القسم الوجداني: إعادة بناء روح المقاومة
افتتح الشيخ نعيم قاسم رسالته بخطاب تعبوي يهدف إلى إعادة ترميم المعنويات بعد مرحلة صعبة من الاغتيالات والضغوط العسكرية. لم يركز فقط على السلاح والقدرات التقنية، بل على “الإرادة” باعتبارها العنصر الحاسم في المواجهة. لذلك ظهر المقاتل في الرسالة كصاحب قضية وعقيدة، لا مجرد عنصر عسكري.
كما ربط الشيخ بين الجيل الحالي من المقاتلين وبين إرث القادة الشهداء، وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، ليؤكد أن المقاومة مستمرة رغم الخسائر. وفي الوقت نفسه، منح الحاضنة الشعبية مساحة كبيرة من التقدير، معتبراً أن النزوح والتضحيات جزء أساسي من معركة الصمود.
القسم العسكري: تثبيت معادلات جديدة
في البعد الميداني، حملت الرسالة محاولة واضحة لإظهار أن حزب الله ما زال يمتلك القدرة على المبادرة والتأثير. الإشارة إلى المسيّرات والصواريخ والمحلقات هدفت إلى توجيه رسالة ردع للداخل الإسرائيلي بأن القوة العسكرية لم تُكسر.
الأهم كان التأكيد على معادلة “لن نعود إلى ما قبل 2 آذار”، وهي إشارة إلى أن الحزب يعتبر أن قواعد الاشتباك تغيّرت، وأن أي مرحلة مقبلة يجب أن تقوم على توازن جديد يمنع إسرائيل من فرض حرية حركة كاملة في لبنان.
كذلك، ركز الخطاب على “الاستنزاف النفسي”، عبر الحديث عن القلق والخوف داخل المجتمع الإسرائيلي، ما يعكس استراتيجية تقوم على إنهاك الخصم معنوياً إلى جانب الضغط العسكري.
القسم السياسي: سقف التفاوض والسيادة
وضعت الرسالة خطوطاً واضحة لأي تسوية سياسية مقبلة. شدد الشيخ قاسم على أن السيادة اللبنانية تشمل البر والبحر والجو، وأن أي اتفاق يجب أن يقوم على وقف العدوان، انسحاب الاحتلال، انتشار الجيش اللبناني، إعادة الإعمار، وتحرير الأسرى.
وفي المقابل، حرص على الفصل بين الحرب وملف سلاح المقاومة، مؤكداً أن السلاح شأن داخلي لبناني يُناقش ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، وليس جزءاً من التفاوض مع الخارج أو مع إسرائيل.
هذا الطرح يعكس محاولة لمنع تحويل الضغوط العسكرية إلى تنازلات سياسية تمس موقع المقاومة داخل لبنان.
القسم الداخلي: العلاقة مع الدولة
اللافت في الرسالة كان الاستناد إلى خطاب القسم للرئيس جوزيف عون، في إشارة إلى رغبة الحزب بإظهار نفسه كجزء من منظومة حماية الدولة لا كقوة منفصلة عنها.
فالرسالة حاولت الانتقال من فكرة “التصادم مع الدولة” إلى فكرة “التكامل مع الدولة”، عبر التأكيد على دور الجيش اللبناني والاستراتيجية الدفاعية المشتركة في حماية السيادة.
لكن في الوقت نفسه، شددت على أن قرار المقاومة وسلاحها يبقيان ضمن الإطار اللبناني الداخلي، بعيداً عن أي ضغوط أو شروط خارجية.
القسم الإقليمي والنفسي: منع صورة الانكسار
أظهرت الرسالة أن الحزب ينظر إلى التطورات الإقليمية، وخصوصاً التفاهمات الإيرانية الأميركية، كعامل مؤثر في مستقبل المواجهة. لذلك جرى تقديم إيران كحليف داعم يشكل عنصر قوة في التوازنات السياسية والعسكرية.
أما نفسياً، فكان واضحاً أن الخطاب يهدف إلى منع ظهور الحزب بمظهر المنكسر بعد الضربات الكبيرة التي تعرض لها. لذلك اعتمد الشيخ لغة عاطفية قوية تجاه المقاتلين والبيئة الحاضنة، ليؤكد أن المقاومة ما زالت متماسكة وقادرة على الاستمرار.
رسالة الشيخ نعيم قاسم ليست مجرد خطاب تعبوي، بل محاولة لرسم ملامح المرحلة المقبلة. فهي تجمع بين التمسك بخيار المقاومة عسكرياً، وفتح الباب أمام الدولة اللبنانية لتأخذ دوراً أكبر في إدارة المرحلة سياسياً وأمنياً.
كما تؤكد الرسالة أن الحزب يريد الظهور كشريك قوي في رسم مستقبل لبنان، لا كطرف مهزوم أو معزول، مع الحفاظ على معادلة أساسية: لا تنازل عن السيادة، ولا تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية للخصوم.

الواقع برس اخبار محلية وعالمية