في خضم الحرب المفتوحة التي تعيشها المنطقة، يحاول الإعلام الإسرائيلي والغربي رسم صورة مغايرة للواقع، قائمة على إظهار الاحتلال بموقع القوة والسيطرة، مقابل تصوير قوى المقاومة وكأنها تعيش حالة إنهاك أو تراجع. إلا أن الوقائع الميدانية، وما يصدر عن الإعلام العبري نفسه، يكشف صورة مختلفة تمامًا، صورة تتحدث عن استنزاف متواصل يضرب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأزمة ثقة داخل الكيان، مقابل تصاعد واضح في فعالية المقاومة وقدرتها على فرض معادلات جديدة غيّرت شكل المواجهة بالكامل.
الحرب اليوم لم تعد مجرد تبادل ضربات عسكرية، بل تحولت إلى معركة وجود وإرادات طويلة النفس. الاحتلال الذي دخل المواجهة معتقدًا أنه قادر على الحسم السريع، وجد نفسه أمام واقع مختلف تمامًا، واقع تُفرض فيه عليه حرب استنزاف يومية تستنزف جيشه واقتصاده ومعنوياته وصورته التي حاول لعقود تسويقها كقوة لا تُهزم.
*المحور الأول: الجبهة اللبنانية*
*١. المقاومة تنقل المعركة إلى مرحلة الاستنزاف*
تشهد الجبهة اللبنانية تصاعدًا متواصلًا في العمليات العسكرية التي تنفذها المقاومة ضد مواقع الاحتلال في شمال فلسطين المحتلة. هذه العمليات لم تعد تقتصر على استهداف نقاط حدودية أو مواقع عسكرية تقليدية، بل توسعت لتشمل مراكز قيادة وتحكم ورصد وتجسس وتجمعات للجنود والآليات، إضافة إلى استهداف مواقع حساسة داخل العمق الشمالي.
المقاومة نجحت في فرض معادلة جديدة تقوم على الضغط اليومي والاستنزاف المتواصل، حيث بات جيش الاحتلال يعيش حالة استنفار دائم، غير قادر على تأمين مواقعه أو إعادة الشعور بالأمان إلى المستوطنات الشمالية. الإعلام الإسرائيلي نفسه بات يعترف بشكل شبه يومي بسقوط قتلى وجرحى وبالأضرار التي تتعرض لها المواقع العسكرية، وهو ما يعكس حجم الإرباك الذي تعيشه المؤسسة العسكرية.
ومن أبرز الإنجازات التي حققتها المقاومة خلال هذه المرحلة أنها نجحت في نقل الاحتلال من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع. فبدل أن يكون الجيش الإسرائيلي قادرًا على فرض قواعد الاشتباك كما كان يفعل سابقًا، أصبح اليوم يعيش تحت ضغط العمليات المتواصلة والخوف من الضربات المفاجئة والطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة.
*٢. المسيّرات تكشف هشاشة المنظومة الإسرائيلية*
واحدة من أبرز نقاط التحول في هذه الحرب كانت الاستخدام المكثف والفعال للطائرات المسيّرة. المقاومة استطاعت تحويل المسيّرات إلى سلاح استنزاف نفسي وعسكري، بعدما نجحت في الوصول إلى أهداف حساسة وإرباك منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.
التقارير العبرية تحدثت بشكل واضح عن فشل متكرر في اعتراض بعض المسيّرات، وعن عجز منظومات الإنذار المبكر عن اكتشافها في الوقت المناسب. هذا الأمر لم يشكل فقط ضربة عسكرية، بل أصاب صورة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي بشكل مباشر، وأثبت أن الاحتلال لم يعد قادرًا على توفير الحماية الكاملة لجبهته الداخلية.
كما فرضت المسيّرات حالة خوف متواصلة داخل المستوطنات الشمالية، حيث بات المستوطنون يعيشون تحت هاجس الضربات المفاجئة، الأمر الذي أدى إلى استمرار النزوح وتعميق الأزمة الداخلية داخل الكيان.
*٣. انهيار المعنويات داخل جيش الاحتلال*
بالتوازي مع التصعيد الميداني، تتزايد المؤشرات على وجود أزمة نفسية ومعنوية داخل جيش الاحتلال. التقارير الإسرائيلية والغربية تتحدث عن حالة خوف وإرهاق غير مسبوقة يعيشها الجنود نتيجة العمليات اليومية وعدم القدرة على التنبؤ بمكان الضربة المقبلة.
الجنود الإسرائيليون يعيشون تحت ضغط دائم، فيما تتراجع الثقة بالقيادة العسكرية والسياسية مع استمرار الحرب من دون تحقيق أي إنجاز حقيقي يمكن تسويقه للرأي العام الإسرائيلي. هذا الواقع انعكس أيضًا على المستوطنين الذين باتوا يشعرون أن حكومتهم عاجزة عن حمايتهم أو إعادة الاستقرار إلى المناطق الشمالية.
المقاومة نجحت بذلك في ضرب واحدة من أهم ركائز القوة الإسرائيلية، وهي صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، حيث تحولت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من صورة القوة المطلقة إلى صورة الجيش المستنزف والمرتبك.
