أخبار عاجلة

مستقبل الجبهة الشمالية لا يستطيع انتظار انتهاء المعركة في الجنوب

المصدر : مكور ريشون
المؤلف : آري شفيط
  • اخضرار الطبيعة هذه السنة اخضرار داكن. عندما نصعد شمالاً إلى روش بينا، ونجتاز سهل الحولة، تبدو لنا الحقول متوهجة بلون شديد الخضرة. بين جبل الشيخ المهيب، وهضاب رميم، يمتد شريط ضيق من الأرض المزدهرة، يُفرح القلوب. في كفر- بلوم، بقي عدد قليل من السكان، وفي بيت هيلل، بقي 100 من أصل ألف ساكن، أما كريات شمونه، فهي مدينة أشباح. لكن وراء الكتل الأسمنتية الضخمة التي تقطع الطريق في تل- حاي، هناك منطقة عسكرية مغلقة بالكامل. النصب التذكاري طرومبلدور [الأسد الذي يزأر] في تل حي مهدد، وكذلك كيبوتس كفر- جلعادي. حزب الله يراقب المطلة الخالية من الناس من 3 جهات، ويضرب الجليل بصواريخ كورنيت، وبالمسيّرات الهجومية.
  • الكلّ يعرف أن نحو 85 ألف مواطن إسرائيلي اضطروا إلى مغادرة منازلهم القريبة من الحدود اللبنانية، وأصبحوا لاجئين في بلدهم. يوجد 9000 عنصر مدرب من قوات الرضوان تقريباً، مستعدون للقيام بهجوم شبيه بهجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر من الجنوب اللبناني. ولدى حزب الله ما يقارب الـ 40 ألف مقاتل، وللميليشيات الفلسطينية نحو 30 ألف مسلح. كما أن الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في سورية كثيرة. وفي حال نشوب حرب شاملة، ستكون إسرائيل في مواجهة جبهتين في الشمال مختلفتَين، حيث سيحارب ضدها 100 ألف مقاتل من “محور الشر”، ملتزمين تدميرها.
  • ونذكّركم بأنه من مجموع 150 ألف صاروخ لدى “جيش الإرهاب الشيعي”، يوجد 5000 صاروخ دقيق. ويقدَّر عدد صواريخ الكورنيت بمئة، وعدد المسيرات القتالية بـ 2000. كما أن لدى حزب الله صواريخ مضادة للدروع متطورة وصواريخ بر- بحر. من هنا، فإن خط 72 كلم الذي يفصل بين الدولة اليهودية وبين لبنان الراديكالي، هو خط شديد التوتر وشديد الخطورة. والتهديد الذي ينطوي عليه أخطر بكثير من تهديد  خطر غزة.
  • المعضلة واضحة: الوضع الحالي لا يُحتمل. وليس في إمكان إسرائيل قبول أن يسكن سكان كريات شمونه في طبريا. كما لا تستطيع إسرائيل قبول وضع يكون فيه من الصعب العيش في مرغليوت، وفي المنارة، وفي يفتاح. وإذا لم يعُد سكان الجليل في أقرب وقت إلى منازلهم، فستنهار الصهيونية من تلقاء نفسها. لكن الحرب الشاملة مع حزب الله، ومع الميليشيات الفلسطينية والميليشيات الموالية لإيران، معناها حدث لم نشهد مثله في تاريخنا. لا نعرف ماذا سيجري في قواعد سلاح الجو عندما ستهاجَم بمئات الصواريخ الدقيقة. وليس واضحاً ماذا سيحدث لمحطات توليد الطاقة عندما ستُقصف. ولا نعرف إلى أي حد إسرائيل مستعدة لتحمُّل هجوم على منشآتها الاستراتيجية وبناها التحتية الحيوية.
  • يقول المتفائلون المعتدلون إن الحل المهذب للمعضلة هو تطبيق القرار 1701. وأن المجتمع الدولي سيجبر لبنان على تطبيق القرار المشهور الصادر عن مجلس الأمن، وإبعاد حزب الله إلى ما وراء الليطاني. والولايات المتحدة وفرنسا هما اللتان ستحلان المشكلة بطريقة سياسية. بينما يقول المتشائمون الناشطون إن الجيش هو الذي سيقوم بالمهمة. وبعد الانتهاء من تفكيك “حماس”، نقوم بعملية عسكرية محدودة في الجنوب اللبناني، تجبر نصر الله على تطبيق القرار 1701، رغماً عنه.
  • لكن يوجد شك كبير في أن عملية ضد لبنان يمكن أن تبقى محدودة. وعلى الأرجح أنها ستتحول إلى حرب شاملة. وثمة شك أكبر في أن العمل الدبلوماسي سيجبر أكبر تنظيم “إرهابي” في العالم على قبول انسحاب مهين. وفي جميع الأحوال، ونظراً إلى أن عناصر حزب الله مقاتلون  مدربون على حرب العصابات، مزروعون وسط السكان المدنيين، ليس من الواضح قط ما هو مغزى إبعادهم إلى ما وراء الليطاني. من الصعب تنفيذ سيناريو يقتلعهم من قراهم الشيعية في الجنوب اللبناني، في حين توجد في الأنفاق تحت الأرض مخازن سلاح متطورة وآلاف الصواريخ.
  • هناك خيار آخر، هو خيار القرار 1559. في 2 أيلول/سبتمبر، أصدر مجلس الأمن قراراً بشأن نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. قيام حملة دولية تطالب بتطبيق هذا القرار بشدة، يمكن أن تشكل تهديداً استراتيجياً لحزب الله، وأن تخلق صداماً بين هويته كحزب لبناني، وبين هويته كطابور خامس إيراني متقدم. ونتيجة ذلك، سيواجه نصر الله مشكلة سياسية حقيقية، وسيتبدد زعمه أنه درع لبنان، وتنكشف حقيقة أنه حوّل لبنان إلى دولة فاشلة منقسمة وفقيرة.

في أي حال، النقاش المصيري بشأن الشمال يجب أن يجري الآن. لا يمكن انتظار نهاية العملية البرية في غزة. ولا يمكن تجاهُل المشكلة الإنسانية والأمنية التي تزداد تفاقماً، ولا تكفي التصريحات التي يطلقها كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين خلال زياراتهم للجليل الأعلى. إن علَم حزب الله، الذي يرفرف على بُعد مئات الأمتار من تل- حي، يتطلب منهم  رداً صهيونياً مناسباً. لكن يجب ألّا يكون رداً متسرعاً، بل يجب أن يكون جذرياً، حكيماً، وصارماً.

في غزة، وفي لبنان، وداخل الحكومة- آن أوان اتخاذ القرارات الحاسمة

المصدر : قناة N12
المؤلف : زيف يسرائيل
  • إن الحرب التي تشنها إسرائيل على “حماس” ليست مجرد صراع محلي ضد منظمة “إرهابية”. فما هو على المحك هنا يتمثل في انتصار أخلاقيات المجتمعات الليبرالية في العالم، على المنظمات “الإرهابية”، وتتوقف على ذلك قوة التحالف الغربي- العربي المناهض لإيران، ومكانة الولايات المتحدة. لهذا السبب، عاد وزير الدفاع الأميركي، أوستن لدى زيارته البلد، كما هي حال مَن سبقوه، إلى التعبير عن الدعم الكامل لحاجة إسرائيل إلى الانتصار.
  • إن تحوّل الولايات المتحدة على مدار الأعوام الماضية إلى الانشغال بالتهديد الصيني وأوكرانيا، إلى جانب ما شاب العلاقات بينها وبين إسرائيل نتيجة التوتر السائد مع حكومات نتنياهو، أمور خلّفت فراغاً إقليمياً سرعان ما هبت إيران إلى ملئه. وشرعت إيران، بدعم من روسيا والصين، في بناء حلف مقاومة إقليمي بدأ يستقطب إليه السعودية، ودول الخليج، وأيضاً مصر. أما قرار السنوار المتسرع بشأن مهاجمة إسرائيل، بتشجيع من إيران، فسيؤدي إلى تدميره هو، ويتيح لنا خلق تحوّل في مسار النجاحات الإيرانية، والتمكن من إحداث انقلاب إقليمي، لكن هذا كله مشروط بالقضاء على “حماس”. إن غزة تمثل فرصة هائلة لإطلاق عدة إجراءات ستعيد إحلال النظام القديم، بقيادة الولايات المتحدة،  في الإقليم، وتوجيه ضربة خطِرة لاستراتيجية التوسع الإيرانية.
  • تدرك واشنطن حجم المخاطر الكامنة في الأمر، لكنها أيضاً تدرك حجم الفرص التي ستنشأ بعد القضاء على “حماس”، وبدأت تدرك أنه بات من الضروري، بالنسبة إليها، خلع القفازات الحريرية لدى التعامل مع محور إيران. إن إنشاء تحالف من أجل مواجهة الحوثيين والحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر، ليس سوى الخطوات الأولى على هذه الطريق. أما بايدن، الذي يبرز الآن كزعيم قوي، فسيكون مطالباً بسرعة شديدة باتخاذ قرار بشأن توجيه ضربة عسكرية إلى اليمن، يمكن لها أن تمثل للأميركيين، استعراضاً عالمياً لأهدافها يمكّنها من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، على الرغم من أنه لا يخلو من المخاطر.
  • لإسرائيل والولايات المتحدة مصالح مشتركة في بتر جميع أذرع إيران العسكرية الخارجية، وهي خطوة مهمة، من شأنها تفكيك الدفاعات الإيرانية الإقليمية. فمن دون “حماس”، والحوثيين، وحزب الله، سيظل رأس الأخطبوط مكشوفاً للضربات وضعيفاً، وهذا ما سيتيح التوصل إلى حل سياسي بشروط محسّنة من أجل وقف المشروع الإيراني النووي، ووقف اتساع التأثير الإيراني في الإقليم، ووقف الإمدادات العسكرية الإيرانية الموجهة إلى روسيا.
  • لإسرائيل دور مركزي في قيادة تفكيك مكونَين مركزيَين لإيران، أي “حماس” وحزب الله. صحيح أن هاتين الخطوتين ستُدخلان إسرائيل في حالة حرب طويلة، لكنهما ستحسّنان، بصورة واضحة، حالة الأمن القومي الإسرائيلي على مدار سنوات طويلة، مستقبلاً. ستُمكّن هاتان الخطوتان من استعادة الردع الإسرائيلي، واستعادة القوة الإقليمية لإسرائيل، بصفتها الحليفة الأولى للولايات المتحدة في الإقليم.

