مئات الآلاف من سكان الشمال القاطنين بالقرب من الحدود، بالدولة، لكي يكونوا قادرين على العودة إلى العيش هناك، لقد أوضح الجيش للقيادة السياسية أن “المعركة الدفاعية، مهما كانت ناجحة، تماثل ما تمكن الجيش الإسرائيلي من إنجازه على مدار الشهر الماضي، لن تكون هي من تحسم الحروب”.

في هذه الأثناء، يحاول الجيش الإسرائيلي أيضاً الاستعداد لواحد من أكثر التحديات تعقيداً في مواجهة حزب الله: مصاعب الكشف عن الطائرات المسيّرة الهجومية، وبالتالي إطلاق تحذيرات للقوات والمواطنين الذين ظلوا في المنطقة. لقد نجح حزب الله في أربع مرات على الأقل في إدخال مسيّرات مسلحة وتفجيرها على مدار الشهر الماضي، والتسبب بإصابة جنود إسرائيليين بهذه الوسيلة. على مدار الأسبوع الماضي، تم إدخال وسائل جديدة وتكنولوجية من المفترض أن تحسّن الاستجابة في مجال الكشف عن هذه الطائرات الصغيرة التي تطير ببطء، وعلى ارتفاع منخفض، وهو ما يصعّب عملية الكشف عنها. هذا هو السبب الكامن وراء صافرات الإنذار الكاذبة في الشمال مؤخراً، ومن شأن هذه الصفارات أن تستمر ويتسع مجال إطلاقها مع تجدُّد القتال في هذه الجبهة أيضاً.

دعوا الجيش ينتصر في الشمال

المصدر : مكور ريشون
المؤلف : شلومو بيتركوفسكي

في الوقت الذي توشك جبهة الجنوب على الدخول في عدة أيام من التهدئة، ستجري خلالها صفقة إطلاق عشرات المخطوفين، تتصاعد في الشمال المواجهة بين الجيش الإسرائيلي وبين حزب الله ببطء. وتزداد جرأة التنظيم “الإرهابي” الشيعي، الذراع الإيرانية، وتتصاعد كلما بدا لأنصاره أن خطر اندلاع حرب واسعة من جانب إسرائيل ضئيل. في هذا الأسبوع فقط، سُجّل كثير من الحوادث على الحدود، إطلاق صواريخ مضادة للدروع وقذائف مدفعية، وحتى إطلاق مسيّرة، جرى اعتراضها فوق نهاريا. من الصعب ألا نرى في ازدياد هذه الهجمات خطوة محسوبة يقوم بها حزب الله، وهدفها تغيير جذري في المعادلة الأمنية التي وُضعت على الحدود مع لبنان منذ انتهاء حرب لبنان الثانية [حرب تموز/يوليو 2006].
من الواضح أن نصر الله يريد العودة إلى الأيام التي كان فيها سكان المستوطنات المتاخمة للحدود يعيشون في خوف دائم من إطلاق الصواريخ والقذائف المدفعية، ومن تسلُّل “مخربين”. وهنا يُطرح السؤال: كيف يمكن إعادة السكان إلى منازلهم؟ وكيف تضمن إسرائيل المحافظة على سلامة السكان في هذه المستوطنات؟
بمرور الأيام، يبدو أنه لا يمكن إنهاء الحرب في غزة من دون عملية عسكرية كبيرة على الجبهة الشمالية أيضاً. يجب أن نوجّه إلى حزب الله ضربة عسكرية قوية جداً. بهذه الطريقة، تفهم قيادة الحزب أن مصلحتها هي في عودة الهدوء المطلق. ومن دون القيام بمثل هذه الضربة، لا يمكن إنهاء حالة الحرب والعودة إلى الحياة العادية في الجليل. صحيح أن القيام بعملية عسكرية في لبنان، يمكن أن يكون إشكالياً من الناحية الدولية. إن الشرعية الدولية المعطاة لإسرائيل في حربها ضد غزة ناجمة بصورة أساسية عن “الوحشية” التي لا يمكن وصفها للهجوم العنيف الذي شنته “حماس” في عيد سيمحاة هتوراه. فقد أدرك زعماء الدول الغربية الذين تعرضوا لمثل هذه الفظائع أنه لا يمكنهم السكوت عن هجوم فظيع كهذا. وبالتالي، فإن تجنيد شرعية دولية مشابهة لشن هجوم كبير في الشمال، سيكون صعباً للغاية. لكن على الرغم من صعوبة شن معركتين على جبهتين في آن معاً، والخوف من الضغط الدولي، فقد حان الوقت للقيام بعملية عسكرية ضد حزب الله.
طول نفَس المدنيين له حدود. وتحديداً، من أجل العودة إلى توظيف الجهد الأكبر في غزة، المطلوب تحقيق إنجاز عسكري مهم في الساحة الشمالية. مثلُ هذه الخطوة، يمكن أن يدفع حزب الله إلى الإدراك أن لديه الكثير ليخسره جرّاء تصعيد المواجهة، وفي إمكان هذه الخطوة أن تعيد الهدوء إلى الشمال، وأن تسمح للسكان بالعودة إلى منازلهم، وتمنح الجيش الإسرائيلي مساحة أكبر للتنفس والقضاء على “حماس”.

