منذ انتهاء حرب 2024، دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة الخطورة، لم تقتصر تداعياتها على الدمار والاغتيالات والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، بل تجاوزتها إلى مسار واضح من التراجعات الرسمية أمام الاحتلال، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الإعلامي. فبدل أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى محطة لحماية السيادة وتثبيت معادلة الردع، بدا أن السلطة اللبنانية اختارت نهج الصمت والتنازل والاستجابة للضغوط الخارجية، حتى في أكثر اللحظات حساسية وخطورة.
وخلال هذه المرحلة، استمر الاحتلال بخرق الاتفاقات، وبتنفيذ الاغتيالات والتوغلات والتدمير الممنهج للقرى الجنوبية، فيما كانت الدولة اللبنانية تكتفي بالمراقبة أو بإطلاق مواقف خجولة لا توازي حجم العدوان. ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد تقصير سياسي أو ضعف في الأداء، بل تحول إلى سلسلة متواصلة من التنازلات التي منحت الاحتلال هامشاً أوسع لفرض شروطه ووقائعه على لبنان.
*أولاً: مرحلة ما بعد حرب 2024*
منذ إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، كان من المفترض أن تبدأ الدولة اللبنانية مرحلة تثبيت السيادة وحماية الجنوب ومنع الاحتلال من فرض وقائع جديدة على الأرض. إلا أن ما حصل كان العكس تماماً، حيث دخل لبنان في مرحلة طويلة من التراجعات السياسية والأمنية أمام العدو الإسرائيلي.
فبعد الحرب، لم يتم إرسال الجيش اللبناني بالشكل المطلوب إلى الحدود الجنوبية، ما أتاح للاحتلال استكمال عمليات التدمير الممنهج للقرى خلال الستين يوماً التي حصل عليها بغطاء أمريكي. وخلال هذه الفترة، تعرضت القرى الحدودية لعمليات نسف وتجريف وإحراق واسعة، فيما بقي الموقف الرسمي عاجزاً عن اتخاذ أي خطوة حقيقية لوقف الاعتداءات.
كما سكتت الدولة عن احتلال خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية، وعن التوغلات المتكررة لدوريات العدو داخل القرى الأمامية، حتى بات الاحتلال يتحرك بحرية في بعض المناطق وسط غياب أي رد فعلي يوازي حجم الانتهاك للسيادة اللبنانية.
وفي ظل وقف إطلاق النار، شهد لبنان مئات عمليات الاغتيال داخل مناطق مدنية، استهدفت مواطنين وكوادر وشخصيات مختلفة، بينما اكتفت السلطة بالصمت أو بالمواقف الخجولة، وكأن دماء اللبنانيين لم تعد تستحق موقفاً سيادياً واضحاً.
أما القرى المدمرة، فقد تُركت لمصيرها، فلا إعادة إعمار جدية، ولا خطة واضحة لإعادة الناس إلى بيوتهم، في وقت كان الاحتلال يراهن فيه على تحويل الجنوب إلى منطقة مدمرة وخالية من الحياة.
وفي المقابل، استمرت الدولة اللبنانية بتنفيذ التزاماتها تجاه اتفاق وقف الحرب، رغم أن الاحتلال لم يلتزم بأي بند منه. بل إن الخطاب الرسمي بدأ تدريجياً يتبنى رواية العدو، عبر تحميل المقاومة مسؤولية الاعتداءات، رغم التزامها الكامل بمقتضيات الاتفاق وتسليم منطقة جنوب الليطاني.
كما استجابت السلطة للمطالب الأمنية الإسرائيلية، من تفتيش المواقع والأماكن بناء على طلب الاحتلال، إلى تدمير الأسلحة التي سلمتها المقاومة للجيش اللبناني بحجة أنها “أسلحة شرقية”، في خطوة اعتبرها كثيرون خضوعاً مباشراً للإملاءات الإسرائيلية.