 

معضلتا إسرائيل في كلّ من غزة ولبنان

  • يوماً بعد يوم، تصبح المعضلة الكامنة على الحدود الشمالية تتطلب حسماً ضرورياً. ويبدو أن نصر الله غير عازم على التوجه نحو تصعيد شامل، بل إنه يسعى فقط للحفاظ على مواقعه على الحدود الشمالية، في حين أن إسرائيل باتت مطالبة باستجماع مزيد من الشجاعة، والذهاب، عسكرياً، إلى نقطة أبعد، وبصورة أشد، لا أن تنحصر أهدافها في إبعاد حزب الله إلى بضعة كيلومترات معدودة عن السياج الحدودي، بل أن تفرض على الحزب، عسكرياً وسياسياً، تطبيق القرار رقم 1701 الذي يفرض على الحزب الابتعاد إلى ما وراء خط الليطاني، لكي يتمكن سكان الشمال من العودة إلى بلداتهم، من دون أن تكون منازلهم مهددة. فإن لم تقم إسرائيل بذلك، فستكون للأمر عواقب تجعل إنجازات “حماس”ضئيلة في مقابل ما سيحدث، بل إنها ستعزز مكانة نصر الله، بصفته تهديداً هائلاً نجح في ردع إسرائيل.
  • أما بشأن غزة، فمن المحتمل أن تنتهي المرحلة الهجومية في أواخر كانون الثاني/يناير. وسيتعين على الجيش الإسرائيلي، من أجل استكمال تحقيق مهماته، أن يتموضع في خط دفاعي متقدم في فترة لا تقل عن نصف عام إضافي، في الخطوط التي وصل إليها حتى الآن. من دون ذلك، لن يتمكن من تحقيق أهداف الحرب: استعادة جميع المخطوفين؛ القضاء على قيادة “حماس”؛ نزع سلاح الحركة وبنيتها التحتية في القطاع بصورة شاملة؛ بناء خط دفاعي مستقبلي؛ وفصل القطاع عن سيناء. إن الدعم الأميركي في هذا الشأن ضروري لكي نتمكن من الحصول على الرصيد الائتماني الزمني المطلوب، والأمر مشروط بتوفير الإمدادات الإنسانية الواسعة النطاق للاجئين، وبقدراتنا على طرح حل مدني جاد على الطاولة، فيما يتعلق باليوم التالي للحرب.
  • بعد الحرب، لن تتمكن أي جهة أجنبية مصطنعة من السيطرة على غزة. إن محاولات إسرائيل السابقة تنصيب أنظمة عميلة لها، ابتداءً من روابط القرى في الضفة الغربية في الثمانينيات، ووصولاً إلى “المسيحيين في لبنان في إبّان حرب لبنان الأولى”، إلى جانب محاولة الأميركيين الشبيهة التي فشلت في جميع حروبها، لن تصمد في غزة أيضاً. ومَن يدفع ثمن هذا الإخفاق ستكون إسرائيل وسكان “غلاف غزة” الذين سيعودون فوراً للعيش في ظل التهديد، هذا إن لم نتمكن من التوصل إلى حل مستدام.
  • يتمثل الحل المحتمل في إقامة حكومة محلية غزية لا تتبع لـ”حماس”: زعيم ذو مكانة عالية، آتٍ من غزة، يحظى بثقة المصريين والخليجيين والولايات المتحدة، ولديه ما يخسره إذا نهضت “حماس”من جديد. إن مرشحاً مثل محمد دحلان، من شأنه أن تنطبق عليه جميع هذه المعايير، وسيكون قادراً على بناء غزة كمنظومة مدنية- اقتصادية، مستقلة تشغيلياً، وغير معتمدة على إسرائيل، بقدر الإمكان.

 

المطلوب راهناً، وعاجلاً: حكومة طوارئ وطنية

  • لكي تتحقق هذه الإجراءات الكبيرة، وتشكل ضمانة لنتائج الحرب، على إسرائيل السير مع الأميركيين، جنباً إلى جنب، إلى جانب التفكير الاستراتيجي واتخاذ القرارات الشجاعة على مستوى سياسي رفيع. للأسف الشديد، لا يمكن للحكومة الراهنة أن تتحمل ثقل هذه القرارات وثقل هذه المسؤولية التاريخية الموضوعة على كتفيها. إن نتنياهو مرغوب كثيراً من شركائه، الذين يشكلون عبئاً ضاراً على تحقيق أهداف الحرب. وفي ضوء خشية الرجل من تركهم له، فهو يفضل تبذير ائتمان الوقت الأميركي المصيري الممنوح له، من أجل القيام ببهلوانيات سياسية على حساب الأميركيين، من أجل إرضاء مَن تبقى من ناخبين لديه، وهذا يُعتبر تفويتاً كبيراً جداً للفرصة، يمس بصورة كبيرة بإنجازات الحرب.
  • في المقابل، يبقى بني غانتس في ورطة صعبة: فهو سيتحول بسرعة شديدة من منقذ لإسرائيل في أثناء الحرب [نتيجة قبوله الانخراط في حكومة الحرب وتوفير الدعم لحكومة نتنياهو]، إلى منقذ نتنياهو للمرة الثانية. من جهة أُخرى، فإن احتمال انسحابه من الحكومة في وقت الحرب قد ينقلب عليه، ويجعله يظهر بمظهر مَن تخلى عن واجبه في وقت الحرب، وهو ما سيضر بمكانته وقوته الشعبية، إلى جانب التسبب بإضعاف إنجازات الحرب.
  • تتوفر هنا فرصة منطقية واحدة، تتمثل في إدراك أهمية اللحظة التاريخية وإنشاء حكومة طوارئ وطنية حقيقية من خلال ضم ليبرمان، وإرسال  سموتريتش وبن غفير إلى المنزل. إن حكومة تدرك ثقل القرارات المطلوبة، بالاستناد إلى رؤية شجاعة وتاريخية، ستضمن اتخاذ القرارات الصحيحة التي توجهها رؤية سياسية صائبة، حكومة تكون قوتها كامنة في التكافل المشترك الكامن فيها، وعلى الرغم من أن ولايتها ستنتهي في نهاية الحرب، لكنها ستضمن تنفيذ القرارات الصحيحة سياسياً. ستكسب جميع الأطراف المشاركة في هذه الحكومة من الإنجاز المحتمل، وسيعود الجمهور ليثق بقراراتها، أما هي، فلن تضحّي بإنجازات هذه الحرب الباهظة الثمن، من أجل تحقيق أهداف سياسية ضيقة تتمثل في التشبث بالمناصب.

تقرير: قبل أكثر من 6 أعوام قدّم نتنياهو وصفاً لهجوم تخطط له حركة “حماس” يشبه هجوم 7 أكتوبر، لكنه أكّد أن حكومته ردعت الحركة

المصدر : يديعوت أحرونوت

أظهر بروتوكول اجتماع عقدته لجنة رقابة الدولة في الكنيست في آذار/مارس 2017، أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وصف هجوماً تخطط له حركة “حماس” من قطاع غزة، ثبت في الوقت الحالي أنه كان بمثابة وصف دقيق للهجوم المروّع الذي وقع يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لكنه في الوقت عينه، قال إن سياسات حكومته ردعت الحركة.

وقال نتنياهو خلال الاجتماع الذي عقدته لجنة رقابة الدولة البرلمانية في ذلك الوقت لمناقشة تقرير صادر عن مراقب الدولة الإسرائيلية بشأن عملية “الجرف الصامد” العسكرية، التي شنّها الجيش الإسرائيلي ضد حركة “حماس سنة 2014“إن ’حماس’ لديها خطة عملياتية لهجوم متعدد المحاور، بما في ذلك إطلاق آلاف الصواريخ على المدن الإسرائيلية، وغارات كوماندوس بحرية، وطائرات شراعية معلقة، وتوغلات من عشرات الأنفاق، بعضها يقع في الأراضي الإسرائيلية”.

وخلال المناقشة المشحونة التي استمرت 3 ساعات ونصف الساعة، أشار نتنياهو أيضاً إلى أن “حماس” تقوم بتدريب قوات خاصة من أجل قتل واختطاف الإسرائيليين، وقال“لقد قدّروا أنهم إذا تمكنوا من مفاجأتنا، فيمكنهم وضع الخطة موضع التنفيذ”.

ويُعتبر هذا السيناريو، الذي وصفه رئيس الحكومة، شبيهاً بالأحداث التي وقعت بعد أكثر من 6 أعوام، يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما تسلل الآلاف من مسلحي “حماس” عبر منطقة الحدود مع إسرائيل في قطاع غزة، عن طريق البر والجو والبحر، وقاموا بقتل نحو 1200 شخص واختطاف أكثر من 240 آخرين، معظمهم من المدنيين، تحت غطاء سيل من الصواريخ التي تم إطلاقها على البلدات والمدن الإسرائيلية في الجنوب.

ومما قاله نتنياهو في الاجتماع الذي عُقد في سنة 2017، إن قيادة “حماس” بدأت بالتخطيط لهجوم واسع النطاق قبل أعواموأضاف: “كان في إمكان هذه الحركة في أي لحظة وضع خطة الهجوم موضع التنفيذ، لكن نحن لا نتحكم في قرارات خصمنا، وفي الحدّ الأقصى، يمكننا التأثير في قدرته على تنفيذها”. وفي حين ادّعى رئيس الحكومة أن “حماس” مرتدعة، أوضح أنه ليس لديه أي أوهام بأنها ستتخلى عن خطتها هذه.