السنوار يبتكر صيغة جديدة وفتّاكة من برامج تلفزيون الواقع، ويعبث بعقول مواطني إسرائيل

المصدر : هآرتس
المؤلف : روغل ألفير

بات من الصعب تقدير الضرر النفسي الجماعي بإسرائيل، والناجم عن أيام الهدنة. لقد صدقت [المذيعة الإسرائيلية] يونيت ليفي عندما تركز، في كل مساء تقريباً، على القول إن التاريخ البشري لم يشهد مثل هذا البث المتلفز في أي مكان في العالم. هذا أمر جدّ فريد. يبدو الأمر كمدخل إلى عالم ترهب فيه التنظيمات “الإرهابية” المدنيين، وتقدم برنامجاً لتلفزيون الواقع، يتم تصويره في جهنم. أمّا الخطوط العريضة لصفقة تبادُل المخطوفين، فهي تمثل، عملياً، نسخة مرعبة من برامج الواقع هذه. نسخة من برامج الواقع التي تتجاوز خطّ اللا عودة، ولا تكتفي بطرد المشاركين إلى منازلهم، أو إلى جزيرة معزولة ما، كما يجري في برنامج نتفليكس الشهير “لعبة الحبّار”، بل تتعلق بحياة وموت أشخاص حقيقيين.
تعكس الخطوط العريضة للصفقة بعضاً من روح زمن الحضارات المظلمة، تحت تأثير عميق ومتواصل من موضة برامج الواقع المتعلقة بأنماط التفكير لدى الجماعات، وتصور الواقع في العالم كله. يعرف السنوار إلى أي حد مواطنو إسرائيل مدمنون على أجهزة تلفازهم، وهو يعلم تماماً ما الذي يحبون مشاهدته.
لقد اخترع لهم، أمام أبصارنا، برنامجاً لا يمكنهم أن يزيحوا أبصارهم عنه. وفي كل مساء، يُبشر هؤلاء بخبر إطلاق سراح نحو عشرة من المخطوفين. وحتى ذلك الحين، التوتر يجعلهم يلتصقون بشاشات التلفاز. وبعد ذلك، تأتي مرحلة التنفيس. يدرك المشاهدون الإسرائيليون أن السنوار يعبث بعقولهم، عبر نموذج قام هو باختراعه، مستلهماً برامج الواقع. إنه يعبث بمشاعرهم. وهم يدركون أن مَن يشارك في هذه اللعبة، هم عائلات المخطوفين، التي تمر بعملية تعذيب نفسي متواصل. لكنها تواصل اللعب، ويواصل المشاهدون التحديق.
يمثل الأمر تجسيداً لرؤيا “ألعاب الجوع” (Hunger Games)، حيث تضّطلع فيها إسرائيل بدور المشروع التجريبي، تماماً كما كان “الشعب الإسرائيلي” هو المشروع التجريبي للقاحات كورونا في العالم. هناك أشخاص حقيقيون، يعيشون في ظل خطر الموت المحقق والفوري. لكن برامج الواقع تتطلب وجود منافسة. فإن لم يكن هناك منافسة، فلن يكون هناك لعبة، ولن يكون لدينا منتصر. أين تكمن المنافسة في هذه اللعبة؟ إنها منافسة خفية عن العين، وهي ملطّفة، وتتبدّى في السؤال الأهم للبرنامج، هذا السؤال المتمثل في الشعار الخاص ببرنامج الواقع الوحشي هذا: مَن سيتحرر اليوم؟