ثم جاء القبول بإرسال موفد سياسي إلى لجنة “الميكانيزم” بناء على طلب الاحتلال ومن دون أي مقابل للبنان، في خطوة عكست انتقال الدولة من موقع الدفاع عن السيادة إلى موقع الاستجابة السياسية للمطالب الإسرائيلية.
*ثانياً: مرحلة حرب 2026*
مع اندلاع حرب 2026، لم يتغير الأداء الرسمي اللبناني، بل ازداد وضوحاً في مسار التنازلات السياسية أمام الاحتلال.
فبدلاً من تحميل العدو مسؤولية الحرب والعدوان، تبنت السلطة مجدداً الخطاب الإسرائيلي الذي يحمل المقاومة مسؤولية التصعيد، رغم الإقرار الرسمي بأن أي طلقة لم تُطلق من لبنان خلال العهد، ورغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
كما سارعت الدولة إلى إعلان استعدادها للتفاوض المباشر منذ الأيام الأولى للحرب، رغم استمرار القصف ورفض الاحتلال حتى مناقشة وقف إطلاق النار، ما جعل لبنان يبدو وكأنه الطرف المستعجل لتقديم التنازلات تحت النار.
ووصل الأمر إلى حد التجاوب مع طلب وزير الخارجية الأمريكية بإجراء اتصال مباشر مع نتنياهو، قبل أن يتم التراجع عن الخطوة تحت ضغط داخلي واسع.
ومن أخطر المحطات، رفض وقف إطلاق النار الذي تم التفاهم عليه في إسلام آباد، ما منح الاحتلال فرصة استكمال عدوانه وارتكاب مجزرة الثامن من نيسان، قبل أن تستمر الحرب لأيام إضافية من الدم والتدمير.
ورغم إعلان الاحتلال مسبقاً أن جلسة التفاوض في 14 نيسان لن تتناول وقف إطلاق النار، وافقت السلطة اللبنانية على المشاركة فيها، أي القبول بالتفاوض السياسي فيما القصف مستمر والقرى الجنوبية تُدمر بشكل يومي.
وبعد الجلسات التفاوضية، التزمت الدولة الصمت، فيما كان الاحتلال يصدر روايته الخاصة ويواصل فرض شروطه السياسية والإعلامية، وصولاً إلى الصمت تجاه الوثيقة التي نشرتها الخارجية الأمريكية والتي منحت الاحتلال حصراً “حق الدفاع عن النفس”، من دون أي توضيح أو رفض رسمي لبناني.
أما الحادثة الأكثر قسوة، فكانت في استهداف الصحافية آمال خليل في بلدة الطيري، حيث مُنع الاقتراب من مكان إصابتها نتيجة تهديدات الاحتلال، فبقيت تنزف لساعات حتى استشهدت، في مشهد اختصر حجم العجز الرسمي أمام تهديدات العدو.
إن ما جرى منذ أواخر عام 2024 وحتى اليوم لم يكن مجرد أخطاء سياسية عابرة، بل مساراً كاملاً من التراجع أمام الاحتلال الإسرائيلي، بدأ بالصمت عن العدوان، ثم بالتجاوب مع المطالب الأمنية والسياسية، وصولاً إلى تبني خطاب العدو نفسه والتفاوض تحت النار.
فالاحتلال لم يوقف اغتيالاته، ولم ينسحب من الأراضي المحتلة، ولم يلتزم بأي تعهد تجاه لبنان، ومع ذلك استمرت التنازلات الرسمية من دون أي مقابل، فيما كان الجنوب يُدمر واللبنانيون يُقتلون والدولة تكتفي بالمراقبة وإدارة البيانات.
وفي الوقت الذي قدّم فيه أهل الجنوب الدماء والصمود والثبات، بدا أن السلطة اختارت طريقاً مختلفاً، طريق التراجع والتنازل وانتظار رضا الخارج، حتى بات السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين اليوم: إذا كان كل هذا قد حدث حتى الآن، فما الذي بقي من السيادة؟ ومن سيمنع أن تتحول التنازلات المؤقتة إلى واقع دائم يُفرض على لبنان بالقوة والسياسة معاً؟

الواقع برس اخبار محلية وعالمية