وأضاف نتنياهو: “عندما فكرت في تسلُّل آلاف المسلحين أو أكثر، والاستيلاء على بلدة واحتجاز رهائن، كنت متأكداً من أن ذلك من شأنه أن يشكل ضربة معنوية، وأنا أكدت هذا أمام الجهات المسؤولة. لقد حاولنا تجنُّب الحرب بأي طريقة ممكنةومع هذا، لا بد من الإقرار بأننا نواجه عدواً قاسياً و”متوحشاً”، وبأن تجنُّب التصعيد ضد عدو كهذا ليس بالأمر السهلهناك 30.000 عنصر من ’حماس’ في غزة، يتمنون تدميرنا، ويستعدون طوال الوقت، ويبنون الوسائل التي يمكنهم قتلنا بها، والتسلل ومهاجمتنا. وهؤلاء أشخاص ملتزمون بإبادة إسرائيل، ويعيشون من أجل هذا الهدف”.

وتطرّق نتنياهو إلى دوره في سياسة الاحتواء، فقال: “إن أحد أسباب ردع ’حماس’ هو أن لديّ سياسة، وأنا لست على استعداد لتحمُّل حتى رذاذ العنف، وهناك دائماً ردة فعل قوية من جانبنا، عادةً ما تكون سريعة جداً على أي رذاذ من هذا القبيل”.

وتمحور تقرير مراقب الدولة الذي ناقشته اللجنة في سنة 2017 حول إدارة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية – الأمنية [“الكابينيت”] من طرف نتنياهو ووزير الدفاع، آنذاك، موشيه يعلون، وأشار إلى أن هذا المجلس الوزاري فشل في تحديد أهداف استراتيجية ملموسة للجيش في عملية “الجرف الصامد” العسكريةكما أشار التقرير إلى وجود فجوات استخباراتية وأخطاء تكتيكية في عمل الجيش الإسرائيلي الذي كان الجنرال بني غانتس قائداً له، ولا سيما عدم جهوزيته لمواجهة تهديد أنفاق “حماس”.

ورفض نتنياهو هذه الانتقادات جملةً وتفصيلاً، وقال إنه بذل كل ما في وسعه لإبقاء الصراع تحت السيطرة، وأنه عاقب “حماس” على قتالها إسرائيل. وقال خلال الاجتماع“لم نكن نريد حرباً في صيف 2014، وحاولنا منعها”، وأكد أنه في ظل ما أقدمت عليه حركة “حماس”، كانت تلك العملية العسكرية حتمية.

والآن أيضاً، يتجنب نتنياهو تحمُّل أي مسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، على الرغم من أن العديد من قادة الأجهزة الأمنية أعلنوا أنهم يتحملون المسؤولية عنها. ويشير نتنياهو إلى أنه لا بد من إجراء تحقيق لتقصّي وقائع ما حدث، لكن لا ينبغي إجراء التحقيق إلا بعد انتهاء الحرب.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه خلال المناقشة في سنة 2017، دخل أعضاء الكنيست من الائتلاف، مراراً وتكراراً، في صدام مع أعضاء كنيست من المعارضة، وفي بعض الأحيان، مع أهالي جنود قتلى حضروا الاجتماع، بمن فيهم ليئا غولدين، والدة الجندي هدار غولدين الذي قُتل في تلك العملية، ولا تزال “حماس” تحتجز جثته وجثة الجندي أورون شاؤول في غزة.

وتعيد هذه المشاهد التذكير بصدامات مماثلة بين أعضاء الكنيست وذوي المخطوفين الإسرائيليين في الأشهر الأخيرة بشأن السياسة التي تتبعها الحكومة والاتفاقات الخاصة بعودة الرهائن الذين اختطفتهم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر. ويُعتقد أن 129 شخصاً إسرائيلياً اختُطفوا يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، ما زالوا محتجزين في غزة، وليسوا جميعهم في قيد الحياة، بعد أن تم إطلاق سراح 105 مخطوفين خلال هدنة استمرت أسبوعاً في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

لن نستنكر ولن نُدين / تصميم الزميل جواد

لن نستنكر ولن نُدين ، لأن هذا ما تعودناه من العدو الصهيوني الذي لا يملك أدنى معايير الأخلاق والضارب بعرض الحائط كل ما يمت للإنسانية بصِلَة .

 

“موقع الواقع برس” يهنئ الزميلين الصحافي علي شعيب والمصور خضر مركيز على سلامتهما بعد الغارة التي تعرض لها فريق قناة المنار على طريق عام الخردلي – دير ميماس .

 

ادارة الواقع برس / تصميم الزميل جواد

لحظة، قبل أن تصبح إسرائيل وحيدة في العالم

المصدر : يديعوت أحرونوت
المؤلف : نحمان شاي
  • إسرائيل منشغلة بالحرب الكبيرة في الجنوب، وبالصغيرة في الشمال، وبكثير من الأحداث الأمنية في الضفة، بالإضافة إلى سورية والبحر الأحمر. لا ينقصنا شيء على الطاولة. وبصورة خاصة في هذا الوقت الذي ننشغل بالأمور الطارئة، علينا أن ننظر إلى المستقبل ونتذكر أنه من دون دعم دولي، لن نستطيع الدفاع عن أنفسنا وقتاً طويلاً في هذه الجبهات جميعها. وعلى الرغم من آمال بعض اليهود بيننا، فإننا في القرن الـ21، لا نستطيع أن نكون “شعباً يدافع عن نفسه، ولا يفكر في الأغيار”. ولا حتى للحظة واحدة. لن نستطيع البقاء من دون الدعم، ومن دون أن نكون جزءاً من أي معسكر جيو – سياسي من بين المعسكرات التي تتقاسم العالم.
  • وسط صورة الصداقة هذه، والدعم الذي نحصل عليه من الولايات المتحدة، بدأت تظهر إشارات تحذير صارخة. وكان آخر هذه الإنذارات بحثاً أجرته جامعة “هارفارد” وشركة استطلاعات الرأي “هاريس بول”، وجاء فيه أن 51% من الأميركيين من جيل 18-24 يعتقدون أن حل الصراع هو “نهاية إسرائيل وتحويلها إلى ’حماس’ والفلسطينيين”. وهو استطلاع يتماشى مع استطلاعات سابقة طرحت نتائج مشابهة، وأيضاً يتماشى مع التظاهرات الكبيرة التي خرجت في المدن الأميركية والجامعات الكبيرة، وهتف المشاركون فيها “من النهر إلى البحر، فلسطين حرة”، وشهدت أحياناً اعتداءات وإزعاجات للطلاب اليهود. هذه الموجة تستند إلى أساسات لا سامية، لطالما كانت موجودة في الولايات المتحدة. وهي لن تختفي.
  • وفي المقابل، لا يزال الرئيس جو بايدن، حتى الآن، ملتزماً الدفاع عن إسرائيل، والسماح لها بالتعامل مع معركة عسكرية  سياسية – واقتصادية فُرضت عليها. المشكلة أنه يوجد بايدن واحد فقط. الولايات المتحدة لم تعد تصنع سياسيين مثله. وهو محاط بأصوات كثيرة تطالبه بالتحفظ، أو حتى وقف إسرائيل – في البيت الأبيض، وفي الإدارة، وفي الكونغرس، والحزب الديمقراطي، وأيضاً الرأي العام. ممنوع علينا تجاهُل هذه الأصوات، لذلك، فإن المعركة على الجامعات هي معركة مهمة وأساسية، فمنها يخرج جيل المستقبل في الولايات المتحدة، وحتى في العالم. الطلاب الجامعيون اليوم هم قادة الغد. وإن لم تتغير آراؤهم في إسرائيل عموماً، والصراع بشكل خاص، فإننا سنكون أمام جبهة صعبة جداً.
  • الآن، علينا بناء “مشروع أميركا” – خطة استراتيجية بعيدة المدى، تنظر إلى مدى 20 عاماً، وتكون تحت مسؤولية ديوان رئيس الحكومة الذي يدير أصلاً ملف العلاقات الأميركية- الإسرائيلية. على الخطة أن تشمل كل الوزارات الحكومية والسلطات التي تتعامل مع العلاقات بين الدولتين، وأن تستند إلى شراكة مع المجتمع المدني الأميركي، عبر لاعبين مركزيين: الفيدرالية اليهودية في شمال أميركا؛ و”المجلس الإسرائيلي – الأميركي”، وهو الجمعية الأكبر للجالية الإسرائيلية في الولايات المتحدة.
  • وبالشراكة مع الجهتين، يجب تشخيص المهم ونقاط القوة للتأثير في الرأي الدولي. ولتحقيق ذلك، يجب تخصيص ميزانيات كبيرة مختلفة عن ميزانية وزارة الخارجية القليلة. ويجب على “مشروع أميركا” أن يعزز بشكل جدي منظومة الممثلين والمبعوثين الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة، وأن يطوّر خططاً جديدة للتعامل مع الفئات الجديدة وفئة الشباب.
  • وفي هذا السياق، يجب أخذ التغييرات الإثنية والديموغرافية في الولايات المتحدة بعين الاعتبار. وخصوصاً أنها تطور قيماً جديدة، وتشتبك مع المجتمع، وتُراجع نفسها، وتتحفظ عن كل ما يبدو، في نظرها، أنه كولونيالية، وبكل قوتها، تطالب بفرض “التعددية والمساواة والاحتواء”، وهي أمور تحولت إلى قيم حديدية بالنسبة إليها. بهذه الصورة، يمكن للولايات المتحدة أن تتبرأ من إسرائيل، ولا ترى فيها حليفة تستحق المليارات من خزينتها، ولا تمنحها الدعم العسكري والسياسي من دون شرط.
  • على إسرائيل البحث عن الطريق الأمثل للوصول إلى القوى الصاعدة، وأن تقنعها بصدق طريقها، وأن نبتعد عن الوصف الكولونيالي، ونكسر المعادلة التي بحسبها، السود= الفلسطينيين. وعلى “مشروع أميركا” أن يشدد على التاريخ اليهودي الخاص، وعلى طريقتنا للوصول إلى الاعتراف والاستقلال، ومساهمتنا التاريخية في بناء القيم الليبرالية التي يستند إليها الغرب.
  • يجب أن يكون التشديد على الجامعات – المكان الذي تنمو فيه كراهية إسرائيل، وتثمر فيه أموال النفط العربي الذي استثمر فيها على مدار الـ40 عاماً الماضية. وإن لم نصل إلى هناك الآن، فستتحقق الرؤية المرعبة لشعب يقف وحيداً. وكلّ مَن يسخر من هذا الآن، بغباء وجهل، سيفهم معنى كلمة “وحيد”، كما جنوب أفريقيا حتى التسعينيات: عزلة، وضعف، وضغط دولي، وفي النهاية، خضوع.