*المحور الثاني: الجبهة الإقليمية*
*محور المقاومة يوسّع دائرة الضغط*
التطورات الأخيرة أثبتت أن الحرب لم تعد محصورة بجبهة واحدة، بل تحولت إلى مواجهة إقليمية مترابطة. العراق وسوريا والبحر الأحمر باتت جميعها ساحات ضغط على الاحتلال والولايات المتحدة، ما يعكس حجم التنسيق داخل محور المقاومة.
الوجود الأميركي في المنطقة يعيش حالة استنفار واضحة نتيجة تصاعد العمليات والتهديدات، فيما تدرك واشنطن أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه.
وفي البحر الأحمر، تحولت العمليات البحرية إلى عامل ضغط اقتصادي واستراتيجي مباشر على الغرب، بعدما تسببت بارتفاع كلفة الشحن واضطراب حركة التجارة الدولية. هذه العمليات أثبتت أن الحرب على غزة ولبنان لن تبقى محصورة جغرافيًا، وأن أي مواجهة ستنعكس على المصالح الغربية في المنطقة بأكملها.
*المحور الثالث: الأزمة السياسية والإعلامية داخل الكيان*
*الاحتلال يفقد السيطرة على الداخل*
مع استمرار الحرب، تتفاقم الأزمة السياسية داخل الكيان الإسرائيلي بشكل غير مسبوق. الخلافات بين القيادات السياسية والعسكرية تتصاعد يوميًا، والشارع الإسرائيلي بدأ يفقد ثقته بالحكومة والجيش معًا.
الإعلام العبري لم يعد قادرًا على إخفاء حجم الخسائر أو حالة الإرباك، خصوصًا مع تكرار مشاهد الحرائق والانفجارات في الشمال، وازدياد اعترافات الجنود والمسؤولين بالفشل في تحقيق أهداف الحرب.
هذا الانكشاف الإعلامي والسياسي شكّل إنجازًا إضافيًا للمقاومة، لأنها نجحت في كسر الرواية الإسرائيلية وفرض واقع ميداني لا يمكن للإعلام المعادي تجاهله أو إخفاؤه.
*المحور الرابع: الجبهة الاقتصادية*
*حرب تستنزف الاقتصاد الإسرائيلي*
الحرب المستمرة تحولت إلى عبء اقتصادي ضخم على الاحتلال. مليارات الدولارات تُصرف على العمليات العسكرية ومنظومات الدفاع وتعويض المستوطنين، فيما تتراجع الاستثمارات والسياحة والتجارة بشكل واضح.
استمرار النزوح من الشمال وتعطل قطاعات حيوية زاد من حجم الأزمة الاقتصادية، وسط تحذيرات إسرائيلية وغربية من أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد الإسرائيلي.
وهنا أيضًا نجحت المقاومة في فرض معادلة جديدة، حيث لم تعد المعركة مقتصرة على الميدان العسكري، بل امتدت لتضرب العمق الاقتصادي والنفسي والاجتماعي داخل الكيان.
*المحور الخامس: الحرب النفسية ومعركة الوعي*
*المقاومة تثبت حضورها رغم كل الضغوط*
بالتوازي مع المعركة العسكرية، تُشن حملات إعلامية ونفسية ضخمة تستهدف بيئة المقاومة بهدف نشر الإحباط والخوف والتشكيك بقدرة المقاومة على الاستمرار. إلا أن هذه الحملات تصطدم يوميًا بالواقع الميداني، حيث ما زالت المقاومة تنفذ العمليات وتفرض حضورها العسكري والسياسي بثبات واضح.
ورغم حجم الدمار والضغوط والتهديدات، ما زالت بيئة المقاومة تظهر تماسكًا كبيرًا، انطلاقًا من قناعة بأن هذه المعركة تتعلق بالسيادة والكرامة ومستقبل المنطقة، لا بمجرد مواجهة عسكرية عابرة.
هذا التماسك الشعبي، إلى جانب الأداء العسكري المتصاعد، يؤكد أن المقاومة نجحت في الحفاظ على قوتها وحضورها، وفشلت كل محاولات كسر إرادتها أو إنهاء دورها.
كل ما يجري اليوم يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف بالكامل عن الحروب السابقة. الاحتلال الذي حاول فرض صورة القوة المطلقة، يعيش اليوم واحدة من أعقد أزماته العسكرية والسياسية والنفسية والاقتصادية، فيما تواصل المقاومة فرض معادلات استنزاف طويلة الأمد تضرب صورة الردع الإسرائيلي بشكل متواصل.
المشهد الحالي يثبت أن المقاومة لم تعد مجرد قوة رد فعل، بل تحولت إلى عنصر أساسي في رسم توازنات المنطقة وفرض قواعد اشتباك جديدة، عنوانها أن زمن الحسم الإسرائيلي السريع قد انتهى، وأن أي حرب مقبلة ستكون مكلفة وطويلة ومفتوحة على استنزاف لا يستطيع الاحتلال تحمّل نتائجه بسهولة.
*إعداد: هبة مطر – الواقع برس*

الواقع برس اخبار محلية وعالمية