ميثاق الصائمين
ليالي شهر رمضان تمضي سريعاً، اسرع مما نتصور، كأنها تذكرنا عملياً بقصر العمر وبان الانسان ينتقل من حال الى حال دون ان يشعر، فما ان نلتفت حتى تكون ايام قد انقضت، فنقف مع انفسنا متسائلين ماذا صنعنا بهذه الساعات المباركة، واي اثر تركته في ارواحنا.
فشهر رمضان ليس مجرد موسم للعبادة، بل فرصة لاعادة بناء الداخل، هو مدرسة تربية قبل ان يكون برنامج طقوس، وميدان مجاهدة للنفس قبل ان يكون شهراً للامتناع عن الطعام والشراب، ولذلك حين يقول تعالى ﴿يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم﴾ نفهم ان الحياة التي يدعونا اليها القرآن ليست حياة الجسد وحده، بل حياة القلب والعقل والضمير، هي تلك اللحظة التي يعود فيها الانسان الى فطرته بعد طول غفلة.
وفي ليالي شهر رمضان تفتح ابواب السماء، لكن الاهم ان تفتح ابواب القلوب، فهنا يصبح السجود مراجعة صادقة، ويصير الدعاء اعترافاً بالعجز، وتتحول الدموع الى لغة صامتة بين العبد وربه، فالعبادة في منطق اهل المعرفة ليست حركة ظاهرية، بل سير وجودي نحو الله تعالى، والصلاة والصوم تهذيب للارادة، والدعاء تربية على الانكسار الجميل.
ومن هذا المسار يدخل الانسان شيئاً فشيئاً الى مقام العشق الالهي، لا العشق القائم على العاطفة المجردة، بل العشق القائم على المعرفة، ان تعرف ربك فتحبه، وان تحبه فتطيعه، وان تطيعه فتطمئن، ﴿يحبهم ويحبونه﴾، ولذلك يكون حب رسول الله وآل البيت عليهم السلام امتداداً طبيعياً لحب الله تعالى، لان السير الى الله تعالى لا يكون الا من بوابة الاقتداء بهديهم واخلاقهم.
فالايمان ليس فكرة نظرية، بل ممارسة يومية تظهر في التعامل،والصدق،والرحمة، وفي تحمل المسؤولية، والشريعة لا تريد منا كثرة الاعمال بقدر ما تريد صدقها، تريد صلة رحم حقيقية، وتوبة صادقة، وورعاً عن الحرام في الخلوة، لان الامتحان الاكبر ليس في المسجد، بل حين يكون الانسان وحده مع نفسه.
واذا كان الايمان ممارسة لا شعاراً، واذا كانت العبادة موقفاً لا انعزالاً، فمن الطبيعي ان تمتد هذه الروح الى ساحة التضحية، الى الذين لم يكتفوا بالكلمات بل ترجموا ايمانهم فعلاً، ففي هذه الليالي لا يجوز ان يغيب ذكر المجاهدين وعوائلهم الصابرة، اولئك الذين قدموا ابناءهم واعمارهم قرباناً للحق، والذين يعيش اهلهم على الدعاء ويقتاتون من الصبر، فهؤلاء ليسوا هامشاً في الايمان، بل دليله الحي، والبرهان على ان القرب من الله تعالى لا ينفصل عن الدفاع عن الكرامة.
كما ان الالتزام بخط الولاية ليس شعاراً يرفع، بل موقف وجودي حيث يكون الله تعالى هو المرجع، والحق هو المعيار، والتضحية هي الطريق، هو عهد بالثبات مهما تغيرت الظروف، حتى ظهور صاحب العصر والزمان عليه السلام حيث تستعيد العدالة معناها الكامل.
ولا تمر ليالي شهر رمضان دون ان نستحضر من كان يؤنس هذه الامسيات بكلمته الصادقة وحضوره الهادئ، سماحة الشهيد السيد حسن رضوان الله تعالى عليه، الذي كان حديثه اقرب الى التربية منه الى الخطاب، وكان يذكرنا دائماً ان العبادة موقف، وان الايمان مسؤولية، وان السير الى الله تعالى لا ينفصل عن نصرة المظلوم والثبات على الحق، فغيابه اليوم يزيد هذه الليالي وجعاً، لكن اثره باق في الوعي وفي النفوس التي تعلمت منه معنى الصدق والثبات.
ففي النهاية شهر رمضان ليس محطة عابرة بل منعطفاً مصيرياً، ومن الخسارة ان تنتهي ايامه ويبقى الانسان كما كان، وطوبى لمن خرج منه بقلب انقى، وبعلاقة اصدق مع الله تعالى، وبولاء اوعى لخط النبيين والصالحين وخط اهل بيت محمد صلى الله عليهم اجمعين، وبعهد متجدد مع الولي الفقيه حتى ظهور القائم عليه السلام.
احمد حج يوسف
الواقع برس اخبار محلية وعالمية