ماذا حقق أوسـلو للأسرى؟

المؤلف: عبد الناصر فروانة

لقد جاء إعلان المبادئ في “أوسلو” بتاريخ 13/9/1993، ليفتح عهداً جديداً، ويشكّل تحولاً نوعياً في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وظنّت أغلبية الفلسطينيين أن الاتفاقية ستحقق أحلامها. أما الأسرى، فرأوا أن المرحلة الجديدة تقضي بالإفراج عنهم، كاستحقاق آلي لأي تسوية سياسية، وهذا رفع سقف توقعاتهم، وخصوصاً أولئك الذين ينتمون إلى حركة “فتح” وفصائل فلسطينية أيّدت الاتفاق، وهم يشكلون الأغلبية. بحيث لا نكون مبالغين إذا قلنا أنهم باتوا يعتبرون أنفسهم في عداد المحرَّرين، فرفعوا العلم الفلسطيني رغم قيدهم، وأقاموا الحفلات اليومية بين جدران سجونهم، فرحاً وابتهاجاً، بانتظار اليوم الموعود للحرية. بينما عبّر الأسرى الآخرون، الذين ينتمون إلى الفصائل المعارِضة للاتفاق، عن رفضهم لِما تم توقيعه، وبأشكال متعددة.

كنت هناك أسيراً في القسم (د) مردوان 3، داخل معتقل النقب في عمق الصحراء، جنوب فلسطين المحتلة، أو كما يسمونه بالعبرية معتقل “كيتسعوت”. الآن، وبعد ثلاثين عاماً، أستذكر تلك الأيام بما شهدت، وأستحضر أمامي صور إخواني المناضلين ورفاق الدرب وزملاء القيد الذين سارعوا إلى لملمة أغراضهم الشخصية، ووزعوا ما تبقى من أمتعتهم الخاصة، وأتلفوا أملاكهم الثقافية وكراريسهم النضالية، وأحرقوا وثائقهم التنظيمية والأمنية، استعداداً لليوم القريب.

أعقبت ذلك حالة من الترقب والانتظار، رافقها الكثير من مظاهر الترهل والفوضى، الأمر الذي أرخى بظلاله على كافة مناحي الحياة الاعتقالية، وأثّر سلباً في وحدة الحركة الوطنية الأسيرة وقيَمها الثورية، وطبيعة العلاقة بالسجّان الإسرائيلي.

مرت الأيام بطيئة كسلحفاة تصعد إلى جبل، من دون تحقيق ما كان الأسرى يتطلعون إليه، ويتوقعون حدوثه، وكاد اليأس يسيطر عليهم بعد تسرُّب الإحباط إلى نفوسهم، لولا أن شيئاً من هذا تحقق بالفعل، بعد بضعة أشهر، على الرغم من خيبة الأمل، حين انطلقت أوسع عملية إفراج جماعية في الثلث الأول من سنة 1994، وأفرجت الحكومة الإسرائيلية، كبادرة حُسن نية إسرائيلية، وعلى دفعات متتالية، عن نحو 2000 معتقل فلسطيني، جميعهم من الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد أوشكت مدة محكومياتهم على الانتهاء. ثم توالت الإفراجات بموجب الاتفاقيات اللاحقة التي لا يمكن فصلها عن “أوسلو”، وهي: اتفاقية القاهرة (غزة/أريحا) الموقّعة بتاريخ 4/5/1994؛ اتفاقية طابا (أوسلو2) الموقّعة في واشنطن بتاريخ 28/9/1995؛ مذكرة “واي ريفر” الموقّعة في واشنطن بتاريخ 23/10/1998؛[1] اتفاقية شرم الشيخ في 4/9/1999.[2] ويقدَّر عدد المفرَج عنهم بأكثر من 10.000 أسير، إلى أن وصلت المفاوضات إلى جدار مسدود، حين تنصّلت الحكومة الإسرائيلية من التفاهمات ونكثت وعودها، وأمعنت في خرق الاتفاقيات، واستمرت في بناء المستوطنات وانتهاك حرمة المقدسات، فاشتعلت انتفاضة الأقصى في 28/9/2000، وبقي في السجون الإسرائيلية ما يقارب الـ 1250 أسيراً من أصل 12500، هم مجموع المعتقلين حين تم توقيع إعلان المبادئ في أوسلو، بحسب وكالة الأنباء الرسمية (وفا).

وبهدف وأد انتفاضة الأقصى وقمع الشعب المنتفض، عادت سلطات الاحتلال وشنّت حملات اعتقال جماعية، وهو ما دفعها إلى بناء سجنيْ ريمون وجلبوع، وتوسيع سجون أُخرى، وإعادة افتتاح معتقلات كبيرة كانت أُغلقت عقب توقيع اتفاق أوسلو، كالنقب وعوفر، بهدف استيعاب الأعداد الضخمة من المعتقلين الفلسطينيين.

وبعد مرور سنوات قليلة على اندلاع الانتفاضة، لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى إطلاق سراح عدة دفعات من المعتقلين، بلغ مجموعهم نحو 2000 معتقل فلسطيني، لمعالجة الاكتظاظ داخل السجون من ناحية، وترجمةً لتفاهمات قمة شرم الشيخ في سنة 2005،[3] من ناحية أُخرى، وتحت مسميات بوادر حُسن نية، في محاولة إسرائيلية للتنصل من الاستحقاق السياسي.[4]

ومع استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، في أواخر تموز/يوليو 2013، تبقّى في السجون الإسرائيلية 104 أسرى معتقلين منذ ما قبل أوسلو، ولم تنجح صفقة شاليط (2011) في إدراج أسمائهم ضمن قوائم المحرَّرين، فاتفق الطرفان المتفاوضان، الفلسطيني والإسرائيلي، برعاية أميركية، على إطلاق سراحهم على أربع دفعات. التزمت إسرائيل بإطلاق سراح الدفعات الثلاث الأولى. ولا يزال الفلسطينيون حتى كتابة هذه السطور ينتظرون إطلاق سراح الدفعة الرابعة التي كان من المفترض تنفيذه بتاريخ 29/3/2014، وهو ما دفع المفاوض الفلسطيني إلى وقف المفاوضات احتجاجاً؛ فبقوا مقيّدين في السجون، إلى أن أمضى بعضهم مدة محكوميته كاملة، والتي تجاوزت الثلاثين عاماً، من أمثال: كريم وماهر يونس اللذان أُفرج عنهما في كانون الثاني/يناير 2023، بعد أن أمضى كلٌّ منهما مدة محكوميته كاملة، والبالغة 40 عاماً، ورشدي أبو مخ وبشير الخطيب، بعد أن أمضى كلٌّ منهما مدة محكوميته البالغة 35 عاماً، وغيرهم. أما الأسير فارس بارود، المحكوم بالسجن المؤبد (مدى الحياة)، فلم يشأ القدر أن يبقيه حياً لينتظر لحظة الإفراج، فاستشهد داخل سجنه في سنة 2019 نتيجة الإهمال الطبي، وما زال جثمانه ينتظر مَن يحرّره، بعد أن احتجزته إسرائيل إلى جانب مئات الجثامين الأُخرى المحتجزة في سجون الأموات، وما يُعرف بمقابر الأرقام وثلاجات الموتى.

بينما لا يزال 22 أسيراً، من أسرى ما قبل أوسلو، قابعين في سجون الاحتلال؛ أقدمُهم الأسير محمد الطوس المعتقل منذ 38 عاماً. وما بين فشل المفاوضات في الإفراج عنهم عبر القنوات السياسية، وعجز المقاومة عن كسر قيدهم وإغلاق ملفهم في إطار صفقة التبادل، أضحت حريتهم اختباراً جاداً للمفاوض والمقاوم، على حد سواء. بينما تبقى الكلمة العليا للمقاومة، في ظل انعدام الأفق السياسي وانسداد المسارات التفاوضية.

إن بقاء هؤلاء في السجن ومكوث غيرهم أعواماً طويلة خلف القضبان، هما نتاج طبيعي لِما اعترى أوسلو والاتفاقيات اللاحقة من أخطاء وثغرات، إذ لم تتطرق اتفاقية أوسلو إلى قضية الأسرى في بنودها ونصوصها. لقد تعاملت الحكومة الإسرائيلية مع قضية الإفراج عن الأسرى من منطلقات ما يُسمى (مبادرات حُسن النية) ووفق مقاييس إسرائيل الداخلية.[5]

أما النصوص القليلة التي وردت في بعض الاتفاقيات اللاحقة، فكانت فضفاضة وغير واضحة، ومتناقضة أحياناً، فعلى سبيل المثال لا الحصر، جاءت على ذِكر الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، من دون التطرق إلى أسرى القدس والـ 48، أو الإشارة إلى الأسرى العرب الذين اعتُقلوا على خلفية الصراع، ولهذا كله أبعاد سياسية. ومع ذلك، أُفرج عن العشرات من هؤلاء في مناسبات عديدة. لكن ثالثة الأثافي كانت ذلك المصطلح الذي استحدثته إسرائيل في اختيار مَن يجب إطلاق سراحه، وأقصد مصطلح “الأيادي الملطخة بالدماء”، إذ اعتبرت كل يد قتلت يهودياً، أو اشتركت في قتله، يداً ملطخة بالدماء، وبالتالي، هي لا تستحق الخروج من السجن بموجب أي اتفاقية.