إن التضامن مع عائلات المخطوفين، هو تضامُن حقيقي وصادق، طبعاً، لكن السؤال السابق هو السؤال الوحيد الذي يعتمل في الأنفس، لا سؤال غيره. يمثل الأمر نوعاً من لعبة يجب أن يخسر أحد طرفيها، تدور بين العائلات، رغماً عنها، ومن دون أن يبادر أي منها إلى اللعب فيها.
إن تمضية يوم إضافي في الأسر، هو اقتراب أكثر من الموت. عقارب الساعة تتحرك ومعها يقترب أجل المخطوفين. والمنافسة في هذه المسابقة، هي منافسة ضد عقارب الساعة هذه. لكن المنافسة أيضاً هي أيضاً على حق الأولوية في التحرر من الخطف. الأطفال قبل البالغين، النساء قبل الرجال، هناك تسلسُل هرمي. هذه هي الظروف المَرَضية المفروضة على مشاهدي اللعبة؛ وهناك أيضاً معضلات أخلاقية معقدة، على غرار ما يجري في أي برنامج أمر واقع، لكن هذه المعضلات مضاعفة ومضروبة عشر مرات عمّا هي الحال عليه في الألعاب العادية.
إن ألعاب التخمين في الأستوديوهات والمنازل بشأن هوية المخطوفين، مأخوذة مباشرة من برنامج “ألعاب الجوع” التلفزيوني. إن هذه الصيغة، عملياً، هي نوع جديد غير مألوف من الإرهاب: إرهاب الجماهير بواسطة نموذج برامج الأمر الواقع. دعونا نطلق عليها اسم “Terroreality”، وما يجعل هذه البرامج شديدة الفعالية والنفاذ، هو مكون أساسي في أي نموذج من نماذج برامج تلفزيون الواقع: شهادة المشاركين. تتوفر شهادة المشاركين هنا بشكل كبير. فأبناء أسر المخطوفين الذين لم يُفرَج عنهم، وظلوا حتى الآن في قطاع غزة، إلى جانب المقابلات مع عائلات المخطوفين المفرَج عنهم، توفر معلومات مهمة لمنظومة اللعبة، للجمهور المتعطّش لأصغر التفاصيل: التجارب، والصدمات، ولحظات السعادة، والحزن. كل ذلك، بطبيعة الحال، دراماتيكي إلى أبعد الحدود. إنه يبدو كما لو كان برنامجاً تلفزيونياً، يشعر الجميع بالحاجة إلى متابعته.

حملة الاعتقال التي نفذها الاحتلال خلال اليوم 2/12/2023

هيئة الأسرى ونادي الاسير

رام الله – قالت هيئة الأسرى ونادي الأسير، إنّ قوات الاحتلال الإسرائيليّ، اعتقلت منذ مساء أمس حتّى صباح اليوم السبت (12) مواطناً على الأقل، بينهم فتاة من طولكرم تم اعتقالها يوم أمس أثناء عودتها من الأردن على أحد الحواجز.

وتوزعت علميات الاعتقال على محافظات: نابلس، طوباس، جنين، الخليل، وقلقيلية، رافقها عمليات تخريب وتدمير واسعة لمنازل المواطنين.

وبذلك ترتفع حصيلة الاعتقالات بعد السابع من أكتوبر المنصرم، إلى أكثر من (3415)، وهذه الحصيلة تشمل من جرى اعتقالهم من المنازل، وعبر الحواجز العسكرية، ومن اضطروا لتسليم أنفسهم تحت الضغط، ومن احتجزوا كرهائن.

يُشار إلى أنّ المعطيات المتعلقة بحالات الاعتقال، تشمل من أبقى الاحتلال على اعتقالهم، أو من تم الإفراج عنهم لاحقًا