لقد جزّأت إسرائيل قضيتهم الواحدة إلى أجزاء متعددة، وصنّفت الأسرى إلى فئات مختلفة، وفرضت العديد من المعايير والشروط لدى اختيار المنوي الإفراج عنهم، ما بين أسرى منظمة التحرير الفلسطينية وأسرى الحركات الإسلامية، وما بين مؤيد ومعارض، وبحسب المناطق الجغرافية، ما بين أسرى الضفة والقطاع، وأسرى القدس و الـ 48، وهكذا. الأمر الذي مزّق وحدتهم وأضعفَ قوتهم.

إن عدم وجود نصوص واضحة تقضي بالإفراج عن كافة الأسرى، من دون تمييز، وفق آليات محددة وجدول زمني مُلزم بضمانات دولية، ترك الباب مشرّعاً أمام إسرائيل، للتهرب من الاستحقاقات الطبيعية لأي عملية سلمية، وفي مقدمتها إطلاق سراح الأسرى، وهو ما شجعها على التنصل من مفهوم النصوص، ومن التزاماتها بهذا الصدد، ودفعها إلى التعامل مع قضية الأسرى، باعتبارها محكومة بحُسن نياتها فقط.

إن هذه الطريقة والآليات الإسرائيلية المجحفة في التعامل مع الأسرى، بعد أوسلو، هي التي أقامت الدليل لدى الكثيرين من الأسرى على أن المسار السياسي لن يُخرجهم جميعاً في نهاية المطاف، فوضعُ المعايير وتشكيل اللجان للبحث واختيار الأسماء، يعني أن هناك مَن لا تنطبق عليه المعايير، وهو ما دفعهم، ويدفعهم دوماً، إلى مطالبة الفصائل بالبحث عن بدائل، وهذا ما حفّز بعض الفلسطينيين على اللجوء إلى خيار القوة لتحرير الأسرى، وما صفقة شاليط ببعيدة.

وفي السياق ذاته، فإن الاتفاقيات لم تُلزم إسرائيل بعدم القيام باعتقالات أُخرى، ولم تنجح في منعها من تنفيذ حملات اعتقال واسعة، فاستمرت الاعتقالات من دون توقُّف، إذ رصدت هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين (مؤسسة رسمية) عدد حالات الاعتقال منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى أيلول/سبتمبر 2022، والتي بلغت 135.000 حالة اعتقال، بينها نحو 20.000 طفل، و2500 سيدة وفتاة فلسطينية. بالإضافة إلى اعتقال نصف أعضاء المجلس التشريعي (البرلمان الفلسطيني) في دورته الأخيرة، وعدد من الوزراء، والمئات من الأكاديميين والصحافيين والعاملين في منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية.[6] ولا تزال إسرائيل تحتجز في سجونها نحو 5000 أسير فلسطيني، بينهم أكثر من 450 أسيراً مضى على اعتقالهم 20 عاماً وما يزيد.

بينما التحق بقائمة شهداء الحركة الوطنية الأسيرة، منذ توقيع اتفاقية أوسلو، نحو 123 شهيداً، نتيجة التعذيب والقتل المتعمد والإهمال الطبي، كان آخرهم الأسير خضر عدنان. هذا بالإضافة إلى آخرين كثُر ارتقوا شهداء بعد خروجهم من السجن، متأثرين بما أصابهم من أمراض خلال فترة سجنهم.

ختاماً، يمكنني القول، وبموضوعية، إن “أوسلو” وملحقاته لم يكن منصفاً للأسرى، سياسياً وقانونياً، ولم يرتقِ إلى مستوى توقعاتهم وتطلعاتهم، غير أنه لم يكن مجحفاً إلى درجة كارثية، في ظل غياب صفقات التبادل خلال تلك الحقبة، وشمول الإفراجات، في إطار المسار السياسي، أسرى قدامى وممن مضى على اعتقالهم سنوات طويلة، كما شملت المئات من ذوي الأحكام العالية، وممن كانوا يمضون أحكاماً بالسجن المؤبد (مدى الحياة)، وأفرجت أيضاً عن العشرات من أسرى القدس و الـ 48 وأسرى الدوريات والأسرى العرب. هذا بالإضافة إلى أنها شملت أسرى ينتمون إلى فصائل فلسطينية عارضت اتفاق أوسلو، وتنضوي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، إلا إن الاتفاقيات فشلت في إطلاق سراح كافة الأسرى، بسبب غياب أو ضعف النصوص بهذا الخصوص، وغياب الضمانات الدولية الكفيلة بإلزام إسرائيل.

وأنا هنا لست مجاملاً أو مدافعاً عن أوسلو، كما لم أكن مؤيداً للاتفاق في حينه؛ ولم يُفرَج عني من سجون الاحتلال بموجب الاتفاقيات الموقّعة. وأعتبر أنه من الخطأ الفادح ترك حرية الأسرى لحُسن النية الإسرائيلية، وأن أي اتفاق سياسي لا يتضمن الإفراج عن كافة الأسرى، هو باطل. فمع حرية الأسرى، نقرأ فجر حرية الوطن. وما زلت أرى أن إسرائيل، حاضراً ومستقبلاً، لا يمكن أن تفرج عن أسير واحد، ولا سيما ممن أوجعها فعلهم المقاوم، من دون ضغط مؤثر أو قوة تؤلم. لكنني أؤمن بأهمية المزاوجة ما بين الفعل المقاوم والعمل السياسي، من دون التقليل من شأن أحدهما، وما حققه أيّ منهما، مع إعطاء أهمية أيضاً للنضال الحقوقي والقانوني. ولنا في ذلك كله أمثلة عديدة.

“الحقيقة تحكي”.. كيف يبيع الاحتلال الوهم للفلسطينيين؟

المؤلف: مؤيد طنينة

لا يتوقف حلم المشروع الاستعماري في فلسطين عن الرغبة الجامحة في إبادة الفلسطينيين، وإن عجز عن ذلك، فلا أقل من تخريب هويتهم وتدمير معنى وجودهم. وقد تكون وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات الجديدة لدى دولة الاحتلال لتنفيذ ذلك، أو بالحد الأدنى لصناعة فلسطيني جديد “محب للسلام”،، ومُباد سياسياً، في ظل العجز عن إبادته كلياً.

تشير التقارير إلى أن دولة الاحتلال خصصت بعد حدث العبور الكبير في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الفائت أكثر من 13 مليون دولار، لتقديم روايتها لمجتمعات “العالم الأبيض” لزيادة الشرعية واستجلاب الدعم لمزيد من القتل، وتبني سردية الحرب ضد “البربرية”، في تكثيف لعملها السابق على وسائل التواصل الاجتماعي وتركيز عليه، إذ تولي دولة الاحتلال اهتماماً من أعلى المستويات لوسائل التواصل الاجتماعي، وتعي تأثيرها ودورها في تعزيز السردية الصهيونية، ولذا عمد قادة الاحتلال منذ الأيام الأولى للحرب إلى عقد لقاءات مع إعلاميين ومؤثرين لتعزيز روايتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشرت أخبار عن محاولات “شراء ذمم” بعض الناشطين على مستوى العالم.

الأدوات والطرائق بين المباشرة والإقناع

منذ عام 2011 ظهرت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على فيسبوك، والتي تديرها وحدة تابعة لوزارة خارجية الاحتلال، ثم انتشرت صفحة باسم “المنسق” عام 2015، ويديرها فريق منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة. وبدأت هذه الصفحات تهتم بمخاطبة الفلسطينيين بلغتهم، والإجابة على استفساراتهم. ويندرج هذا السلوك الجديد ضمن مساعي الاحتلال لإيجاد مساحات يقدم من خلالها صورته كمشروع لتطوير الشرق الأوسط والعرب، وإظهاره بأنه يحارب “الإرهاب”، ويرغب في نشر “السلام والمحبة بين الشعوب”.

بعد هبّة القدس عام 2015، وما رافقها من تدوينات على منصات التواصل تدعم المقاومة وتحتضن الفاعلين فيها، أنشأ جهاز مخابرات الاحتلال “الشاباك”، في الفترة 2016- 2018، عدة صفحات أُخرى حملت أسماء وعناوين عربية لمخاطبة المواطنين الفلسطينيين، مثل صفحات “الكابتن” التي يديرها ضباط المخابرات في كل منطقة. ثم تتابعت الصفحات ووظائفها وصار الحديث عن جهات متخصصة تديرها وتتابعها وتعنى ببث المحتوى فيها، بالإضافة إلى فرق ترصد المحتوى الفلسطيني وتتابعه وتضيّق عليه الفضاءات الرقمية.

وهي سياسة استعمارية مرعبة كثفها الاحتلال مع حرب الإبادة التي يشنها على قطاع غزة، وسعيه لتهجير الفلسطينين نحو سيناء عبر الدفع بالمواطنين إلى النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه. وكي يحقق مساعيه بكل الطرق المتاحة، نشط في بث المحتوى على هذه الصفحات التي تديرها أجهزته الأمنية، ثم أنشأ عدة صفحات جديدة على مواقع فيسبوك تخدم وتساعد جهوده المتوحشة على الأرض، ومنها صفحة “إنقاذ أهل شمال غزة”.

ومن خلال رصدي ومتابعتي لهذه الصفحة يمكنني القول بأنها حرصت على استخدام النصوص الدينية لاستمالة مشاعر الفلسطينيين وطمأنتهم بأن المتحدث “ناصح يريد الخير” لكم. وكان واضحاً أن الرسالة والهدف المباشر لهذه الصفحة، يتمثلان في تمرير مسعى الاحتلال الرامي إلى إفراغ شمال غزة من السكان.

ولذا نجد الصفحة تركز على فكرة أن الفلسطيني في غزة وحيد، ولا نصير له، بعد تخلي حركة “حماس” عنه، وذلك بهدف قتل معنويات الناس ودفعهم إلى الهجرة والنزوح مع شعورهم بالخذلان.

وهذا الأسلوب لم يكن موجهاً إلى غزة وحدها فحسب، بل ظهرت أيضاً صفحة تحمل اسم “هاجروا الآن” بتاريخ 18 تشرين الثاني/نوفمبر، تخاطب سكان الضفة الغربية بخطاب التهجير، ومما نشرته: “إلى العرب في يهودا وسامرة، هاجروا من أراضي الجدود إلى الأردن قبل فوات الأوان”، وقد سبق أن وزع هذا الموقع منشورات على بعض القرى انطوت على المضمون ذاته، واللافت هنا استحضار تعبير “أراضي الجدود” إعمالاً بالمبدأ الميكيافيلي الأمني، الذي يخاطب الفلسطيني كما يحب أن يُخاطب لتمرير الرسائل الهادفة لتحقيق غاية التهجير.

ومن خلال متابعتي للصفحة ولما نشرته، وبعد افتضاحها من خلال حديثها عن مخططات الاحتلال، حُذفت هذه الصفحة بعد يومين من إطلاقها، إذ انتهى دورها ورسالتها التي أراد الاحتلال إيصالها إلى الفلسطينيين في الضفة، كما أن الاحتلال لا يريد تداول تقارير تتهمه بإدارة مثل هذه الصفحات، لذا آثر حذفها وإنهاء الفكرة “الإلكترونية”، وتولى العمل على تحقيقها على الأرض.

التهديد والوعيد وهندسة الانفعال

يستخدم الاحتلال “الهندسة الانفعالية” كما يسميها الباحث المقدسي بلال سلامة، إذ يعرض الاحتلال من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، “عقوبة” الفعل المقاوم: وهي التدمير والقتل والهدم، وكذلك مكافأة “الهدوء” بحسب السردية الاستعمارية. وبهذا يكون الانفعال الشعبي مُهندساً مسبقاً، إذ نلاحظ ظاهرة منتشرة بكثرة في الخطاب الاستعماري تقوم على فكرة تقسيم المناطق إلى: خضراء وحمراء، فالمناطق الخضراء تعني الازدهار والتطور، دلالة على الهدوء، أي في حالة اللاعنف/اللامقاومة، أمّا المناطق الحمراء، فتشير إلى الخطر الدائم والترقب والحذر، دلالة على حالة مقاومة، وبهذا تصبح انفعالات المجتمع مهندسة سلفاً.

في 26 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حاصرت قوات الاحتلال مخيم جنين، واعتقلت الشاب أسامة بني فضل، 20 عاماً، بتهمة تنفيذ عملية قُتل فيها مستوطنان اثنان في حوارة (آب/أغسطس 2023)، فنشرت حينها صفحة “الحقيقة تحكي” على فيسبوك، بلغة عربية ركيكة ما يلي: “إلى أهالي الضفة الغربية، هل اعتقدتم أن أسامة بني فضل المخرب من العملية في حوارة، يمكنه أن يختبىء من قوات الأمن الإسرائيلية؟ حقاً إنكم مخطئون”، إلى جانب عبارات التهديد واستعراض القوة وسادية الخطاب وغربة اللغة: “دولة إسرائيل ستصل إلى أي مخرب يختار الاختباء كالأرنب في أي مكان وفي أي وقت”، مرفقة بصورة لأسامة يحمل فيها قفص السجن، ومكتوب عليه هذا بيتي الجديد.

أراد جيش الاحتلال من خلال الإصرار على نشر أخبار إلقاء القبض على الشاب بني فضل استعراض قوته الاستخباراتية والعسكرية، والتذكير بمصير الفعل المقاوم. وهو ما لم ينجح به الاحتلال حتى الآن، لا ميدانياً ولا من خلال رسائله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما يبدو. فبينما تُكتب هذه السطور لا تنقطع الأخبار عن الاشتباكات مع قوات الاحتلال مع كل اقتحام لجنين ومخيمها.

في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، بعد عملية “الأنفاق” في بيت لحم، التي نفذها ثلاثة شهداء من الخليل (نصر الله وعبد القادر القواسمة وحسن قفيشة)، ظهرت على فيسبوك صفحة “طريق السلامة” وغردت بمنشور تقول فيه: “أطلقنا هذه الصفحة حتى تتكلم الحقيقة عن كل الأحداث الأخيرة. انضموا إلينا لسماع كل الحقيقة حول النشاط في الضفة الغربية”. هذه المباشرة في استخدام المصطلح العملياتي “نشاط”، المرتبط في المخيلة الإعلامية والشعبية الفلسطينية بعمليات الاقتحامات والاعتقالات التي ينفذها الاحتلال، تهدف بذكاء إلى استقطاب الجمهور وشده بهدف استيعابه وتقديم الرسالة السريعة المصممة مبسقاً له، وهو ما كان من خلال فيديو حمل رسالة “تحذيرية” إلى أهالي الضفة جاء فيها: “إن دولة إسرائيل ستضرب بيد من حديد وستعمل كل ما في وسعها لإفشال التخريب الموجه ضدها والذي يمس أمن مواطنيها”.

أمّا الصورة الشخصية للصفحة، فهي لشخص يقف أمام مفترق طرق، على يمينه طريق خضراء ربيعية، وعلى يساره أرض قاحلة خريفية، تجسيداً للفكرة الاستعمارية “العصا والجزرة”، ولتعزيز فكرة المنطقة الحمراء والمنطقة الخضراء.

“حياتنا أهم”، صفحة على فيسبوك، أُنشئت في شباط/ فبراير هذا العام، تخاطب العمال الذين يعملون في الداخل المحتل، من خلال منشورات تطالبهم بالابتعاد عن “الحركة من غزة”، مقايضة بتصريح العبور إلى مناطق 1948.

توجه الصفحة في إحدى التدوينات رسالة تحذيرية إلى أهالي الضفة تقول: “تأييدكم للحركة من غزة ما هو إلاّ إلقاء حجارة في البئر اللي بتشربوا منه..”. وقد أُرفق المنشور بصورة لمقر المقاطعة في رام الله، يعتليه شخصان يلقي أحدهما الآخر من أعلى المبنى بما يرمز إلى صورة مشابهة لأحداث الانقسام (2006 – 2007).

لا يتخفى الاحتلال في هذا المنشور، إذ يمكننا الشعور بحضوره ووقوفه مباشرة خلف هذه الصفحة وهذا المنشور، فهو يقول: “إن الحركة ضدنا لحالنا”، كأنه يوجه خطابه إلى عناصر من حركة “فتح”، لزيادة الفرقة بين أطياف المجتمع الفلسطيني.

وثمة صورة وشكل آخر لبرمجة العقول ومحاولات خلق فلسطينيين جدد منزوعي الإرادة السياسية، تقدمه صفحة “تكونش موسى” على فيسبوك، فهي تستعرض فيديوهات “إنمي”، تتضمن شخصية “موسى” الرئيسية، وحتى الاسم هنا في المخيلة الدينية العربية الإسلامية فيه إحالة ما. ويعلق على الفيديوهات على هذه الصفحة شخص يقول في أحد الفيديوهات، أن الشاب “موسى” اشترى له والده سيارة لكنه قام بزرع عبوة في الشارع، ما أدى إلى خراب الشارع، فغضب منه والده وجيرانه، ويختم الفيديو بعبارة: “تكونش موسى”.

وفي ذات الإطار قامت صفحة “International Providence SRL” على فيسبوك بمخاطبة الفلسطينيين في غزة بما يلي: “اكسب الكثير من المال مقابل معلومات موثوقة عن الرهائن في غزة. سلامتك مهمة. اتصالك سرّي. تواصل معنا”. مرفق فيديو يستعرض صور لبعض أسرى الاحتلال، وذلك بهدف السعي للوصول إلى أي معلومة تساعدهم في تحرير أسراهم من غزة.

الأمر نفسه تقوم به صفحة “فيدنا لمستقبل مشترك” على فيسبوك، وتعرّف عن نفسها بأنها: “صفحة لمشاركة المعلومات والأخبار لبناء مستقبل مشترك لكل من يريد العيش بسلام ومحبة على هذه الأرض”. أمّا الصور الشخصية والغلاف فهي لشخص يتحدث على الهاتف في الظل، في إشارة واضحة إلى العمالة – الجوسسة مع العدو. وكل محتويات الصفحة تحاول خلق فلسطيني “متعاون” مع عدوه لكن تحت مصطلحات مقبولة وغير مباشرة.

ولم تقف الجهود الاستعمارية عند هذا الحد، بل ذهبت إلى تطبيق واتساب، في محاولة أيضاً لإكمال المخطط والهدف المرجو، إذ قام جيش الاحتلال بتاريخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، باختراق سيبراني لمجموعة واتساب لمختبرات ميديكير الطبية في رام الله، وقام بإرسال رسائل تهديدية إلى المرضى تضمنت: “أنت لست مصاباً ولكن جيش الدفاع الإسرائيلي على وشك تفجيرك”.

وهناك روايات كثيرة عن اختراق مجموعات على واتساب، وقيام ضباط المخابرات بإرسال رسائل جماعية للمتابعين ومخاطبتهم وتهديدهم بالتصاريح والعمل، كما حدث في غروب واتساب اسمه: “بيت عوا بلدنا”، ما يجعل الأمر مفهوماً بوضوح أن المخابرات وضباطها وموظفيها المتخصصين هم من يدير مثل هذه الحركات والتصرفات التي يمكن وصفها بـ “الصبيانية”.

المباشرة في تحقيق الردع بالندية

أنشأ ضباط المخابرات، وينشئون، صفحات على منصات التواصل، وخصوصاً فيسبوك، للتواصل مع أهالي المناطق المحتلة المكلفين إدارتها أمنياً، في تجاوز وخرق واضح لاتفاقية أوسلو والتنسيق الأمني. وهو عمل لا ينفصل إطلاقاً عن دور الصفحات التي تخاطب الفلسطيني بمضامين وأساليب متنوعة، وإن اختلفت المسميات والجهات التي تديرها وتقف خلفها (جيش- مخابرات- مستعمرون)، فالهدف في النهاية واضح وأدوارهم متكاملة.

من خلال هذه الصفحات يحاول الضباط الظهور بشخصية العارف بتفاصيل الشخصيات والأمور، والناصح للفلسطينيين، والحريص على سلامتهم، ولذا يقومون بتحذيرهم من الاقتراب من أشخاص معينين. فمثلاً ثمة منشور على صفحة “كابتن عيد – مخيم الفوار” يتضمن تحذيراً من التعامل مع أحد الأشخاص بحجة أنه قيادي في “حماس”، ويحذرهم من أن التعامل معه سينتهي باعتقالكم.

أمّا، أبو جميل – مسؤول منطقة الريف الشرقي بيت لحم، فقد نشر على صفحته “طلاب جامعة أبو ديس” منشوراً عن مداهمة الجامعة ومصادرة مقتنيات وأوراق للطلبة بحجة أنها للكتلة التابعة لـ “الحركة التخريبية من غزة”، بحسب وصفهم. ثم يوجه نصيحة إلى الطلاب فيقول لهم: “بتوجه لكل الطلاب، لمصلحتكم الشخصية وعلشان مستقبلكم، ابعدوا عن نشاط الكتلة لأنه الثمن راح يكون غالي. كابتن أبو جميل، مسؤول جامعة أبو ديس”.

وهذه الظاهرة التي يديرها ضباط المخابرات أصبحت حالة عامة ومشهورة في فيسبوك، إذ تقوم صفحات متعددة لهؤلاء الضباط بنشر منشورات تتعلق بالتهديد والوعيد، وإعلان إلقاء القبض على أشخاص معينين بداعي التحدي، وكل ذلك لضبط المجتمع وتقييد حركة تفاعله مع قضاياه الاجتماعية والإنسانية والوطنية، من خلال الضغط والتهديد بالسجن وإيقاف التصاريح والملاحقة وتعطيل الحياة لهؤلاء المستهدفين والناشطين الذين لا يخضعون لمثل هذه التهديدات المبطنة بغلاف النصيحة.

ختاماً، من الواضح أن الاحتلال يرغب من خلال أدواته الإلكترونية الرقمية، في استغلال واحتلال الفضاءات العامة الافتراضية كالسوشال ميديا، ليكرس نهجه الأمني الاستخباراتي القائم على إنتاج حواجز ردع نفسية تساهم في ضبط الفلسطينيين، وقهرهم، وإصابتهم بالعجز، وإشعارهم بالمراقبة، وأن الاحتلال يتابع كل شيء، وأن الفلسطيني لا يستطيع أن يخطو أي خطوة من دون مراقبة الاحتلال التي تلاحقه حتى على غروبات واتساب وفيسبوك.

ومن الواضح أن سياسة الاحتلال هذه، بكل وتنوعها، يتم التعامل معها فلسطينياً باعتبارها حركات “صبيانية” لا معنى لها. ولذا يتندر الفلسطينيون على هذه الصفحات ويتعاملون معها بمنطق الجدي/الساخر أو بمعنى شعبي “مصدقك يا كذّاب”، أي أننا نعرف أنكم كَذَبَة، لكن علينا أن نظهر بطريقه توحي بأننا نصدق مثل هذا المحتوى الفارغ. ولأجل ذلك تفشل كل هذه الصفحات في خلق حالة حقيقية، ولأجل ذلك أيضاً يختفي بعضها، ويُعاد دائماً إنتاج صفحات أُخرى على أمل أن تخلّف أثراً مرجواً يساهم في خداع الفلسطيني وسلب وعيه وتمرير الرسائل المطلوبة.

هل يمكن أن تعود السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة؟

المؤلف: ماهر الشريف

بات هذا السؤال محط اهتمام الدوائر السياسية الإقليمية والدولية التي تجتهد في الإجابة عنه، إذ أكد الزعماء العرب المشاركون في منتدى الدوحة السنوي، الذي اختتم أعماله في 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري، لدى توقفهم عند الحلول المطروحة لمرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أنه “لن ترسل أي دولة عربية قوات مسلحة لتحقيق استقرار الأوضاع بمجرد توقف الأعمال العدائية”، وأنه “لن يوافق أحد في المنطقة على إرسال قوات إلى الميدان” لتجد نفسها أمام الدبابات الإسرائيلية. وفي حين طرحت ألمانيا فكرة “إدارة هيئة الأمم المتحدة قطاع غزة بمجرد انتهاء الحرب”، أشار جوزيب بوريل، رئيس الدبلوماسية الأوروبية، إلى أن إسرائيل “لن تكون قادرة على البقاء في غزة وسيتعين على السلطة الفلسطينية العودة إلى هناك”.

الإدارة الأميركية: عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم غزة بعد “تجديدها”

تتبنى إدارة الرئيس جو بايدن، بشروط، خيار عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة وتوحيد الضفة الغربية والقطاع، إذ اعتبر وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، في كلمة ألقاها أمام اللجنة المالية في مجلس الشيوخ في 31 تشرين الأول/أكتوبر الفائت، أن رهان الإدارة الأميركية هو أن تقوم “سلطة فلسطينية فعالة ومتجددة بتولي الحكم وتتحمّل، في نهاية المطاف، المسؤولية الأمنية في غزة”. وخلال لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، في 5 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، عبّر أنتوني بلينكن “عن رغبته في رؤية الهيكل الحكومي الذي ولد من اتفاقات أوسلو يستعيد السيطرة على غزة بمجرد انتهاء العمليات العسكرية”. بينما أكد الرئيس جو بايدن نفسه، في مقال نُشر في صحيفة “واشنطن بوست” في 18 من شهر تشرين الثاني نفسه، أنه “يجب جمع غزة والضفة الغربية معاً تحت هيكل حكم واحد تقوده، في نهاية المطاف، سلطة فلسطينية متجددة”، تعمل على التوصّل إلى اتفاق مع حكومة إسرائيلية يفضي، كما تُعلن هذه الإدارة، إلى إحياء “حل الدولتين”. ويبني المسؤولون الأميركيون آمالهم على إمكانية “استدعاء الجنود وضباط الشرطة الذين خدموا في قوات الأمن الفلسطينية في قطاع غزة قبل استيلاء “حماس” على السلطة فيه في سنة 2007، وإعادتهم إلى الخدمة الفعلية”، وخصوصاً أن هؤلاء الجنود والضباط ما زالوا يتلقون رواتب من السلطة الفلسطينية. ويبدو أن هذا الخيار لوّح به مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان خلال لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مدينة رام الله، في 15 كانون الأول/ديسمبر الجاري، إذ ذكر جون كيربي المتحدث باسم مجلس الامن القومي أنهما “ناقشا الشكل الذي يجب أن تبدو عليه غزة بعد الحرب وكيف ستتم إدارتها وسبل تحديث السلطة الفلسطينية وتجديدها حتى تتمكن من تحمل المسؤولية عن مستقبل الشعب الفلسطيني”. وأشار مسؤولون أميركيون كبار، من جهة أخرى، إلى أن إدارة بايدن تريد “إجراء إصلاحات واسعة النطاق في السلطة الفلسطينية، لا سيما من خلال ضخ دماء جديدة” في المؤسسة السياسية، و”إدخال أشخاص جدد أصغر سناً يتمتعون بمهارات إدارية إلى دوائر صنع القرار، ويمكنهم الفوز بدعم الرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً، وبثقة المجتمع الدولي”، كما يمكنهم الحصول على “مساعدة دول الخليج اقتصادياً.

بنيامين نتنياهو: لا “حماستان” ولا “فتحاستان” في غزة

خلافاً لهذا الموقف الأميركي، يرفض بنيامين نتنياهو وحكومة حربه، رفضاً قاطعاً، عودة السلطة الفلسطينية لاستلام الحكم في قطاع غزة، إذ أكد، في مناسبات عديدة، أن إسرائيل “ستكون لها اليد العليا إلى أجل غير مسمى في القضايا الأمنية” في القطاع، كما هو الحال في الضفة الغربية حيث يشن جيش الاحتلال غارات أينما يريد، بما في ذلك في المدن التي يفترض أنها تخضع لسيطرة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وهو ينوي تحويل قطاع غزة، بعد الحرب، إلى ما يشبه المنطقة (ب) في الضفة الغربية، بحيث تكون السلطة الأمنية فيه في يد إسرائيل، بينما تهتم بالشؤون المدنية فيه “إدارة محلية” تقود عمليات إعادة الإعمار بالاستناد إلى دعم السعودية ودول الخليج، ويمكن أن تتشكّل هذه الإدارة من تجار وأكاديميين وزعماء عشائر. وخلال مؤتمر صحفي، عقده مساء السبت في 18 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، قال: “نحن لا نشن حرباً لنقل الحكم في غزة إلى السلطة الفلسطينية”، واتهم الرئيس محمود عباس “بعدم إدانة المجازر التي ارتكبتها قوات كوماندوس حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر الفائت، وشدّد على أنه “لا يمكن وضع غزة تحت مسؤولية حكومة تدعم الإرهاب، وتشجع الإرهاب، وتموّل الإرهاب، وتعلّم الإرهاب”، في إشارة إلى المخصصات التي تدفعها السلطة الفلسطينية للأسرى في السجون الإسرائيلية ولعائلات الشهداء، وكذلك إلى البرامج التعليمية الفلسطينية. ويبدو أن هذا الموقف، الذي عبّر عنه بنيامين نتنياهو، يتبناه في إسرائيل، بصورة أو أخرى، قسم من المعارضة “الوسطية” والعديد من وسائل الإعلام. وفي 12 كانون الأول/ديسمبر الجاري، أعاد رئيس حكومة الحرب الإسرائيلية في بيان تأكيده بأن “غزة لن تكون لا حماستان ولا فتحاستان”، وأضاف: “أحب أن أوضّح موقفي: أنا لن أسمح بأن تعيد إسرائيل ارتكاب خطأ أوسلو.

التشكيك في قدرة السلطة الفلسطينية على العودة إلى حكم غزة

يشكك العديد من المحللين في قدرة السلطة الفلسطينية على العودة إلى حكم قطاع غزة جراء تراجع شعبيتها وتراجع شعبية رئيسها، وكذلك تراجع شعبية حركة “فتح”، في مقابل تزايد كبير في شعبية حركة “حماس” وقادتها، كما بيّن آخر استطلاع للرأي أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية”، وهو معهد الاقتراع الفلسطيني الرئيسي، ما بين 1 و 3 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بين 1231 من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، مع هامش خطأ هو 4%. فبحسب غيث العمري من “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، فإن “قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم في الضفة الغربية، سواء فيما يتعلق بقضايا الأمن أو النظام المدني، محدودة للغاية”، وتساءل: “فالسلطة التي لم تتمكن من حكم الضفة الغربية، هل يمكننا أن نتوقع منها أن تكون قادرة على حكم غزة؟”. وفي حين أرجع جان بول شانيولو، مدير “معهد أبحاث ودراسات الشرق الأوسط في منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​(IREMMO)”، تراجع شعبية السلطة الفلسطينية في صفوف الفلسطينيين إلى “التعاون الأمني” بين الأجهزة الفلسطينية والأجهزة الإسرائيلية، الذي “صمد” في جميع الأوضاع، بحيث أنه “في كل مرة أراد [الرئيس[ محمود عباس قطع التعاون الأمني، عارضه الأميركيون ولم يفعل”، قدّر دوف واكسمان، مدير “المركز الناصري للدراسات الإسرائيلية” في كاليفورنيا “أنه مع تدمير البنية التحتية بالكامل ونزوح أكثر من 70% من السكان، فإن التحديات التي ستواجه الحكومة القادمة في غزة ستكون هائلة”، وتساءل “عما إذا كانت قدرات السلطة الفلسطينية تمكّنها من إنجاز مهمة بهذا الحجم”، وخصوصاً أن بنيامين نتنياهو “يعمل منذ سنوات على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ويرى في السلطة الفلسطينية مجرد عدو آخر”، كما أن “القوميين المتطرفين في حكومته سيفعلون كل ما في وسعهم لمنع تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية في المنطقة.

بث روح جديدة في السلطة الفلسطينية

يعترف جان بول شانيولو أنه “في كل أزمة [فلسطينية] داخلية أو في كل أزمة مع إسرائيل، يظهر اسم الأسير مروان البرغوثي من جديد”، وهو الملقب بـ “نيلسون مانديلا الفلسطيني”، الذي كان قد اعتُقل، على يد السلطات الأمنية الإسرائيلية، في سنة 2002، بصفته قائد “التنظيم” في حركة “فتح” الذي أسسه ياسر عرفات سنة 1995، وحكمت عليه المحاكم الإسرائيلية في سنة 2004 بخمسة أحكام بالسجن مدى الحياة بتهمة “شن هجمات والعضوية في منظمة إرهابية”. ويتابع الباحث الفرنسي أن مروان البرغوثي لم ينقطع، وهو في سجنه، عن الحياة السياسية الفلسطينية وساهم، في سنة 2006، مساهمة مهمة في صياغة “وثيقة الوفاق الوطني” التي أعدّها الأسرى الفلسطينيون بغية توحيد القوى الوطنية والإسلامية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وأثبت، على مر السنين، أنه “الشخص الوحيد القادر على تحقيق الوحدة بين المنظمات الفلسطينية”. ويتفق الباحث الفرنسي الآخر فريديريك إنسيل، المختص في الجغرافيا السياسية وفي شؤون الشرق الأوسط، مع هذا التقدير ويوضح قائلاً: “لقد أمضى مروان البرغوثي سنوات عديدة في السجن في إسرائيل، وهو ما يمنحه بوضوح ضمانة الاستقامة والبطولة والوطنية في نظر الفلسطينيين؛ وعندما كان على رأس [التنظيم] في حركة “فتح”، كان يؤيد التحالف مع حماس”. ولكن هل يمكن لمروان البرغوثي أن يكون شخصية اليوم التالي للحرب؟ بالنسبة لجان بول شانيولو، “تظل هذه الفرضية غير محتملة، ذلك إن إسرائيل لم تستجب، في الوقت الحالي، لهذا الطلب من حماس” [الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في مقابل الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين]. بينما يرى فريدريك إنسيل أن “لا شيء يضمن اليوم أن يقبل مروان البرغوثي بتولي مسؤوليات كبيرة على رأس السلطة الفلسطينية، وبصورة أكثر تحديداً في قطاع غزة”. وبحسب عضو سابق في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، فإن مروان البرغوثي هو “الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يجمع فتح، وهو مقبول من حماس”. وأظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت، طوال سنوات، بين الفلسطينيين أنه “الشخصية الأكثر شعبية بين الشباب، متفوقاً بفارق كبير على الرئيس محمود عباس وعلى زعيم حماس إسماعيل هنية”. وفي الأوساط الدبلوماسية، يُنظر إليه أيضاً “على أنه الأمل الوحيد للمصالحة بين الفلسطينيين وتنشيط السلطة الفلسطينية.

الوحدة الوطنية مدخل إحباط أهداف الحرب الإسرائيلية

لا يمكن الحديث عن عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة قبل إحباط أهداف حرب الإبادة الجماعية التي تشنها الحكومة الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي مقدمها هدف تهجير سكانه، وهي مهمة تتطلب تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وفي المقام الأول توحيد حركتَي “فتح” و”حماس”؛ فالحرب الدائرة اليوم لا تستهدف قطاع غزة وحده، بل هي تستهدف الضفة الغربية، بما فيها القدس، كذلك، ولا تستهدف حركة “حماس” وحدها بل تستهدف كذلك حركة “فتح”، وجميع فصائل المقاومة، وهو ما صرّح به بنيامين نتنياهو الذي اتهم ، خلال اجتماع مغلق للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست عُقد في 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري، السلطة الفلسطينية “بالرغبة في تدمير إسرائيل على مراحل”، وقال: “الفرق بين حماس والسلطة الفلسطينية هو فقط أن حماس تريد تدميرنا هنا والآن، في حين أن السلطة الفلسطينية تريد أن تفعل ذلك على مراحل. وإذا كان هناك من يعتقد بأنه يمكن القضاء على حركة “حماس” فهو واهم، وهو ما أكد عليه جان بول شانيولو الذي قال: “لا أعتقد أن إسرائيل ستنجح في القضاء على حماس، بما في ذلك جناحها العسكري؛ وحتى لو نجح الإسرائيليون، فسوف ينشأ تنظيم عسكري آخر عاجلاً أم آجلاً”. كما أكد على هذه الحقيقة- خلافاً لبعض تصريحات لا تخدم الوحدة الوطنية صدرت عن بعض مسؤولي حركة “فتح”- رئيس الوزراء الفلسطيني وعضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” محمد اشتية، الذي صرّح، في منتدى الدوحة في قطر، أن حركة “حماس” هي “جزء أساسي من الخارطة السياسية الفلسطينية، وحديث إسرائيل عن القضاء على حماس لن يحدث وغير مقبول بالنسبة إلينا”. وفي الاتجاه نفسه، أشارت وكيلة وزارة الخارجية والمغتربين في السلطة الفلسطينية أمل جادو إلى أنه “يمكننا القضاء على الهياكل العسكرية، ولكن لا يمكننا القضاء على أيديولوجية؛ سيتم استبدال حركة حماس بأخرى، انظروا إلى الولايات المتحدة في أفغانستان! لقد بذلوا قصارى جهدهم للقضاء على طالبان، ولكن بعد سبعة عشر عاماً عادوا إلى السلطة، وقد أصبحوا أقوى، والحل الوحيد القابل للتطبيق هو إعطاء الفلسطينيين الحق في تقرير مستقبلهم”، وتابعت قائلة: “إن الحكومة الفلسطينية لم تغادر غزة قط، فهي التي تدير الإدارة الصحية ونظام التعليم، وهي التي تخصص دائما 40% من ميزانيتها، كل شهر، لغزة، وتوظف عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية هناك

وفي اعتقادي، فإن الأرضية باتت مهيأة، على الصعيد السياسي، لتحقيق وحدة وطنية تضم جميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركتي “حماس” والجهاد الإسلامي، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصاً في ضوء تنصل الحكومة الإسرائيلية الصريح من “اتفاقيات أوسلو”، وهو ما يفرض على قيادة منظمة التحرير أن تتحرر منها ومن التزاماتها، وكذلك في ضوء التطوّر البارز الذي طرأ على المواقف السياسية لقيادة حركة “حماس”، وهي مواقف تقترب كثيراً من برنامج الإجماع الوطني الذي أجمعت عليه فصائل منظمة التحرير. وفي هذا السياق، لا يجب أن يكون لدى أي طرف سياسي فلسطيني أوهام حول حقيقة موقف إدارة الرئيس جو بايدن، التي تستمر في تجهيز جيش الاحتلال الإسرائيلي بكل ما يحتاجه من أحدث أنواع الأسلحة، وتغطي سياسياً ودبلوماسياً استمرار حربه التدميرية، بينما ترمي في الوقت نفسه “جزرة” للسلطة الفلسطينية من خلال دعوتها إلى استلام الحكم في قطاع غزة بعد “تجديدها”، وبعد أن تكون آلة الحرب الإسرائيلية قد “قضت” على حركة “حماس”، كما تلوّح لها مجدداً بـ “حل الدولتين”، الذي اعتادت الإدارات الأميركية أن تسحبه من جعبتها كلما تأزمت الأوضاع السياسية في المنطقة واشتدت حدة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، كما فعلت إدارة الرئيس جورج بوش الابن عشية غزوها العراق وفي خضم أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية، من خلال طرحها “خارطة الطريق” التي حددت سنة 2005 موعداً لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وإذا كانت جميع القوى الفلسطينية، بما فيها حركة “فتح”، قد وافقت على “وثيقة الوفاق الوطني ” لسنة 2006، التي أكدت “حق الشعب الفلسطيني في المقاومة والتمسك بخيار المقاومة بمختلف الوسائل”، يصبح من المنطقي أن لا تشكّل قضية وسائل المقاومة عائقاً أمام تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً في هذا الوقت الذي يقف فيه الشعب الفلسطيني أمام تحديات لا سابق لها سيتوقف مستقبله ومستقبل قضيته الوطنية على النجاح في مجابهتها.